وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

تحويــــم علــى

"أزهــــار القلــــب"‏

الشاعر فؤاد كحل شاعر غير مقل. فقد صدر له ثلاثة عشر كتاباً شعرياً كان آخرها كتابه الذي صدر عن اتحاد الكتاب العرب"هذا الدم... ذاك الفرح".‏

ولفؤاد كحل عدد كبير من الأصدقاء في الوسط الأدبي.. كيف لا؟ وهو الودود اللطيف.‏

وفؤاد كحل مشارك نشيط في الأمسيات الأدبية وفي اللقاءات الشعرية والثقافية.‏

ومع ذلك كله لم يجد هذا الشاعر من يقرأه قراءة نقدية شاملة. وكدت أخجل من كلمة"لماذا" لكثرة ما استعملها في مثل هذه المناسبات.‏

كان أجدادنا يفضلون"زؤان البلد على القمح الغريب" ويكثر الباحثون والنقاد في أيامنا من استيراد الزؤان الأجنبي إلى جانب ما يستوردون ويتجاهلون قمح البلاد..‏

أمر مستغرب فعلاً! ولكنه ليس المستغرب الوحيد في هذا الزمن.. لقد كثر ما نستغربه حتى لم يبق للاستغراب معنى.‏

حين صدر كتابه"أزهار القلب" عن وزارة الثقافة وضعته بين الكتب التي أرغب في أن أقرأها قبل أن أضعها في مكانها من المكتبة. وطال الزمن وصدر كتابه الأخير فأخذت أقرأه ثم تناولت"أزهار القلب" وكانت لي سفرة ممتعة مع شعر فؤاد.‏

قد يسأل سائل: لماذا خصصت"أزهار القلب" بالكتابة؟‏

سأستعير الجواب مما كتب على الغلاف الأخير من الكتاب. وأظن أن كاتبه هو أستاذنا الكبير أنطون مقدسي... وهل يخفى أُسلوبه؟‏

جاء على الغلاف المذكور: "لا أعتقد أن شاعرية فؤاد كحل عبّرت عن ذاتها بأجمل مما عبّرت في أزهاره هذه حيث تبدأ القصة بلا بداية وتنتهي بلا نهاية."‏

أجل.. هي مواسم للزهر تتوالى.. فما يغيب موسم حتى يهل موسم.. ويفوح العطر وتكثر الألوان وتتنوع وتتدرج عمقاً وشفافية وكثافة.‏

وإني لأبادر إلى القول: كيف لا يعشب بستانه جيداً من له مثل هذا البستان ذي التربة الخصيبة والمياه الوافرة؟‏

ولنقم بنزهة بين أزهار فؤاد كحل.. وآمل أن أنقل لكم في أثنائها ما يمتعكم.‏

يفتتح فؤاد"أزهار القلب" بفاتحة يقول فيها: "أجمل الطيور ذلك الذي يحلق بجناحيه". ونقرأ بين الكلمات ذلك الضيق الذي يحسه الشاعر من طيور الشعر التي تطير بأجنحة مستعارة.. ولقد كثرت في هذه الأزمنة. ونقرأ أيضاً تصميم الشاعر على عدم الاتكاء على الآخرين.‏

فهل هذا بيان منه؟ ربما.. وقد تكتمل الصورة إذا نقلت لكم ما اختاره من"أدب الكاتب" ليكون في صدر"آفاق" على الصفحة السابعة: "اجمع الكثير مما تريده في القليل مما تقوله."‏

ولقد التزم فؤاد بهذين القولين التزاماً شبه كامل.. فقد سمعنا في الكثير من المقاطع الكثير مما أراده في القليل من القول.‏

وفؤاد كحل الذي خرج، إلى حد بعيد، من"مناطق نفوذ" الآخرين وكوّن منطقة نفوذه الخاصة لم يتحرر تماماً من منطقة نفوذ دواوينه السابقة.. فكأنما دواوينه حلقات متصلة، وتكون، أحياناً، متداخلة، وخصوصاً من حيث الأسلوب.. ويخيل لي أحياناً أن فؤاد كحل هو ابن رومي آخر في قصيدة النثر من حيث إشباع الصورة بالتفاصيل أو من حيث رؤية الصورة من كل الزوايا الممكنة.‏

