وجوه ومرايا شـيء مــن الســيرة وشـيء مـن الـنقد - ميخائيل عيد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

حالـــــة أرق

السيدة دلال حاتم من معارفي الذين أحمل لهم الكثير من الود والكثير من التقدير.. وكنت على ما يشبه القناعة بأنني أعرفها جيداً.. كيف لا ونحن متعارفان منذ قرابة عشرين سنة!‏

ثم اكتشفت أن الأمر ليس كذلك. وكان ذلك مفاجأة لي جعلتني أرى أن المعرفة الحقيقية، لا تتم ببساطة.‏

كان ذلك يوم أهدتني السيدة دلال حاتم قصصها التي تحمل عنوان "حالة أرق" الصادرة عن وزارة الثقافة في دمشق.‏

الكتاب صغير الحجم: "133 صفحة" وهذا ما أغراني بالشروع في قراءته وأنا في الحافلة.‏

شدتني القصة الأولى "الساحر والمهرج" فلم أنتبه إلى وقوف زوجة أحد أصدقائي قربي حتى انتهيت من القصة ورفعت رأسي وعدلت نظارتي. أجلست تلك السيدة مكاني، ويبدو أن استغراقي في القراءة قد أثار فضولها فطلبت مني الكتاب..‏

واستغرقت هي الأخرى في القراءة، ولم ترفع رأسها إلا عندما قلت لها: تفضلي وأشربي عندنا فنجان قهوة!‏

أعادت إليّ الكتاب وشكرتني. وفي البيت عدت من جديد إلى الاستغراق في عالم قصص دلال حاتم الجميل.‏

يقولون لا يستطيع الإنسان حمل أكثر من بطيخة بيد واحدة. ولكن السيدة دلال تفعل ذلك. فهي ربة بيت ورئيسة تحرير مجلة "أسامة" وهي تكتب للأطفال وتترجم وتحاضر وتشارك في الندوات المحلية والعربية وفوق ذلك تكتب القصة وتجيد.‏

تضعنا السيدة دلال حاتم في قصتها الأولى "الساحر والمهرج" بين المتزاحمين أمام نافذة قطع التذاكر فنسمع ونرى عينات مما نسمعه ونراه في حياتنا اليومية.. وندخل مع الداخلين إلى هذه "الحفلة" الاستثنائية من حفلات السيرك فنرى بعض التهريج وبعض السحر الذي ما يلبث أن ينقلب على المهرج والساحر والجمهور الذي يتدافع في كل اتجاه ليتخلص من الورطة. ويبقى المستفيد الوحيد مدير السيرك.. فيعين بديلين للمهرج والساحر اللذين احترقا ثم يأخذ نقوده ويمضي إلى مدينة أخرى ليعرض فيها ألاعيب سيركه التي لا تنتهي.‏

وينتابنا الغضب ثم نشعر بشيء من الشفقة وشيء من التقزز فما أكثر السحرة والمهرجين.. وما أكثر ما يكونون مطية لاسيادهم.. وما أكثر الذين يحترقون منهم ثم لا يتعظ الآخرون..‏

لقد بذلت السيدة دلال جهداً كبيراً عن طريق الحوارات المقتضبة والتعابير المتداولة في مثل هذه المناسبات كي تحرر القصة من طابعها الذهني ولكن العنصر الذهني ظل ملحوظاً.. ولا غرابة في ذلك.. فمثل هذه المسألة الاجتماعية يصعب إظهاره بمظهر الكائن الفني الحي.‏

وقصة "سعيد حتى الموت" قصة إنسان غير سعيد.. هو إنسان ذو دخل محدود.. فكيف يكون سعيداً؟‏

ثم إنه فوق ذلك يسمع الكثير من المنغصات في كل مكان..‏

ثم يصاب بالصمم فلا يعود يسمع بربرات زوجه ولا أغانينا المحلية فيضحك حتى تسيل دموعه ويهتف: "أنا رجل سعيد، سعيد حتى الموت".‏

سأسمح لنفسي بأن أتجاوز قصة "ثرثرة" فلا يكون ما أكتبه شاهد اثبات ضدي وكي استعجل الوصول معكم ومع السيدة دلال حاتم إلى الدرة الأولى والأجمل في مجموعة قصصها.. إلى "حالة أرق".‏

وأقف هنا لأسأل نفسي: هل بالغت إذ قلت: الدرة؟‏

اذكر أنني نصحت ناقداً شاباً منذ أعوام بأن يترك الألقاب والصفات الكبيرة للأعمال التي تستحقها إذ قال عن قصة مترجمة: هي قصة رائعة.‏

والدرة في لغة النقد تعني الرائعة.‏

لا أعرف إن كان ذلك الناقد الشاب قد غير رأيه في تلك القصة. أما أنا فأقول مؤكداً: "حالة أرق" هي الدرة الأولى في مجموعة أقاصيص السيدة دلال حاتم التي أعطت المجموعة اسم هذه القصة اذ أدركت أنها واسطة العقد‏

في مجموعتها هذه.‏

كيف انتقلت الكاتبة بهذه القصة من عالم الجميل إلى عالم الأجمل؟‏

قد تكون هناك أسباب عديدة متداخلة ولا تستسلم للتفسير بسهولة. وأرى بين أهمها أن السيدة دلالاً قد كتبت هذه المرة من الصميم، من بؤرة التوتر الأكثر رهافة، حيث تتجمع وتتقاطع المشاعر والذكريات، حيث تراكمت العناصر التي كونت شخصيتنا، وحيث يتألق الوهج الذي يضفي السحر الذي نسميه الشعر أو الشاعرية على ما نعبر عنه إذ ندخل هذا الخِدْر المقدس.‏

هل ألخص لكم "حالة أرق"؟‏

حرام أن تختصر هذه القصة، بل حرام ألا تقرأ أكثر من مرة.. هي سيرة ذاتية مكثفة... وهي شعور امرأة مرهفه الاحساس عظيمة الكبرياء، امرأة لها تاريخها، أي لها طفولتها ويفاعها، نشأت في هذا الشرق وعصرت أصابعه القاسية قلبها مذ كانت طفلة وما زالت تعصره حتى الآن، وهي ذات تطلعات ولها أنوثتها ولها أحلامها وهمومها.‏

يقولون أن باطن الأرض شديد السخونة.. وقد تكون أعماق الإنسان أشد سخونة من باطن الأرض. ولقد غمست دلال حاتم كلمات اللغة العادية في سخونه الأعماق فاصيبت الحروف بحمى عجيبة.. ويبدو أن العناصر المشعة في الطبيعة هي مشاعر من سبقونا من العشاق والشهداء والشعراء تكثفت واكتسبت ما لها من صفات.‏

كتبت هذه الأسطر وأنا تحت تأثير "حالة أرق" المباشر فخيّل إليّ أنني قد "زدتها" فتوقفت عن الكتابة ثلاثة أيام متوالية وأنا أظن أنني كتبت ما كتبت تحت تأثير عوامل انفعالية قد تكون من خارج القصة ، وليس جميلاً أن نضفي على العمل الفني ما ليس فيه. ولكن.. لا.. فها أنا اقرأ القصة مرة أخرى وأشعر بدفء عجيب فاهتف إعجاباً:‏

أتمنى لك المزيد من حالات الأرق يا سيدتي!‏

أعرف أنك سوف تتأذين كثيراً‏

ولكنني أعرف أن الفن سوف يستفيد كثيراً‏

أجل.. وها هنا سر مأساة المبدعين الجميلة‏

أنت تقولين: "صار فمي مراً كالصبر".. أجل.. فمثل هذه الحلاوة لا تصدر إلا عن فم عرف المرارة وصبر عليها حتى صارت كلاماً جميلاً..‏

تومض في القصة صور ومواقف وأشياء صغيرة فنلفها بمشاعرنا جيداً ونخفيها في ركن حميم من صدورنا كما فعلت دلال حاتم بأشيائها الصغيرة التي لم يطاوعها قلبها على التخلص منها (حالة أرق ص50)‏

ونكبر مع دلال التي تكبر مع الأحداث العامة والخاصة، ونقرأ العام في الخاص والخاص في العام، ثم لا نجد كلمة في غير مكانها. وأزعم أنني كنت اقرأ وأنا لا أشعر بوجود الكلمات. لقد تحولت إلى حالة فنية، أو إلى كيانات فنية وفقدت سماتها الخاصة لتشكل وحدة عضوية نسميها التجسيد الفني للحياة:‏

-"يا هبلة.. ألا تعرفين أين مصلحتك؟ العلم.. العلم ولا شيء غير العلم.. أم أنك تريدين أن تكوني مثلي آلة لتفريخ الأولاد؟" ثم تبكي دلال وأمها ونحس معهما براحة عميقة (ص58) ما كان في نيتي أن أقف طويلاً عند "حالة أرق" ولكنها استوقفتني بجمالها، وها أنا أنتقل إلى سواها والشعور بأنني لم أوفها ما تستحق يلازمني.. واعزي نفسي: تلك هي مهمة الناقد وما أنا بناقد!‏

في "الكابوس" تصير الأغنية العذبة إلى مأساة مؤلمة.. وتظل اللغة شاعرية في حالي الغناء والبكاء! ويتم هذا التحول بواقعية قاسية.. إننا هنا أمام حقيقة قبيحة وهي كالموت.. نراه كل يوم ولا نألفه. ذلك لأن الحياة جميلة، أو نحن نريدها كذلك.. وما يحدث في الحياة يكون أحياناً أكثر من قبيح وغير منطقي.. يصير فيه الغناء نحيبا موجعاً.. يصير كابوساً..‏

ونصل إلى "الرجل والبحر" وكأننا نخرج من معركة لندخل في أخرى. العالم الكابوسي قائم هنا.. بل هو في كل ما يحيط بنا.. ويخيل لنا أننا خسرنا كل شيء.. وأن كل شيء خاننا ما عدا البحر.. ولكن المرأة -الحياة تنتظرنا وتمد لنا يديها.. ونندفع نحو صدرها الجميل. الحنون.. نعود إلى الأمل والكفاح!‏

ولكننا نشعر هنا أن الفكرة الجميلة هي التي صنعت الحكاية الجميلة، والأجمل في الفن أن تصنع الحكاية فكرتها.. واغمغم: وهل في ميسورنا أن نبدع الأجمل دائماً؟‏

ثم نمضي في "السراب" مع فتى قروي إلى المدينة العجيبة.. ويطبق علينا العالم الكابوسي -الواقعي ونحشر بين مصراعي الأبواب الدهرية التي لا ترحم..‏

ثم نصغي مع محمود القابع في حجرة إلى "إيقاعات" الأحذية التي تعبر الممر القريب من نافذته.. ونكتشف معه أن نهاراً آخر قد ذهب.‏

وتحاول السيدة دلال أن تصنع قصة من "لماذا" وتفشل المحاولة، أو هكذا يخيل لي.. فالحادث وحده لا يصنع قصة واقعية مع أنه واقعي وقد يحدث كل يوم.. والقصة، وهي لا توجد لولا الحدث، ليست حدثاً فحسب..‏

في "فتى آخر" يتحول الواقع إلى واقع فني، إلى أسطورة، وتنغرس الأسطورة في لحم الواقع فتولد أغنية. لقد أحسنت السيدة دلال إذ ختمت مجموعتها الجيدة بهذه القصة القصة.. أو بهذه الدرة الثانية.. فكم يصدق فيها القول: "وكان ختامها مسكاً".‏

وها نحن نردد مع الحارس الشيخ: "واأسفاه.. هوذا فتى آخر يخدعه البحر.."‏

وأسأل: إلى متى سيبقى سيل الإعلام "الرمادي" سائداً في زمننا الاستهلاكي؟ إن أزهاراً كثيرة تتـفتح كل يوم، ولكن سيل الرماد يطمرها. وفي ذلك خطر كبير على ثقافتنا.‏

أعرف أن صوتي خافت وقد لا يسمعه أحد في هذا الزمن الصاخب.. ومع ذلك أرى من واجبي أن أهمس: سلمت يداك أيتها السيدة دلال حاتم.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244