وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

على مشارف

"مملكة الخبز والورد"‏

قليل هم الشعراء الذين لهم قامة مثل قامته. هو شاعر الضخامة والنمنمة في آن، ممتع ومتعب، ملتم ومتماسك ومتشعب حتى التبعثر.. أو هكذا يخيل لنا غب النظرة الأولى. فإذا ما أمعنا النظر أدركنا أننا أمام عالم نابض حياة، متواشج، لكل جارحة فيه وظيفتها وحساسيتها، ولغتها وأقلام تلوينها. إنه الشاعر العربي- اللبناني جوزيف حرب.‏

لا أزعم أنني كنت أعرفه جيداً.. إنني ألتقي شعره لأول مرة.. ولا أزعم أن كل شعره عندي أو أنني قرأت ذلك الشعر كله.. لكن ما عندي منه ليس قليلاً بل هو مملكة كاملة.‏

كان لقائي الأول معه عبر أغنية فيروز"إسوارة العروس" ثم كان لي معه لقاء آخر عبر مقالة جميلة كتبها الشاعر الأستاذ شوقي بغدادي ونشرت في إحدى صحفنا المحلية..‏

وازددت شوقاً إلى معرفة المزيد عنه.. وبحثت طويلاً، في حدود إمكاناتي، فلم أعثر على ما يزيدني معرفة به.‏

وأنستني الهموم والمشاغل مسألة البحث.. واكتفيت بما عرفت.‏

ثم كان لقاء مباشر.. وأهداني، مشكوراً، ديوانه الممتلئ شعراً"مملكة الخبز والورد".. وإنها لمملكة مدهشة.. مملكة بنتها الحكايات والأساطير، من عرق الذين كدحوا، وأحلام الذين عشقوا، ودماء الذين قتلوا بالسيوف أو صلبوا على أسوار المدن المستباحة، أو علقوا على أغصان الأشجار التي غرستها أيديهم فصارت أجسادهم ثمراً من أكثر الثمار مرارة... الحكايات ليست جديدة.. إنها قديمة، قديمة.. عاشها الأجداد قبل أن تصل إلينا لنعيشها اليوم.. تكررها الحياة مع كل جيل، ومع كل ولادة جديدة.. وهي تتكرر في الديوان نفسه أحياناً ما بين مشهد ومشهد.. وليست الروعة والإدهاش في الحكايات والأساطير وفي تكرارها بل في أسلوب إعادة بناء تلك الحكايات والأساطير وبعث الحياة فيها. لقد كتبت أسفار وأناشيد ومراثٍ كثيرة قبل أن تكتب أسفار التكوين والملوك والمراثي، ونشيد الأناشيد فجعلها اللصوص ميراثاً لهم ولآبائهم وحدهم، ثم صنعوا من سكك المحاريث سيوفاً قطعوا بها الأكف التي زرعت والأنامل التي حاكت بعد أن غزلت.‏

يعيد الشاعر الفذ كل تلك الحكايات والأساطير إلى ينابيعها الأبكار، يعيد صوغ حكاية الذين جسدوا حبهم للأرض طحيناً ومعاصر، وحكاية الذين ملأوا الأرض دماء ومقابر. يحكي لنا حكايات الولادة فالموت فالولادة، يسافر مع الرياح التي تحمل أشواق الشمس لعناق البحر، ويصعد مع أشواق البحر لعناق الشمس غيماً، ثم يهطل مع المطر، كي يحبل التراب المبدع ويلد قمحاً وعنباً وورداً. نسمع التراب يهمس: أين الموت؟ لا تخافوا يا أولادي فأنتم تعودون إلى حضني، كي تعودوا أطفالاً وعصافير وزهراً، كي تكافحوا الملوك الذين غزوا بالسيوف كرومي وحقولي، وزرعوا المناحات في القرى وشوارع المدن، أنتم نسلي المبارك، أنا الأم القديسة التي مجدها الأنبياء والشعراء بأسماء كثيرة، أنا الحبيبة التي كان اسمها ليلى وإلسا وشتى الأسماء الجميلة التي لا عداد لها..‏

ونقرأ شعراً حكاية آدم وحواء ودخول الخطيئة أجساد الذين لم يعرفوا العشق فحولوا الأرض إلى مواخير والنساء إلى جواري..‏

ويظل السفر مع الشاعر المبدع شاقاً وشيّقاً. إن لكنوز شعره مفاتيح سحرية، ولهياكل عبادته طلاسم لا تفتح أبوابها إلا بها.. إنه يحكي لنا المألوف والحميم بأسلوب جميل لكنه غير مألوف.. وقد قيل: لكل كنز طلسمه الذي لا ينكشف إلا به.‏

أما إذا صبرت ودأبت وعرفت المداخل، وأتقنت إدارة المفاتيح في الأقفال المرصودة، فإنك واجد كنزاً لن تعرف الفقر إذا صار في حوزتك.‏

وتقرأ وتدهش، وتمتلئ.. هنا جوزيف حرب شاعر الأغنية الترابية المصاغة، كتراب الجنوب، من دم وعرقٍ، يمتطي جواد الملحمة، يسرج الغيم، فيصير صوته رعداً، ويصير الرعد بشارة بمواسم خير عميم ومحبة، وتقدح شرارات البرق فتستنير دنيا ويهطل المطر المشتهى، ينضج القمح والعنب، تحبل النساء ويلدن أطفالاً يشعلن فوانيس أعمارهن كي يكبروا ويأمنوا العثرات.‏

قصائده فوران دمٍ يتصاعد النشيد معه مثل قوس الغروب ثم ينحدر ليغوص في التراب والبحر، كي يصعد من جديد مغسولاً بدماء الذين ماتوا وعيونهم ترتقب الآتي. كل قصائده تصعد من التراب الأُم لتشكل فوقه قناطر من ألوان وموسيقى.. يتسامى بعضها فوق بعض، ويكمل بعضها بعضاً كما تتسامى العناصر لتكون حياة، ويكون جمال، وتكون محبة.‏

ينداح في هذا العالم من الرؤى نهد امرأة يهب الأشياء ذاكرتها وحمياها، تعطي الحورة المرأة رهافة قامتها، وتعطي المرأة الحورة روحاً وعذوبة. تتحد الأزمنة التي غبرت متطلعة إلى الآتي الأجمل، وتنطفئ أغنية كي يشتعل صباح، "تأتي الأم قبلنا كي نجئ، وتمضي قبلنا كي نبقى" وتنداح الأغنية في الفضاء الرحب، تلقي العرائش أغصانها على خيمة الليل، يصير الليل أندى، ولا يظل الموت قبيحاً أو مخيفاً.‏

لقد لام أحد كبار النقدة العالميين الشعراء لأنهم كتبوا الملاحم الطوال حول الجنة والجحيم وما من واحد منهم رأى الجنة أو الجحيم عياناً، وقد غفلوا أو تغافلوا عن كتابة ملحمة للأرض التي صيرهم ترابها شعراء ثم فتح لهم ذراعيه حين شبعوا حياة. وها هوذا جوزيف حرب يكتب أسفار ملحمة الأرض، ويصور جمالات الأرض وهمومها وأوجاعها..‏

أيقظت"مملكة الخبز والورد" في ذاكرتي كل القرى التي عشت فيها أو عرفتها، وكل الحكايات التي حكتها لي أمي، رأيت وجوه أصدقائي الذين ماتوا أطفالاً، والدروب التي اندثرت، رأيت الصبايا والأعراس، سمعت الزغاريد والأغاني، بكيت مع النائحات من الأرامل والثكالى، وبقيت متطلعاً إلى الآتي الذي سيأتي بعد ذهابنا ويكون أجمل.ويتدفق من هنا جدولان، من حسرة ومن بهجة، مترافقين كتوأمين ولدا من رحم زماننا المتناقض.‏

يمر الشاعر"قفز غزال" كما المحبوب في أغنية فيروز فنؤخذ بالرشاقة والتناغم، ثم نراه ينحت من رخام الكلمات الصلد معابد وتماثيل لقديسين وشعراء وعشاق وعاشقات وراهبات، فنشم رائحة العرق المبدع، ولا نفتقر إلى الرشاقة والتناغم.. تقصر الجملة الشعرية في موضع حتى تختصر دنيا في كلمة أو كلمتين، وتطول وتمتد في موضع آخر حتى تشمل قارة من الشعر وتبقى منفتحة على الكون غير المحدود. ونكون في الحالين في عالم بديع من الشعر والفكر والرؤى.. نظل في"مملكة الخبز والورد".‏

ونغوص في أعماق عالم ما تحت الشعور، عالم يونغ المكتنز ثقافات وأساطير، وعبادات، وحكايات، وفلسفة وتاريخ، لا عالم فرويد الذي لا تزحف فيه غير أفاعي الجنس ولا تتدلى من عرائشه غير العقد، فتكاد تجرفنا التيارات المتدافعة في الأعماق، يخيل لنا أننا سنضيع، وأن الأمر قد أفلت من يدي الشاعر، ومن أيدينا ثم لا نلبث حتى نرى أنفسنا أمام باب من أبواب فراديس الأرض، وندرك، أن عقل الشاعر وشعوره قد نظما بكامل جبروت الوعي كل اندفاعات تلك الفوضى، ورتبا منها سريراً على هيئة يخت لحورية توشك أن تولد من زبد الينابيع، وأخيلة الصيادين الذين صلبهم الملوك اللصوص والتجار على صواري السفن التي خلقت لتلبي نداءات الحورية الحلم.. ونبقى في سفر نحو المجهول، حين يكاد ينتهي سفر يبدأ سفر آخر متصلاً به سفر تتوالد منه أسفار.‏

وإذا جاءت الشيخوخة ودنا الموت أوصينا حبيبتنا الأرض ألاّ تحزن لموتنا، وأن تزين جسدها الرائع كي تحضر أعراس الآتين الذين سيكونون أعقل منا وأجمل وأنقى.‏

أما نحن.. فعلينا أن نمنحها قبل الموت أفضل ما لدينا، أن نعطيها كل ألواننا، ومن ثم نتدثر بالسواد ونمضي إلى القبر، كي لا يبقى على الأرض الكثير من السواد.‏

......‏

......‏

قلت لنفسي وقد قرأت الكتاب: كيف سأقدم للقراء شيئاً من خيرات هذا الكتاب؟. أية حبة قمح سأختار من هذا البيدر؟ وأية قطرة نبيذ من تلك الخابية المعتقة؟ وأية حفنة عطر من حقول الورد والبنفسج والياسمين، وأية خصلة شمس من جسد امرأة الأرض؟‏

أليس حرياً بهم أن يغرفوا ما طاب لهم من هذه الخيرات التي أسماها مبدعها"مملكة الخبز والورد"؟‏

وفطنت إلى أن ذلك لم يكن متاحاً لي لولا كرم المصادفة. فما يقوم من حواجز ما بين شاعر من هذا القطر وشاعر من ذاك القطر وبين شاعر وقارئ من أبناء هذه الأمة المبتلاة بكل أوجاع الرأس وأمراض الرؤوس، لا يوجد ما يماثله، وليته يوجد، بيننا وبين أشرس أعدائنا.‏

وأهمُّ بقطف فأحار. كل العناقيد هنا ناضجة وشهية، كل زهرة تهمس في مثل خفر الأنثى المشتاقة إلى العناق والتقبيل: أما يحسن بك أن تعرض على الناس جمالي؟ وأمد يدي وأردها.. يتدفق نهر جمال.. وأقدم ثم أجحم: ثمة هنا خوخ، ولوز، وتفاح، ورمان، وهنا أيضاً سيوف وخناجر وخوذ ورماح، ثمة موتى وديدان، جلادين وملوك وفقراء جياع عراة ينزف دمهم ليصير نقوداً تُشترى ببعض منها حبال للشنق وسياط للجلد..‏

ويمضي الوقت ولا تنتهي الحيرة.. وألجأ إلى ما كان يلجأ إليه الآباء في القرى حين يحارون في اختيار اسم لوليد جديد.. كانوا يأتون بكتاب مقدس ويفتحونه.. ويكون الاسم الأول الذي تقع عليه العين اسماً للوليد.. وفتحت مملكة الورد مرة فهاكم ما قرأت:‏

"كم من مرة قلت اكتشفت بياض أُميِّ. غير أن الأبيض القديس فيها، لا تمس غموضه إلاَّ العبادة.‏

يا إلهي كم جمال الأرض منقول بريشة شاعر عن نهد أُمي! كيف قُدِّر للمحابر نقلَ هذا البحر والثمر المبارك، والسنابل، والحمام، إلى جميع الأرض من نهد بحجم يمامة بيضاء غطت في الغروب على فمي"(ص202)‏

وأطبق الكتاب ثم أفتحه وأقرأ:‏

"وسار إليها خلال الجبال، وأودية الوعر، طوّف كل البحار، وكل الصحارى، تقاسم كنز يديه اللصوص. وخطّت أكفُّ السجون على وجهه لون قضبانها.‏

وارتوى همج الأرض من دمه السوسني. وما من طريق وما أشعلت قدميه بجمر، وما من صليب ولم يصلبوه عليه" (ص172).‏

وأقرأ على الصفحة المقابلة:‏

"معاً تجعلان الأكف صناديق أصحابها. ترفعان السيوف سلالم تصعدُها في الربيع الكروم لتبنيَ فوق سطوح النسيم علاليها المورقاتِ. معاً تصنعان لهذا التراب جناحاً، وللفقراء قواميس ملأى بكل لغات الكنوز.‏

ليرعكما النورُ، فهو يبارك كلَّ الذينَ سيأتون، كل الذين مضوا تاركين بباب التراب قناديل أرواحهم. فاذهبا في سلام" (ص173)‏

وأطبق الكتاب وأفتحه وأقرأ:‏

"وعمّت أقاليمَ جسمي احتفالات تتويجها الملكي عليَّ. وكانت لها غيرتي حرساً، وجنوني بها أسهماً ومُدى، ويدايَ وزيرين للخصر والياسمين، ووجهي راهب كلِّ السماوات فيها. وصار فمي ختمها، ومنامي كاتم أسرارها، وعناقي جابي محاصيل جسمي إليها، وروحي خمّارها، واشتياقي كاتب ديوان قامتها، ودمي، شاعراً للبلاط لديها." (ص395).‏

ومن ثم أنقل لكم عامداً:‏

"إنني أحمل أحزاني إلى قبري معي. يكفي بيوت الأرض ما تحمل من أحزان غيري. وزعّوا ما كان لي من هذه الشمس عليكم، وادفنوا ليلي معي. إنْ كان لابد من الموت أخيراً، فليمت ما كان فينا من ظلام معنا، ولنترك الشمس التي فينا لمن يأتونَ، إن الشمس إن صارت كثيراً صار ما نحمل عند الموت للقبر قليلاً" (ص474)‏

وأطبق دفتي الكتاب فأقرأ على الغلاف الأخير هذا الكلام:‏

"إلى امرأتي التي بعضي‏

بنفسج خصرها،‏

ونبيذها بعضي.‏

إلى امرأتي التي كانت‏

حبيبةَ مَنْ علت قبضاتُهم في الريحِ أبراجاً‏

لها. ولقد مضوا،‏

وغداً أنا أمضي،‏

لتبقى بعدي امرأة الذين‏

سيجعلون الشمسَ راية مُلكِها الأبدي‏

والقمرَ المرصع بالسنابل‏

تاجَها الفضي.‏

إلى الأرض."‏

وأضع الكتاب جانباً فأسمع أصوات قديسات، وبغايا، ولصوص، ومتصوفة، وشعراء، وملوك، وفاتحين وكلها تهتف في لوم وغيظ: وماذا عن وجوهنا التي تصعد من حنايا التاريخ كما يصعد الضباب الكثيف من الأدوية، وتعلو كالغمام من البحار والأنهار؟ وأهمس كمن يخاطب بشراً أحياء: لقد تعبت.. إن من يحصد كثيراً من المتعة يتعب أيضاً.. وحتى السعداء يتعبهم الكثير من السعادة.. وسيأتي الآخرون ويقطفون ويسعدون ويتعبون.‏

.....‏

.....‏

الكتاب مهدى إلى"فيروز" وهو صادر عام 1991 عن دار الآداب في بيروت.. الطباعة أنيقة جداً والورق صقيل وعدد الصفحات 477 صفحة شعر، لا تسقط منها نقطة أو فاصلة.. الغلاف والرسوم الداخلية للفنان فارس غصوب، والخطوط للفنان علي عاصي..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244