وإليكم هذه الأمثلة:‏

انتبهوا جيداً‏

سأحمل الشموع‏

أديروا ظهوركم‏

سأطفئ القلب.‏

"أزهار القلب" ص9‏

ويقول على الصفحتين 10 و 11:‏

إنني أرتجف من البرد‏

أطلق دفئك نحوي‏

إنني أذوب من الحر‏

أطلق ثلوجك نحوي‏

....‏

....‏

لماذا يعلقني الحب على مشجبه؟‏

أبهذه البساطة‏

أرفع عن الأرض..!‏

لماذا يعلقني الحب على مشجبه؟‏

أبهذه البساطة‏

أُنزل من السماء!‏

....‏

....‏

كن حاداً كسيف‏

في تلك الساحة‏

كن شفافاً كجناح وردة‏

في هذي الساحة‏

وتتوالى المقابلات وتتوالى جوانب الصورة أمام أنظارنا لتغطي الساحة الشعورية.. وتأتي في أكثرها على شكل أوامر:‏

"لا تقل لي شيئاً... قل لي كل شيء"‏

إحمل مزماراً‏

ليكن‏

لكن حذار‏

من ألا تجيد العزف أبداً."‏

وتأتي على شكل أسئلة.. فهو يستخدم كثيراً أدوات الاستفهام:‏

لماذا أهرب إلى طفولتي؟‏

ألم نألف الزمان بعد؟‏

لماذا أعود منها؟‏

ألم يتلوث النبع بعد؟(ص 14)‏

ما الذي جعل الطفلة‏

شاحبة؟‏

أكان الحب سيئاً‏

ما الذي جعل الطفل متوهجاً؟‏

أكان الحب عظيماً؟‏

وتتكرر في شعره صور الجسد وخصوصاً صور الشفتين والصدر، وتتكامل المعاني في كثير من المقاطع عن طريق التوافق ولكنها تتكامل أحياناً إذ تتعارض:‏

"حبة الكرز‏

لا يأكلها اثنان‏

وهكذا فم الحبيبة" (ص 16)‏

"نحلتان على الصدر‏

الصدر بستان رائع‏

رصاصتان على الصدر‏

الصدر ساحة موت."(ص 17)‏

وإلى جانب هذه الصور الصادقة والجميلة نرى صوراً أو نقرأ أفكاراً وحسب.. وقد نسمع صوت الآخر وراء صوت فؤاد:‏

كم أنت غبي‏

إن فكرت أن تكتب‏

وأنت في حضرة فرخين منبلجين.‏

فقط فيما بعد‏

يأتي وقت القصيدة."(ص 41)‏

أكاد لا أصدّق عيني.. ألم أقل لكم، بداية، أن فؤاداً لم يعشب جيداً بستانه... وأنه التزم بوعده التزاماً شبه كامل وليس التزامه كاملاً هنا. فالفكرة لحمزاتوف وقد سخر من صديقه الشاعر الذي ترك عروسه تنتظره في الفراش ليلة زواجهما وسهر حتى الصباح كي يكتب لها قصيدة غزل...‏

وقد اعتنى حمزاتوف أكثر من فؤاد في صياغة هذه الفكرة. ولا أظنه قال" فقط فيما بعد".‏

وفؤاد يعتمد اعتماداً واضحاً على فكرة بيت من العتابا في قوله:‏

"لماذا تحكين المزاح لي‏

والجد للغير؟"‏

وها كم شطراً من بيت العتابا:‏

" وأحكي المزح للغير وأحكي الجدلي"‏

وعلى ذكر حمزاتوف حضرتني الآن فكرة له وهي: "لو أعطى كل منا الحياة خمس دقائق من الشعر لصارت الحياة شعراً كلها."‏

وفي"أزهار القلب" الكثير من الشعر الجيد.. ولكن ما يزعج هو أن نرى النمش على مثل هذا الوجه الشعري الجميل.. فلنقرأ على مهل هذا المقطع:‏

"سأركب خلفك‏

فوق هذا الحصان‏

ولا بأس أن تعزف يداي‏

لحننا الرائع" (ص 68)‏

لقد صفعتني"ولا بأس أن" ففيها تقليل كثير من قيمة الفكرة ومن جمال الصورة.. فكيف نسي أخي فؤاد رتبته العسكرية وكفَّ هنا عن إصدار الأوامر... لماذا لم يقل" ولتعزف يداي لحننا الرائع؟"‏

وهو يكرر هذه الفكرة على الصفحة 88 ولكنه يركب هنا أمام الجميلة لا خلفها:‏

" سأركب أمامك‏

على ظهر هذه الدابة‏

ولا بأس‏

أن تعزفي‏

لحنك الجديد"‏

ثم يكرر الأوامر بعد هذا المقطع مباشرة.‏

أما على جمعه الكثير مما يريده في القليل مما يقوله فثمة أمثلة كثيرة جداً:‏

"لا تنم مبكراً‏

فقد يأتي الحب متأخراً"‏

وليته اكتفى بهذا الكلام الجميل الموجز ولم يتبعه بقوله:‏

"لا تستيقظ متأخراً‏

لأنك لا تحب‏

الانتحار"‏

ولم أفهم قصده هنا.. ولكن لا بأس.. فلنصغ إليه في مكان آخر:‏

"الروح مفتوحة‏

النافذة مشرعة‏

الحواس تشق ستائرها‏

ما الذي يمنع طيورك‏

من التحليق في القلب؟ "‏

فالروح المفتوحة والحواس التي تشق ستائرها والطيور التي تحلق في القلب، والقلب هنا رمز للحب، فهو أمر معنوي، إنها كلها منسجمة تماماً، فما دخل النافذة المشرعة هنا وهي عنصر مادي صرف؟‏

وفؤاد كحل الجميل في أوامره وأسئلته وتدفق عاطفته ورهافة مشاعره وفي تصادم المتعارضات في شعره يهبط أحياناً إلى مستوى النثر العادي أو تجعله الفكرة الجميلة يسهو عن أمور هامة:‏

"كم أنت جميل في هذي الساعة!‏

لأنك تأتي‏

أو لأنك تروح‏

كم أنت بشع في هذه الساعة‏

لأنك تأتي‏

أو لأنك تروح" (ص 76)‏

وهو يخاطب الحبيبة قائلاً "تهيئي للجريان" فلماذا الجريان وليس الجري؟‏

واستعماله اسم الإشارة"هذه " على الصفحة 92 يؤذي إحساسنا بجمال الشعر:‏

"حين أقضم هذه التفاحة‏

سأتذكرك‏

حين أقطف هذه الزهرة‏

سأتذكرك‏

حين أتلقى هذه الصفعة‏

سأتذكرك‏

ما الذي يجعلك‏

تملكين كل هذا الحضور"‏

فنحن هنا نشعر أن التفاحة والزهرة والصفعة متكومة أمامه على المنضدة وهو يشير إليها بيده أو يلمسها بإصبعه ويكرر هذه وهذه وهذه.. وقد ضايقني خصوصاً قوله"هذه الصفعة"! فقد أضاع عليَّ الكثير من جمال سؤاله المترع شعراً، مع أنه جاء في موضع لم يمهده جيداً: "ما الذي يجعلك تملكين كل هذا الحضور؟"‏

....‏

....‏

المعذرة أيها الصديق فؤاد كحل وتحية إليك. إن أزهارك الجميلة تستحق وقفة أطول.. ولكن الفسحة المخصصة لكلماتي لا تتسع للكثير.. أرجو أن تتاح لي الفرصة لقراءة أعمال جديدة وجديدة لك. وها أنا أختم كلامي بزهرات من أزهارك:‏

"هذا الجسد الممشوق‏

تحت الغيمة الشفافة‏

لماذا يكون شديد القسوة؟‏

ألم يدرك أبداً‏

أن أزهاره‏

تفتحت في ربيعي؟‏

.....‏

.....‏

بالأمس لم تكوكبي‏

إذن لم تكوني‏

على موعد مع أحد‏

صباح اليوم أشرقتِ‏

إذن هناك شخص ما سيكون سعيداً.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244