|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
أنــــور رجــــــا و"الصــــــافــــرات" "الصافرات" هي باكورة أعمال الكاتب السياسي الصديق أنور رجا رئيس تحرير مجلة"إلى الأمام" إنها باكورة أعماله القصصية، طبعاً، وقد جمعت في كتاب صدر مؤخراً عن"دار الحوار" في/110/ صفحات من القطع دون الوسط. تحمل البواكير، دائماً، نكهتها الخاصة وأهميتها الخاصة، وذلك لأنها تستند إلى مكونات الطبع الإنساني الأولية الرئيسة، وتتركز فيها على نحو كثيف أبرز سمات"مواسم" العطاء القادمة.. ومن ثم يكون اكتمال النضج واكتمال التلوين ونماذج الأضواء والظلال.. وإذا كانت الخطوة الأولى هي الأصعب والأهم في كل مسيرة، إذ بها يتحدد الاتجاه، فإن الخطوة الأولى هنا تبدو أنها أكثر من خطوة أولى.. وربما كان طبع كاتبها هو الذي أكسبها هذه الصبغة المميزة وأعطاها ما فيها من أبعاد وافعمها بما حوته من ألوان باسمة أو جهمة، وما قدم فيها من بُنى مؤلمة من حيث هي وقائع، مفرحة من حيث هي فن جميل له قوانينه الخاصة وشخصيته الخاصة. إن الكثير من البواكير الأدبية الإبداعية وغير الأدبية يكون كالأطفال إذ يولدون صارخين من غير أن يعرف سبب صراخهم.. ولا أدري إن كان في ذلك إشارة لنا إلى أن أول ما يتعلمه الإنسان هو البكاء وإن عليه أن يعمل بعد ذلك على أن يتعلم الفرح وأن يزرع الفرح في كل الصدور، أقول لا أدري لأن ثمة من يزعمون أن الإنسان يولد باكياً وعليه أن يبقى باكياً حتى يلفظ آخر نفس من أنفاسه..أما الوليد في قصص"الصافرات" فيأتي إلى الدنيا على نحو مختلف، هو لا ينكر ما يعاني من ألم بل يؤكده، لكنه ينظر إلى دنيا الألم والبكاء باعتداد الواثق من نفسه وكأنه يريد أن يقول لها: حسناً أيتها الشمطاء! لقد قبلت التحدي.. ثم يرمي قفازيه في وجهها.. ويبدأ العراك. وللعراك هنا أصوله الدقيقة وقوانينه.. وللعبة هنا أيضاً ميدانها المختلف نوعاً. فإذا كان الأستاذ الصديق أنور رجا يخوض المعركة الحياتية- السياسية على جبهتي الصحافة السياسية والأدب فإنه يكتب الأدب السياسي كتابة جديدة تماماً، هي بنت فكره السياسي أو شقيقته، وهي وليدة نظرته السياسية إلى العالم أو شقيقتها، لكنها تختلف عنها من حيث هي نوع مختلف.. فللعمل الأدبي كيانه الخاص الفريد الذي لا يكون الأدب أدباً إلاّ به. فهو من السياسي الفكري وهو غيره، هو داخله، وهو مستقل عنه، ملتحم به ومنفصل عنه، يصدر عنه ويعود إليه في نهاية المطاف القصوى لكنه يمارس طقوس كينونته الخاصة، ويقيم طقوس تألقه واندياحه ما بين المنبع والمصب وكأنه لا ينبع إلا من ذاته ولا يصب إلاّ في ذاته. إنه ابن الحياة التي منحته وهجها ليستنير به وينير. سبق لي أن قرأت"قصص الصافرات" فرادى واستبشرت خيراً، لقد ولد من أبناء عشيرتنا قاص حقيقي لديه الموهبة والأداة، وهو عاكف على إتقان التعامل مع أداته.. وها أناذا أقرأ القصص ذاتها وقد جمعت في كتاب فأراها أجمل وقد يكون السبب في شعوري هذا أن نشر القصص كان متباعداً زمناً إلى حد ما، أما الآن فأنا أنتقل من قصة إلى أخرى من غير أن أخرج من عالم الكاتب فتبقى مشاعري حارة متوترة كمن يسير في أروقة قصر دافئ وجميل يوصلك الرواق الجميل فيه إلى أخيه المضاهي الأجمل فينضاف الجمال إلى الجمال والعذوبة إلى العذوبة حتى يخيل لك عبر اتصال الجمال أن ما تراه هنا أجمل مما سبق لك أن رأيته مجزءاً. وأقف عند الإهداء.. أقرأه على مهل وأبتسم، أرى وجه الصديق أنور يبتسم، أتذكر ابتسامته حين قدم لي"الصافرات" فقلت له: أخاف أن أكتب عن الصديق لا عن الكاتب، فأبتسم مرة أخرى وقال: لا تفعل ذلك.. نحِ الصداقة جانباً ثم اكتب إذا أردت أن تكتب.. وكنت أريد ذلك، وأنا الآن أريد ذلك.. لكنني أعرف صديقي جيداً.. وها أناذا أمام باكورة أعماله.. وها أناذا أقرا الجملة الأخيرة من الإهداء وأنقلها لكم"إلى الابتسامة الفسيحة التي احتضنت حقل بنفسج فأضاءت الليل". أنا على ما يشبه الثقة التامة من أن الكلام هنا موجه إلى امرأة بعينها، لكن أي امرأة ستقرأ هذا الكلام ولا تتوهم أنه موجه إليها بالذات مع أنها لم تر الكاتب ولم يرها؟.. وندخل عالم القصص أو جو القصص عبر"برج الحمل" فنجد أنفسنا في عالم بسيط لكنه ثقيل جداً.. فهذا الحمل الذي هنا لم يصبح كبش نطاح بعد.. صحيح أن له برجه، ولكل كائن برجه، لكنه مازال حملاً. قد لا يكون حملاً وديعاً تماماً لكنه حمل على كل حال يستطيب: "فتة الخبز والشاي" أكثر مما يستطيب مذاق القهوة التي يرتشفها الآن وقد ألفها" مذ كان يسرق بقايا فنجان أمه".. وكانت أمه الأمية" تجيد قراءة الفنجان أكثر من طلاب الجامعة" (ص9). ويتحول الجو البسيط مع هذا الذي يقرأ"دون أن يعير انتباهاً للأصوات المتكسرة على حافة صمته" إلى بداية تعب، فبداية احتراق، فقشعريرة"تجتاح جسده الملقى بين الأحرف المشوشة".. ثم يتفكك الجسد.. وتخترق الأحرف حدود قلبه الدفاعية "وبات لخُطا المهاجمين وقع غريب". واحترقت أوراقه التي أحبها وتحول الدخان"إلى سحب قاتمة ملأت المكان" "أطل من بين السحب وجه أمه. ضج المكان ببكاء وعويل ونواح"(ص 12). وهطل"مطر أسود" "انساح السواد فوق جسده واشتعل" (ص13). ونطوي صفحة فنقف أمام"انكسار الصنوبر". ثمة سفن هنا لا تسيرها الريح، ونهارات غارقة في ليلها، وهواجس وصور مدن مثقلة بأرصفتها" وفقدت البنادق بعض ذاكرتها، وضاقت الممرات بين التراب وتحته بالأسئلة الجرداء وعلب الدخان الفارغة" (ص18) كان ينبغي أن تقام مراسم دفن خاصة وسرية.. وكان على المشيعين وحافري القبور أن يتقنوا"حفر الخنادق والقبور".. فهنا أسلحة تدفن.. يدفنها مقاتلون شيعوا شهداءهم إثر جولة خاسرة.. امتدت زمناً يكاد يكون عمراً بكامله.. ولقد مضى فيه شباب العمر على كل حال. في"يوم لابن الزيات" نحس وجعاً من نوع خاص.. فثمة شهيد وثمة متاجرون بالشهادة. هنا شهيد" اقترب من طفلته وبكى معها. لم ينظر إلى عيني زوجته خشية أن تسأله لماذا تأخر عن دفع دين الشهر الماضي إلى جاره السمان" (ص38- 39). وكم من الموجع أن يقف الشهداء عاجزين. في حين يسير في جنازتهم أصحاب معاطف الفراء الثمين وهم يعدون العدة لصفقات جديدة.. وأرى في ابتسامة صديقي أنور بكاء أو ما هو أوجع من البكاء، وأدخل معه إلى"غرف محكمة الإغلاق" أشعر مع الوجه الذي يرسمه بالألم والبرد والخوف.. يرعشني شعوره بأن"الزمن قد دخل في سباق مع جسده المنهك وأسأل مثله" ماذا جرى للناس؟ لماذا يتراكضون ورؤوسهم للخلف؟" (ص43) ويسكن قلبي كما سكن قلبه"برد المدينة وخواء شرفاتها" وأسقط معه حين سقط وخبأ"أنينه وتسلق ركبتيه" ثم خذلته يداه... ويوصله سائق السيارة إلى الغرف المغلقة بدلاً من أن يوصله إلى بيته.. وأبقى وحدي.. أنتظر عودته.. في حين يمضي الآخرون إلى بيوتهم مسرعين.. ومن على"المنصة" أسمع خطبة. فالقاعة تغص بالحاضرين.. ويدخل أبو لطفي.. أبو الشهداء ويجد له مكاناً بين الحاضرين.. أنه"يستمع إلى الجميع ولا يكلم أحداً" (ص55) لكن حضوره، ويا للعجب، لا يُخجل الخطيب.. ونخجل نحن مما نسمع.. ونلوذ ببراءة الأطفال وعفويتهم.. نردد مع الطفلة: "بيسان يعني فلسطين" وليش في أحلى من هيك اسم"؟ ويكبر السؤال.. يغطي كل الجيف التي مازالت تتحرك وتعرض نتنها على المنابر والمنصات.. ولم تجد من يدفنها بعد.. في"الإرشيف" نجد المادة المؤرشفة مرتبة.. ثم تحترق بطريقة غامضة ويختفي الذي أرشفها.. ونواجه في"حران" إضراباً من نوع فريد. هنا تضرب الحمير التي تتعب ولا يستطيع أصحابها إطعامها.. ويعتبر الإضراب شبه مؤامرة.. فيدفع الثمن المتسلق الصغير الذي أبرزته الحمير فرفعه الكبار وحين حرنت الحمير أسقطه الكبار.. كي لا تصل الروائح إلى أنوفهم الرفيعة. "أولاد العكاوي" صورة قليلة المساحة كثيرة العمق.. وعلى الرغم من تكرر موضوعها تبقى محتفظة بفرادتها وخصوصيتها. وتكاد تكون تلخيصاً أدبياً لما يجري في فلسطين كل يوم.. وسوف تظل سياط البرق مشغولة"بمطاردة ظلال الغيم المذعورة" (ص90) ونصل إلى"الصافرات" التي تحمل المجموعة أسمها فنرى أنفسنا أمام مشاهد من حياة رؤوف تلتم وتتحد كي تتشكل منها قصة كما تتحد الأطراف والرأس والجذع لتشكل جسداً حياً.. أما الأواصر التي تشد وتوحد، وأما الجملة العصبية التي تحرك فتظهر حيناً ثم تغوص إلى مكانها من الأعماق الصافية، تاركة علامات من علامات وجودها الفاعل هناك وتتكامل اللوحة لكن أسراب النمل تنخر"مسامات الجسد" ويعلو الصفير" وتكبل بخيوط سوداء جسده المسجى وسط لوحة بيضاء" (ص 109). في القصص كلها أكثر من مشهد قاتم، وأكثر من مشهد كابوسي.. ولا مكان هنا للتفاؤل المصطنع. نحن هنا نرى صور الوقائع كما هي، ولا أثر للافتعال. ويكون علينا أن نفكر بالحلول الواقعية حصراً.. أما الذين يخافون ويسعون إلى النجاة بجلودهم فهم موجودون هنا وهناك وسوف يوجدون غداً ما دام الخطر ماثلاً وما دام الصراع محتدماً... وكما أننا لا نرى"تفاؤلاً مصطنعاً" فإننا أيضاً لا نرى خوفاً من المجابهة.. بل ثمة حدة دعوة خفية إلى المجابهة.. فتصوير البشاعة دعوة إلى حب الجمال والعمل على الدفاع عنه. و ختاماً.. من الناس من يرضيك سلوكه ولا يرضيك إبداعه. ومنهم من يعجبك إبداعه ولا ينفرك سلوكه فتقدره من جهة وتزدريه من جهة.. وثمة من يرضيك سلوكه وإبداعه وترى الانسجام بين قوله وفعله فتحبه وتُعجب به. فتحية حب وإعجاب إلى الصديق أنور رجا. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |