|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:51 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الولــــــد اللاهـــــي قد يكون القانون نفسه هو الذي يحكم العلوم والفنون جميعاً ثم تختلف المظاهر التي يتجلى بها كل علم أو فن بوضع صيغة موضع أخرى، أمّا الجوهر فيبقى واحداً.. وقد يعود ذلك إلى كون الغاية واحدة، وهي الوصول إلى الحقيقة.. وطبيعي أن يتشابه ما ينطلق من نقطة واحدة ثم يكون هدفه الوصول إلى غاية واحدة. ليست هذه المرة هي المرة الأولى التي تراودني فيها هذه الفكرة، ولكنها ألحت عليَّ اليوم إلحاحاً غريباً، وخيل لي أنها تضرب خلايا دماغي وهي تصيح غضبي: أتظن أنني شوهاء كي تخجل من إظهاري للناس؟ لا يا صاحبي، ما أنا بالشوهاء، قد لا أكون جميلة جمال الشعر، ولا دقيقة دقة الصيغة العلمية، لكنني ابنة شرعية للعلم والفن، لأنني مثلهما ابنة الفكر.. وقد يتزاوج أمران يخيل لنا، أحياناً، أنهما متنافران. وفكرتي التي شاءت الإفلات من حبس الدماغ تتعلق بكثافة الشحنة التي نودعها في أمر، أو كمية الطاقة التي نحررها، أو كمية الوقود المعياري التي تحرق دفعة واحدة وفي مكان محصور. يضربون المثل"بوثبة الأسد" ويتكلمون على اندفاع عدّائي المسافات القصيرة، ويتكلمون على"معزّة الروح" في لحظات الحسم، وكلها تشير إلى أو تعبّر عن تكثيف شديد لطاقة ما ثم إطلاقها في عمل خاطف يوضع فيه الجهد كله، وتوظف له القدرات كلها.. ويكون الحاصل معادلاً للجهد. لقد عرف العلماء مثل هذه الظاهرة في الطبيعة وحيّرتهم طويلاً" تصرفات" بعض النجوم الصغيرة التي ترسل إشعاعات أقوى من إشعاعات تلك التي تفوقها حجماً، وعرف عامة الناس ما يماثلها في الحياة البسيطة كما عرفها الفلاسفة أيضاً. ولقد وظفها المبدعون، من أدباء وشعراء وفنانين في إبداعهم. لكن الذين استفادوا منها إلى حد بعيد كانوا قلة في ميدان الأدب. وقد يكون من أبرزهم لوقيانوس السميساطي في مسامراته أو محاوراته القصيرة ثم أفاد منها إفادة أكمل وأشمل الكاتب الروسي أنطون تشيخوف في أقاصيصه القصيرة المذهلة بروعتها وعمقها ورهافتها وعمق أثرها في النفس. ويبدو أن ما يتجلى في منتهى القوة يتجلى أيضاً في منتهى الهشاشة والعذوبة، ونجد الشفافية في ما هو في منتهى الصلابة، كالماس مثلاً، كما نجدها في ما هو في منتهى الرقة كورقة زهرة الياسمين، فكأنما أضخم ما في الكون مرتبط بأدق ما فيه برباط واحد لا ينقطع هو رباط الكينونة.. هل تراني ذهبت بعيداً؟ ربما... لكنني راجع من سفر مع التأملات أثقل خيالي بالتصورات.. فبعد قراءات مطولة في علم الفلك والفيزياء الحديثة، وفي فلسفات القدماء ودياناتهم وجدت بين يدي كتاباً صغير الحجم، نسبياً، وهو للصديق محمود عبد الواحد.. أما الكتاب فيحمل اسم" الولد اللاهي" وقد صدر حديثاً عن وزارة الثقافة في دمشق ويحمل الرقم(29) في سلسلة"قصص وروايات عربية" ويقع في مائة وخمس وتسعين صفحة من القطع الصغير. وقلت ألهو مع هذا"الولد اللاهي" فجسدُ الإنسان وعقلُهُ يحتاجان إلى اللهو حاجتهما إلى الجد والكد.. وفتحت الكتاب وأدركت، من النظرة الأولى أن صديقي قد خدعني، فما كتبه لم يكن لهواً، بل هو أدب جاد، ومع ذلك استمتعت وارتحت، فجد الأدب يبقى أسوغ وأظرف من جد العلوم والفلسفة. وقرأت الكتاب في يوم واحد.. وعلى الرغم من الفارق في الظرف والإساغة، لم أشعر أنني انتقلت إلى مناخ كبير البعد عن المناخ الذي كنت فيه.. فكل القضايا التي تشغل العقل الإنساني جزء من مناخ الفكر الإنساني العام الواحد. أسلوب الكاتب رشيق مميز، فهو يعتمد البساطة التي تشف عن العمق، وكثيراً ما يكتفي بالإشارة التي تشبه نافذة صغيرة ينطلق منها الخيال إلى أكثر من فضاء رحب. وتستطيع أن تقول وأنت تقرأ: هوذا غزال فتي رشيق يُتلع عنقه الجميل في بستان الأدب.. للغزال عينان واسعتان تريان جيداً، وأذناه مرهفتان تسمعان أخفت نأمة وترتعشان.. وتثب القوائم الدقيقة فيكتمل مهرجان الجمال والرشاقة. للقصص أماكنها التي تنمو فيها الأحداث، لبعضها سماتة"القومية" المحددة الخاصة والفريدة، في حين أن خصوصية بعضها تمتزج في المكان العام الذي يمكن أن يكون أي زاوية من زوايا الدنيا. فنحن، على سبيل المثال، نحس أن"الولد اللاهي" الذي هو الزمان، أو القدر و"القدر يلهو" أحياناً، قد اتخذ من مكان ما في موسكو أو أحد أحياء إحدى المدن الروسية ملعباً له هذه المرة، مع أنه كولد"شقي" أو هكذا يخيل لنا، يستطيع أن يجعل الكون ملعباً له، في حين أن قصة"أختي" الجميلة لا مكان محدد لها، فليس فيها أي سمة من سمات المكان الخاص. وتدور أحداث قصة"رائحة الطفولة" في حديقة.. ثم نطير مع بطليها إلى زمان آخر وإلى مكان آخر ولكنهما يظلان غير محددين، فالحديقة هي حديقة"عامة" بمعنى أنها تدل على جنس الحدائق بعموميته، والقرية التي نعود مع البطلين إليها على أجنحة الذكرى هي قرية ما، كانت مملوكة لإقطاعي ما، كانت له ابنة جميلة في ذلك الزمن وهي الآن بطلة القصة.. وقد يتشابه قدر هذين البطلين مع أقدار الكثيرين من الرجال والنساء.. وعلى الرغم من كل ذلك تبقى لهذه القصص نكهتها الخاصة وقد يعود ذلك إلى تمكن الكاتب من فن القص. وقصة"طفلان" تحدث في بيت ما، بيت لا سمات خاصة له، وذلك لأنها لا تقول لنا إنها حدثت فعلاً في بيت محدد.. فهي قد تحدث في كل البيوت.. ففي كل بيت قد يلتقي الشيخ والحفيد فتربط بين أحدهما والآخر صداقة من نوع خاص، قد تكون أثمن ما يمكن أن يواسي الشيخ في شيخوخته وأجمل ما يبهج حياة الإنسان ويغنيها في طفولته.. لكن"الولد اللاهي" الذي لا يرد اسمه في هذه القصة المدهشة يمد إصبعه إلى هذه اللعبة- العلاقة، ويدفع الشيخ المسكين، وهو يلهو، إلى أن يغادر البيت كي يموت ليعود، من ثم، طفلاً يلعب مع حفيده لعب الند للند.. ويأتي ذلك كله على شكل مصادفة.. فما كان الطفل حين سأل جده: إلى أين يذهب الشيوخ الذين يموتون، ما كان يريد أن يقول له إنه سمع أباه وأمه يعربان عن رغبتهما في أن يموت الشيخ ويتخلصا منه. وما كان الشيخ الذي أخبر حفيده أن الشيوخ يموتون كي يعودوا أطفالاً يذهبون إلى المدرسة ويلعبون، ما كان الشيخ يتوقع أن يسمع من حفيده البريء المحبوب ما سمع.. ثم أن يقرر الفرار من البيت كي يموت فعلاً ولا يعود. في أقصوصة"صورة" نرى صورة أدبية فائقة الجمال والعذوبة لصورة لم يصورها الجد الطيب فدفع الكثير من الندم والأسف على ذلك. فهل رأيتم أجمل من صورة لم تصوّر؟ بلى.. إن ما لم نفعله قد يكون أجمل كثيراً من الكثير مما فعلناه. وتأتي أقصوصة"احتفال" على شكل طرفة، مشكّلة الحد الفاصل بين الأقاصيص القصيرة جداً وبين القصص القصيرة.. تليها قصتان هما"ألف يوم" و"مزحة" ولا نجد فيهما سوى أسلوب الكاتب المميز دون روحه.. لكننا سرعان ما نجد الأسلوب الجميل والروح معاً في قصة"حينما يزهر الخشب". إنها قصة الجمال الذي يبعث الخضرة في كل شيء خشبي.. ثم تعشق الجميلة من ليس أهلاً للعشق فتخسر سرها السحري مع الخوارق الطبيعية ويصير شقيق الصاعقة التي تحرق بين الحين والآخر هذه الشجرة أو تلك من أشجار الغابة الخضراء. وتطول القصة التي تليها وهي"حكاية الحكايات" فتمتد على أكثر من عشرين صفحة.. ونبحث عن البروق والرعود فلا نرى بروقاً ولا نسمع رعوداً.. فالمطر هنا مطر حزين والبرق والرعد يصحبان المطر الغزير الغاضب.. وإذا كنا في الأقاصيص الأولى نقف دهشين أمام الكثافة فإننا نسير ها هنا تحت هذا المطر الناعم الحزين غير مستعجلين ولا متمهلين، فكأننا نسير ولا هدف لنا، مستمتعين بعذوبة انسياب القطرات على وجوهنا.إنها حكاية حزينة، حكاية الفقير الذي يعشق الأميرة الجميلة الغنية، حكاية الغراب الذي يعشق جميلة الجميلات بين اليمائم، التي لا يجوز لها أن تعشق غراباً، فيحترق قلب العاشق، ويذوي جمال الجميلة بين أيدي الأمراء والأغنياء الذين لا يعرفون العشق.. ثم يأتي زمان الندم الذي لا يعيد ما مضى، ولا يعيد الفرح إلى قلب حطمه القهر وأتعبته الكبرياء. "عندما يقرع الجرس" هي القصة الأخيرة والأطول.. وهي جميلة جداً وتبشر بميلاد روائي، لكنها ليست الأجمل بين أخواتها.. وخصوصاً"الصغيرات" إنها قصة الكثيرين من أبناء القرى الفقيرة المعزولة الذين هبت عليهم أنسام المدينة وتسللت إلى بيوتهم ودفعتهم إلى الخروج إلى الدنيا الواسعة.. تتلاقى في القصة مصائر بشرية عديدة ثم تفترق، وتبقى الأبواب مشرعة لبدايات قصص جديدة فجديدة. وننسى الكثير من الوجوه التي مرت بنا في هذه القصة التي تشدنا بجمال أسلوبها وأحداثها بعد زمن غير طويل في حين لا نستطيع أن ننسى وجه الشيخ الذي يذهب كي يموت ويعود طفلاً في أقصوصة"طفلان" على سبيل المثال لا الحصر. فهل جسد ذلك الشيخ ومصيره وثبة الأسد حيث تكون الفتكة الهائلة التي إن خابت أوهنت عزم الأسد وأربكته في حين يكون قتال الكائنات الأخرى كراً وفراً يتناوبان إلى أن تكون الغلبة إلى أحد المتقاتلين؟ ربما.. ويبقى سؤال: ترى هل أتعبت تلك الوثبات محموداً، وهي متعبة، فعمد إلى الإطالة كي يأخذ قسطاً من الراحة استعداداً لوثبات جديدة؟ أم أن من العسير بل المستحيل أن يكون كل ما يكتبه هذا الكاتب أو ذاك وثبات أسد؟ وثمة مسألة قد تكون هامشية جداً.. وبعض الشبان يراها غلاظة من الشيوخ لا أكثر وهي أمثال هذه الهفوات: الصدفة التي تكتب بدلاً من مصادفة والقول"للحظة" بدلاً من القول"لحظة" وقد كتب الكاتب مرة حدق إلى ثم عاد إلى الغلط وكتب: حدّق في. وشكراً لمحمود عبد الواحد وشكراً لوزارة الثقافة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |