|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:52 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
روحـــــي الخالــــدي (1864-1913) عَلَـــــمٌ نهضـــــوي واســـــع الثقافـــــة قد تكون وفرة المعلومات هي السمة الأبرز في ما تركه لنا رجال النهضة العربية من كتب. فهل كان ذلك استمراراً للتقليد الذي اشتهر عن الجاحظ؟ أم أنهم رأوا مدى فقر الأمة إلى المعارف وقلة ما يطبع من كتب فارادوا أن يقدموا الكثير من الفوائد في قليل من الكتب ولسان حالهم يردد: فليغنكم هذا الكتاب عن عشرات الكتب؟ أم أن ذلك يرجع إلى أنهم، في أغلبهم، كانوا معلمين: والمعلمون لا يضنون على أجيال الأمة بشيء، ثم أنهم يرون في الآخرين تلاميذ خارج الصف. وكان لذلك مضاره وفوائده، ولعل أفدح ضرر لحق بما كتبوه ذلك الضرر الناجم عن كثرة الاستطراد فالخروج عن الموضوع، وقطع سياق البحث. وكثيراً ما نرى وجوهاً عديدة غير واضحة المعالم حيث نأمل أن نرى وجهاً واحداً نتعرفه جيداً بكل أبعاد دلالاته النفسية والاجتماعية. إن كتاب "تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو" لروحي الخالدي الصادر عام 1985 في طبعته الرابعة عن "الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين" هو في عداد كتب أولئك الرواد التي يمكن أن نطلق عليها اسم "كنز معلومات" أو "حديقة معارف" من غير أن نخشى اتهاماً لنا بالمبالغة. ويعرب الدكتور حسام الخطيب في المقدمة القيمة التي وضعها للكتاب عن أمله في أن يكون ملتقى عنابة في الجزائر الذي عقد عام 1983: "إيذاناً ببدء حملة علمية لإنصاف هذه العبقرية المبكرة في تاريخ الأدب العربي الحديث"(ص7) فنقرأ ونفرح، ثم نفطن إلى أن السنوات قد مضت ولم نفعل شيئاً.. وكأنما كان بدء الحملة هو نهايتها.. ومما يخفف شيئاً من الألم أن جهداً قد بذل في هذا السبيل، وأن الطبعة الرابعة من الكتاب بين أيدينا. ونمضي مع مقدمة الدكتور الخطيب فنعرف شيئاً مفيداً عن سيرة الرجل وعن سمات تفكيره، وعن أسلوبه الأدبي عموماً، والنقدي خصوصاً، وعن طبعه وتطلعاته، وإذا أردنا أن نجمل ما نقرأه من سماته أمكننا القول إن روحي الخالدي كان من المنادين بالحرية، ومن الإنسانيين المنفتحين الداعين إلى التجديد، المتوجهين نحو اللغة العلمية، وكان الرجل رائداً في الترجمة، ويخصص فلا يكتفي بالتعميم، ثم نجد أمثلة على بعد نظر الرجل ودقة ملحوظاته، وعلى سعيه إلى تيسير بعض مصاعب الترجمة ودعوته إلى ضرورة وضع المصطلحات، والاتفاق على تعريب الأسماء التي تطلق على أجناس الشعر والأدب. ونرى أيضاً وجه رجل ابن بيئة اجتماعية محددة، عاش في زمن تاريخي محدد فكان فيه الكثير من إيجابيات الفترة والقليل من سلبياتها. وتلفت النظر في مقدمة الطبعة الثانية مسألة الإفراط في امتداح الكاتب حياً ثم نسيانه ميتاً: "وذكر ما اقتبسه الإفرنج من آدابنا وأساليبنا مما لم يتصد للبحث فيه أحد قبله -ولم نر أحداً تصدى له بعده" (ص37) ثم ينسى جرجي زيدان ذكره في كتبه الأدبية، علماً أن مجلته "الهلال هي التي نشرت الكتاب فصولاً أول مرة، ودار "الهلال" هي التي أصدرته في الطبعة الثانية، وهي التي قالت فيه حياً ما قالت. ونترك المقدمات وندخل عالم روحي الخالدي فنسمع كلاماً على "احتفال الفرنساويين "باليوبيل القرني" لكاتبهم فيكتور هوكو" ثم نصل إلى كلامه على سيرة الرجل فنراه قد عرض هذه السيرة عرضاً جيداً يتوقف في أثنائه وقفات ذات دلالة عند الكلام على نضال الرجل السياسي- والاجتماعي، وعلى آرائه الإبداعية والجمالية، منبهاً إلى قوله: "إن الكلمة كائن حي فاعلموه"(ص45) عارضاً في أثناء ذلك الكثير من التاريخ الفرنسي والأوروبي والعالمي، ثم يحكي لنا حكاية صدور أعماله عملاً إثر عمل، راوياً لنا الكثير من الأخبار، والطرائف، ومقدماً لنا جانبي الحزن والفرح في سيرة الرجل. تحت عنوان "فيكتور هوكو وعلم الأدب عند الافرنج والعرب" يطالعنا اسلوب الرواد التعليمي، فنجد تعريفاً للأدب، ونجد أحكاماً أدبية والتفاتة إلى ذكر "مجاني الأدب" ثم عود إلى تعريفات أدبية أسلوبية تفسر معنى "الفصاحة" و"البيان" ثم تقطع السياق طرفة أدبية حول عزل قاضي مدينة "قم" "أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم" ثم دعوة إلى التواصل الثقافي بالإطلاع على أدب "الأمم المتمدنة" وعلى مؤلفات مشاهير الكتاب، ثم يستطرد هنا، مغتنماً الفرصة، فيتكلم على الترجمة وعلى خطر أن يتأثر أسلوب المترجم بما يترجم إذا لم يكن قد أتقن اسلوب العرب الاقدمين وحصلت له ملكة في كلامهم. فالأديب إذا كثر اشتغاله بالترجمة والكتب المترجمة كانت أساليبه أعجميه مع بقاء الألفاظ في كلامه عربية"(ص61) ثم يعرض فوائد لغوية ثم يستطرد فيحكي طرفة حول "لحن" الوليد بن عبد الملك بن مروان، منتقلاً إلى الكلام على اللهجات العربية معتبراً أن كل المحسنات اللفظية: "لم تزل في نظر العقلاء كالحلي والمصوغ للعروس. فالعاقل يجتهد بأن تكون عروسه من ربات الجمال والدلال والأدب والكمال فإن وُجد معها شيء من الحلي فنعم. والا فالمقصود منها هو نفسها وذاتها"(ص63) ولا يخفى ما لهذا القول من أهمية وما فيه من تقدميه إذا عرفنا أن الزمن الذي قيل فيه هو بدايه هذا القرن.. ثم تلي هذا الكلام دعوة صريحة إلى التجديد والكف عن تقليد المعلقات في الشعر، والمقامات في النثر. فأي فائدة ترجى من تقليد هؤلاء وأولئك "ما دام الأصل في الكلام للمعاني، والمقصود من المعاني إظهار هذا الكون الذي نصبح فيه ونمسي ونحن غافلون عن كثير من حقائقه"(ص63) ونرى في هذا القول فهماً متقدماً لوظيفة الأدب كوسيلة لمعرفة حقائق الكون، ثم هو لا يكتفي بذلك بل يريدنا أن نسكبها في "السهل الممتنع".. ثم يعود إلى الكلام على الترجمة فيدعو إلى أن تكون بأسلوب عربي أصيل فلا يمجها ذوقنا "لركاكة الترجمة"(ص64). ثم ينتقل إلى فكرة أخرى متقدمة وهامة بشأن فهم النص الأدبي وهي مسألة "عدم وقوفنا على دقائق تاريخ القوم ومزايا لغتهم وتعبيراتهم، وفقداننا الملكة في هذا الأسلوب من الخطابة"(ص64) ثم يدعو إلى تمايز أساليب الكتاب فيعرف النص من أسلوب كاتبه. فلماذا تكون للخمر نكهتها المميزة ولا يكون لأسلوب الأديب مثل تلك النكهة؟ ويقدم إلمامات بشيء من أدب الهند، واليونان، والفرس، وآراء الفرس واليونان والهنود بالبلاغة، ويستطرد إلى الكلام على بحور الشعر عند الافرنج، وعلى كبار شعرائهم ليعود إلى الكلام على الشعر العربي "مؤرخاً" ومبدياً خلاصات آراء في شعر كبار الشعراء العرب، ومن شتى العصور، ومعرفاً ببعضهم وناقلاً بعض الطرائف حولهم وبعض المفيد من أخبارهم، وكثيراً ما ينتقل في أثناء ذلك إلى المقارنة بين ما أصاب العرب ولغتهم وما أصاب الافرنج ولغاتهم عبر التاريخ.. ويقف صراحة ضد سعي الغربيين إلى إحياء اللهجات العربية البائدة معتبراً ذلك سعياً إلى العمل في سبيل المزيد من تقسيم العرب الذين لم يبق من عوامل توحيدهم وجمع شملهم ما يعادل وحدة لسانهم. ويتكلم على فنون العرب قبل الإسلام فلا يعتبرهم جاهليين بمعنى الجهل، فهم "أئمة في الأدب يُقتدى بهم" وهم جاهليون "لجهلهم بما جاء به الإسلام" (ص73) ويعرض جوانب من سمات شعرهم وطريقة نظمهم، ثم يخلص إلى القول: لا مستقبل للسجع في النثر، وإن الشعر: "يضّيق نطاق الكلام ويصده عن تصرفه على قواعده"(ص75) ثم يخلص إلى رأي على قدر كبير من بعد النظر: "نعم إن الشعر إذا تهذب وُوفي له بجميع الأسباب لم يقاربه من كلام الآدميين كلام، ولم يعارضه من خطابهم خطاب. ولكن قلما يفلح الشاعر المجيد إلا في بعض الأبيات، لا سيما في الشعر العربي حيث ضُيّق فيه النطاقُ على الشعراء وألزموا القواعد التي تخطاها شعراء الافرنج. على أن أكثر فحول الأدب في البلاد المتمدنة صارفون عنايتهم في يومنا إلى النثر المرسل دون النظم" (ص76). ويتكلم على الشعر العربي بعد الإسلام منتقلاً من فكرة إلى أخرى، غير مراع التسلسل التاريخي، فجل همه منصب على الأدب لا على التاريخ، وكثيراً ما يلجأ إلى موضوعات قرآنية، ويتوقف في أكثر من موضع عند آراء الباقلاني وخصوصاً تحليله آيات قرآنية بعينها مثل "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون" وهو يرى أن في القرآن "مقاومة شديدة للظلم وميلاً زائداً للعدل والحرية، ولقد رُفَع الاستبداد بسببه يوماً لكن الأمم الأسيوية والافريقية أبت الخروج من تحت نير العبودية. أو كما عبّر أحد الأفاضل بقوله: "لما ساد عليهم الجهل ولم يستطيعوا أن يصعدوا إلى القرآن بعقولهم أنزلوه من مكانه الرفيع ووضعوه مع جهلهم في مستوى واحد"(ص80). ويستطرد ثم يورد قولاً للباقلاني ينتقد فيه تأليف الجاحظ: "متى ذكر من كلامه سطراً أتبعه من كلام الناس أوراقاً، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتاباً"(ص83) ثم يتوالى إيراد أسماء المؤلفين وأسماء الكتب، وهو في أثناء ذلك يقيم المقارنات السريعة حيناً مسهباً حيناً آخر في إيراد الأمثلة، ثم يتكلم على "النور الذي يتلألأ في كلام الأدباء" إذ يخرج من قلب الأديب في حين يخرج كلام الفقيه والفيلسوف من عقله ومحاكمته ومقايسته فيقل تأثيره في النفوس. ومما يلفت النظر موقفه من مسألة الحرية ودورها في حياة الناس وفي أدبهم ولغتهم، فهو يرى مع عبد الرحيم أفندي أحمد وجود "نسبة تامة بين الحرية وبين ارتقاء لسان العرب فكلما اتسع نطاق الحرية في الدولة اتسع معه نطاق الأدب في العربية وزادت فصاحة هذا اللسان وبلاغته، وكلما زاد الاستبداد تقيدت عقول الأدباء بالسلاسل وصاروا ينطقون بما يوافق الزمان والمشرب لا بما يشعرون به ويعلمونه ويرونه"(ص93) وهو يربط تطور الأدب في الأندلس بتطور الاندلسيين حضارياً ثم يربط انحطاط أدبهم بكون الاستبداد قد فاجأهم "فامحت عقولهم وسدّت قرائحهم"(ص98). وينتقل إلى البحث في منشأ الأدب الافرنجي، وفي دخول العرب بلاد الافرنج فيعرض لنا معلومات كثيرة، تاريخية وجغرافية، ويتكلم علىالحروب الصليبية ثم يصل إلى الكلام على ما اقتبسه الافرنج من أساليب شعرية ومن حكايات وطرائف وعلوم وغيرها ثم يتوسع في ذكر أفكار سبق له أن ذكرها مجملة، ويعرض ملخصات لأعمال أدبية كثيرة، من أوروبية ويونانية، ولا ينسى أن يعرج من حين إلى آخر على ذكر أعمال لأدباء أتراك أو فرس وغيرهم، ويتكلم على "الطرق الأدبية" عند الافرنج، أي ما نسميه الآن "المدارس الأدبية" فيسهب ويكرر أحياناً، ثم يشرح ويختصر، وتكون الحصيلة فوائد جمة للقارئ.. ونشعر أننا، فعلاً، أمام كنز من المعارف، إذ نطلع على سمات آداب عديدة، متوقفين طويلاً أو قليلاً مع عمالقة المبدعين ومع روائعهم وصولاً إلى عالم فيكتور هوغو الغني. ونعود معه إلى التاريخ السياسي والأدبي، وتكثر الاستطرادات فنسمع كلاماً على المسرح اليوناني وعلى "الديانة المسيحية والأدب" ثم يعرض مقدمات أعمال "هوكو" الأدبية من مسرحية وشعرية وروائية، وفيها الكثير من الفائدة، أو يعرض الأعمال نفسها، ونقرأ بين السطور أسماء كبار رجالات الفكر وكبار الشعراء والأدباء من شتى أنحاء العالم، ويعود إلى الكلام على "الطرق الأدبية" عند هوغو.. وكثيراً ما يطرح أسئلة في الغاية من الأهمية ثم يتركها من غير جواب.. ونشعر أن طرحها وحده كاف. ويحمل على المقلدين في أكثر من موضع، فالمقلد صدى، وأي فضل للصدى! ثم نسمعه يعلن: "فلنعجب بكبار الشعراء ولا نقلدهم"(ص210) ويرد على الذين يرون التجديد بالخروج على قواعد اللغة "فاللحن لا يأتي بجديد". وتتوالى الاستطرادات، والكثير منها مفيد جداً، والقليل منها لا يغني الموضوع، ويقدم أفكاراً جليلة في لمحات خاطفة كالبرق، قاطعة كالمشرط، داعياً إيانا إلى معرفة حقيقة تاريخنا وإلى معرفة أخلاق الرجال وأطوارهم، معلنا شكواه من افتقار أغانينا إلى المعاني الجليلة (راجع ص263). وكثيراً ما يتظاهر بالهرب من الموضوعات السياسية ثم نراه يبرز أهم الأفكار السياسية في أعمال هوغو وسواه، متوقفاً عند علائم سقوط الممالك (ولنتذكر أنه كان قنصلاً للدولة العثمانية) حيث تنحل الطبقة العليا، وتزول أحكام القانون، وتتمزق الوحدة السياسية، ثم تسقط عظائم الأمور، مشيراً إلى أن مرض الدولة يكون في رأسها، فلا يبقى غير الأقل حياء، وأسوأ أخلاقاً، ولا يفتكر الواحد إلاّ بنفسه، وينهبون الجميع (ص270) ومن ثم يعود إلى الكلام في الأدب ويحض على الكتابة للمسرح. ونطوي آخر صفحة من صفحات الكتاب التي تقترب من الثلاثمائة صفحة ونقف معجبين متأملين، وفي النفس أصداء وأصداء. وترد إلى الذهن مسألة قد تكون صدى أثاره ما جاء في مقدمة الدكتور حسام الخطيب.. لقد أجرى روحي الخالدي مقارنات كثيرة فعلاً.. ولكنها أقرب إلى التداعيات منها إلى النقد المقارن الذي هو علم حديث له طرقه وقواعده.. فهل نستطيع أن نرى في كتابه الهام هذا عملاً ريادياً في النقد المقارن كما يؤكد الدكتور الخطيب؟ ويبقى السؤال محتاجاً إلى إجابة شافية ومقنعة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |