وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
على هامش كتاب:

على هامش كتاب:

"الغناء والشعر
عند الشعوب البدائية

هذا الكتاب ليس كتاباً مفيداً وحسب بل هو عدة كتب مفيدة في كتاب. قد يكون من بين أجمل فوائده الجمة ذلك التواضع الذي يعلنه مؤلفه السيد. ك. موريس بورا في مقدمته الموجزة والغنية إذ يقول: "كما أنني لاعتبارات كثيرة ينقصني التأهيل والمعارف التقنية" ثم يردف" فإنني أكاد أجهل كل شيء عن تلك اللغات واللهجات التي هي موضوع دراستي" ثم لا يخفي أنه كان عليه أن يعمد إلى التراجم وأن يضع ثقته بالمترجمين على الرغم من معرفته بخطر ذلك.. ثم يعلن: "تلقيت المساعدة الكريمة من جهابذة مختصين في فروع عديدة لم أكن عليها أكثر من دخيل" ويشيد بفضل من ساعدوه ومن سبقوه إلى جمع الأغاني ويشكرهم جميعاً، كما يشكر الكثير من المؤسسات التي ساعدته في هذا الميدان.

ونتخيل صعوبة الموضوع إذا فكرنا في أن الدرب إلى الماضي قد سدت بجبال القرون والأزمنة التي تراكمت حتى سحقت حتى الذكريات أو كادت.

إن اللحظة الواحدة تمر بنا مسلمة إيانا إلى تاليتها. إنها باب يوصد خلفنا إلى الأبد.. وقد عبر أبو العلاء المعري عن استحالة رجوع ما يمضي إذ قال:

 

يعجز أهل الأرض عن رده

 

امسِ الذي مرَّ على قربه

فما بالك باسترجاع البدايات التي ضاعت في الزمن السحيق، أو قد تكون من بعض أسرار خلايا كياناتنا التي تضن علينا بخفاياها. وقد تلقي ذاكرات الخلايا بعض الضوء في زمن ما، على بعض الأمور التي مازالت غامضة.. أقول، قد، لأنني لا أستطيع أن أتصور مستقبلاً تنكشف فيه كل غوامض الماضي إلا إذا حصلنا على وسيلة تمكننا من استكناه كل خفايا المستقبل أيضاً.. وما ذلك بالأمر اليسير.

إن إضاءة الماضي بكل نواحيه أمر يحتاج إلى معجزة خارقة، ولن تحدث، فقد مضى زمن المعجزات والخوارق، وأفقدتنا الحضارة نقاء الغرائز وصفاء الأحاسيس.. وسنبقى نتلفت إلى الماضي متشوقين إلى استرجاعه كلما ترجعت في مسامعنا أصداء الأزمنة الغابرة. وسوف يستعر الشوق مع ازدياد تطلع الإنسان إلى المعرفة.. وكما تشتاق الشجرة إلى معرفة أسرار بذرتها الأولى فتضرب جذورها عميقاً في الأرض وتسمق أغصانها عالياً في الفضاء سنشتاق إلى السر الأول.. فهل نحن إلاّ أشجار تسير بجذور غير مرئية؟

وندق أبواب الدهر التي أوصدت خلفنا، ندقها بقبضات أيدينا، وبكل طاقة أرواحنا مستعينين بالأدوات المتاحة كلها وفي مقدمتها العقل والخيال، متلمسين ومستقرئين بقايا البقايا.. ونأسف لأن كل ما عرفناه عن تلك الأزمنة"غير دقيق" وقد يكون أقل ما نعرفه عن الإنسان القديم، إنسان ما قبل التاريخ هو الغناء" الذي يفترض وجود لغة هو منها تطبيقها الخاص والمتطور" "فالكلمات عندما تتكيف وفق لحن منغم تشكل واحداً من الأشكال الشعرية التي هي أكثر أصالة فيما عرفناه، لأنها تكون ملزمة بإتباع نظام محدد وتضطلع بوظيفة مختلفة كل الاختلاف عما هو دارج من الكلام" (ص13).

وإذا كان القدماء قد عبروا عن بعض مناحي حياتهم بالحفر والتصوير على جدران الكهوف وغيرها فإن من الممكن الافتراض أن يكونوا قد عبروا عنها بأساليب أخرى، كالرقص والغناء.. أما البرهان فقد ضاع" لن يكون في هذه المسألة يقين"(ص13).

فالشواهد قليلة جداً، وهي مأخوذة في أزمنة متأخرة جداً.

لقد وجدت رسوم مزامير وشبابات مصنوعة من عظام.. وحيث تكون الموسيقى"لا يكون الرقص بعيداً" وثمة صور لراقصين وراقصات.. وكانت للرقص سمة إيمائية.. وثمة صور لآلهة يرقصون.. وكان آلهة الناس في تلك الأزمنة على صورتهم ومثالهم( ص14).

أما نصوص الغناء المكتوبة الأولى في العالم فهي النصوص"التي ظهرت قرابة منتصف الألف الثالث قبل الميلاد"، في سومر ومصر. وكانت تلك، خصوصاً في سومر، أشعار طويلة في موضوعات دينية أو"متعلقة بنشأة الكون". ثم تراتيل للآلهة.. وما وصلنا من مصر وسومر ليس البدء. بل هو غناء متطور نسبياً.. أما البداية فمازالت تقبع هناك"في غياهب الماضي".

وما يلقي شيئاً من الضوء على ذلك الماضي السحيق هو أغاني البدائيين الذين مازالوا يعيشون هنا وهناك في أصقاع الدنيا" فاقتصادهم ونمط حياتهم ما يزال مشابهاً لنمط تلك الأزمنة. فلا وحدة في اللغة ولا في العادات. ولا يملكون فن الكلام. وهم يعيشون على الصيد"والتقاط منتجات الأرض" ويستكملون من البحر مصادر غذائهم، وهم لا يميلون إلى الإقامة في مكان ثابت بل يلاحقون طرائدهم.. ويتمسكون بطريقتهم في العمل والحياة. فلا يفيدون من خبرات الآخرين.

ومن تخمين ما كان عليه البدائيون في الماضي ودراسة ما هم عليه في أيامنا، من حيث البنية الاجتماعية والعبادات وتطورها وتعقدها يمكن رسم خطوط عامة محتملة تغتني مع كل اكتشاف جديد لحياة هؤلاء البدائيين الذين بذروا بذور الحياة فنمت الشجرة وتفرعت وبسقت وانتقلت من مناخ إلى مناخ.. وتبقى قائمة مسألة عدم الحصول على وثائق خالية من الشوائب في هذا الموضوع.

ومع معرفتنا القول المأثور"آثارنا تدل علينا" فما لا شك فيه أننا سنحتاج إلى الكثير من الخيال لإعادة إحياء تلك الأزمنة. وعلى الرغم من كل المشاق والنواقص والثغرات تبقى الرحلة ممتعة جداً ومثيرة جداً. وهي من ثم ضرب من المغامرة.. فاللهجات تنقرض وتولد من أنقاضها لهجات جديدة، بل وتولد لغات ثم تندثر. وتفقد اللغة محسوسية الدلالة من أجل التجريب.وقد فقدت اللغات المتحضرة الكثير من دلالتها على الألوان أو تأثيرات الظل والضوء وحركات الكائنات. ويفقد الطقس الكثير من حرارته وصدقه حتى لو رأينا إليه كاملاً. فنحن ما عدنا نؤمن بجدوى ما كانوا يؤمنون به. إن لغاتنا اليوم تعبر عن الأفكار أولاً وكانت لغاتهم تعبر عن الأحاسيس والانفعالات. وقد أكسب كل ذلك أغانيهم رهافتها.. كما أن الإنسان اكتسب مزيداً من القسوة لدى انتقاله من حال الحيوان إلى إنسان.

كان الغناء صورة للحياة وسيبقى. ثمة تاريخ وميثولوجيا وصيد.. وفي الحياة أفراح وأحزان وأمراض، وموت وولادة. وهو يعكس ذلك كله. فكأنما الأغنية هي صدى الحياة المنغم.. وفي البدء صارت الحركات رقصاً. وقد سبق الكلام الإيقاعي الكلام غير الإيقاعي لدى البدائيين. والإيقاع سمة الغناء الأساسية، وإذ تضاف إليه الكلمات يبدأ الشعر.

وفي الحياة أمور مدهشة لكونها غير مدركة جيداً.. ويكون بدهياً أن تعزى إلى الآلهة، أو الطواطم، أو الأجداد، وقد يكون هؤلاء على شكل فيلة أو طيور شتى أو غيرها من الكائنات. ومن هنا ينقسم الغناء البدائي إلى ديني ودنيوي، ولكل منها سماته المميزة، فالديني إما أن يشير إلى جانب طقسي أو يشير باقتضاب إلى أسطورة ذات طابع ديني، كخلق الأرض والكائنات وغير ذلك. وقد يأخذ شكل حوار. أما الغناء الدنيوي فهو يحمل هموماً دنيوية"فردية" من حيث جوهرها، وقد تلتقي مشاعر الكثيرين حولها. فالمبدع المتفرد يصوغ الجوهري مما حوله صوغاً متفرداً، فيتمثل في الخاص جوهر العام، ولا يفقد الخاص خصوصيته.

وتأتي مرافقة الرقص للغناء كي تضيق من مواضيعه، وكي تكسبه، من ثم أناقة ومهارات جديدة في الشكل والأداء: تغني نساء الأسكيمو وهن يرقصن:

"ذراعاي تتحركان عالياً في الهواء

يداي تخفقان على ظهري، تخفقان فوق رأسي

كجناحي طائر" (ص82)

وتقلد نساء الأراندا الطيور:

"العذارى يتغنين بصوت عال جداً

يتغنين حتى أن صوتهن يصل إلى السماء.

على ضفاف البحيرة المالحة يجلسن

رقيقات كعصافير الماء هناك يجلسن" (ص84)

ونرى صورة أخرى في غنائهن:

"طيور الزقزاق المطوقة غيمة من الأجنحة"

"ولتسقط الأزهار كما الأمطار على الأرض" (ص91)

ويضفى على الأصوات الطبيعية طابع مستساغ:

"هي- يي- كا- سا- ناس كوا- هي- يي كا- سا- ناس كوا." (ص 96)

ونسمع إيقاعاً جميلاً.. وإن كنا لا نفهم معناه:

"أو تينغ تودن كاتيكن ليكن

ايليل كيمو باتيكن

ويقتله من يترجمه:

"يتسلق ويعاود النزول، ويتطلع إلى كل الجهات ويرى ثمرة الباتيكن" (ص97)

***

تطور الغناء البدائي من البيت الواحد الذي لا معنى له إلى البيت الواحد المفهوم الذي يكرر. ثم تأتي المقاطع المجمعة إلى أن تتكاثر مع الرقص الجماعي وصولاً إلى انفتاح القصيدة طولاً إلى حد بعيد.

ومن مواضيع أغانيهم الفخر.. وها هو ذا قزم يسخر من زنجي فيقول متباهياً:

"أنت ابن النهار المبهر المضيء

هو، هو مونفا يورو ويلي

كلا لست ابن الليل" (ص104).

ومن مواضيع أغانيهم الموت:

" طفلتي ماتت هنا

كلانا أتينا فوجدنا المرض أمامنا

بعيد جداً بلدي الذي أتينا منه" (ص108).

وتموت زوجة أحدهم فيبكيها بكاء يعكس لون حياتهما:

"أنت من متِ، مع نهديك المنتصبين

انهضي وخذي عصاك

وامضي بنا سوية إلى صيد فأر الحراج

متى سيأكل زوجك البصل إذن؟

هل أنت ميتة حقاً؟ ألست حية، ألست نائمة فحسب؟"

ثم يعدد الأعمال الأخرى التي كانت تقوم بها والخدمات التي كانت تؤديها. (ص109).

ويكون الداما عند بعضهم سيد الغذاء فيغني:

"أنا سيد الغذاء كما ترون

إنني أسهر عليكم" (ص113)

ثم يعدد أنواع الغذاء الكثيرة التي له سلطان عليها. وحين يغضب النهر" تمتطيه الآلهة" يغنون:

"غالان بولغا إي، ماد الي، إي، مادلاي غالان بولغا" وهذا يعني: "غيوم المطر، إنها تمطر، إنها تمطر، غيوم المطر" (ص114).

ولم يكن البدائي قادراً على التفكير المجرد، فكان يكثف اللحظة فيدركها بكل ملامحها الرئيسة ويطبقها في وعيه.. ثم شرع الغناء يتجاوز إلى حد ما شكل الحادثة. وكان ذلك خطوة هامة.

" جعلت من نفسي سمكة

تتسلل في الماء، تتسلل،

تتلوى وتثب

كل شيء يحيا، كل شيء يرقص، وكل شيء يصيح

السمكة تقول: هيب!

الطير يقول: فيس

والقرد يقول.. نان" (ص121)

ونستمع إلى أغاني العمل.. تتكامل الصورة وتنبض بالحياة:

"اظهري أيتها الشمس

لكي نتمكن من الرؤية بوضوح

أشرقي من أجلنا أيتها الشمس" (ص134)

ونرى آلهة تتحول إلى طرائد بتأثيرات الصلوات- الأغاني:

"انزلق في الماء

تحت شكل عجل بحر" (ص135)

ويتلقى الجدد دروسهم على الشيوخ. تقول الأغنية:

"المستشار العجوز المجرب

الأوامر التي يصدرها إليكم

يجب عليكم تنفيذها" (ص136).

أما الأحمق الأخرق فيكون مصيره الهلاك ويقابل هلاكه بالسخرية:

"ولكن بما أنه أحمق، قالوا له وداعاً

وكان هذا أفضل له" (ص137)

وتكون الطبيعة إطاراً للأحداث ومسرحاً لها، ونرى آثارها

في كل المشاهد والصور، كما نرى آثار العبادات والعادات:

"وعندما كانت الزوارق هناك تبدو كعصابة

من ذئاب في البحيرة الكبيرة هناك

أنت لم تجدف بالسرعة اللازمة

عندما كنت تتبعني في المؤخرة" (ص154)

وهم يتنقلون ضاربين في الأرض ويحدث المغني عن ذلك:

" الليل حالك وقد انطفأت السماء

لقد تركنا قرية آبائنا

فالخالق غاضب منا" (ص159)

وتشير الأغاني إلى أنهم يلاحظون جيداً وينفعلون بالظواهر:

" أيتها الأمواج التي تتكسر على الصخور

وتتحطم هناك. شي! شي!

وعندما يعلو القمر يرسل بنوره على المياه

يا مد الربيع، أيها المد الذي يطفح على العشب

ويتحطم هناك، شي! شي!

في مياهه المضطربة تستحم الصبايا

أستمع إلى الضجيج الذي يسببنه بأيديهن

وهن يلعبن" (ص167)

ويصفون الدب الأبيض، والرنة، والقرد، والفيل المقدس والنورس والفقمة وشتى أنواع الحيوان والنبات وصفاً محبباً لكنهم يفيدون منها مبررين ذلك بعفوية.. وها هو ذا المغني يصف قرداً ينذر جماعته:

" صمتاً! هل هو القرد الذي صفر..

أم ليس ذلك إلاّ هبة من نسيم؟

صمتاً.. الكل يصغون بقلق

ويتطلعون إلى بعيد" (ص174)

ولا يندر أن نقع على صور هزلية أو على صورة مأساوية تتحول إلى صورة هزلية ضاحكة:

"الضبع العجوز

حمل من كوخها القديم المرأة العجوز

والمرأة العجوز بهذه الصورة

قامت بقفزة جانبية

فقتلت الضبع

الضبع نفسه

فالضبع قد قتل الضبع" (ص177)

وثمة أغنيات تدور على ألسنة الحيوانات لكنها تعبر عن أدق السمات الإنسانية. وقد لعبت الحيوانات أدواراً كثيرة في طقوس البدائيين. فالفيل مقدس عند الكثيرين منهم والنمور عند آخرين" كائنات إلهية" وكثيراً ما تصبح الأغنية لوحة حقيقية:

"وعند مغيب الشمس ينعكس نور المساء على ريش الببغاء:

هنالك على الشجرة تنظر إلى أشعة الشمس وإلى سماء

الغروب المتوهجة"

" وفي وهج الشمس تجفف ريشها الأحمر، وتصفق بجناحيها وتجلف الشجرة بمخالبها" (ص191)

وترافق الأغاني البدائي من المهد إلى اللحد. والبدائيون يغنون لما يرون وما لا يرون مما يعتقدون أنه يؤثر في مصائرهم. وها هي ذي أم تنصح طفلها:

" كن صالحاً

لا تسرق

لا تلمس ما لا يخصك

دع كل شيء في مكانه

وكن صالحاً" (ص197)

وهي تنيمه بالغناء:

" نم، نم أيها الصغير، أغلق عينيك، نم أيها الصغير، نم"

وتغني له يوم يختن وفي مناسبات كثيرة.. ثم يغني هو نفسه في الأفراح الخاصة والعامة ويغني في الأحزان. يغني للخطبة وللسفر، وللزواج، كما يغني للبرق والمطر. ولا يفوت البدائيين أن ينظموا الحكايات ويغنوها أفراداً أو جماعات على شكل جوقة. وتكون المراثي هي الأكثر إيلاماً في غناء البدائيين.

فالأمر الطبيعي عندهم هو الحياة.. أما الموت فهو غير طبيعي" إنما هو جزء من سر لا يسبر له غور يغلف الحياة البشرية وينبغي أن يرى المرء فيه فرصة لإظهار احترام رسمي لائق وليس سبباً لحزن لا عزاء فيه" (ص220)

وخيال البدائي مرتبط بما يعتقد بوجوده، وهو نشيط جداً، وتفسير معتقداته يحتاج إلى"خيال خصب" ولابد من الخيال لفهم بعض الطقوس خصوصاً. فلكل شيء روح تحركه وتدفعه. وأشباح المتوفين من"الأقزام لا تهيم في النار وإنما تتدلى كالوطاويط على أسقف المغاور:

" يا أرواح الغابة العائدة من الظلام

يا من أثناء النهار المضيء

كخفافيش تمتص دماء البشر

امكثي معلقة على جدران المغارات الكبيرة الزلقة

وراء الطحالب الخضر، وراء الأحجار الكبيرة البيض"
          (ص 230)

أما في جنة النساء فلا توجد طيور ولا حيوانات. والنساء هناك لا يحتجن إلى النار ولا إلى الزيت الذي يدهنّ به شعرهن.

والزوج الذي يموت تغني نساؤه:

"لا تذهب مع نساء أخريات

فنحن نساءك نمنعك من ذلك" (ص236).

وثمة لدى البدائيين أرواح لطيفة تمرح مع الينابيع والأزهار وتعبد الشذا. ويبقى خيال البدائي امتداداً لملاحظته.

وحيث تكون الآلهة والطقوس تكون الأساطير والرموز. وإذا كان الغناء لا يستطيع أن يروي الأساطير كلها فإنه يكشف عن أجزاء منها أو يشير إليها مضيئاً إياها من جوانب خاصة. وكثيراً ما تكون آلهتهم على صورتهم ومثالهم! تسمع وتحب وتغضب وترضى.

ولهم آدم وحواء غير آدم وحواء اللذين لنا. وثمة أسطورة تحكي حكايتهما. والبدائيون ينسبون" إليهما الكثير من الوظائف والواجبات" (ص 260)

ورموزهم لها علاقة مباشرة بالأساطير. وكل الصفات التي يطلقونها على الأشياء ذات دلالة رمزية، وكثيراً ما يربطون غير المرئي بالمرئي ويسعون إلى فهمه واستخدامه في سبيل إفادتهم منه. وحين تأتي الشيخوخة ويدب الوهن في الجسد، يجد البدائي ملاذاً في الغناء، وقد لا يكون الغناء سوى درع من وهم لكنه يبقى مفيداً.. إذ يخفف ألم الحسرات بتصعيدها:

"غداً سيكون الفراغ والعري" (ص301)

الكتاب من منشورات دار طلاس في دمشق. ترجمه إلى العربية يوسف شلب الشام وهو في 304 صفحات.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244