|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
"مجنون إلسا" من غرناطة إلى فلسطين "ابتسم أبو عبد الله ووافق على إرسال أبي القاسم عبد الملك ناطقاً باسمه إلى سانتافي محملاً بالهدايا والمدائح وأن يرافقه الحاجب والقاضي لأن خائناً واحداً لا يكفي لتسليم الإسلام" (أراغون- مجنون إلسا- "ص262") في أُمة الشعراء يموت بلبل الشعر وعينه على الفضاء الطلق، وفي أزمنة البذخ يموت الطفل وعينه على كسرة من الخبز فمن سيفتح باب القفص للبلبل؟ ومن سينقذ حياة الطفل الجائع؟ آخٍ، أيتها الأمة المبتلاة! لكن مأساة الشعراء والأطفال تبدو هينة عشية سقوط غرناطة.. وفي كل جيل تسقط غرناطة جديدة. وتتجلى الأحداث القديمة بمظاهر جديدة.. ..... ..... ..... حين جاء طارق بن زياد فاتحاً الأندلس أتوا إليه مرحبين وهتف كثيرون منهم: الله أكبر! ولم يكلفهم فتح الأندلس أكثر من ذلك.. وحين جاء الإسبانيون لأخذ غرناطة رحبوا بهم، ورسموا شارة الصليب على صدورهم.. ولم يكلفهم سقوط غرناطة أكثر من ذلك... حين ازدهرت غرناطة في ظل الحكم العربي ازدهرت تجارة هؤلاء، وحين سقطت غرناطة ظلت تجارتهم مزدهرة. ويبكي الشعراء سقوط المدن والحضارات ويدفع الشرفاء الثمن عذاباً وموتاً. حين تسقط المدن العظيمة أو تنهار الحضارات الكبرى تغادر النار المقدسة جسد العالم والأشياء فلا يبقى غير الصقيع الفظيع... تفقد الفضيلة معناها وتصير القيم والمناقب سلعاً بخسة الثمن لا يطلب شراءها إلا المجانين... وقد صرنا إلى زمن يدعى فيه الشرفاء مجانين.. وماذا يمكن أن ننتظر من عالم أضاع ضميره وشرفه؟ قال مكسيم غوركي: "جنون الشجعان حكمة الحياة" وإنه لأولى بنا أن نقول: "حكمة الجبناء جنون العالم" وقد يكون منتهى الجنون أول الحكمة، أو قد يكون منتهى"الحكمة" أول الجنون.. فالحكمة في غير مكانها جنون والجنون في مكانه وأوانه حكمة.. فليكن مباركاً"جنون الشجعان" أما زماننا فصارت حكمته هي جنون الجبناء، أو هي حكمة البشر الصغار الذين شرعوا بكل وسائل الإفساد وبكل ترسانات الأسلحة الحديثة المدمرة، يعملون على"إقناعنا" بأن الخيانة هي الأمانة، وأن الاستسلام هو السلام، وأن الحفاظ على حقوق الشعوب لا يتحقق إلا بالتفريط بها. "مكتوب علينا أن يكون الوجود آخر أن تتمزق الضبابة على شكل آخر وأن يتبعثر البخور الخلب أن يتولى العدل أنبياء كذبة" (مجنون السا، ص 82) وإنه لأمر يكاد يكون معجزة أن يصنع شاعر مرثية لحضارة تهدمت تضاهي في كمالها وروعتها عظمة تلك الحضارة المتهدمة، وتظهر الكثير من مآثرها العمرانية والروحية التي توالت قروناً وذلك في كتاب واحد.. وقد يضاهي ذلك جمالاً وفضلاً أن يترجم ذلك الكتاب إلى لغة أخرى وأن يبقى جميلاً ومدهشاً.. ولقد حدث ذلك في كتاب أراغون"مجنون السا" الذي نقله إلى العربية الدكتور سامي الجندي. تبدأ الملحمة الرائعة بكلمات أغنية شعبية منسية: "عشية سقطت غرناطة قال فارس لجميلته..." وتمر في خاطر الشاعر المقاتل ذكرى سقوط مدينته الغاليه"باريس" تحت جنازير الدبابات الهتلرية، فيستيقظ الألم، وينهض التاريخ، يعود حياً وقد توهجت الذاكرة... تتقمص روح الشاعر العربي العامري المجنون بليلاه جسد الشاعر الفرنسي العظيم المجنون بالساه.. ويتدفق نهر الحياة في عروق الأزمنة الغابرة، يعلو دوي طبول الحرب، وتعلو أنغام المزامير مترافقة مع أغنيات الغزل.. وتبقى ألوان الفاجعة هي الغالبة: "ألم يكن كل شيء كذباً خبأته الكلمات.. هذه الوحشية تقضمني جسداً وروحاً" (مجنون إلسا- ص76) ويتداخل الماضي بالحاضر، ننسى أن المتكلم فرنسي وأنه يحكي حكاية غرناطة القديمة، يخيل لنا أن شاعراً من فلسطين يحكي حكاية المأساة الفلسطينية، " يبتسم" أبو عبد الله وأبو عبد الله وأبو عبد الله.. يغضب الشاعر: يا شعبي المبعثر كسرب حجال نيران أخرى تحترق في قراك تتكلم عن إله آخر بلغة أخرى أين تذهب بحثاً عن أوطان موهومة. .... .... الذين لم ينهضوا لركوب السفن يجرون ظلالهم غرباء في أرضهم يحلمون بعهد الإسلام تحت كلمات كاذبة والعظمة السالفة تغذي غضباً جديداً. ... ... ابن عمار، ابن عمار أيها العربي من بلاد العرب أية علامة عظيمة حملها ذلك اليوم الذي فيه ولدت. .... .... كنتم في عروبتكم تحلمون يا عرب والأشياء تبدأ دائماً بالنشيد والثورات تتلو أغاني الغزل جاءوا فشنقوكم على أغصان الزيتون" (ص 341) ويكون الزمن الرديء زمن الأردياء وحدهم، يكون مناقضاً بكل ما فيه لتطلعات الناس: "والطيور تنهش قبلنا الكرز وتبلى القبل أسرع من الزهور" أما الزمن العظيم فيتوقف"كي تصعد خطوات الجلاد" وحين يبدأ الكلام بالكذب وينتهي بالكذب يضيع الشاعر باحثاً عن الإسلام"من بغداد إلى الإسكندرية، في أعماق رمال الطوارق، في أقصى غرب الجزر الإسلامية" لكنه لا يجد"إلا ما يكذب ما روي عنه" (ص 3).. ثم يعود إلى إسبانيا وكان"جبين غرناطة ملطخاً بدم فريدريكو" يعرف الشاعر العاشق أن تبديل الصنم عند أصحاب الركوع أيسر من تبديل الطقوس لكنه يظل مؤمناً بالتغير: "حيث تحطين يزهر الكل يا السا التحولات" (ص 91) وإذ يرى الازدهار"وحفلت البساتين بالمزامير في تلك الحقبة فكانت أكثر عدداً من الأزهار" فإنه يغني لمجد غرناطة"أنت وحدك تكتبين أسطورتك على هدير هذا الخطاب الذي لا مثيل له" "إنها غرناطة التي تبكي كماء نبعٍ، أو حب بلغ لذةً دون حدود" (ص 128) ويوجعه أن"نستخدم في أُفك مسعور لغة دين انقطعت عن الإيمان به" (ص 329) يوجعه تمزق المسلمين إلى شيع فيصرخ: "كأن محمداً ما جاء بغير الشيع والفوضى. من ينقذك هو من يمزقك بأسنان جوع جديد". وعلى الرغم من ذلك لا يعرف اليأس.. الظلام كثيف ومخيف وتاريخ العالم هو هذا السيل من الدماء التي تسفك كل حين وفي كل مكان: أصغوا إلى ما يبكي فيكم من قصص الزمن الماضي. والحبة المخيفة التي تبذر فتنضج من قصيدة إلى قصيدة ثورات تتجدد" (ص 306) ويذكرنا بالأمجاد القديمة، يذكرنا بأن هذا يومنا الأخير، يذكرنا بصهيل خيل الأعداء حول المضارب وأسوار المدن"ألا تسمع صهيل خيل قشتالة." وهو يعرف يقيناً"فما كانت الجريمة غير بطانة رداء الملك الأبيض" (ص 298).. وقد سبق له أن رأى: "وكانت غرناطة المشرعة للريح بذورها تهمي كما انتزعت منك القصائد وهي تغني أغاني أخرى تبكي أحزاناً أخرى" (ص 93) وكان المجنون- الشاعر"كل جسده كان يصيح ألماً، واضطرمت حمّاه، وأزهر الجنون" (ص 292) ومع الجنون يأتي الغضب: "يا بشراً من لحم وتعب يا أنتم الذين تمزجون نحيبكم بالنوم. هل توجد لغة بعد الآن بين اسمي ووحشيتكم؟ أي معنى بقي عندكم للمغامرة الإنسانية" (ص 298) "الشقاء الشقاء هو أنني أعرف هذه الأشياء" (284) ونقرأ ونرتعش.. إننا أمام وجه الشهيد "دعوا عينيه مفتوحتين لعل نظرته تمحي من أجل أن يتعود هذا الموت فيه يجب ألا نخبئ وجهه بمنديل" (ص 371) ونتهلل أمام الوجه المتألق نسمع صوتاً يهتف بالشجعان: "أنت الذي اخترت في الرهان النور تحمله حتى الدماء إلى المملكة المظلمة" (ص 282) وتخفق الروح عصفوراً على الشفتين: " في رعبنا من البشر الآخرين من يمد لنا يدعون ما دمنا نحن ما نحن" (ص 285) وتمر بنا صورة الطغاة التي لا تتغير.. فهي هي في كل مكان وزمان: "المذبحة دائماً يبررها الأصنام ويلقون على الجثث رداء الكلام الكمامة للفم والمسمار لليد" (ص 372) ونسمع صوتاً يخاطب المثقفين في أيامنا، الفلسطينيين والعرب تحديداً مع أن الكلام موجه إلى الخلفاء: "هيا يا موتى إلى مكان آخر نتكلم جنوناً لأنا بتنا ولا مكان لنا في الدورة من دوننا أزهرت السماء من دوننا اصطخب السيل. ها نحن أولاء غرباء أبداً عن هذا العالم لأن غرناطة نسيتنا" (ص 332) ويضنيه الموت الطويل البطيء: "أنا البهيمة تغتالها السكين بلا رحمة ولكن في بطء. ألستم على بعض الإنسانية فتشحذون هذه السكين المثلومة فلا تقطع.. أستجير بكم أن تشحذوا قليلاً السكين لعلكم تنتهون مني سريعاً" (ص 382) فهل كان يحلم بالبدء من جديد إذ لا نستطيع أن نبدأ إلا بعد أن ننتهي.. .... .... ويأتون إلى الشاعر الذي جن قهراً وكاد يموت فقراً ويأساً وحباً، يأتون إليه هم الذين نبذوه، طالبين النصح وقد أسلمت كل الأمور أعنتها إلى الأعداء: "هل ندعه يسلم غرناطة وكل الأرض الإسلامية ما عندنا غير هذا السؤال وأنت كقوقعة فارغة لا تصغي كبحر لأي صوت إلا لصداك البعيد. جئنا كي نعرف هل يجب أن نمضي إلى السهل أو نحمل أولاً غضبنا إلى قصر الخيانة.. كان بوسعك أيها المطرب المجنون أن تقود حتى النهاية ذاتنا" (ص 287) ثم يسألونه: هل وجب أن تموت غرناطة وأنت ترفض لها صيحتك" (ص 287) ويرتبك الشاعر قبل أن يتكلم: "انغلق أمامه جدار غريب من رجال لم يغن لهم ولم يكذب عليهم.. ورماه المرتزقة في الحمراء كرزمة قراص" (ص 288) .... .... ويدور حوار بين المجنون وأبي عبد الله الذي رغب في رؤيته.. لكن المجنون راغب عن معاشرة الأمراء إذ يعسر عليه أن يحتمل"صورة الرياء التي تدعى عامة أدباً".. "لأن الله يغضب إذا امتدحنا مستبداً أو مجرماً" ويزعم أبو عبد الله أن رجاله يرتكبون ما يرتكبون وهو لا يعلم.. فهو لم يأمر رجاله أن يضربوا المجنون: "والحال أنني طلبت منهم أن يحضروك فحسب، أن يخاطبوك مخاطبتهم قديساً، فيحيون في خفض ويقولون، إن ملك هذه المدينة المائتة، يرغب في أن يحدثك، أن يحدثك أنت وحدك في ساعة شهادته" (ص 289) ثم يزعم أن آلة الحكم هي المسؤولة عما يجري لا الحاكم. ويدهش المجنون: "كيف تطلب مني أن أميز بين الحكم وبينك؟" "لا، لا تختبئ وراءهم، ولا تبرر الأشياء بقسوة جهلهم" (ص 289) وتتصاعد حدة الحوار ويزعم الحاكم أن الرعية لم تفهمه، وأن النزاعات قد مزقتها.. وهو لا يعرف إن كان الشر من إرادة الله لكنه يؤكد أن مأساة الملوك هي في أن الحكم لا"يثبت إلا بالظلم" ويرفض المجنون هذا المنطق وينكر على الحاكمين الاحتماء وراء متراس"الله". وتظل "غرناطة في عذابها لا تأمل بصباح" "من تخشى أكثر أيها الملك. الأمراء أم الشعب وأمامك نهاية غرناطة وليس لك غير أن تختارها" ويذكره بواجبه: "فاذكر أنه قيل أن أسداً يقود ألف ثعلب خير من ثعلب على رأس ألف أسد" (261) وكان المجنون قد أحسن تصوير ذلك الزمن: "إنه زمان الآفاق المغلقة الثقيل الزمن الذي يمر مع أنه واقف الزمن الذي ندعوه الديمومة من قبل ومن بعد بلا باب ولا نافذة ما عنده أبداً غير نفسه يتعرف عليها وما هو بعد غير موت ما يولد" (ص188) ونحار في أمرنا.. هل نحن في زمن غرناطة القديمة أم أمام وجه الزمن العربي الذي نعيش فيه؟ هل نحن في غرناطة أم القدس؟ هل الشاعر من فرنسا أم من فلسطين.. وتهب في الجو الخانق نسمة منعشة... ذلك لأن"موت ما يولد" على قسوته وجهامة وجهه يفتح نافذة في جدار الجهامة واليأس يطل منها وجه الأمل بموت الشر الذي يولد الآن باسم"النظام العالمي الجديد! إن الأمور تتفاقم في كل عصر وصولاً إلى الكارثة.. ثم ماذا بعد الكارثة.. "الرجل والمرأة معاً الجواب على كل سؤال" "منهما يولد خير العالم وجمال النهار" (ص 300) "ولتتوج إلسا الوحيدة على كل كلمة قيلت" (ص380) وسيفرح أراغون إذا مسحنا رأس إلسا المتوجة بزيت من زيتون فلسطين المقدس. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |