|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:53 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
المبحث الرابع 5- تهديدات أمن الممرات المائيـــــة العربيـــــــة أ- بعد الحملات الصليبية، عادت الغزوات الاستعمارية إلى الوطن العربي مع الكشوفات الجغرافية والصراع الذي دار بين القوى الاستعمارية الأوروبية الغربية للسيطرة على الطرق التجارية لاحتكار فوائدها وأرباحها وحرمان الآخرين من ثمارها. ويعتقد بعض المؤرخين أن تجارة التوابل في تلك الفترة كانت تعادل تجارة النفط في أيامنا هذه، ويرى هؤلاء أن تجارة التوابل كانت سبب العلاقات بين الأمم ولها الفضل في إيجاد الاتصالات بين الشرق والغرب. فقد كانت الإسكندرية أكبر مركز لتجارة التوابل منذ أيام الرومان، حتى أن بابا من أبواب الإسكندرية كان يسمى باب الفلفل، وأن روما شيدت مخازن عظيمة لحفظ الفلفل والقرفة من التعفن بسبب رطوبة الجو. وفرضت على هذه التوابل المستوردة ضرائب زادت من دخل الخزينة. وكان طريق التوابل البحري القادم من جنوب شرقي آسيا يتفرع في بحر العرب إلى فرعين أحدهما إلى الخليج العربي، العراق، الجزيرة السورية ومن ثم إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط أو البحر الأسود، والثاني إلى البحر الأحمر حيث تصل البضائع إلى الإسكندرية ثم تنقل بواسطة السفن إلى أوروبة. وكما كانت روما وإمبراطورية فارس تتنافسان على السيطرة على طريق الحرير، ومحاولات تدمير أية قوة عربية تنشأ يمكن أن تؤثر على مصالحهما، ومثال ذلك تدمر، كذلك حاول المستعمرون الأوروبيون فرض السيطرة الكاملة لهم على طريق تجارة التوابل لأن هذه السيطرة ستنهي كل وجود عربي يؤثر على مصالحهم. وهذا ما تحدث عنه الفونسو البوكيرك، قائد الحملات البرتغالية الذي خلف فاسكو دي غاما. يقول البوكيرك. إنني مقتنع كل الإقتناع بأننا منذ اللحظة التي ننتزع فيها تجارة التوابل من أيدي العرب. سيعني ذلك انتهاء القاهرة ومكة إذ سيضطر تجارها لشراء ما يعرضونه للتصدير إلى البرتغال(37). وعندما حاول محمد علي وابنه إبراهيم باشا توحيد وادي النيل وشمال الجزيرة العربية وجنوبها بما في ذلك سورية ولبنان وفلسطين ومد نفوذه إلى الخليج العربي أثارت القوى الاستعمارية الأوروبية التي كانت تعتبر الإمبراطورية العثمانية، الرجل المريض، بكل ما تعانيه من التفسخ والضعف، الضمانة الوحيدة والأكيدة لاستمرار تدخلها في الوطن العربي (ما يعرف بالمسألة الشرقية) وقد تضافرت جهود كل الدول الاستعمارية الأوروبية في مؤتمر لندن الشهير عام 1840 وفرضت على إبراهيم باشا الانسحاب إلى مصر، وبذلك ضمنت السيطرة على أحد فرعي طريق التوابل البحري وفرض مؤتمر لندن الثاني عام 1841 قيوداً تحول دون تحول مصر إلى دولة قوية تستطيع أن تهدد المصالح الاستعمارية في المنطقة.(38). وسنحاول فيما يلي أن نلقي نظرة تاريخية على التنافس الاستعماري للسيطرة على الممرات المائية في الوطن العربي. 5-1-البرتغال: اندفع البرتغاليون بعد سقوط الدولة العربية في الأندلس عام 1492 لجني ثمار التجارة مع بلاد الشرق. فأرسل الملك يوحنا الثاني 1480-1455م القائد العسكري كوفلهام على رأس حملة عسكرية وصلت إلى مصر ومنه إلى البحر الأحمر، وباب المندب، وعبر إلى القرن الإفريقي. وقد مهدت هذه الحملة لرحلة فاسكو دي غاما عام 1497 التي اكتشف فيها رأس الرجاء الصالح. وفي عام 1502 كلف دي غاما أحد قادته بالإقامة الدائمة على رأس قوة بحرية مؤلفة من خمس سفن حربية في مدخل البحر الأحمر لأنه يريد التحكم بالتجارة مع الهند واحتكارها وفي عام 1503 هاجم الأسطول البرتغالي بقيادة دي غاما سبع سفن عربية واستولى عليها بعد مقتل ركابها وأسر بعضهم الآخر، وفي عام 1507 احتل البرتغاليون جزيرة سوقطره وأقاموا فيها حصناً منيعاً. وبعد الانتصار الذي حققه لورنز الميدا، نائب الملك البرتغالي على الأسطول المصري في معركة ديو في 2/1/1509 والتي تمت بسبب الخدعة التي تعرض لها القائد المصري مير حسن، عندما انضم مالك إلى حاكم جزيرة ديو للبرتغاليين وحرم المصريين من المؤن والإمداد، بعد هذا الانتصار استطاعت البرتغال فرض سيادتها في المنطقة. وحاولت عام 1513 الاستيلاء على عدن، التي هاجمها الأسطول البرتغالي بقيادة الفونسو البوكيرك، بعد فشل الهجوم، احتل الأسطول البرتغالي جزيرة كمران(39). ومن جهة أخرى، امتد نشاط البرتغاليين إلى الخليج العربي، وخاضوا بقيادة الفونسو البوكيرك عام 1508 عدة اشتباكات مع الإمارات العربية على الخليج. وبعد ذلك اتخذوا من جزيرة هرمز مركزاً لقيادتهم وخصوصاً بالقلاع وعقدوا مع الشاه اتفاقاً بشأن الخليج، وتساعد الإيرانيون والبرتغاليون، في احتلال سواحله ولا سيما القطيف عام 1515. لكن فشل البرتغاليين في احتلال عدن أضعف سيطرتهم، إذ تمكن المماليك من اتخاذ مدينة جدة مقراً لهم، عام 1515 وفشلت محاولات البرتغاليين عام 1517 للقضاء على القاعدة المصرية المملوكية إلى حين. وفي عام 1530 عقد البرتغاليون معاهدة مع حاكم عدن، يعترف لهم بالسيادة على عدن مقابل اعتراف البرتغال لسكان عدن بالملاحة في المنطقة، وفي بداية العقد الخامس من القرن السادس عشر بدأ النفوذ البرتغالي يتراجع. إذ تمكن السلطان أحمد بن إبراهيم من طرد البرتغاليين من الساحل الارتيري عام 1542. وعندما أصبحت البرتغال جزءاً من إسبانيا 1580-1640 تقلص نفوذها، وضعف مركزها خصوصاً عندما تحالف شاه إيران مع البريطانيين. واندثر الوجود البرتغالي نهائياً في البحر الأحمر والخليج العربي بعد معركة عام 1642 بين البريطانيين والإيرانيين من جهة، والبرتغاليين من جهة أخرى(40). 5-2-العثمانيون: يمكن تقسيم الوجود العثماني في منطقة باب المندب إلى فترتين: أ-الفترة الأولى 1517-1635: بعد معركة مرج دابق عام 1517 ورث العثمانيون ممتلكات المماليك وتولى السلطان سليمان القانوني قيادة التصدي للوجود /البرتغالي/ في البحر الأحمر، وفي عام 1526 أرسل العثمانيون حملة بحرية مؤلفة من عشرين سفينة حربية إلى البحر الأحمر للسيطرة على سواحله وصولاً إلى اليمن. وفي عام 1538 وصل الأسطول العثماني إلى عدن ودخلها وأخذ حاكمها أسيراً، وبذلك استطاع العثمانيون إنهاء الوجود البرتغالي في باب المندب، لكن الظروف السيئة داخل الإمبراطورية العثمانية ذاتها اضطرتهم للانسحاب من اليمن ومنطقة باب المندب عام 1635. ب-الفترة الثانية: 1840-1918: عاد العثمانيون للسيطرة على باب المندب ثانية عام 1849. وبعد افتتاح قناة السويس عام 1869ازدادت أهمية البحر الأحمر بالنسبة لهم، ولذلك سيطروا عام 1872 على بعض أجزاء اليمن، لكن سيطرتهم لم تشمل إطلاقاً اليمن بحدوده التاريخية المعروفة. وفي 31/9/1918 اضطرت تركيا للانسحاب من البحر الأحمر نهائياً. أما في الخليج العربي، فقد كانت سيطرة العثمانيين على شط العرب، ولو من ناحية اسمية، معترف بها حتى نهاية الحرب العالمية الأولى(41). 