وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
نظرة في كتاب إحسان سركيس

نظرة في كتاب إحسان سركيس

الثنائية في ألف ليلة وليلة

إحسان سركيس. كانت البداية منذ زمن بعيد وكانت نهاية الرحلة لشهور خلت. وبين البداية والنهاية عاش حياة غنية المحتوى وأعطى الحياة الكثير مما يغنيها ويجعلها أنقى وأبهى.

أظن أنني قرأت أكثر ما كتبه وترجمه إحسان سركيس في الخمسينات وكنت أعجب بما يكتب وما يترجم.. وجعلني اضطراب الحياة التي عشتها على غير صلة بما راح يكتبه ويترجمه طوال سنوات عديدة ولم تستطع تلك السنوات أن تمحو شيئاً من تألق اسمه في ذاكرتي أو أن تطفف ولو قدر قلامة ظفر من احترامي لفكره الرصين وإعجابي بأسلوبه المحكم كتابة وترجمة.

وجاء نعيه صدمة أو ما هو أقسى من الصدمة. وجاء صمت وسائل الإعلام، العربية عموماً والتقدمية خصوصاً، صدمة أخرى بل كان أدهى من الصدمة.

أيعقل أن تصل الأمور إلى مثل هذا الحد؟!

وأشعر أن في سؤالي مرارة وشيئاً آخر، شيئاً له طعم التفاهة أو ما يماثل التفاهة.. فما معنى السؤال والاستغراب بشأن واقع هو الأقسى والأدهى؟

كاتب مبدع يعمل دائباً في صمت طوال قرابه نصف قرن، يكتب ويبحث، ويترجم ويحاط ما يبدعه بأسوار من الصمت الإعلامي المطبق، ثم يموت فلا يسلط ضوء على ما كتب أو ترجم ولا يذكر حتى خبر وفاته!

هل ثمة عقوق أكثر إيلاماً من هذا العقوق؟

أيها الاخوة المثقفون!       ما دهاكم؟

ألا يعني لكم هذا شيئاً؟      أي شيء!!

ولكن هذا يعني أن التصحر الثقافي قادم لا محالة وأن الثقافة الجادة في خطر.

إنهم يحاصرونها بأسوار منيعة..

ثمة سور منيع من الحدود والحواجز الجمركية

وثمة سور الجهل والتجهيل وسور الغلاء، وسور التفاهة والضحالة

وهي أسوار خطرة وخانقة

ولكنها كلها من خارج الثقافة، وليست من صنع المثقفين المبدعين.

أيها الأخوة المثقفون!

كيف تسمحون لسور الصمت المخيف أن يفصل أحدنا عن الآخر؟!

إن سور الصمت الذي نسمح له بالتنامي أمام أنظارنا، سور الصمت الذي نبنيه بأيدينا دون أن نعلم أو دون أن ندرك خطورة ما نفعل، هو أكثر الأسوار خطراً على الثقافة والمثقفين.

المهرجون وحدهم يقفزون فوق مثل هذه الأسوار.

أما نحن فعلينا أن نهدمها إذا كنا لا نرغب في أن نصبح بهلوانيين، وإذا كنا حريصين على تطوير ثقافتنا الوطنية.

أيها المثقفون.. مات إحسان سركيس.

حين بلغني نبأ وفاة رضوان الشهال ذهلت.. ويبدو أنني كنت أسير في الشارع ذاهلاً فاستوقفني أحد الصحفيين الذين يكتبون في الشؤون الثقافية.. حياني الرجل بصوت عال ذاكراً اسمي ليخرجني من ذهولي فوقفت وصافحته.

سألني دهشاً: ما بك يا أخي؟

قلت شارداً: مات رضوان الشهال..

سألني الرجل: ومن هو رضوان الشهال؟

وازددت شروداً وتمتمت: حسناً، حسناً، رضوان الشهال هو رضوان الشهال يا أخي.

قلب الرجل شفتيه ومضى مستغرباً تصرفي الشاذ"

أيها الأخوة المثقفون!

أشعر بخجل ذي طعم مز لأنني أتخيل أن بعضاً منا سوف يسأل: ومن هو إحسان سركيس؟

ألم يسأل بعضنا هذا: من هو كامل عياد يوم مات كامل عياد؟

بلى.. مأساة هي أن يحيا الجادون في زمن التفاهة، والمأساة الأدهى هي أن لا تحركنا حتى المأساة لنفعل شيئاً نجابه به سيول التفاهة وعوامل تسطيح الثقافة وافقارها.

أيها الأخوة المثقفون.. مات إحسان سركيس.

أمامي الآن أربعة من أعماله وفي ذهني عشرات الأعمال الأخرى من كتب ودراسات وأبحاث كتبها أو ترجمها.. وله من الأعمال غير التي أمامي وفي ذهني.

ثلاثة من الأعمال التي أمامي مترجمة والرابع من وضع إحسان.

جمال العبارة ووضوحها وحسن إبرازها المعنى من سمات أسلوب إحسان سركيس حين يترجم وحين يؤلف. ووحدة الإسلوب تأليفاً وترجمة، دليل على رسوخ القدم وطول الباع.

قرأت أول ما قرأت "مايا كوفسكي" الذي اشترك ونصوح فاخوري في ترجمته وقلت: اكتب عنه، ثم قلت لنفسي بل أقرأ "كتلة الشحم" وقد صدر حديثاً بين ما تنشره وزارة الثقافة.. وقرأت "كتلة الشحم" لموباسان فاغراني ما استمتعت به بقراءة "ميميد الناحل" الصادر عن دار الفارابي لياشار كمال. وكان إعجابي الكبير بإحسان سركيس يكبر مع كل صفحة أقرأها.. لقد رأيته يكسو المعاني الدقيقة الثوب الذي يناسبها فتذعن له اللغة اذعاناً تاماً وتنبعث اللوحات والصور غنية الألوان وتنبض فيها الحياة.

ولم يبق لدي سوى "الثنائية في ألف ليلة وليلة".. وقرأت هذا العمل الثمين فانتابني شعوران.. الأول هو شعور من الاعتزاز بكون مثل هذا الباحث الجاد ذي الثقافة الواسعة والتفكير العميق والاسلوب الجميل من رفاقي، أو بعبارة أدق أحد أساتذة المدرسة التي انتمي إليها وأتعلم فيها.. والشعور الثاني مزيج من الألم الجارح والمرارة التي تجفف الحلق وتقبض النفس حتى لتوشك أن تخرج الإنسان عن طوره.. وقد تشعرون بشيء مما شعرت به من ألم ومرارة إذا علمتم أن هذه الطبعة من الكتاب قد صدرت في كانون الثاني من عام 1979.

قد يكون مبرراً صمت الرجعيين عن صدور مثل هذا الكتاب، فمحاربة الأعمال الجادة بالصمت من أكثر الأسلحة فتكا.. ولكن كيف نبرر أو نعلل صمت التقدميين عنه وتجاهلهم له؟

السؤال أكثر من موجع..

وفي مثل هذه الحال يزداد إعجابنا بهؤلاء الذين يعملون بصمت ويموتون بصمت وهم يوقدون المصابيح على درب الثقافة الجادة في هذه الأزمنه الرمادية حيث يكثر الضباب وتكثر المستنقعات..

أما الآن فسأسمح لنفسي بإلقاء نظرة على كتاب "الثنائية في ألف ليلة وليلة".

الكتاب دراسة منهجية غنية المحتوى أجراها باحث مجتهد يحترم الرسالة الثقافية التي ندب نفسه لادائها وهو بالتالي يحترم القاريء.

وإني لازعم أن إحسان سركيس قد قال في هذا الكتاب كل ما يجب أن يقال من غير تطفيف أو إسراف.

الفصل الأول من هذا الكتاب عنوانه -الأدب الشعبي ومكان "ألف ليلة وليلة" منه- ونقرأ فيه اكثف وأشمل ما يعنينا في هذا المجال إذ يضع أمامنا زبدة أراء الباحثين في هذا الموضوع ويحللها ويقدم رأياً مقنعاً على الرغم من تعقد الموضوع وتشعب أراء الباحثين. فهو يناقش شتى الآراء حول أهمية الأدب الشعبي بطول أناة ويقارن بين شتى العصور والأزمنة لافتاً أنظارنا إلى مرونة الأدب الشعبي وقدرته على الأخذ والعطاء وتحديه الخلاف الديني والخصام الحربي والمغايرة العنصرية.

ويعرض آراء الباحثين حول أصل الكتاب أو أصوله فيوردها كلها أو جلها ثم يخلص إلى النتيجة التالية: "ولئن كانت الهند أو فارس أسبق من العرب في وضع أو استيراد وتصدير بعض الحكايات، فمن الثابت أن عدداً من الأمم في القرون الوسطى كان من أساتذه وضع القصة أو روايتها ومنها الأمة العربية التي كانت في ذلك الحين واضعة وراوية ومصدرة لهذا القصص.. "

ويرى أن الكتاب في صيغته الأخيرة قد دوّن في مصر، وأن العرب قد سموا بفن الحكاية الخاص بهم إلى حد الاكتمال الفريد، وما استمده العرب من سواهم اشبعوه بروحهم وفنهم، وأن العالم العربي كان يشكل وحدة ثقافية من خلال التعدد والتنوع، وأن الأدب الشعبي ألصق من أدب الخواص وأشباه الخواص بالبيئة المادية والاجتماعية التي ولد فيها وترعرع. وبعد إيراد الكثير من المناقشات والآراء يصل إلى القول: "إن الثنائية" التي جعلناها عنوان هذا الكتاب إنما تستشف من خلال الواقع الانتقالي في ذلك الحين، وهو واقع العصر الوسيط، متمثلة في العلاقات الجدلية بين شكل متجمد وآخر نام، بين شمولية لم تعد تستجيب لمقتضيات التطور بل تقف حائلاً دونه وبين خصوصية بدأ يرهص بها الزمن، بين الواقع والخيال والتطلع، بين الأيديولوجية السائدة المهيمنة وبين ما يشاققها ضمناً أو صراحة، بين ضمور الفردية ومحاولة ظهورها، بين تبديل الطبيعة بالعلم والعمل ووهم تبديلها عن طريق السحر والوسائط".

وفي الفصل الثاني "عصر المماليك بداية مجتمع جديد" يقدم لنا المؤلف عرضاً تاريخياً موجزاً وغنياً نرى فيه جهد الأديب والمؤرخ والمفكر والباحث الاجتماعي والاقتصادي معاً، فنرى لوحة شاملة لذلك المجتمع ونطلع على الخلفية الزمانية والمكانية للبيئة الاجتماعية التي دونت فيها حكايات "ألف ليلة وليلة" في صياغتها التي وصلت بها إلينا.

ونقرأ في الفصل الثالث ("ألف ليلة وليلة" من خلال البيئة الأدبية) تحليلاً اجتماعياً ونرى صورة تاريخية ثم نصل إلى قول الكاتب: "ولئن كان الأدب الشعبي قديماً قدم الإنسان الواعي وكانت النفس الإنسانية تميل إليه، لإرضائه حاجة فيها، فهو في عصر الليالي، وقد تقدم في شوط الحضارة، أقرب في شكله الراقي إلى أدب الفصحى أو الأدب الكلاسيكي منه إلى الأدب الشعبي بمعناه العام".

ويرى الكاتب أن الحكايات تمثل جميع قطاعات المجتمع، مجتمعها، "وقد صادفت هوى لدى جميع الطبقات تقريباً، وإن اختلفت دواعي هذا الهوى" وإن الجامع المبدع للحكايات هو واحد من الطبقة الوسطى وأنه استلهم الكثير من المعاني والأغراض الدينية وقد راعى النواحي الأخلاقية بمقدار من حيث الخاتمة والنتيجة دون السياق إذ جانب فيه الاحتشام. ثم يقول عن الحكايات من حيث صدقها التاريخي: "فالذي يعني القاص هو التجربة التاريخية، مغزاها، لا تقرير الحقيقة" ثم يردف: "وليس ثمة سبيل ولا مكان لكي نقارن التاريخ الشعبي بعلم التاريخ، ولا مجال للعيب على القصة التاريخية إنها تجافي، بعامة الحقيقة... الخ".

ويكرس الفصل الرابع للبحث في مسألة: "المجتمع والدولة من خلال التاريخ والحكايات" فيتكلم على العصر والسلطة ويلخص بعض الحكايات والمفاهيم الأخلاقية ثم يخلص إلى القول: "وإذا شئنا أن نستخلص صورة عامة عن الدولة والحكم والحكام فبوسعنا التأكيد على أن القاص لا يملك رؤية محددة عنها ولا يجزم بأمر لم يستقم في خلده، لهذا فهو يراوح بين أكثر من صورة أو تصوّر ما دامت الحياة لم تقدم بعد دليلاً أو معياراً مستقراً يقطع مع مفاهيم الماضي وصوره ورسومه ليتخذه حجة أو سنداً في واقعه أو مرتقبه" ثم يردف في مكان آخر: "فالقصص تحمل خوفاً كبيراً من رجال السلطة ومن بطشهم ومن تأثرهم بعواطفهم وغرائزهم، وتظل الصورة الغالبة هي صورة الاستبداد المقرونة بعالم هو عالم الملوك والسلاطين والحكام، فلهذا العالم قواعد لعبته من عداوات وصداقات ومصاهرات وهو يتميز بخصوصية معينة تختفي معها الدولة لتتقمص شكل الحاكم أو لتندمج فيه ولا مكان للرعية، المنسحقة بهمومها ومشاكلها، وما ينزل بها من مصائب ونكبات، إلا تفضلاً من قبل هذه القلة من الناس".

ويناقش في الفصل الخامس مسألة: "المغامرة الإنسانية من خلال الحرية والفردية" والبحث هنا كثيف متماسك وغزير المعطيات على قلة في عدد الصفحات.. ثم ينتقل في الفصل السادس إلى مسألة: "المرأة والجنس" وهنا أيضاً نراه يعرض المسألة تاريخياً بعد تمهيد نظري لها، وهو يرى أن عالم المرأة والجنس في "ألف ليلة وليلة" عالم واسع يفيض بالحركة، وفيه نساء متفاوتات من حيث المكانة الاجتماعية ومن حيث الطباع الإنسانية والسمات الأخلاقية ويلخص لنا الموقف بقوله: "تلخص لنا فنون الأدب الشعبي بعامة، موقف الرجل من المرأة في داخل بيئه اجتماعيه محددة يطبعها امتياز الرجل وانخفاض المرأة من خلال علاقات مقننة رسختها العادات والأعراف.." ومع ذلك يرى أن في الليالي: "ما تختص به، على سبيل التفرد، بالقياس إلى المعيار العام، لأنها تصور واقعاً متحركاً نامياً وترصده من خلال ما يظهر فيه وإن يكن لا يزال في بدايته" ثم يشير إلى العبارات المكشوفة في القصص مع أن القاص مقيد بقواعد أخلاقية محددة كما يشير إلى: "مواقف أخرى تتسم باللين المبطن وأحياناً بالفكاهة إزاء بعض المحظورات".

وعلى الرغم من الحذر من المرأة في عالم القصص فإن القاص يجعل النساء في إحدى الحكايات يقمن بالملك ويتألف الجيش منهن ويقوم الرجال بالحراثة والزراعة والحصاد، ويقدم نماذج عن المرأة العالمة والشاعرة والفنانة، وإن كن في الغالب من الجواري.. والمرأة المقاتلة أجنبية دائماً وقد يكون جمالها من أسلحتها في الحروب.. وفي عالم النساء نساء من الجن وساحرات منهن الخيرة والشريرة.

ويبدأ الفصل السابع: "تطهير وامتاع" بالقول: "من مهام الأدب، في بعض أشكاله، محاولة إلغاء الصراع بين الفكر والشعور وتشييع بعض ظواهر الحياة التي عفى عليها الزمن وداعاً ضاحكاً أو ساخراً.." ثم يذكر "قصص اللصوص الظرفاء وألاعيب العيارين الشطار" في الحكايات مثالاً على ما ذهب إليه. وبعد أن يذكر لنا أحداثاً من التاريخ ويعرض آراء باحثين أجانب يعود إلى القرن الرابع الهجري حين استفحلت "ظاهرة اللصوص والعيارين والشطار الذين كانوا يقطعون الطريق على الناس ويفرضون إتاوات معينة على البيوت، من لم يدفعها هوجم وأُخذ ماله" ويصف لنا شقاء الفقراء وما عانوه مما أدى إلى ظواهر اجتماعية منها تفشى الزهد، وتفشى الحقد والحسد والكذب والخبث وانتشار الدجل والتخريف والسحر، وشيوع ظاهرة اللصوصية وقطع الطرق و"الشطارة" ثم يورد لنا آراء المؤرخين والأدباء وصوراً من المقامات حيث الكدية والاستجداء وسواها ليصل إلى القول إن المجتمع في مصر زمن تدوين الحكايات قد تبدل بعض التبديل مما أتاح للقاص أن يورد قصص هؤلاء وأولئك.

وبعد أن يلخص لنا العديد من قصص الشطار والفتيان والعيارين يقول:

"إنها القصة البوليسية في بواكيرها"، وهو استنتاج جريء ومعقول.

قد يكون الفصل الثامن: "القدرات والرغائب" هو الفصل الأغنى في هذا الكتاب الغني فهو يحكي لنا فيه على: "الأساطير، قصص السحر والجن والخرافات ومعها الملاحم، صوت عميق يأتي من بعيد، وقد استحال لقدم العهد أشبه بالهمس والتنهد، صوت قديم من أصوات المعابد أو عالم النفس البشرية يحمل في طياته ألف لون ولون من ألوان الحياة النابضة التي كان فيها الجواب يسبق السؤال أو يأتيان في وقت معاً" وحيث نجد ألف لون من الجمال وألف باعث على الإعجاب برشاقة العرض وغنى الأفكار وجمالها. فهنا نسمع صوت الجن وصوت الملوك ونقرأ تاريخ القصص الخرافية عند العرب ونرى وجه لقمان الحكيم، وتطلع من عصر الجاهلية حكايات الجبال والأودية والصخور والكهوف وحكايات صرح هامان وقصور ثمود وسد مأرب وقلاع غمدان ثم نطلع على مقارنات بين الحكايات الخرافية عند مختلف الشعوب ونطلع على الفروق بين الحكايات الشعبية والحكايات الخرافية وقد انتقل القاص في "ألف ليلة وليلة" بين عالميهما.. ونقرأ آراء هامة لباحثين عالميين في هذه المواضيع. ثم ينقلنا إلى السحر فيحكي لنا كيف رافق الإنسان "في شعره وطبه وبواكير وعيه العلمي والمنطقي..".. وندخل عوالم السحر حيث لا شيء مستحيل. ثم يورد لنا الكثير من الآراء ونظرات مختلف العصور إلى السحر، ثم يتكلم على التنجيم ونظريات التصوف والمفاهيم العقلانية ويورد آراء الباحثين بشأن حكايات الجن والأساطير لينقل لنا كيف استخدم القاص كل ذلك في (ألف ليلة وليلة) ويقدم لنا "نماذج وإشارات معبرة" ثم يحدثنا عن قصص "تتعلق بالحيوان والنبات والمعادن والأحجار الكريمة" ويقارن بين حكاياتنا وحكايات الشعوب الأخرى في هذا الشأن أيضاً ليخلص إلى القول إن الإنسان كائن متعدد الأبعاد ورغائبه كثيرة. "ولكن الرغائب في الليالي، وتلك ميزة تختص بها، لا تعيش في عالم الخيال المحض، إنها تعيش على التخوم، على الحدود بين الممكن وغير الممكن، بين الواقعي الإنساني واللاواقعي الخارق. وتترجح هذه الثنائية بين ما تجلوه الحكايات من وجود لجهد الإنسان أو سعيه أو حيلته وبين الوساطة المحضة التي تيسر له رغائبه، بحضوره الإنساني أو بعدمه."

وفي الفصل التاسع: "الأيديولوجية من خلال الطوباوية أو المدينة الفاضلة" ندخل مع الباحث عالم الأفكار والمشاعر معاً والتي يمتد تأثيرها إلى العقل الواعي والعقل الباطن ونبقى، طبعاً، في عالم ألف ليلة وليلة وفي جو البحث التاريخي الرصين وبين آراء غنية ومتنوعة للعديدين من الباحثين من عرب وأجانب، ثم نصل إلى حيث يقول ملخصاً: "ولهذا كان القاص يعمل جاهداً ليتم إحقاق الحق ومجازاة الخير بالخير والشر بالشر" ثم يقول: "وهذا ما جعل الكثير من حوادث الليالي تدور على وتيرة واحدة اقتضتها هذه النظرة إلى الحياة ولا سيما أن عنصر التغيير في الحوادث يأتيها غالباً من خارجها ومن خارج الأشخاص الذين يشاركون فيها، ومعنى هذا أن الإرادة البشرية في معظم الليالي مقيدة بارادة أقوى منها تدفعها إلى العمل وتتخير لها نوعه والوقت الصالح له كما تهيء الشخص المتأهل للقيام به، حتى أن الكثير من الوقائع تكاد أن تكون خاتمتها معروفة منذ اللحظة الأولى".

ونراه يستدرك فيقول: "كتاب ألف ليلة وليلة يمضي في استعراض قدرة الإنسان حيناً وعجزه أحياناً كثيرة" ويقول في مكان آخر: "ولئن بدا لنا الفرد، أحياناً، وحيداً في سعيه أو مواجهة مصيره فهو في أحوال أخرى، وإن تكن قليلة نسبياً، متضامن مع أقرانه ومع من يشاركونه في مصابه أو حرمانه أو ضيعته".

ويفسر الموقف بإيجاز ذي دلالة كبيرة فيقول: "ولم يكن القاص في الليالي عالماً أو فيلسوفاً وإنما كان أديباً أقرب إلى مثيله الشاعر في أوروبا. وكانت سليقته الأدبية تضعه قيد الثنائية في تصور الحلول العلمية أو الحلول المتخيلة وقد دفعه تمرسه الفني الجمالي إلى حيث يمكن أن يبلغه الأدب عندما يتمكن، بما يحمله من مرونة وتشوف، من أن يطوع الحياة لشيء من الحلم أو الطوباوية أو تصور مدينة فاضلة عن طريق الخيال الشعبي.. ويردف: "ولولا التوتر بين الحلم والواقع لخسر الممكن كل حظ له في أن يصبح واقعاً ذات يوم".

وبعد أن يعرف "اليوتوبيا" أو الطوباوية ويحكي عن المسافة بين كل فكرة وطوباويتها ويعرض لنا الطوباوية في التاريخ وما تحقق منها وما اخفق ويحلل لنا علاقتها بالعلم والحلم والحنين إلى الفردوس المفقود أو الطموح إلى بناء المدينة الفاضلة يصل إلى القول: "والطوباوية أو الطوباويات التي تستشف خطوطها العامة من خلال كتاب ألف ليلة وليلة، تعطي في أحيان كثيرة نماذج مفارقة لحياة المجتمع وأحياناً موافقة" ثم يقول خاتماً هذا الفصل الشيق: "وقد يحتاج كل عصر إلى شيء من الطوباوية التي تتجاوز الواقع الراهن، ولا يمكن لعصر الا أن يتحجر ويتجمد عندما ينتقص باسم العلم والواقعية من حق الحلم والمخيلة".

ونصل إلى الفصل العاشر والأخير: "موقف من الف ليلة وليلة" حيث يعرض لنا المواقف المتباينة من هذا الأثر الذي اعتبره بعض الباحثين العرب "التفاتا مرضياً إلى الماضي حيث الأحلام السعيدة ونشوة السحر." ويناقش هذا الرأي ويبدي تحفظه تجاه اطلاقه، وهو يرى أن هذا الكتاب: "وهو وليد مرحلة انتقالية، كان يحتمل وجهي الحياة، السكوني منها والمتحرك، الغيبي والعلمي، صورة الفردية المنسحقة التي تخلت عن حريتها وصورة الفردية التي بدأت تبرز لاكتساب هذه الحرية أو انتزاعها".

ثم يشير إلى استعانة "كثير من مؤلفي قصص الأطفال بما في الكتاب من قصص واقعية أو خيالية" ويؤكد أن الكتاب قد ترك أثراً في كل باب من أبواب الفنون، الموسيقى، الأوبرا، والفنون التشكيلية والسينما والصحافة والإذاعة. "وهو بحق من أروع الروائع لا في الأدب العربي وحده ولكن في الأدب العالمي أيضاً".

هل أسأت بهذا العرض السريع إلى هذا الكتاب أم أحسنت؟ الكتاب غني وجيد وليس لأي عرض أن يغني القارئ عن قراءته.. وإذا كان لا بد من حديث عن الإساءة فأخشى أن يسيء أحد ما إلى نفسه فيستغني بما قلته عن الكتاب عن قراءة الكتاب.. وآمل ألا يفعل أحد ذلك.

"الثنائية في ألف ليلة وليلة" من منشورات دار الطليعة في بيروت وهو في 222 صفحة.                         

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244