|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الميثـــــولوجيــــــا عنوان عام لموضوع غير عام تذّكرني تصرفات بعض الباحثين الغربيين بإقطاعيي العهود الغابرة، إذ كان السيد الإقطاعي يوسع حدود مزرعته على حساب أراضي جيرانه الضعفاء، ويبني قصره من الحجارة التي اقتطعوها ونحتوها بالجهد والعرق، ومن ثم يزعم أنه صاحب الفضل في كل شيء، ولا يُستبعد أن يُصدّق مزاعمه فيتعالى على الآخرين. الموضوع الذي سأتكلم فيه لا يخص الناحية المادية من البناء الحضاري بل البناء الروحي.. فقد أثارت في نفسي الكثير من الشجون المقدمة التي وضعتها الباحثة الألمانية أديث هاملتون على كتابها "الميثولوجيا" الذي ترجمه الأستاذ الناقد حنا عبود، وصدر في عداد منشورات اتحاد الكتاب العرب في دمشق. إن الجهد الذي بذلته المؤلفة في سبيل إنجاز هذا الكتاب جهد كبير من غير أدنى شك، فلقد تتبعت معتقدات اليونانيين والرومانيين القديمة كلها في ما خلفوه من تراث، ولخصت ما جاء حولها مشيرة إلى المراجع التي استقت منها موضوعاتها بأمانة علمية كبيرة، ودقة متناهية، فجاء كتابها المذكور على قدر كبير من الأهمية لمن يريدون الإطلاع على ميثولوجيا هذين الشعبين العريقين اللذين أسهما بقسط كبير في تطوير الفكر الإنساني، حتى ما عاد في مقدور أي باحث أن يتصور كيف يمكن أن تصبح حال الثقافة العالمية القديمة والمعاصرة لو لم يحتل الأدب اليوناني والروماني مكانيهما على سلم تطورها التاريخي. لكن المؤلفة، على موضوعيتها في ذكر المراجع والمصادر، وعلى أمانتها العلمية النسبية تبقى باحثة غربية -أوروبية، بمعنى أنها تتعصب لكل ما هو أوروبي، والتعصب إحدى الافات الكبرى التي ابتلي بها الناس منذ القدم وقد استفحل خطرها وأذاها عند أبناء الحضارة الحديثة التي أقامتها الرأسمالية المعاصرة.. فمن أخطر عيوبهم محاولتهم إظهار "عظمتهم" بأي ثمن كان، ولعل أفدح ما يدفعونه من ثمن سعيهم بكل الوسائل إلى الحط من قدر الآخرين، أو إلغاء دورهم الحضاري أوطمسه وتجاهله، خصوصاً إذا كان هؤلاء الآخرون من الشرقيين تحديداً، فكأنما "عظمتهم" لا تُبني إلا على ركام من خرائب صروح الآخرين، واستصغار ما أنجزوه في كل ميدان من ميادين العلوم والفنون والآداب وصولاً إلى الميثولوجيا. فالسيدة أديث هاملتون تضع "الميثولوجيا" عنواناً لكتابها ثم تقصر كلامها على الميثولوجيا الإغريقية والرومانية ثم تستدرك الأمر في آخر الكتاب الكبير حجماً لتتكلم في بضع صفحات على الميثولوجيا السكندينافية كلاماً موجزاً ثم لا تنسى أن تذكر لنا سبب كلامها على هذه الميثولوجيا بقولها أن ثقافتهم "تمتد إلى الإغريق".. ولا أدري كيف أباحت لنفسها ذلك.. فهل هي ممن يرون أن الإغريق والرومان وحدهم، كانت لهم أساطير وعبادات؟ أم أنها تجنبت الكلام على ميثولوجيا الأقوام الأخرى لأنها حكمت عليهم بأنهم برابرة لا يستحقون أن يذكروا بخير ومن ثم لا ضير، من استعمارهم واستعبادهم، واستغلال خيراتهم، ونهب ثرواتهم؟ إن ما أوردته المؤلفة اقتباساً من هيرودوت يجعلنا نرى أنها انطلقت هنا من موقف عرقي، استعماري واستعلائي.. فعلى الصفحة الحادية عشرة من الكتاب تورد قول هيرودوت التالي: "منذ القديم والعرق الهيليني يتميز من العرق البربري بذكاء وقّاد، وتحرر من السخافة". وكم يطيب لي أن أستطيع الابتسام: فالكلام على السخافة ليس في مكانه هنا! فالإغريق كان لهم في بداوتهم، كما كان لغيرهم، الكثير من السخافات، فالسخافات ملك مشترك للبشرية، وقد عملوا في القرون التالية على تشذيب ميراثهم وتهذيبه.. والمؤلفة لا تنكر ذلك لكنها تتجاهله حين تتكلم على "الشرقيين" وأقول هنا إنها تتجاهل كي أتحاشى قول إنها تجهل، فلا أظن أن باحثة من وزنها تجهل أموراً في منتهى البساطة.. فلنستمع إلى ما تقوله، مثلاً، على الصفحة السادسة عشرة من الكتاب: "إن الناس المحليين جعلوا كل الكائنات الأسطورية واقعية، فإذا كان هذا المزج بين الواقع والأسطورة يبدو صبيانياً، فإنه مقبول باعتباره خلفية متينة إذا قورن بالجني الذي يعرف من أي مكان يأتي عندما يفرك علاء الدين المصباح، وبعد أن يُنهي مهمته يرجع، ولكن لا يعرف إلى أين..". لا أحد منا يعرف إلى أين يذهب الجني فعلاً.. ولكننا نعرف جيداً أي منطق تبريري وراء مثل هذا الكلام الذي تقوله، باحثة معروفة ذات إطلاع تحسد عليه.. فهل تحديد المكان يبدو ضرورياً هنا؟ وهل تحديد مكان وجود آلهة الأولمب، مثلاً، جعل وجودهم حقيقياً ومقنعاً أو مقبولاً؟.. وليس قولها هذا أسوأ ما قالته، فهي تقول في الفقرة التي تليه: "اللامعقول المخيف ليس له مكان في الميثولوجيا الكلاسيكية" ثم تردف: "ليس هناك رجال ذوو قوى مخيفة خارقة للطبيعة" فهل مثل هذا الكلام على شيء من الدقة والصدق؟ أم أنه صادر عن الهوى؟ ويكون مدلوله أقبح إذ تأخذه حجة على "الآخرين"! وحين تقارن بين التنجيم البابلي الذي كان "يزعم" أن النجوم تؤثر في مصائر البشر، وبين ما جاء عند اليونانيين عن النجوم تخلص إلى القول: "إن ما استنتجه الفكر الإغريقي من النجوم هو علم الفلك وليس التنجيم".. ونستغرب مثل هذه الخلاصة ونستغرب أكثر من ذلك هذا الفصل المصطنع بين الحضارات الإنسانية ومعارضه إحداها بالأخرى، فمثل هذه المعارضة تنفي التفاعل والتأثير المتبادلين، وفي هذا ما فيه من إجحاف وزيف. فالشرقيون عموماً، وفي مقدمتهم البابليون قد درسوا علم الفلك، وقد عبد بعضهم النجوم، إذ وجدوا في عبادتها من المنطق أكثر كثيراً مما في عبادة "إله" يرضى أن يصير ثوراً ليخطف امرأة.. ثم من ينكر أن الإغريق قد "استوردوا" عدداً من آلهة هؤلاء الذين تتجاهلهم الباحثة.. ولقد تتلمذ الكثيرون من فلاسفة الإغريق وعلمائهم على هؤلاء وأولئك من أبناء البابليين والمصريين والفينيقيين. وأما الكلام على السحر والسحرة ونفي وجودهما لدى اليونانيين، كما فعلت المؤلفة، فأمر يحتاج إلى مزيد من التمحيص فقد قام آلهتهم وكهنتهم بالدور ذاته الذي قام به السحرة. أما عن تأثير النجوم والكواكب في الكائنات الحية على الأرض، ومناخ الأرض خصوصاً، فمسألة لا ينكرها العلم الحديث، بل صار مألوفاً كلام العلماء على تأثير المجال المغناطيسي الشمسي، وعلى تأثر المد والجزر بحركة الكواكب وغير ذلك من كلام على تفاعل عناصر الكون بأسره.. وإذا انتقلنا إلى أيامنا، أفلا نجد لدى اليونانيين المعاصرين ما لدى سواهم من سحر وتنجيم وخرافات تمارس في كل مدينة وقرية؟ فهل أصيب عرقهم الذكي بالغباء، أم أن الكلام على العرق "الذكي كله" لا مكان له في الأبحاث العلمية الرصينة؟ والمؤلفة التي تحكم على ميثولوجيا البابليين والمصريين بشيء من القسوة، وهي ميثولوجيا عمرها أكثر من خمسة آلاف سنة، وقد وصلت إلينا في حالتها البدائية غير المشذبة، تعترف بأن اليونانيين المتأخرين والرومان قد شذبوا الكثير من الأساطير والبسوها حللاً جديدة.. وفي هذا وحده ما يدل على مجانبتها الموضوعية في أحكامها. وقد يرجع هذا الموقف إلى كون الكاتبة من الذين ولدوا في أحضان النازية أيام ازدهارها. (في الإمكان الرجوع إلى الصفحة 17 وما يليها من كتاب "الميثولوجيا") ولعل أطرف ما في أمر هذه الباحثة أنها تورد في الكتاب أساطير إغريقية تدحض ما كالته من مديح لنقاء هؤلاء الآلهة والأبطال "غير المخيفين" وجمالهم. وهي إلى ذلك تورد أسطورة، قد تكون الأجمل بين ما تورده من أساطير جميلة، ثم تعترف بكل بساطة بأن أصل تلك الأسطورة بابلي.. الأسطورة هي أسطورة "بيراموس وتسبي"(ص151).. ولا أستبعد أن يكون شكسبير قد اقتبس منها هيكل مسرحيته الجميلة "روميو وجولييت". ثم نجدها تذكر أن هرمز هو الذي "اخترع القيثارة وقدمها لابولو"(ص155) وربما كانت تجهل أن هرمز هو "ادريس"، الحكيم الشرقي العظيم بين حكماء وعلماء الأزمنة الغابرة.. ولكن الشرقيين لم يرفعوه إلى رتبة الآلهة. وتجانب المؤلفة المنطق في المقدمة إذ تغمز قناة التراقيين ثم تورد أسطورة تنص على أن موهبة أورفيوس المدهش قد ترعرعت في البيئة التراقية: "فقد منحته أمه موهبة الموسيقى علاوة على تراقيا حيث عاش وترعرع فيها. وكان التراقيون أعظم الشعوب اليونانية في الموسيقى"(ص155) ولا نعرف كيف أباحت لنفسها الحط من قدر "أعظم الشعوب اليونانية في الموسيقى". بلى.. إنه لمن المؤسف حقاً أن يتخلى الكثيرون من الباحثين الغربيين عن المنطق والمنهج العلمي حين يدرسون المسائل التي تمس الشرقيين أو الشعوب الصغيرة، وأحسب أن ذلك ناجم عن شعور مزمن بالنقص، وإلا فكيف نفسر كونهم يعيبون علينا أمراً من الأمور ثم يعتبرون ما هو أدنى منه قيمة من المآثر إذا كان عائداً إليهم أو إلى أسلافهم؟ وكثيراً ما يصورون بطولاتنا على أنها وحشية وتخلف، وتصير وحشيتهم حضارة ورقياً.. وما إلى ذلك. إنهم يدّعون السبق في كل ميدان، ويسعون إلى تشويه كل جميل ابتكره الآخرون ليصلوا إلى القول إن ما ابتكروه هم هو الأجمل.. والجميل في نظرنا يكتمل جماله بجمال الآخر، ولا يمكن أن يكون جميلٌ نقيضاً لجميل آخر. وهم يحاولون أن يحوّروا الماضي، والماضي ينبغي أن يفهم، فهو لا يحوّر ولا تستبدل وقائعه.. إنه يبقى على ما هو عليه بجماله وقبحه، وخيره وشره. ونحن إذ نرى جمال ما ابتكروا وما يبتكرون. ونرى عيوبه لا نرى أن جماله يقلل من جمال ما أنجز أسلافنا وما ابتكروا، ولا ينبغي أن نرى في عيوب الآخرين ونقائصهم مبرراً لعيوبنا ونقائصنا. أما كتاب "الميثولوجيا" من حيث هو نصوص فيبقى من الكتب الجميلة والمفيدة.. وكم كنت أتمنى لو أن المترجم قد أعاره مزيداً من جهده وعنايته.. فثمة العديد من فقراته غامضة وغير مدققة، وثمة الكثير من الأغلاط الطباعية.. كما أن استعجال المترجم يبدو جلياً في الكثير من المواضع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |