وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

"المنسنيور كيشوت"

رواية كسرت قواقع الايديولوجيا الصلدة‏

"المنسنيور كيشوت" رواية غراهام غرين الصادرة عن وزارة الثقافة في دمشق تحمل الرقم(30) من السلسلة الروائية التي تصدرها الوزارة. وهذا يعني أن وزارة الثقافة قد أصدرت عدداً ليس بالقليل من الروايات العالمية.. وإصدار ثلاثين رواية عالمية حريُّ بأن يثير جدلاً ثقافياً تترجع أصداؤه في أرجاء الوطن العربي من أدناه إلى أقصاه.‏

أجل، إن إصدار ثلاثين رواية عالمية هو حدث ثقافي هام، ولكن أين أصداء هذا الحدث الهام، وهل كانت على مستوى الحد الأدنى من أهميته؟ أين هم النقدة، وأين هم الروائيون، وأين هم المترجمون؟ إن ترجمة هذا العدد من الروايات يعني هؤلاء جميعاً.. إن الصمت هنا مسألة تثير القلق بشأن مصير الثقافة العربية..‏

كلنا مسؤول، ولا عذر لأحد منا. فهل سنعيرها ما تستحق من اهتمام، أم سيرمي كل منا اللوم على الآخرين؟ فتتفاقم الأمور ويختلط الصالح بالطالح والجميل بالقبيح..‏

........‏

........‏

تبدأ رواية" المنسنيور كيشوت" ببساطة: "حدث ذلك كما يلي: "أمر الأب"كيشوت" مدبّرة منزله أن تُعد له طعام غدائه الانفرادي، وانطلق لشراء النبيذ من تعاونية محلية.. الخ"‏

ونمضي معه في سيارته العتيقة التي رافقته زمناً طويلاً ولم يتخل عنها بل هو يضرع إلى الله كي تبقى صالحة للعمل حتى بعد رحيله من هذه الدنيا.. وندرك أننا أمام إنسان، أمام"دون كيشوت" حقيقي، له جذوره الأخلاقية- الإنسانية الضاربة عميقاً، وله الخيال المجنح وعذوبه الروح.. ولم تكن مفارقه أن يدعو سيارته"روسينانث" فجواد سلفه العظيم كان يحمل هذا الاسم. ولا ننسى أنه يدعو رفيق سفره"سانشو".‏

ونحس على الفور أننا أمام إنسان طفل الروح، طفل في ثياب رجل، ولكنه رجل يفكر بصفاء ذهن، لا تحجب عنه القراءة رؤية الوقائع، بل هو يتأمل كل شيء بنظرات فاحصة. لا شيء مقدس قداسة مطلقة ولا شيء مدّنس دنساً مطلقاً.. وهو قادر، في الكثير من الأحيان، على فصل الحنطة عن الزؤان، إذ لديه معيار الصدق في التعامل مع الكائنات، ولديه الكثير من الحب للناس والكائنات والحقيقة.‏

يلتقي الأب كيشوت، وهو عائد من التعاونية بسيارة مرسيدس فيها مطران، وكان لديه"مايسوغ خوفه من المطارنة" (ص9) إذا كان يدرك جيداً مقدار"كراهية مطرانه له" (ص9) وكان ذاك المطران قد أنهى معه حواراً حول دون كيشوت بحزم المطارنة: "لا أسلاف لمثل هذا النوع من الرجال".‏

ولكن مخاوف الأب كيشوت تتبدد، فالمطران الذي لقيه ليس من جنس ذاك المطران.. وكأن غراهام غرين يريد أن يقول لنا" ليس الكل سواء في ضيق الأفق والتعصب، بل ثمة، حتى هناك، نسمات منعشة وآفاق رحبة".. ونسير معه على بصيرة من أمرنا.‏

يرتاح الأب كيشوت لكلمات المطران الجديد.. ونسمع الحوار التالي:‏

- "يشرفني أن أحلَّ ضيفاً على بيت"دون كيشوت"‏

- "مطراني لا يروقه الكتاب"‏

- "القداسة والتقويم الأدبي لا يتفقان دائماً."‏

ونفاجأ بأشياء كثيرة جميلة وبسيطة.. فالأب كيشوت الذي لا يعرف أن الشريحة التي يتناولها كل يوم هي من لحم الخيل، يصلى"كي لا يلحظ المطران ذلك". (ص13).. ومما لا يستطيع أن يفهمه هو: "كيف يمكن أن تخلق البعوضة من أجل منفعة الإنسان، أية منفعة؟"‏

ويشبه له المطران البعوضة"بالسوط بين يدي الرب. وهي تعلمنا كيف نتحمل الألم من أجل محبته...." وإن طنينها الممض قد يكون"طنين الرب نفسه" (ص18)‏

ويغمغم الأب كيشوت: "يمكن تطبيق المنفعة ذاتها على البرغوث" وندرك أي متأمل في ثوب هذا الكهنوتي... ويتراجع المطران: "هذه أسرار عظيمة. فلو لم تكن هذه الأسرار، أين سيكون إيماننا؟"‏

وندرك أية روح متسامحة في صدر هذا المطران.‏

وتنعكس على هذه المرآة صورة المطران الآخر الذي لا يقبل الهزيمة، ولا يعرف التسامح:‏

- "واحسرتاه! مطراني يعرف ضآلة قدراتي"‏

- وهل باستطاعة مطرانك إصلاح سيارتي؟"‏

- كنت أقصد قدراتي الروحية"‏

- الكنيسة بحاجة إلى أصحاب القدرات العملية أيضاً، فالبراعة في عالم اليوم، أعني المعرفة الحقيقية بشؤون الحياة- يجب أن تبقى ملازمة للعبادة، وإن اسقفاً يتمكن من تقديم خمرة جيدة، وجبنة جيدة(كذا) وشريحة لحم ممتازة لضيف طارئ، لهو جدير للعمل(كذا) في دائرة مهما علا شأنها ونحن موجودون لإعادة الخطاة للتوبة، وهم بين البرجوازيين أكثر منهم بين الفلاحين. أتمنى لك أن تنطلق مثل سلفك"دون كيشوت" على دروب العالم العامة.."‏

- "كان سلفي مجنوناً يا سيدي المطران"‏

- "هكذا قيل الكثير في القديس"اغناطيوس"‏

ومن ثم يسأله الأب كيشوت:‏

- "وهل تريد مني الخروج لمطاعنة طواحين الهواء؟"‏

- "مطاعنة الطواحين وحدها التي جعلت"دون كيشوت" يكتشف الحقيقة وهو على فراش الموت."‏

ويرتل المطران وهو ينطلق بسيارته المرسيدس: "لا طيور هذا العام في أعشاش طيور العام الماضي." (ص21و 22)‏

وتترجع بعيداً في أغوار نفوسنا أصداء هذه الحكمة القديمة التي تريدنا أن نستخلص الحكمة من وقائع زماننا، وأن نتطلع إلى الأمام مزودين بوسائل عصرنا.‏

........‏

........‏

يُرّقى الأب كيشوت، بناء على اقتراح من المطران الذي زاره، إلى رتبة منسنيور على الرغم من إرادة مطرانه المباشر الذي ينصحه بالتعقل كي لا يشين اللقب الجديد الذي خلع عليه. ثم يطلب نقله من بلدته"التوبوسو" إلى أسقفية أخرى.‏

قد تكون الرسالة التي أرسلها هذا المطران الدوغمائي المتعب إلى المنسنيور كيشوت من أقصر الرسائل وأكثرها استفزازاً للمشاعر الإنسانية السامية.. ولا أبالغ إذا قلت إنها من بين الرسائل التي يصعب نسيانها، إذ فيها من السم والضغينة ما يحسدها عليه الكثير من الأفاعي، والكثيرون من كارهي البشر.‏

......‏

......‏

ويلتقي عمدة"التوبوسو" الذي نظم اليمين صفوفه وأسقطه في الانتخابات مع"المنسنيور كيشوت" الذي أقصي عن المدينة على يد المطران.‏

وتبدأ حوارات جديدة ويبدأ السفر..‏

أما الحوارات فتبدأ ببث الهموم الشخصية التي ندخل منها بلطف إلى الهموم الإنسانية العامة، فنرى العام خاصاً والخاص عاماً.. وأما العمق والشفافية ففي كل مكان. في الأمور السياسية المصيرية، وفي المداعبات الرقيقة بين الكاهن والعمدة. فالعمدة يرى أن متاعب"المنسنيور" ناجمة عن وضع ثقته بالكنيسة، ويرد"المنسنيور": "إنها مشكلة المطران لا الكنيسة" ثم يقوم بهجوم معاكس: "لقد خذلك حزبك" (ص28)‏

يقول العمدة: "وحتى في حزبك أنت: أيضاً يا أبتي.. كان هناك يهوذا.."‏

- وفي حزبك"ستالين"‏

ونتابع معهما السفر في العصور والأمكنة.. نبتسم ونحن في غاية الجد، تطرح القضايا الكبرى في أسئلة لا تشبه الأسئلة التي توجع الرأس، والمسائل هنا لا تسبقها"مقدمات منطقية أو فلسفية تحاول تفسيرها فتزيدها تعقيداً وغموضاً.. المسائل هنا انبثاقات لطيفة تطل براعمها الزاهية من تراب الحياة الذي يمر تحت أقدامنا ونسير فوقه إلى حين ثم نسير فيه.‏

لكل كلمة هنا وظيفتها الحيوية الدقيقة وظلالها الموحية وخلفيتها الفكرية والسياسية. فها هوذا العمدة يدعو الكاهن الكاثوليكي إلى بيته"لتناول كأس من الفودكا الأصلية"‏

ويسأله الكاهن:‏

- "فودكا؟"‏

ويرد العمدة:‏

- الفودكا البولندية يا أبتي.. إنها من بلد كاثوليكي".‏

ونضع أيدينا على قلوبنا، فالمسألة تخصنا أيضاً.. ألا تمزق الخلافات كل أواصرنا باهلنا وبالآخرين؟‏

وتتصاعد حرارة الحوار، وتذيب الفودكا والدعابات أطراف المسائل الحادة والجارحة، ويرى المتحاوران اللذان يسعيان إلى إسعاد الآخرين، كل بطريقته، أن المسافة التي تبعد أحدهما عن الآخر ليست واسعة ولكن السياسة والتعصب أقاما فيها الكثير من العوائق والحجب، ومن المرايا المشوهة.‏

ولكن الباحثين عن الحقيقة بإخلاص لا يرضون بالقشور دون اللباب. إنهم يرجون على شيء من اليأس، ويؤمنون على شيء من الشك، وحين يشكون يبقى في قرارتهم شيء من الإيمان، ويبقى شعورهم بالغربة في هذا العالم المزدحم جداً بالتفاهات والغرائب قاسماً مشتركاً بينهم. وقد يكون هذا الشعور المشترك، وحب الحياة وأفراحها، والسعي إلى جعلها أجمل هو ما يجعل"الصمت الرفاقي" يدب بين أحدهم والآخر حتى لو كانا تحت لوائي فريقين متنابذين: الكنيسة والحزب.‏

وحين يتكلم أحد هؤلاء"الغرباء" إلى الآخر تدب الحياة في الكلمات، ويتألق الشعر والفلسفة معاً.. يقول الكاهن:‏

- "لقد بعثت كأس الفودكا فيَّ حلماً.. ثم جاءت الكأس الثانية فأخذت ذلك الحلم".‏

ثم يردف وكأنه لم يسمع ما قاله العمدة:‏

- "لماذا؟ مثل هذا الحلم السعيد.. ثم يعقبه اليأس؟" (ص36)‏

ويعترف الكاهن بأن صَلاته صارت ضرباً من العادة ولم تعد فرضاً:‏

- "ليس يسيراً الإقلاع عن عادة. العادات، حتى المملة منها، يمكن أن تكون معزية". (ص37)‏

قد يكون أجمل ما في الرواية أن القضايا الكبرى التي تطرحها تنبثق من السياق الطبيعي كما ينبثق الينبوع الصافي من منبعه، فلا قسر ولا افتعال، بل انسياب واقعي وعفوي، وليس ثمة أدنى ما يشير إلى غير الواقعي أو المصطنع.فرسالة المطران المتزمت يفوح منها التزمت ويحاصرنا حتى نكاد نختنق، وعفوية"تيريزا" غير المصطنعة تنقلنا إلى جو نقي فنبتسم وترتخي أعصابنا المتوترة فننتعش ونتمنى لو أن هذه الخادمة البسيطة من بين أقاربنا أو معارفنا.. وقد يكون سر الموهبة الأساسي يتجلى، أول ما يتجلى، في خلق مثل هذا الوسط الطبيعي، ومثل هذه الكائنات الطبيعية التي تردُّ رداً"غليظاً" على الغلط.. وذلك لأن لها غطرستها"مثلنا جميعاً" (ص 40).. وأنى للمتزمتين أن يفهموا هذه الحقيقة الأولية البسيطة؟ وأما الذين لهم"غطرستهم" فيكونون، دائماً، أقرب إلى ناموس المحبة منهم إلى ناموس العدالة مع إيمانهم بضرورة إحقاق الناموس معاً، إذا كان ذلك متاحاً. وهم يفضلون ناموس المحبة لأنه أشمل وأسمى من كل النواميس الإنسانية.‏

ينطلق المنسنيور كيشوت والعمدة"سانشو" في رحلة عبر أسبانيا وقد تزودا بالكثير من الزاد وبالكثير من الخمر.. ويضطران إلى تناول طعامهما عند جدار رسم أحدهم عليه منجلاً ومطرقة، فيقول الأب كيشوت:‏

- "كنت أفضّل تناول طعام الغداء في ظل صليب."‏

- وماذا يهم يا أبتي؟ فلا الصليب ولا المطرقة يؤثران في طعم الجبنة. وفوق ذلك، هل هنالك ثمة"كذا" فارق بين الاثنين؟ إن كلاً منهما احتجاج ضد الظلم".‏

ويتوالى الحوار، ويتوالى تنقلهما بين الناس والأمكنة.. إنهما يسعيان إلى تغيير العالم، وعلى الذي يسعى إلى تغيير شيء أن يعرفه أولاً.. وعلى الطريق إلى معرفة العالم يجري التعمق في فهم المبادئ والنظريات، ويجري أيضاً توسيع هذه وتلك وتعميقهما.. وعلى الطريق إلى تغيير العالم الذي نعيش فيه ونعمل على جعله أغنى وأجمل نعيد قراءة الماضي، فكراً وممارسة، وكثيراً ما نجد أن"الهراطقة" من كل حزب"يحرفون كلمات الرب" وها هوذا الكاهن يلفت نظر العمدة إلى أن الماركسيين لم يفهموا أقوال"نبيهم ماركس" على حقيقتها.. وأنهم حرفوها، وخصوصاً قوله: "الدين أفيون الشعوب" ويوضح ذلك فيقول:‏

- "نعم. لكنه كتبها في القرن التاسع عشر يا"سانشو".وفي تلك الأيام، لم يكن الأفيون مخدراً سييء الصيت ولا مذموماً أكثر من غيره -"اللودانيوم" يومها كان مستحضراً مهدئاً فقط. ولم يكن يستعمل ذلك المهدئ غير أصحاب النعمة، دون أن يقدر الفقراء على امتلاكه. وكل ما أراد"ماركس قوله" هو أن الدين مهدئ الفقراء. إنه أفضل لهم من ارتياد الحاناة المبهرجة. ولعله أفضل لهم حتى من الخمرة هذه. فالإنسان لا يستطيع العيش من غير مهدئ" (ص54)‏

ويقترح الكاهن أن ينادي العمدة بيا صديق: لأن الأصدقاء أقل عرضة للاقتتال من الرفاق.. فكم قتل من الرفاق بأيدي رفاقهم!.. ويسأله العمدة:‏

- "ألا تبدو كلمة صديق أبعد قليلاً بين أسقف كاثوليكي وماركسي؟"‏

- "منذ بضع ساعات خلت، قلت إنه يجب أن نجد شيئاً مشتركاً بيننا"‏

- "ربما كانت الخمرة هي ذلك الشيء المشترك يا صديقي" (ص55)‏

ولكنهما يعرفان جيداً أنها ليست الخمرة وحدها. لقد كسرا قواقع الأيديولوجية الصلبة التي تفضل أحدهما عن الآخر، وسبحا في الأعماق الدافئة، حيث الهموم المشتركة، والآمال النبيلة بتغيير العالم نحو الأفضل.. وحين يزاح جدار الدوغمات يصير الفهم أيسر.. وإن كان الإيمان يحتاج إلى ما هو أكثر من الفهم.‏

ويلفت الكهنوتي نظر الماركسي إلى أن الماركسيين جعلوا"ماركس" و"لينين" معصومين عن الخطأ كما جعلت الكنيسة قديسيها معصومين.. ثم يعترف بأنه يتمسك بكتبه العتيقة ولكن الشكوك تراوده أحياناً.. ويدعو صديقه قائلاً:‏

- "أرجو يا صديقي أن تدع مجالاً للشك أحياناً. الشك من طبع بني البشر"‏

قال العمدة: "أحاول ألاّ أشك"‏

- "وأنا كذلك. إننا متشابهان في هذا بالتأكيد"‏

ووجدا أن الشعور بالشك: "قد يؤلف بين قلوب الرجال أكثر مما يفعله شعور مشترك بالإيمان. المؤمن يقاتل أخاه المؤمن بسبب سحابة خلاف. أما الشّاك فلا يقاتل غير نفسه." (ص64)‏

ونمضي معهما فنرى السخرية اللطيفة، والشك القاسي، ولكننا نبقى في الحالين مع القضايا الهامة التي أرّقت البشر ومازالت تؤرقهم. ويشعر هذا الماركسي أن صديقه الكاهن أقرب إليه من بعض"الرفاق"، ويشعر هذا الكاهن أن هذا الماركسي أقرب إليه من بعض"الكهنة".. ويتابعان سفرهما في روسينانث" سيارة الكاهن التي ألفها ويأبى إبدالها..‏

ويتبادلان الأحاديث حول الحلم بالسعادة على الأرض، والحلم بالسعادة الأشمل في السماء، وحول السخافات في الكتب، وحول السخافات في الفروسية، وحول ضرورة الحلم، وضرورة الكتب، وحول ضرورة أن توجد فروسية. فثمة في كل نظام اجتماعي"رجال حرس" يدورون في كل فلك" ويدورون حتى مع الريح القادمة من جهة الشرق"(117) أما الآخرون من محبي العدالة والخير فإنهم يمضون إلى أهدافهم غير آبهين بمواجهة العواصف.. ثم قد لا يوجد فرق جوهري بين الواحد منهم وبين الآخر حتى لو ارتديا ملابس"أيديولوجية" مختلفة.‏

ويعانيان الضيق بالحاضر، يرغبان في السفر إلى المستقبل، ويبقى السفر إلى المستقبل رغبة لا أكثر، أما الماضي فيستعاد بالذاكرة، وهما يعرضان أمامنا لوحات غنية من الماضي، ماضيهما الشخصي وماضي أسبانيا العام، ويستخلصان الحكمة مما يريانه أو يتذكرانه وتكون الحكمة في سياق الحدث أو الذكرى لا من خارجه أو خارجها، ونرى وجه ماركس في وجه الفارس الخالد"دون كيشوت" فهو الآخر له كتب فروسيته التي تنتمي إلى الماضي الذي تفجع عليه في أكثر من موضع إذ"يرى كل مقدس يُدّنس" (ص141)‏

وتطرح مسألة العدل والعقاب بذكاء في أثناء لقاء المسافرين بلص مصارف هارب من الشرطة يحميه الكاهن: "وليس من العدل أن يكون المستقيمون من الناس جلادي سواهم" (ص170).‏

ولكن اللص يسلبهما ما كان محتاجاً إليه من ملابس وطعام، ثم يأخذ حذاء الكاهن.. وتلقي الشرطة القبض على اللص، وكان اسم الكاهن على الحذاء الذي أخذه، فمن عادة القيّمة على منزله أن تكتب اسمه على كل حذاء يشتريه، ويسبب ذلك بعض المتاعب للكاهن ويكون سبباً في إجراء حوار آخر حي مع الدوغمائيين من كهنة ورجال سلطة. فهذا الكاهن ليس مؤمناً بالله فحسب بل هو يلمسه: "- أقول لك بأن المسألة ليست مسألة معتقد، أنا أحس الله" (ص189) وهو حين يغضب لا يظل على غضبه: "وشعر هذه المرة أن غضبه قد تبدد، وأن حزناً عظيماً بدأ ينمو فيه بدلاً من ذلك الغضب" (ص189) ولكنه لا يستطيع السكوت على الباطل.‏

وإذ يعود الحرس بالأب كيشوت إلى منزله، ويستدعون له الطبيب، نرى ونسمع ما لا يرى أو يسمع إلا في الأعمال الإبداعية الكبيرة. نرى العادي يصير خارقاً، أو إننا نرى جوهر الخارق في جوهر ما كنا نحسبه من الأمور العادية، ونسمع المسائل الأعقد تناقش بكلمات بسيطة وواضحة في أثناء تصادم الطباع الإنسانية المختلفة. فأحد رجال الدين يرى: "أن هذه حرية بالغة الخطورة" فيرد عليه المنسنيور كيشوت قائلاً: "لكن الله منحنا إياها، أليس كذلك؟ الحرية؟.. وذلك هو السبب في أنهم صلبوه" (ص224) ثم يعلن أمامه أن ماركس هو أكثر"من أسيء فهمه".‏

وأن البيان الشيوعي"يحوي على أكثر الثناءات للدين إثارة" إنه يتحدث عن"أعظم انجذاب صوفي سماوي للحماس الديني" (ص225) ويقدم البراهين على ما يقول.‏

ولكن المؤسسة- الكنيسة، والمؤسسة- الحزب يوسعان الخنادق بين الجانبين ويعمقانها.. ومن أين لصوت حالم- "مجنون" أن يردم ما وسّع الجانبان وما عمّقا.‏

ويهرب المنسنيور مرة أُخرى من هذا الجو الذي لا يطاق.. ويرافقه العمدة، يلازم شبح الإلحاد الإيمان، وتكون حوارات واعترافات.. وتكون صدامات بين الإيمان الذي يرفض إلا التجسد في عمل، وبين مالئي الدنيا شعارات ودعوات إلى الإيمان وهم يعملون نقيض ما يقولون. وندرك أن صنف"المجانين" الرائع لن ينقرض أبداً على الرغم من أن المبدع يبتعد أو يزاح دائماً حين يأتي الدوغمائي.. فحيث يسود الحرف تقتل الروح أو تضطهد.. "وأما الروح فيحيي وأما الحرف فيميت".. وثمة جماعة من الأساقفة يفسدون حتى الخمرة التي"باركها الرب".. وأما هم فتفسدهم رؤية المال.. وأما الماركسيون فبوسعهم وضع مدراء لكل الأعمال الإسمنتية، ويستطيعون تحمل مسؤولية مؤسسات الغاز والكهرباء وغيرها، ولكن مديريهم لن يقدروا على إدارة كرم عنب.. "لأن الكرمة كائن حي مثل الزهر أو الطير." (ص262).‏

ويضطر المنسنيور كيشوت إلى أن يتخذ من ثوبه الكهنوتي درعاً وهو يجابه المسيئين إلى المقدسات الدينية بالمتاجرة بها، مع أنه يدرك أن لا جدوى منه، أما المجابهة فلابد منها. ونشعر أن دون كيشوت لم يمت بعد.. لم تقتله"الثورة العلمية- التقنية ووسائل الإعلام الحديثة" إنه يقاتل الأعداء من كل جنس.. وسيولد له أولاد وأحفاد في كل جيل إلى أبد الآبدين. وستبقى قائمة مسألة نسبية الحقيقة: "الحقيقة والخيال- إنهما شيئان لا يسهل التمييز بينهما دوماً".‏

وحين يطلق رجال الحرس النار على سيارة المنسنيور العتيقة فتتحطم على جدار الدير ويخرجونه منها غائباً عن الوعي نشعر أن الأمر قد وصل إلى نهايته المنطقية. فهذا ما يفعله الحرف الميت دائماً حين يخذله المنطق في حواره مع الروح الحي... وينهض المنسنيور كيشوت وهو في غيبوبة الموت ليتلو صلاته الأخيرة.. وتكون صلاة عجيبة.. ثم يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي صديقه ورفيق سفره الوفي.. ويفيض الألم من صدر"العمدة" كلمات رقيقة وموجعة.. وتنتهي الرواية.. وتظل الأصداء تنداح اتساعاً، وتتوغل عميقاً، فتتجاوب معها مشاعرنا وأفكارنا، ونبقى طويلاً نصغي ونتأمل.‏

وتبقى ملحوظة أخيرة حاولت طويلاً أن أعرض عنها وأن أتجاوزها فأبت إلا إلحاحاً.‏

إن طموح الناس إلى ترجمة الأعمال الكبيرة طموح مشروع بل هو واجب. فما الفائدة من ترجمة الأعمال التي لا فائدة منها؟‏

والمسألة هي: إن الطموح إلى العمل الكبير يحتاج إلى جهود كبيرة وإلى طول أناة.. فليت السيد شاهر عبيد مترجم رواية"المنسنيور كيشوت" بذل مزيداً من الجهد في هذا السبيل.. إن الأغلاط الكثيرة في هذه الرواية الجيدة تبدو أفدح لأنها في عمل جيد.. وإذا كان المترجم قد بذل ما يستطيع ، أفما كان في وسع الجهة الناشرة أن تكلف واحداً متمكناً بمراجعه النص أو تدقيقه لغوياً على الأقل؟ لقد أصبح هاجساً أن أرى كتاباً عربياً لا غلط فيه.. فهل سأراه أم أن المسألة أكبر من أن تحل؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244