|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
"المنســـــنيور كيشــــوت" تداعيات وأصداء "القليل من الملح يصلح الطعام، والكثير منه يفسده" والفلسفة للحياة كالملح للطعام.. فما أكثر ما نتفلسف، وما أقل ما نعمل" هل حدث لكم أن مضيتم هائمين في عالم بكر، أو في غابة عذراء، حيث لا دروب ولا أهداف مسبقة التحديد.. هل وقفتم دهشين أمام الأشياء والكائنات؟ هل دونتم رجع الأصداء، وصورتم غرائب الرؤى؟ أما أنا فقد فعلت.. كان ذلك حين قرأت رواية" المنسنيوركيشوت" لغراهام غرين الصادرة عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1991 وقد ترجمها شاهر حسن عبيد.. وسأنقل لكم ما دونت من تداعيات، وأصداء، وصور.. أعدت الرواية إلى مكانها بين أخواتها من الروايات الكثيرة الصادرة عن وزارة الثقافة .. وقررت أن أحدثكم... الأصوات التي ستسمعونها هي مزيج من مشاعري ومن أصداء مشاعر بطلي الرواية.. إنهما رجل دين نبيل، رفعَّ إلى رتبة منسنيور وعمدة مدينة أسقطه الفاشيون في الانتخابات.. ولقد مضيا معاً في سيارة عتيقة عبر دروب إسبانيا، وعبر التاريخ مناقشين قضايا الدين والدنيا ومسائل إصلاح العالم ومعرفته. الانطباع العام عن الرواية هو أنها رواية شاملة تنطلق من المحدود إلى المطلق، وتعود من المطلق إلى المحدود، تمضي من البساطة غير المتناهية إلى العمق غير المتناهي.. ومن الحوار بين البطلين نلمس شفافية روحيهما وقلقهما من ناحية، وصلابة طبعيهما من ناحية أخرى.. وفي أثناء سفرهما يريان شتى التفاهات والحقارات ويلتقيان بالمحتالين واللصوص والبغايا، ولكن عدويهما الأساسيين هما الدوغمائيون ورجال الحرس.. وتبدأ الأغنية: يمزقون جسدي الغض بأنياب حقاراتهم.... أقول: أتقيهم بدرع من عدم المبالاة.. تضيق الدرع على ضميري فأخلعها.. وأجابههم عارياً. ...... ..... جسدي تخترقه الكائنات، وروحي قلقة، أزرع كياني في الكلمات التي أكتبها لكم، فإذا قرأتموها بإمعان رأيتموني أخرج منها وأصافحكم بود، ثم أعود إليها لأنتظر قارئاً آخر.. وأنتِ أيتها الكلمات! كوني لطيفة، واحملي إلى الناس شيئاً من الحنان الذي في صدري.. أقيم في خيالي سراباً لأوهم نفسي بقرب الارتواء.. ولكنني أراهم يمزقون لحمي ويضيقون ذرعاً ..؟..... أخاطبهم بلسان الحكمة والمحبة فلا حكمتي تفيدهم ولا محبتي ما داموا يندفعون وراء أهوائهم وغرائزهم. أكاد أيأس من مخاطبتهم.. يحل في أعضائي تعب مشل.. فهل هو القلب المتعب يقدم طلب استقالته على استحياء؟ أعرف أنني أرهقك أيّها القلب بمشاعري وانفعالاتي، ولكن ماذا بيدي؟ الناس يقولون: إن القلب مصدر المشاعر والانفعالات، فهل يتعبك ما يصدر عنك، أم يتعبك الشك بوصول رسالتك إلى الآخرين؟ تغلي الكلمات في مرجل مشاعري فيضيق عن تدفقها فمي، أشعر أنني سأختنق أو أتفجر متناثراً في فضاء غير متناه، ثم أسمعها تخرج صافرة مثل الأفاعي في يوم قائظ... تتراخى أعضائي المتشنجة وأشعر بارتياح لذيذ.. يليه شعور بفراغ مضجر.. ثم يبدأ الامتلاء.. ويولد مشروع كلام جديد. أمّا الموت فيداهمنا، أبداً، قبل أن ننجز مشاريعنا الأخيرة. وأما هم.. فكثيراً ما يدفنون أنفسهم في عالم الأموات بدلاً من أن يعيدوهم إلى عالمنا. وتصل إلينا الرسالة على لسان البطلين ملفعة بأوشحة فائقة الشفافية.. ثم نمضي قدماً.. ..... ..... كيف أزعم أن جسدي لي وأنا أعلم أن ملايين الكائنات تعبر جلدي وتمرح في كياني من غير ما استئذان؟ وأما أنت.. فتريدني أن أدعوك سيدي.. وما أنت بسيدي! إنني أسخر من جنون العظمة الذي أصابك أنت الضعيف مثلي.. ألا تصدق أنك ستموت كما تموت الكائنات، وأن أعضاءك المبجلة ستكون وليمة غير مبجّلة لديدان الأرض؟ تلك مأساتك المضحكة! فاغفر لي قلّة لباقتي.. إن ما تراه عظيماً ومجيداً أراه غباراً.. أنت صغير يا هذا، أنت صغير جداً، ولولا ذنوبك الكبيرة ما كان بوسع أحد أن يراك. ...... ...... ونتابع الإصغاء إلى حوار الرجلين، فنفهم مما لا يقولانه أكثر مما تقوله كلماتهما: نبكي حين لا نقوى على الضحك، نضحك حين لا نقوى على البكاء، فلا نعرف الضحك على حقيقته، ولا البكاء في أوانه.. نتخاطب بأصوات عالية وقد نسينا الهمس.. يصير العالم منفراً إذ يصير شديد الصخب.. ويصير العالم عالمين.. عالم البشر وعالم الذين يرون في ما يحقق مطامعهم عدلاً وجمالاً حتى لو أشقى الآخرين وشوههم... ويقال لنا: اطمئنوا ولا تغضبوا! فكيف نطمئن وقد صارت الأفاعي تلدغنا حتى من أوكان الحمائم، وصرنا نرى الشياطين في ثياب الملائكة؟! تقولون لنا: كونوا حكماء وارضخوا! فكيف نرضخ وقد استوطنت العواصف رؤوسنا وطاب لها الاستيطان؟ تشكون من إفراطنا في الجنون ونشكو من "إفراطكم في الحكمة.. نحن نسخر من حكمتكم المفرطة لأننا مجانين فعلاً.. ولكننا نسخر صادقين فصدّقونا.. إن جنوننا النبيل خير من حكمتكم البليدة هذه. ما ترونه فراغاً ليس فراغاً، وما ترونه امتلاء ليس امتلاء، وحين تحل فكرة عظيمة في ذهن إنساني لا تحل في فراغ ولا تأتي من فراغ، إنها تنمو من أفكار شتى ثم تنّحيها جانباً ولا تلغيها أو تطردها من الوجود.. فما وجد يبقى إلى الأبد، إذ لا مكان خارج الوجود فيطرد إليه.. إن ما يوجد لا يتلاشى بل يتغير.. وهذه القوانين الطبيعية يتناساها بعض الناس ثم يحاول الخروج عليها باسم العلم أو باسم الدين. وإذ لا يستطيع يوهن أواصره مع إخوانه ومع العالم بدلاً من أن يوّثقها.. وفي أعجوبة الشجرة حكمة لمن يعقلون: من مملكة الجذور يبدأ السفر... وإليها يكون المآب.. أو هكذا يخيل لنا.. وفي ذاكرة البذور تكون صورة الشجرة كاملة، أو يكون مشروع كينونة الشجرة الكاملة. فالبذور تلد الشجرة والشجرة تلد البذور. ويكون الذي فوق في خدمة التي تحت، ويكون الذي تحت في خدمة الذي فوق.. إذ يصير الكل في الواحد، والواحد في الكل. وتكبر الشجرة.. تحمل بذور ثمارها مشاريع أشجار كثيرة. وأما الصخور فهي صلبة لأنها من أدمغة الدوغمائيين قد أُخذتْ. ..... ..... هل الكون زمان صنع مكاناً له، أم هو مكان صنع زماناً له، ثم دخلنا الكينونة التي لا خروج منها؟ هل يعقل أن يوجد مكان خارج الزمان، بعده أو قبله، وهل يعقل أن يوجد زمان خارج المكان؟ لقد طرحنا الكثير من الأسئلة واختلفنا على الكثير من النظريات وفاتتنا فكرة مفادها أن النظريات والمبادئ مثل مجلات"الموضة" تعلمنا كيف نصنع الثياب ولكننا لا نجد فيها ثوباً. وها نحن نكاد نخسر زماننا ومكاننا إذ نفصل الملموس عن المطلق، والجزئي عن الكلي. ...... ...... قال لي صاحبي: بحثت عن إنسان فما وجدته. قلت لصاحبي: كنت تبحث عن ملاك.. أما الناس فهؤلاء هم. سأل صاحبي: وأين الشياطين إذاً؟ قلبت شفتي وقلت: لا أدري. غمغم في أسى: لو أُرسل إلى الأفاعي ما أُرسل إلى الناس من أنبياء، وشعراء، وفلاسفة لما بقيت قطرة من السم في ناب أفعى. ضحكت من قهر وقلت: ألا تسمع آخر نكتة؟ قال: هاتها! قلت: قررت العصا أن تمارس ديمقراطيتها الجديدة في ظل النظام العالمي الجديد فصارت تضرب خصمها ضربة قوية قاضية على الرأس بدلاً من أن تضربه عشرين ضربة خفيفة على القدمين. قهقه ضاحكاً ثم قال: هذا إن ظلت للآخرين رؤوس. ثم وضعنا أيدينا على رأسينا، وصمتنا. ..... ..... لو تأملنا جمال الكائنات ما عملنا على إيذائها، إذ في كل كائن أكوان تتفاعل وتتكامل.. ومن هنا صعوبة الوصول إلى الجوهر.. ولقد قيل: صور الأشياء ليست الأشياء. وإنه لأمر خارق أن نكون في العالم، وإنها لمسؤولية كبرى أن نكون للعالم.. وكثيراً ما أسأل نفسي: ومن نحن كي يتكون كل هذا الكون من أجل أن نكون؟ ويخيل لي أننا وجدنا كي نبدع.. وإذا كانت صور الأشياء تحجب عنا الجوهر، فإن كثافة القشور تحرمنا من حرارة الجوهر فنكسل ونعتاد، والإبداع يقتله الاعتياد، إذ تصير الكلمات أقنعة.. ويصير علينا أن نجد الكلمات التي ليست أقنعة. ومن أجل ذلك علينا أن نتخلص من الرواسب ونعيش بكارة الحاضر. ولكننا ركام من ذاكرة الأسلاف، والأشياء.. وأحياناً تكون وسيلتنا إلى المعرفة حجاباً دونها. وإنه لمن طبيعة تكويننا أن نفرح حين تنتهي المرثية، وأن نحزن حين تنتهي الأغنية... وتمضي الحياة.. تجعل حماقاتنا الآخرين حكماء، ونتعلم الحكمة من حماقاتهم. والذي نراه حجراً لم يكن حجراً بل صار كذلك.. ونزعم أنه خال من الإحساس. وهذا جهل.. فهو يستجيب لمقتضيات طبيعته استجابة قد تكون أكمل من استجابات حواسنا.. ومن نحن لو لم نرث من الأشياء الذاكرة؟ ويكون علينا أحياناً أن نصعد في الزمن الهابط كي نبقى في أماكننا... أما الشباب فيمضي باكراً، وأما الحكمة فتأتي متأخرة. ...... ...... قلت بداية: إنني لن أكتب نقداً، إنما هي أصداء وتداعيات، ولكن الإشارة إلى كتاب جميل مثل"المنسنيور كيشوت" لا تكون وافية بهذا وحده. إنها رواية جميلة حقاً.. وقد يكون بعض سر جمالها في أنها عالجت القضايا الكبرى ببساطة.. فنحن لا نجد فيها أثراً للتفلسف أو التنظير أو المماحكة.. إنها تتجاوزها لتسبح مباشرة في خضم القضايا الكبيرة وتحررنا من المقدمات الفلسفية والنظرية التي تجعلنا نضيع الهدف الذي نسعى إليه ونحن متفقون عليه. وهي لا تطرح علينا المسألة العويصة: "أولوية الدجاجة على البيضة أم العكس" بل تعرض علينا أن نقيم مدجنة تبيض فيها دجاجاتنا التي في الخم لا في الخطط والفرضيات بيضاً تخرج منه دجاجات تبيض هي الأخرى، فنلبي حاجة الناس إلى البيض والدجاج ونوفر مشكلات كثيرة ولا ننسى أن نغرس الكرمة ونعتصر النبيذ"الذي يُفرح قليله قلب الإنسان". الرواية لا تقول لنا ذلك مباشرة بل تشير إليه بكل قدرة الفن وطاقته الإيحائية.. ونستخلص من عبق الجو الروائي الذي خلقه غراهام غرين أن الدوغمائية هي العدو الأخطر للحياة والفكر.. فأي حياة تزدهر في القوالب الصلبة! وندرك أن ما قتل المنسنيور كيشوت الرجل ليس حجارة الدير بل حجارة الدوغمات وضيق الأفق في رأس ممثل المؤسسة الدينية الذي فصل مؤسسته عن الحياة وحبسها بين جدران الدوغمات المصمتة. وبعد موت المنسنيوركيشوت يبقى صديقه السياسي وحيداً وحزيناً، وقد استيقظ متأخراً.. وعليه أن يعمل على إيقاظ الحزب لإيقاظ الناس.. فهل يفعل، أو هل يستطيع؟ لم يعد الحزب حزباً بل صار أقنعة... صار"هيئة منتفعين" من ضيقي الأفق.. فما العمل؟. وتنتهي الرواية... تتجاوب أصداء أغنية تنبعث من واد عميق حاملة أشواق عاشق متعب.. الدروب طويلة وضيقة، وأصدقاء السفر قلة.. فمن ذا الذي يسافر على الدروب الصعبة في زمن"الأوتوسترادات" العريضة، زمن الطائرات التي تفوق سرعتها سرعة الصوت؟ وإذا نطوي الصفحة الأخيرة لا نشعر أن الرحلة انتهت.. ففي العالم شرور كثيرة، والخيانات تعوي عند كل منعطف، ونسل دون كيشوت العظيم لم ينقرض بعد.. وأزعم أنه لن ينقرض أبداً.. وأشرد مع الحلم: إذا كانت السيئة تحجب مائة حسنة فكم ينبغي لنا أن نكون طيبين وأنقياء كي نقيم مجتمعاً صالحاً مؤسساً على الفهم والحب والعدل؟ ولكن الحالمين لا ينتبهون إلى الخطر إلا بعد أن يستفحل.. إن نقطة ضعفهم القاتلة هي في كونهم طيبين جداً. وهم يحرصون على بناء العالم بالمحبة وحدها.. فالمحبة تيسر الفهم، وتشمل العدل. وينسون أن المحبين والعادلين قلة. .... .... يقول العلماء: عمر الإنسان على الأرض ملايين السنين. وأسأل: ومتى سيبلغ سن الرشد؟ ومتى سيستعمل عقله، هذه الأعجوبة الكونية، في خدمة الكون الذي أنجبه؟ ... ... إن رواية"المنسنيوركيشوت" تثير في ذهني مسألتين هامتين.. أولاهما هي أن عملاً من هذا الوزن الأدبي يحتاج إلى جهد أكبر من الجهد الذي بذل في سبيل إيصاله إلينا.. فالهفوات كثيرات.. وثانيهما هي أن حلول ثقافة"الخبر الثقافي" محل ثقافة الحوار الثقافي ظاهرة غير صحية.. فمتى نبدأ الحوار الجاد؟ إن المطابع تلقي إلى الأسواق كميات هائلة الحجم.. وهي تحتاج إلى الغربلة والتثمين.. فأين هم المغربلون وصيارفة الأدب؟ ويجعلني صمت النقاد عن هذه الرواية أشك في نفسي فأطرحُ عليها سؤالاً مازال يحيرني: هل أنا معجب بهذه الرواية لأنها فعلاً جيدة وتستحق الإعجاب الموضوعي، أم لأنني وجدت فيها الكثير من الأسئلة التي صرت أطرحها في السنوات الأخيرة.. وتكون مسألة إعجابي بها مسألة شخصية تخصني وحدي؟ إن المسألة في غاية الجد.. وإذا دام عدم الاكتراث بما يجري اختلط الحابل بالنابل وزادت الأحوال سوءاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |