وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

"الوجـــــه الآخر للســـــقوط"

والنوسان بين الذهني والفني‏

أبدأ من العنوان فأقول: إن للسقوط أكثر من وجهين.. فهو ليس هذا الوجه أو ذاك وحسب.. وإذا كان ثمة غنم وذئاب يكون التحول إلى ذئب سقوطاً ويكون الرضى بالغنمية بين الذئاب سقوطاً.. ويكون اتباع الطرق الذليلة الأخرى سقوطاً.. فالخروج عن طبيعة الأمر القبيح لا تكون نحو الأدنى أو الأعلى فقط.. إن كل جهات الانحراف والالتواء تبقى مفتوحة أمام المستعدين للسقوط والباحثين عن طرقه، وما أكثر الطرق المؤدية إليه في زمننا وفي كل زمن.‏

وأنتقل إلى الكلام على مؤلف الرواية الأستاذ الكاتب حسن صقر.. فأنا أسمع باسمه وأقرأ عنه أحياناً هنا أو هناك لكنني لم أقرأ له أي عمل من قبل، وأقر بأن هذا تقصير مني.. وقد تكون الظروف التي تحيط بكل منا هي التي ترغمنا على أن نكون مقصرين في أكثر من ناحية.‏

وعندما أخذت روايته الجديدة الصادرة عن وزارة الثقافة تحت رقم"31" في سلسلة"قصص وروايات عربية" قررت أن أضعها بين أخواتها لتنتظر دورها الذي قد لا يأتي.. لكن صديقاً لي ممن يكتبون القصة والرواية والمقالة رأى الرواية معي فامتدح مؤلفها قائلاً: "إنه كاتب جاد وجيد المستوى" وكان أحد الشعراء حاضراً وسمع ما قيل فأثنى على المؤلف فشعرت بمزيد من الذنب.. ثم أحلتُ ذنبي إلى الظروف التي نحيل إليها كل نواقصنا وتقصيراتنا.. لكنني عزمت على قراء الرواية.. وأنفذت عزمي ولم أندم.. ففي الرواية الكثير من الجمال وقراءتها مفيدة وممتعة ولن أمتدحها باكثر من ذلك بل سأقصر كلامي على شوائبها التي أساءت، في نظري، إلى هذا العمل الجيد والجميل.‏

تبدأ الرواية بداية مضطربة، فثمة ارتباك وحشو، فكأننا ننظر إلى طفل يتلعثم، ويمشي فيعثر ثم ينهض معتمداً على أول ما تصل إليه يده، وحين يقف منتصباً ينظر إلينا متحدياً حيناً، وغير مبال حيناً، ثم يتابع لعبه، وكأن شيئاً مما قد يخطر لنا بشأنه لا يعنيه.‏

ولا نلبث طويلاً حتى نرى القمر نفسه يدخل في حوار قصير مع البطل الذي لم نتعرف عليه بعد ليقول"بشيء من الصلف المفاجئ: "إذا عزمت على أمر فلا تقف في منتصف الطريق" (ص7) فنلمس لمس اليد أن البطل العتيد قد عزم عزماً، وأن علينا بالصبر لنعرف حقيقة ما عزم عليه.. ونشعر منذ البداية أن لدى المؤلف أفكاراً مسبقة يريد أن يقولها في قالب فني على ألسنة الأشخاص والأشياء والأماكن كالنهر والجسد وقصر العدل، وقاعة الاحتفال بالعرس التي صممت على شكل سفينة كي يأتي الكلام على الغرق مبرراً، وكي تكون التداعيات الذهنية مرتبطة أو متصلة برموز مادية ملموسة. ويكون سهلاً الربط بين الرمز والفكرة والشيء الموصوف.‏

وقبل أن تبحر السفينة التي لن تبحر يرسم المؤلف صورة عريضة الخطوط للجو الأسروي المضطرب الذي ولد فيه البطل وكتب عليه أن يشق طريقه عبر متاعبه، وأن يتنفس في مناخه غير الصالح لتنفس إنساني طبيعي. فهو الوحيد لأمه من زوجها الأول، وهو يعيش معها ومع أخوته ومع عمه الذي هو زوجها الثاني.. وقد وظف المؤلف كل شيء من أجل رفع درجة حرارة إحساسنا بتأزم الأحداث، وبالتالي بتأزم موقف البطل.. فعمه زوج أمه مدمن على الخمر يهرب من احتقار زوجه له إلى الحانات ثم لا يعود إلاّ ثملاً، وكثيراً ما يعود وقد لحقه الكثير من الأذى لأن الآخرين اعتدوا عليه جراء بذاءته وسوء ألفاظه... أما أم البطل فتعمل في معمل كونسروة، وأخته الشابة الجميلة مهددة بالاغتصاب، أو هذا ما همست له به أمه، وهي لا تفتأ تعاتبه لأنه لا يحمي والدها من السكارى ومن أولاد الحارة الذين لا يتورعون عن إيذائه وهو ثمل.. أما البطل عز الدين الحياك فهو من أصل ريفي، وقد نال إجازة في الحقوق وحصل على وظيفة بوساطة من بعض أقارب الأم" الذين كان لهم شيء من النفوذ في دمشق، وعين عز الدين موظفاً ذا مكانة لا بأس بها في أمانة العاصمة، قسم الدائرة الفنية. ولم يطل به الأمر حتى نال رضا رؤسائه ولا سيما رئيسه المباشر رسمي الأسطواني الموظف العتيق" (ص12) ومسألة الرضى هذه مسألة حساسة جداً.. فكي يرضى"السارق" أو المزور عن مساعده ينبغي أن تتوفر في هذا المساعد صفات كثيرة من بينها المهارة في تغطية السرقات والتزويرات.. لكن المؤلف لا يلتفت إلى هذه الناحية جيداً بل يصور لنا الأمر وكأن رسمي الأسطواني قد رضي عن عز الدين لكن عز الدين لم يرضَ عن رسمي الأسطواني، وعدم الرضا هذا هو محور الرواية وكل أحداثها تدور حوله.. وقد لا أجانب الصواب إذا قلت، محدداً، إن شحمة أذن رسمي الأسطواني الضخمة التي صارت محط كراهية عز الدين هي محور الرواية الأساسي.. فعز الدين ما كان يرى منه سوى شحمة أذنه في كثير من الأحيان.. وفي بعض المشاهد نتخلص منه ومنها معاً.‏

وملخص القصة أن عز الدين غير الراضي عن تصرفات رسمي الأسطواني قد ظل زمناً يعمل على إيجاد التغطيات القانونية لتصرفات رسمي غير القانونية، وحين كان رسمي يعرض عليه من"الجمل أذنه" كما يقال كان يرفض بإباء، لكن حقده على رسمي يتصاعد وينمو ثم يكتشف أن رسمي قد جعل ابنته طعماً يصطاد به الحوت الكبير توفيق خير الله الذي صار حوتاً بالاحتيال والتزوير، فصاهره رسمي لكن الحوت التهم الطعم كما يلتهم كل ما يقع في طريقه ثم هم بالتهام عمه رسمي بعد أن هدد بتدميره.. ولم يحترم كونه صهره.. وتحدث تداعيات كثيرة في ذهن عز الدين وهو يرى إلى محاولات رسمي النهوض والحصول على حصته وها هو ذا يعمل على استغلال الفرصة الأخيرة للنجاة من بطن الحوت، لكنه لا يعمد إلى التوبة والصلاة وطلب المغفرة كما فعل"يونان" بل عمد إلى مزيد من التحايل والغش.. وأغرى عز الدين بالزواج من ابنة أخته، أي ابنة الحوت الكبير توفيق خير الله التي طلقها زوجها بسبب فضيحة أخلاقية.. وكان يسعى بذلك إلى هدف كبير عن طريق دمج وسيلتي الوصول إليه، إنه لا يريد مقاومة الحوت، فهو عملي ويعرف أنه غير قادر على المقاومة، وكل همه هو أن يحافظ على مركزه في خدمة الحوت خارج بطنه لا فيه.‏

وتتأزم حال عز الدين حين يكتشف أن أمراً بهدم منزله الفقير قد صدر عن الدائرة الفنية التي يعمل فيها من غير أن يعلم بصدوره وما كان ليعلم لولا إشارة الهدم التي شاهدها على جدار البيت.. ويهيم في الطرقات.. ويلتقي قرب قصر العدل بفتاة غضة الجسد تستجدي الناس أو"تتحرش" بهم ويعلم منها أنها تبيع جسدها في قبو عفن فوقه محل تجاري يستخدم واجهة أو غطاء للعمل الآخر.. ويتخذ المؤلف من هذا اللقاء العارض قرب قصر العدل وسيلة للكلام على حال العباد في غياب العدل.. وهو يستطرد في أكثر من مكان من الرواية مثل هذا الاستطراد ليقحم على بنية الرواية أفكاراً يريد أن يقولها لنا دفعة واحدة في هذه الرواية. ويزداد شعورنا باضطراب الفن لصالح الأفكار المقحمة في ساحته حتى لتكتظ هذه الساحة بغراس كان في الأمكان أن تنمو نمواً طبيعياً في تربة ساحة أخرى، وينوء الجانب الفني بعبء هذا الحمل فيتعب ويكاد نفسه ينقطع أحياناً.‏

ويدخل المؤلف بطل الرواية إلى أحد الأماكن التي تفتل الرأس، فهنا عالم غير مألوف، تدار فيه الأمور بالأزرار، ويطلعه سيد المكان أو من يخيل لنا أنه سيد المكان على أحد أسرارهم بل هو يستشيره في أمر من أمورهم، فهم قد قرروا أن يقتلوا أحد الذين يهددون مصالحهم، فقد هرب ذلك الرجل بوثائق هامة تساوي مائتي مليون دولار، وما من رجل يساوي هذا المبلغ.. وهم يريدون له، بدافع الشفقة ميتة أرحم، حتى لو كلفهم ذلك بعض المال الإضافي.. ويأتي رجال ويخرجون، عنوة، الرجل الذي يدير الأمور بالأزرار ويحملون البطل ليخرجوه ولا نرى مبرراً لدخوله ولا نفهم سبباً لإخراجه بالطريقة التي أخرج بها سوى الظن بأن المؤلف قد أقحمنا في هذا المشهد ليقول لنا آراء يراها، وقد اختار لها هذه الطريقة السينمائية.‏

وليس أقل غرابة من كل ذلك، أن يلتقي البطل عز الدين، عن طريق المصادفة، ببطل آخر، هو ابن أحد الإقطاعيين القساة، وقد باع أملاك والده بعد موته وعاش حياة صاخبة ثم قرر أن يقضي على نفسه ليخلص العالم من آخر ممثل لأسرة ذلك الإقطاعي.. ولا نخرج هنا أيضاً من جو الأفلام السينمائية.. وتبقى غاية المؤلف هنا غامضة.. فهل أراد أن يقول لنا: إن أمثال هذه الأسر الطاغية الباغية سوف تنقرض مع الزمن بسبب من العطالة الذاتية لأبنائها؟! لقد مات سليل تلك الأسرة، في الرواية طبعاً، ميتة جعلتنا نشفق عليه ونغفر خطاياه وخطايا والده أيضاً.‏

وحين نعود مع البطل إلى غرفته بعد منتصف الليل نواجه معه وقد أطفأ المصباح، الأشياء التي في الغرفة وقد تحولت إلى غير ما هي عليه.. وإذا كان المؤلف قد شاء أن يرسم لنا في المشهد الذي دارت حوادثه في ذلك المكان العجيب الذي هو فندق ومقصف ومطعم، ملامح صورة الرأسمالية الطفيلية المحلية التي صارت لها فروع وأجهزة كالتي للمافيات العالمية على امتداد الساحة العالمية فإنه هنا يسعى إلى طرح مسائل من نوع آخر، ويبدو أن هدفه إعطاء القارئ رواية"شاملة" ونراه يوفق في ذلك إلى حد ما، لكنه يعجز عن إقناعنا تمام الإقناع بحياديته تجاه أحداث الرواية، فنحن نرى آثار التركيبية الذهنية المسبقة منثورة في الكثير من المشاهد. فهو، على سبيل المثال، لم يقنعنا بأن إدخال عز الدين إلى ذلك المكان الغامض، حيث قابل الشخص الذي يضغط الأزرار، والغانية الجميلة في حضنه، كان إدخالاً ناجماً عن ضرورات تغني العمل فنياً.. ولم نعرف سبباً لاختفاء ذلك الرجل بالطريقة التي اختفى بها. ثم نحن لم نقتنع بكل ذلك.. فما الذي جعلهم يختارون عز الدين لا سواه.. فمن هو عز الدين في نظرهم، ولماذا أدخلوه في تلك اللحظة من لحظات توتره النفسي وليس في لحظة أخرى؟..‏

إن بطل الرواية الذي يصفه المؤلف بقوله: "في عينيه شيء من الدهاء" (ص11) لا يظهر شيئاً من الدهاء في تصرفاته.. فهو لا يظهر شيئاً من الدهاء في منزله.. وهو يدخل لعبة الأغنياء وأجراء الأغنياء ويعمل في خدمتهم زمناً طويلاً من غير أن يأخذ حتى الأجر الضئيل الذي كان رسمي الأسطواني يقدمه له، مع أنه كان يعرف أية أعمال قذرة تلعب، وأية تغطيات"قانونية" يقدم لتلك الأعمال.. أما كان رسمي يفيد من فتاويه القانونية في تزوير المعاملات والتلاعب بالسجلات الرسمية ويأخذ المبالغ الطائلة لقاء ذلك.‏

لقد ظل البطل متردداً مشلول الإرادة.. ثم رأيناه يتخذ القرار الوحيد الذي اعتبره زورق النجاة الوحيد من حصار الفقر وخطر العار الذي سد عليه كل منافذ الخلاص.. ويبدو أنه ظل متردداً في تنفيذه مع أنه رأى ذلك الذي جعلوه يمثل دور والده يقرص أمه ويضايقها بتصرفاته غير اللائقة.. ثم يأتي صوت مهنا السكير زوج والدته صارخاً في الجو الصاخب المخجل: "إن هذا لا يمكن أن يحدث" فتنطلق الرصاصة من مسدس عز الدين إلى حفرة عنق توفيق خير في لحظة العناق.. وتنتهي الرواية ويتلاشى صوت الرصاصة ويظل صوت السكير مهنا يملأ أسماعنا: "إن هذا لا يمكن أن يحدث" ونشعر أنه يضرب هذه المرة لأنه أثبت أنه الرجل الحق.‏

إن المشاهد الصناعية التي أعدت لتكون على قد أفكار المؤلف ترافقنا منذ الصفحات الأولى حتى الصفحة الأخيرة، وعلى الرغم من ذلك لا نتعب من مشاهدتها ولا نضيق بها، فثمة فقرات هنا وهناك تنطلق فيها موهبة الكاتب على سجيتها فتدب الحياة في الكلمات، وتسري الدماء بين السطور، فنعجب لهذه الموهبة كيف رضيت بأن تسجن في مثل هذه الأطر المسبقة الصنع. أما حين يلتقي عز الدين مع صديقته التي كانت خطيبته فنشعر أن كل الأطر قد زالت.. ويتخلص عز الدين والمؤلف من الركاكة والتلعثم والارتباك التي مرت بنا في مواضع كثيرة. وتعيد حرارة الحب إلى الكلمات عافيتها ورونقها ونشعر أنها كائنات من لحم ودم، وليست حبراً على ورق.‏

وعلى الرغم من بعض الاستطراد، وبعض الإسهاب في الوصف وعلى الرغم من الأغلاط التي لا مسوغ لها "جلسا مع بعض" وغيرها تبقى" الوجه الآخر للسقوط" رواية جديرة بأن تقرأ كرواية واعدة بمواسم قادمة.‏

وإني لآمل أن يتغلب الفنان على المفكر في أعمال الأستاذ حسن صقر الأدبية القادمة، وأن ينتصر الفني على الذهني، فهما يتصارعان بعنف في رواية"الوجه الآخر للسقوط".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244