وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

"روائيــــون أميركيــــــون" وجدلية الداخل والخارج

سمعنا أن الإمبرياليين الأمريكيين قد وعدونا ولكنهم لم يقدموا ضمانات..‏

ولو أتت الوعود من غير الإدارة الأمريكية لقلنا: عل، وعسى..‏

فلقد أحسنا النية مراراً ولدغنا..‏

والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.‏

إن الصداقة تقتضي التصديق.. فمن يستطيع إقناعنا بأنهم يصدقون إلاّ حين يهددون العرب ويتوعدونهم أو حين يعدون الصهاينة ويؤملونهم؟‏

نحن نريد أن نصدقهم كي ندعو إلى مصادقتهم.. ولكن كيف؟ يزعمون أنهم يريدون تحرير الشعوب والسير بها على دروب الرقي والحضارة.. ولقد عانت شعوب العالم الكثير من تدميرهم ولم تر أثراً من آثار تحريرهم..‏

فليتهم يصدقون كي نصدّقهم.‏

أما منظرو البرجوازية العالمية والدعاة إلى النظام الرأسمالي العالمي فيحاولون الفصل بين"ديمقراطية الرأسمالية في الداخل وعدوانيتها في الخارج وذلك حين يصبح الدفاع جهاراً عن عدوانية الرأسمالية الإمبريالية وجرائمها مسألة خاسرة ومفضوحة حكماً.‏

وإذا قال لهم قائل: اقرأوا تاريخ نشوء الرأسمالية وتطورها تروا كم مخيفة الجرائم التي ارتكبها الرأسماليون في بلدانهم ذاتها ردوا قائلين: كان ذلك في الزمان القديم، زمن البدايات، وعفا الله عما مضى.. وها هي الرأسمالية قد تطورت وطورت وتحضرت وحضرت.. والخ..‏

ونحاول أن نصدقهم.. ونقول: عل وعسى!‏

ولكن الوقائع تبقى الأقوى.. وتبقى مقولات"مزيني" سمعة الإمبريالية ووجهها على الطرف النقيض لمقولات المنطق السليم.‏

فوحدة الداخل والخارج وحدة جدلية، وليس في مستطاع المنطق السليم أن يقبل إمكانية أن يكون الداخل نظيفاً ثم يكون الخارج على مثل هذا القدر من القذارة، أو أن يكون الداخل إنسانياً والخارج على مثل هذا القدر من الوحشية، أو أن يكون الداخل ديمقراطياً، وأن يكون الخارج على مثل هذا القدر من العسف والعدوانية والاستبداد.‏

لا.. إن ذلك مستحيل..‏

والرأسماليون في سعيهم إلى الحصول على الربح الأقصى مستعدون لارتكاب كل الموبقات.‏

وها هم يهددون مصير الحياة على الأرض في ركضهم الجنوني وتزاحمهم الطائش على الربح.‏

أجل.. إن أصابعهم الملوثة تحمل القذارة والتلوث إلى كل شيء: الماء، والهواء، والتراب، والضمائر.‏

إن كلمات الحضارة، والرقي، والعدالة، والحرية هي على ألسنتهم تجديف على كل القيم السامية التي ترمز إليها هذه الكلمات.‏

لن أورد الأمثلة والشواهد على كذب ما يزعمه المدافعون عن"حضارتهم وإنسانيتهم" فالأرض بأسرها تئن تحت وطأة جرائمهم، ولكنني سأقدم لكم نتفاً من آراء نفر من الكتاب الأمريكيين وردت في كتاب موريس مندلسون"روائيون أميركيون".‏

الكتاب صادر عن دار"الحصاد" وقد ترجمه الأستاذ زياد الملا.‏

يقع الكتاب في 157 صفحة.. وقد كتب له مؤلفه مقدمة مكثفة وغنية.. وقد حفزني على ذلك اقتناعي بأن على من يريد معرفة الحقيقة عن مجتمع ما أن يقرأ ما يكتبه كتّاب ذلك المجتمع وشعراؤه وأن يطلع على ما يبدعه مبدعوه.أما الاكتفاء بما يقوله الساسة والمنظرون السائرون في ركابهم فكثيراً ما يكون أقنعه بديله للحقيقة وليس الحقيقة.. أما في الإبداع الحقيقي فليس ثمة أقنعة.. فحيث يكون الإبداع لا يكون القناع.. إن نار الإبداع تحرق الأقنعة وتذيب كل ما هو مزيف وسخيف.‏

يقول المؤلف في المقدمة: "ركز هنري جيمس على النزاع التناحري بين صورة أفكار القادة المتنفذين في البلاد ومطالب الفن الحقيقي" ثم يشير إلى أن الولايات المتحدة التي تصدر الكتب الرخيصة والمخدرات إلى العالم لم يصبح فيها تراث الكاتب المبدع مارك توين"في متناول القراء على نطاق واسع"! (ص5)‏

ثم ينقل لنا الكاتب صرخة أرنست همنغواي: "إنهم يهلكون الكتاب في الولايات المتحدة بكل الوسائل"(ص6)‏

وعلى الصفحة السابعة ينقل لنا الكاتب رأي الناقد الأمريكي المحافظ فيليب راف: "إن الأدب الأمريكي في الأربعينات والخمسينات هو أدب محافظ في أساسه"‏

وكيف لا يكون الأدب الرسمي محافظاً في بلاد تعمل قيادتها الاقتصادية والسياسية جاهدة على نشر"الفلسفة الاستهلاكية" في كل مناحي الحياة الاجتماعية داخل البلاد وعلى الصعيد العالمي!‏

يرى العالم أوبنهايمر: "إن العزلة التي يعاني منها رجال الفن تتوافق مع الخواء المرعب في الحياة البشرية بشكل عام" (ص12).‏

وحيث تسود"فلسفة الاستهلاك" ويسيطر الخواء الروحي يولد العبثْ وما ينجم عن العبث من قرف ولا جدوى وتتبلد المشاعر المرهفة لتبرز مكانها إفرازات الغرائز غير المهذبة وتتوالى تيارات العنف، ويصير الحب الإنساني ممارسة حيوانية للجنس لا أكثر ويصير الجسد سلعة تباع في السوق ويكثر الاغتصاب.‏

وتصير القسوة ممارسة يومية حيث يسود التصحر الاجتماعي.‏

ومن هنا نرى أن أفضل كتّاب الولايات المتحدة الأمريكية هم هؤلاء الذين يستقبلون بالشك جوهر ما يسمى"بالحلم الأمريكي" ومدى تحقيقه. إنهم يرسمون الواقع بشعور من الألم والكآبة. ويقومون تقويماً انتقادياً حاداً ما يجري حولهم" (ص17).‏

نصل بعد المقدمة إلى"أرنست همنغواي".. ويبدو أن الكلام على هذا الكاتب الإنساني الكبير سيبقى ممتعاً وسيظل النقاد يكشفون عن جوانب غنية لم توف حقها من البحث والتمحيص في إبداعه.. وكاتب الكتاب لا يزعم أنه قد وفاه حقه.‏

وفي الكلام على"وليم فوكنر" لا نجد دراسة وافية وشاملة لأدب هذا الكاتب.. إنها ومضات تلقي الضوء وتثير مسائل أو تشير إلى مسائل.. ثم يبقى القارئ متعطشاً إلى المزيد.‏

ومما يسلط عليه الضوء أن فوكنر قد أدرك جوهر المكارثية وفضح هذا الجوهر، وأنه أعلن احتجاجه على الحرب وجعلنا نلمس بشاعتها وفظاعتها.‏

ولقد صوّر فوكنر كيف تسحق الاحتكارات الفرد بامتلاكها وسائل الإعلام وهيمنتها على الهيئات السياسية والدينية.‏

وحين عيروه بأنه"هاوي الزنوج" كان جوابه: "هذا أفضل من أن أكون فاشياً"(ص41)‏

ويرد ذكر الفاشية في الكلام على"جون شتاينبيك" أيضاً. وها نحن نقرأ على"الصفحة 50" ما يلي: ("فهم يعاملون العمال الأجراء أسوأ من القطيع. وما كان لنظام الأشياء هذا أن يسود لو لم يهيمن في كاليفورنيا"نظام الإرهاب الذي تلجأ إليه البلدان الفاشية أيضاً في بعض الأحيان").‏

الأمر واضح.. فحتى الفاشية لا تلجأ إلا في"بعض الأحيان" إلى مثل نظام الأمور السائد في كاليفورنيا.‏

ثم يحدثنا المؤلف عن أحد أبطال شتاينبيك ويذكر أنه كان شريفاً ومستقيماً فظل فقيراً ولم تفده"استهلاكياً" كل القيم الأخلاقية السامية فقرر الإثراء ممارساً سلسلة طويلة من الأعمال غير الشريفة وإنها"لقوية للغاية روح الفساد في المجتمع البرجوازي" (ص62)‏

ونذكر هنا أن شتاينبيك قد انحدر مرغماً وتخلى عن القيم السامية.‏

ونشعر بالأسى.‏

ثم نتذكر: إنها الديمقراطية الأمريكية التي تعمل بالحديد والنار والأشياء الأخرى على فرض"نظامها العالمي الجديد".‏

ونصل مع جويس أوتس إلى الاستنتاج التالي: "فعندما تتحطم التصورات يبقى الفراغ" (ص64) ثم نسمعها تعلن محذرة الشعب الأمريكي: "إنهم يريدون قتل روحه وحرمانه من المستقبل."‏

وعلى الرغم من تعرج طريق"جون ابدايك" الإبداعي وتناقض مواقفه فإن كلامه على كولدويل المتحرر من نزعة التوفير والجشع هو: "نشيد يمجد الجماهير الديمقراطية المسحوقة في أمريكا" (ص81) ونلمس في إبداعه أنه يقر التشابه أخلاقياً" بين الأمريكيين المعاصرين ورومان عصر انحطاط الإمبراطورية الرومانية" (ص88).ومن ثم نسمعه يعلن أن أمريكا: "تجعل كتابها مخادعين" (ص88) وأن"القوانين الأمريكية تدافع بالدرجة الأولى عن المالكين" (ص90).‏

وبعد أن نتجاوز ما جاء في الكتاب عن"هيرمان ووك" و"لارس لورانس" نصل إلى جوزيف هيلر حيث تبرز ملامح أساسية من الصورة"الأخلاقية" لنمط الحياة الأمريكي..إذ أن"الحرية والعدالة" في متناول من يتصرفون بسرعة للحصول عليهما ثم"حجبهما عن الآخرين" وحيث: "الديمقراطية الأمريكية هي الأرستقراطية الأكثر ثباتاً على الأرض" إلى أن نصل معه إلى الاستنتاج الأخير: "إن المجتمع الذي مجّد المنافق كيسينجر لا يمكنه أن يكون جيداً" والكاتب لا يتحدث هنا عن نفاق كيسينجر خارجياً وحسب بل يحدثنا أيضاً عن"علاقاته المصرفية" وعن المجتمع الذي أنتجه (ص133).‏

أما"كورث فو ينهوث" فلا يستطيع أن يخفي وراء سخريته خوفه من خطر الحرب العالمية المدمرة ولا عدم ثقته بالإدارة الأمريكية، ولا كرهه للعسكريين"الذين ينشرون الفوضى والخراب في وطنه وخارج وطنه.. وهو يكره أولئك الذين في سعيهم لإخضاع العالم بأسره مستعدون لإيصال البشرية إلى الهلاك"(ص138).‏

ونحس في سخرية"جون تشيفر" المرة طعم الخوف من هلاك القيم الإنسانية.. فتعاطي المخدرات والقمع والقسوة والتصحر الاجتماعي وغيرها من الإفرازات"الحضارية" لنمط المعيشة الأمريكي ستؤدي حتماً إلى هلاك القيم.‏

والحرب على القيم ليست إفرازات عضوية وعفوية للنمط الأمريكي وحسب بل يجري التخطيط لها وتستخدم فيها أحدث مبتكرات العلوم الإنسانية كما يجري التخطيط للحرب العسكرية وتستخدم فيها أحدث وسائل التدمير المادية. وتبقى وسائل الإعلام ودور نشر"الثقافة الجماهيرية" وسائل مشتركة في التحضير لكلا الحربين وشنهما.‏

هل نسيت أن أحدثكم عن قيمة الكتاب الثقافية؟‏

لا بأس..‏

فمسألة القيم الأخلاقية ستبقى في أساس كل الإبداعات الفنية.. والكتاب يدافع عن هذه القيم وتلك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244