5-3-الهولنديون: أسس الهولنديون شركة الهند الشرقية الاستعمارية عام 1594. وفي عام 1614 وصل الأسطول الهولندي إلى البحر الأحمر قادماً من الهند لجمع المعلومات. وقد فشل الهولنديون في إقامة مراكز عسكرية ثابتة على شكل قواعد عسكرية، لكنهم استطاعوا إقامة علاقات ثابتة وقوية مع سواحل البحر الأحمر واستمرت هذه العلاقات حتى عام 1763 وفي الخليج العربي، بدأت السيادة تنتقل من البرتغاليين إلى الهولنديين وذلك عندما سيطروا على عدد من موانئ إيران والخليج العربي، وقد تعاون الأسطولان الهولندي والبريطاني لتدمير الأسطول البرتغالي. وامتد النفوذ الهولندي حتى وصل إلى مدينة البصرة. لكن عندما اجتاحت فرنسا هولندا عام 1672 في عهد الملك لويس الرابع عشر تراجع النفوذ الهولندي في الخليج وكان البريطانيون هم المستفيدون من ذلك، وقد حصلوا على جزيرة مينورفا وعلى مضيق جبل طارق مفتاح المتوسط(42). 5-4-البريطانيون: منحت الملكة اليزابيت الأولى امتيازاً لشركة الهند الشرقية عام 1600 لإقامة المشاريع التجارية وتوقيع الاتفاقيات وشن الحروب باسمها. وبعد ثلاث حملات فاشلة استطاع القائد البريطاني وليام كيلينج إقامة مركز للنشاط التجاري في مدينة أدهر اليمنية عام 1612، وفي عام 1618 أنشأت بريطانيا وكالة للإشراف على مصالحها التجارية في منطقة البحر الأحمر، وكان مقرها في اليمن. وفي عام 1777 أرسلت شركة الهند الشرقية السفينة روبين للقيام بمهمة استكشاف شواطئ البحر الأحمر. شعر العثمانيون أن النشاط البريطاني يهدد مصالحهم في البحر الأحمر، لكن هذا النشاط تزايد بعد حملة نابليون على مصر عام 1797، فاحتلت بريطانيا جزيرة بريم (ميون) عام 1799 للسيطرة على الملاحة في منطقة باب المندب. وحماية مصالحها الاستراتيجية في الهند. ثم انسحبت منها. وفي عام 1834 احتلت جزيرة سوقطرة لأنها تقع على الطريق البحري إلى الهند، وعندما بدأ الحفر في قناة السويس عام 1856 عادت بريطانية واحتلت جزيرة بريم، وفي عام 1876 عقدت بريطانية معاهدة مع سلطان سوقطرة يتعهد بموجبها بعدم البيع أو التنازل لأية دولة أخرى غير بريطانيا. وبعد احتلال مصر عام 1882، بدأت بريطانيا تخطط للاستيلاء على الساحل الغربي للبحر الأحمر من خلال احتلال السودان وإثيوبيا. بالإضافة إلى نشاطها في مناطق اليمن. ومن ناحية أخرى، قلقت بريطانيا على مصالحها في الخليج العربي، الذي كانت تعتبره يخضع لسيادتها المطلقة وتدعي السيطرة عليه وترفض أن يكون لها أي شريك فيه وبعد ما فشلت محاولات الاتفاق بين محمد علي وبريطانيا، قصفت السفن البريطانية مدينة المخا اليمنية عام 1820. وفي 15/1/1921 فرضوا معاهدة أعطت الرعايا البريطانيين امتيازات واسعة في الخليج. وفي عام 1834 احتلوا جزيرة سوقطرة ومن ثم احتلوا عدن عام 1839. ولمقاومة النفوذ المصري في الساحل الشرقي للجزيرة العربية، خصوصاً في منطقة القطيف وميناء الهفوف، احتلت بريطانيا عمان والبحرين وأجبرت الشيوخ والأمراء على توقيع ما يعرف معاهدة الصلح مع شركة الهند الشرقية خلال السنوات 1839-1847-1852-1856. وقد حرمت هذه الاتفاقيات الحكام المحليين من تنفيذ أية سياسة مستقلة وفي عام 1861 أجبرت البحرين على توقيع إتفاقية مع التاج البريطاني، وفي عام 1867، وخلافاً للضغوط التركية والإيرانية، أقامت بريطانيا علاقات مع مشيخة قطر نفسها اضطرت للتنازل عنها بعد 3سنوات إلى تركيا. وخلال هذه الفترة كانت بريطانيا صاحبة السيادة المطلقة على مسقط وأجبرت حاكمها عن التنازل على جزر كوريا -مورية، وقسمت أملاكه بعد موته بين ولديه، أي أنها بشكل فعلي قسمت عمان إلى قسمين(43). 5-5-الفرنسيون: اضطرت فرنسا أن تحصر نشاطها في الساحل الإفريقي للبحر الأحمر والقرن الإفريقي لأسباب كثيرة قد يكون أهمها تأخر فرنسا في الوصول إلى البحر الأحمر، وبالتحديد منطقة باب المندب، إذ وصلت أولى البعثات الاستكشافية الفرنسية إلى هناك خلال 1835-1837. وفكرت فرنسا بشراء جزيرة سوقطرة لكن الإمبراطور نابليون الثالث قرر عام 1859 أن ينحصر نشاط فرنسا في الشاطئ الإفريقي للبحر الأحمر ولذلك حصلت فرنسا على امتياز لاستغلال ميناء أوبوك في جيبوتي مقابل باب المندب. وفي 12/9/1884 وقعت على اتفاقية مع سلطان تاجورة حصلت بموجبها على امتياز باستغلال جزء وافر من الساحل الارتيري على البحر الأحمر. وفي عام 1882 استولت فرنسا على ميناء جيبوتي(44). أما في الخليج العربي، فقد وصل التنافس أشده في حرب السنوات السبع 1756-1763 التي انتهت بمعاهدة باريس 1763 وفيها تنازلت فرنسا عن كل مستعمراتها في أمريكا الشمالية وكندا وبعض جزر الهند الغربية. وبعد الثورة الفرنسية قررت فرنسا أن تعوض عن خسائرها ومنافسة بريطانيا بمحاولة قطع طرق الهند، وبعد فشل الحملة على مصر عام 1798، قام الكولونيل سباستياني عام 1802 بجولة في الشرق الأدنى لإقامة بعض الصلات معها. وفي عام 1805 قرر نابليون التأكيد على أهمية الساحل الشرقي للجزيرة العربية. ولذلك حاول أن يشن حملة على العراق. واستطاع توظيف العلاقة مع الوالي سليمان الصغير الذي تسلم الحكم بعد مقتل عمه عام 1807، وطورت فرنسا علاقاتها مع إيران أيضاً. وأنشأت شركة الهند الشرقية الفرنسية خط بريدي بين بومباي في البصرة، حلب، استنابول. وخلاصة القول إن نفوذ فرنسا في الخليج العربي بقي هامشياً. وعندما حاولت الاحتجاج على تقسيم عمان إلى قسمين، حلت بريطانيا الخلاف بواسطة اتفاق حل وسط حول استقلال مسقط وزنجبار في 10/3/1862.(45). 5-6-الإيطاليون: بدأ النشاط الإيطالي في منطقة باب المندب عام 1861 عندما تقدمت بعض الشخصيات في الحكومة الإيطالية بمشروع لاحتلال الشاطئ الإفريقي للبحر الأحمر لمنافسة الفرنسيين والبريطانيين. وفي نيسان 1870، أقامت إيطاليا أول مستعمرة لها في المنطقة في ميناء عصب إلى الغرب من باب المندب. وفي عام 1885 احتلت القوات الإيطالية رهيطة إلى الجنوب من ميناء عصب بالقرب من باب المندب. وفي 15/11/1885 احتلت القوات الإيطالية ميناء مصوع واستطاعت عام 1890 أن تسيطر على الساحل الارتيري. وفي عام 1936 احتلت الحبشة. وقد وضعت إيطاليا وبريطانيا اتفاقية لتقاسم النفوذ في منطقة الحبشة عام 1938(46). 5-7-التحدي الإسرائيلي في البحر الأحمر يقول عضو الكنيست من حزب العمل ميخائيل بارزوهار، كاتب سيرة بن غوريون ومؤلف كتاب النبي المسلح The Armed Prophet ، وهو عبارة عن قصة حياة بن غوريون، إن مؤسس إسرائيل كان يقول إن هدفنا هو تسوير نطاق من العزلة حول العالم العربي لأن بن غوريون يعتقد أننا لا نستطيع أن نكره جيراننا العرب على عقد السلام معنا. ولكن ما من شيء يمكن أن يؤدي إلى السلام بيننا وبينهم أفضل من أن نكسب مزيداً من الأصدقاء بين دول آسيا وإفريقيا(47) أما أبا ايبان، وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، فقد كان أكثر وضوحاً من رئيس حكومته عندما قال "إن موطئ قدم لإسرائيل على البحر الأحمر يعوضها عن الحصار الإقليمي المفروض عليها، وعن طريق ربط المحيطات الشرقية والغربية عبر قطاع ضيق من الأرض يمكن لإسرائيل أن تصبح الجسر الذي تعبره تجارة الشعوب في القارات جميعها وبذلك يمكن تحرير شعوب آسيا وإفريقيا من الاعتماد على قناة السويس"(48) وقد حاول أبا إيبان أن يفسر الاستراتيجية الإسرائيلية بأنها رد على رفض العرب القبول بإسرائيل. "نحن قلنا إن الوضع الطبيعي لإسرائيل هو الإنسجام الإقليمي، ولكن إذا تعذر ذلك، فسنعمل على زرع العلم الإسرائيلي في عشرات العواصم ونعمل على خلق وجود دولي(49) وأخيراً نذكر بما قاله قائد البحرية الإسرائيلية الأسبق كانستلون عام 1954. "نحن نملك أسطولاً بحرياً ضخماً يعمل في كافة موانئ العالم، ولهذا علينا أن نعد العدة في المستقبل كي تستطيع أساطيلنا البحرية والحربية أن تحطم الحصار العربي المفروض علينا وأن نفرض الحصار بدورنا على الدول العربية عن طريق تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة يهودية"(50). الاستراتيجية والتطبيق العملي لها (ضمان موطئ قدم على البحر الأحمر): يدعي حاييم هيرتزوغ رئيس الدولة السابق في إسرائيل، وهو أحد كبار المؤرخين العسكريين الإسرائيليين أن منطقة النقب وصولاً إلى العقبة أعطيت لإسرائيل بناء على قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في 29/11/1947، ولكن العمليات الحربية التي دارت خلال عام 1948 أبقت هذه المنطقة تحت السيادة المصرية ولذلك فضلت إسرائيل الاستيلاء على أم الرشراش بعد توقيع الهدنة مع المصريين وبدء مفاوضات الهدنة مع الأردنيين. واستناداً لهذا المخطط قام لواء غولاني ولواء النقب بشن عملية عسكرية، عرفت باسم عملية افدا (Evda) تظاهرت القوات الإسرائيلية بأنها تقوم بعملية مناورة، إذ انطلق لواء النقب عبر الوديان والجبال في المنطقة الوسطى من النقب. أما لواء جولاني فقد سار في منطقة وادي عربة على طول الحدود مع الأردن. وفي العاشر من آذار 1949 تم الاستيلاء على قرية أم الرشراش التي أقيمت إيلات على أنقاضها. وبذلك ضمنت إسرائيل أول موطئ قدم لها على البحر الأحمر.(51). التحالف مع إثيوبيا: أثيوبية معرض للشعوب والقوميات والديانات واللغات، أرض شديدة الخصوبة عندما يتوفر المطر وهي أرض المجاعات والصراعات والثورات، تبحث منذ قرون عن السلام والأمن والطعام، وهي بحكم تركيبها القومي بحاجة للدعم الخارجي إلى درجة أن بعض الباحثين يعتقدون أن إثيوبيا لا تضع سياستها الخارجية(52)، لأن الصفوة الحاكمة تمثل مصالح الأقلية من بين شعوب إثيوبيا، من جهة، ولأن موقع إثيوبيا وعدم تماسك بنيانها الداخلي جعلها هدفاً للأطماع الاستعمارية وغزواتهم سواء كانت برتغالية أم إسبانية، بريطانية أم إيطالية، أمريكية إسرائيلية، لأن إسرائيل هي التي أعادت الإمبراطور هيلاسلاسي إلى الحكم عندما تعرضت إثيوبيا لانقلاب عسكري في 14/9/1960 بينما كان الإمبراطور في رحلة إلى أمريكا اللاتينية، وتقول الوثائق التاريخية أن هيلاسلاسي طلب المساعدة من غولدا مائير، وزيرة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت التي أبلغت بن غوريون، بطلب الإمبراطور وسارع بن غوريون، في تلبية طلب هيلاسلاسي مقابل السماح للقوات الجوية الإسرائيلية باحتلال قاعدة اسمرة الجوية. ومقابل هذه الخدمة طلب بن غوريون في رسالة إلى الإمبراطور أن تعترف بلاده بإسرائيل، ونفذت الحبشة الطلب إذ اعترفت في أيلول 1963 بإسرائيل وزارها رسمياً بعد ذلك عدد من الوزراء الإسرائيليين وكبار قادة الجيش الإسرائيلي(53). وقد شرحت الدكتورة سوزان جنلسن أستاذة الدراسات الإفريقية في الجامعة العبرية أسباب التحالف الأثيوبي -الإسرائيلي بقولها: "إن للبلدين هدفاً استراتيجياً واحداً وهو إبعاد الاتحاد السوفياتي عن البحر الأحمر، وكلا البلدين يفهمان مشاكل كل منهما مع جيرانه، مشاكل إسرائيل مع الدول العربية، ومشاكل إثيوبيا مع السودان وارتيريا"(54) وأيد الكاتب الإسرائيلي الياهو سلفستر في مقال كتبه في صحيفة هآرتس وجهة نظر الدكتور جنلسن بقوله إن التخريب السوفياتي يتم بواسطة العرب، لهذا السبب يهتم الأثيوبيون بالتغلغل الروسي في البحر الأحمر ويقلقهم ذلك. وفي هذا المجال لا تلتقي المصالح الأثيوبية مع المصالح الإسرائيلية بل مع المصالح الأميركية.(55). وبعد ذلك بذلت إسرائيل جهوداً مكثفة لتعزيز علاقاتها مع إثيوبيا التي تمتلك من خلال إرتيريا منفذاً على البحر الأحمر، وبالإضافة إلى النشاط الذي لعبه الموساد الإسرائيلي في دعم الاستخبارات العسكرية لمواجهة الثوار في ارتيريا، حصلت إسرائيل بعد زيارة دايان لأثيوبيا عام 1964 وزيارته الثانية عام 1965 على التسهيلات في بعض الجزر الأثيوبية القريبة من باب المندب، وقامت شركاتها: انكودي Ancudi للحوم، وسيا Sia للمنتجات الزراعية، وعميران Amiran للتجارة وسوليل بونيه Solel Boneh للبناء والأشغال العامة وآتا ATA المحدودة للمشروعات الزراعية وشركة الأخوان أرون Aron Bros . Co للواردات والصادرات والهستدروت بتعميق نشاطها في أثيوبيا واستراتيجيتها العسكرية في البحر الأحمر الرامية إلىضمان القدرة والقوة العسكرية للقيام بعمليات حربية ضد العرب من مضائق تيران حتى باب المندب بالإضافة إلى ضمان الاتصال والأمن للخطوط البحرية العسكرية والمدنية الإسرائيلية من المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط عن طريق البحر الأحمر والطريق البحرية من إيلات حتى عسقلان وحيفا.(56). وبعد حرب حزيران، واحتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء وإغلاق قناة السويس زادت إسرائيل من تحالفها في أثيوبيا، خصوصاً بعد فشل المحاولات البريطانية للاحتفاظ بجزيرة بريم (ميمون) اليمنية التي تشرف على باب المندب. وقد استهدفت النشاطات الإسرائيلية في أثيوبيا، كما يقول يهوشفاط حركابي، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق "إن على إسرائيل أن تمنع قيام ارتيريا مستقلة لأنها دولة عربية وستحول البحر الأحمر إلى بحر عربي وستكون العاقبة وخيمة على إسرائيل"(57). ولذلك استأجرت إسرائيل عام 1970 جزيرة حالب التي تقع على بعد 40كم جنوب شرقي ميناء عصب، وتبلغ مساحتها 40كم2 وأقامت فيها قاعدة جوية وأخرى بحرية، وأقامت قاعدتين عسكريتين في أراضي ارتيريا في منطقتي رواجيات ومهلاي وقاعدة للاستخبارات العسكرية في أسمرة. وفي 11/9/1971 اعترفت إسرائيل أن قواتها احتلت مجموعة الجزر الصغيرة بالقرب من باب المندب وأقامت قاعدة للاتصالات في قاعدة صغيرة تعرف باسم زلق تقع على بعد 32كم من ساحل اليمن الجنوبي سابقاً. وأقيمت قاعدة عسكرية جوية بحرية في جزيرة حالب تجاه ميناء حالب وسمح للإسرائيليين بإقامة شبكة من الرادارات على طول الساحل الإثيوبي المطل على البحر الأحمر وبعد زيارة حاييم بارليف إلى أثيوبيا حصلت القوات الإسرائيلية على تسهيلات بحرية وجوية في القاعدة الأميركية في جزيرة كانيو لتزويد الطائرة الإسرائيلية بالوقود والذخيرة. وفي 28/3/1973 أعلن أبا ايبان أن أمن إسرائيل مرهون ببقاء مخرجها الآمن الحر إلى البحر الأحمر، وإسرائيل ستدافع عن مخرج البحر الأحمر بأي ثمن.(58). وفي نيسان 1974 أدخلت إسرائيل زورقين من طراز ريشف الحاملة للصواريخ إلى سلاحها البحري في البحر الأحمر. وعلق على ذلك البرديغادير شلومو رائيل، قائد سلاح البحرية الإسرائيلي في مقال كتبه في صحيفة معريف الإسرائيلية " أن هذا البحر، البحر الأحمر، الذي كان في الماضي نقطة ضعف لإسرائيل، يمكن أن يتحول إلى مجال للمبادرة لإسرائيل وقت الحرب، وأن يخلق تهديداً لمؤخرة مصر وطرق ملاحتها البحرية. إن سيطرة مصر على قناة السويس تضع في يدها مفتاحاً واحداً فقط في هذا الممر المائي، أما المفتاح الثاني والأهم فبالإمكان أن يوجد بيد إسرائيل إذا عرفت كيف تطور التفوق البحري في منطقة البحر الأحمر وتحافظ عليه.(59). بعد الاطاحة بنظام هيلا مريام استعادت إسرائيل نشاطها في إثيوبيا. وفي عام 1990 عقدت صفقة بين البلدين حصلت إثيوبيا بموجبها على 15طائرة كفير إسرائيلية الصنع مقابل السماح لإسرائيل باستخدام جزيرة دهلك على مدخل باب المندب. وفي 26/10/1990 قام ارئيل شارون، وزير الزراعة في حكومة شمير، بزيارة إلى إثيوبيا مدتها عشرة أيام للإطلاع على أوضاع اليهود هناك وذكرت صحيفة الاندبندنت البريطانية أن مئات الخبراء الإسرائيليين يعملون في إثيوبيا.(60). التقاء المصالح بين ارتيريا وإسرائيل خلال ثلاثة عقود تقريباً بقيت إسرائيل تعارض قيام دولة ارتيرية المستقلة لأنها ستحول البحر الأحمر إلى بحيرة عربية مئة بالمئة لأن أغلبية سكان ارتيرية عرب مسلمون وقد ساهم العرب بقسط وافر في تحرير أرتيرية من الاستعمار الإثيوبي سواء من خلال تدريب كوادر الثورة في دمشق ومعسكرات الثورة الفلسطينية وفي السودان، وغيرها، أو من خلال فضح الدور التخريبي الذي لعبته المخابرات الإسرائيلية ضد الثورة الإرتيرية من جهة وفي تدريب الجيش الإثيوبي وتزويده بالمعدات والأسلحة اللازمة للقيام بهذه المهام من جهة أخرى. ولا يزال الدور الذي لعبه أساسياً افورفي ومجموعته في حرف الثورة الارتيرية عن مسارها الصحيح ودور الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا المجال خصوصاً أن المعلومات تتحدث عن علاقات سرية وثيقة جداً بين الرئيس الارتيري الحالي والولايات المتحدة، وقد ذكرت معلومات صحفية أن الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر استقبله في طائرته أثناء زيارته لمصر عام 1978.(61) لا يزال يتكشف يوما بعد يوم. إلى ذلك لا بد أن تتكشف الملابسات التي أدت إلى تحييد القادة التاريخيين للثورة الارتيرية أمثال صالح سبي ورفاقه وسيطرة أقلية مسيحية على قيادة الثورة، وأخيراً التحول الحاد في التوجهات السياسية للثورة الأرتيرية. فقادة ارتيريا الحاليون يرفضون عودة أكثر من نصف مليون لاجئ ارتيري من أصل عربي موجودون في السودان إلى ارتيريا، وتتحكم بالقيادة أغلبية مسيحية معادية للعرب الأمر الذي يبرز التقارب الحالي بين ارتيريا وإسرائيل ويقول بعض الباحثين إن القيادة الارتيرية الحالية التي رفضت الانضمام إلى جامعة الدول العربية تعتبر أن العلاقة مع إسرائيل هي المدخل لاقامة علاقات قوية مع الولايات المتحدة"(62). ولم تقتصر العلاقات الارتيرية- الإسرائيلية على الزيارة التي قام بها الرئيس أساسيا افورفي لإسرائيل بعد استقلال بلاده مباشرة، والتعاون المشترك في عدد من المجالات العسكرية والاقتصادية، بل امتد ليشمل إشراف الإسرائيليين المباشر على العمليات الحربية التي قامت بها القوات الارتيرية ضد القوات اليمنية في جزيرة حنيش في 15/12/1995، وتفيد المعلومات المتوفرة أن ضابطاً إسرائيلياً قاد الهجوم الارتيري على جزيرة حنيش وأن خبراء إسرائيليين أشرفوا على تشغيل مجموعة الزوارق الحربية التي هاجمت الجزيرة، وأن عدد هذه الزوارق هو 4-6زوارق حربية. ومقابل هذه المساعدات الإسرائيلية العسكرية لإرتيريا. قدم الرئيس أساسيا افورفي تسهيلات عسكرية للإسرائيليين في جزيرة موسى، وهي تقع جنوب ميناء عصب، حيث أقامت القوات الإسرائيلية قاعدة بحرية هناك، وإلى الجنوب الشرقي من القاعدة نصبت رادارات على قمة جبل سوركين علي لمراقبة السفن التي تمر عبر باب المندب، وفي جزيرة تمرة، أقام الإسرائيليون قاعدة بحرية لاستقبال السفن الحربية الإسرائيلية. وفي جزيرة فاطمة تم تجهيز المرفأ من قبل إسرائيل لإقامة مصنع لتعليب الأسماك هناك(63). ولئن كنا لا نظن أنه من مهمتنا الإجابة عن السؤال المشروع وهو هل يؤدي قيام ارتيريا إلى التقليل من أهمية أثيوبية بالنسبة لإسرائيل، لأن الوقائع كلها تؤكد أن إسرائيل على استعداد للتعاون مع البلدين لتحقيق حزمة من الأهداف التي تخدم مصالحها الاستراتيجية. لكننا نقول إن إسرائيل تشعر أن بإمكان ارتيرية أن تخدم مصالح إسرائيل في الحيلولة دون تحول البحر الأحمر إلى بحيرة عربية. ففي 25/5/1990كتب الصحفي الإسرائيلي يعاف كرمي مقالاً في صحيفة هآرتس قال فيه "إن أهمية أثيوبيا تكمن في كونها الدولة الوحيدة غير العربية وغير الإسلامية على البحر الأحمر، وتملك أهم الموانئ هناك، وأنها العقبة الوحيدة في نظر الاستراتيجيين الإسرائيليين في وجه تعريب باب المندب الذي خاضت إسرائيل من أجله حربين(64) ومما لا شك فيه أن القيادة الارتيرية الحالية تؤدي الدور المطلوب منها في هذا المجال. خصوصاً بعد تزايد المعلومات عن وجود ضباط ومستشارين عسكريين إسرائيليين في ارتيريا وقد نقلت صحيفة هآرتس في عددها الصادر في 23/5/1995 عن مصادر عسكرية قولها إن نحو 200مستشار عسكري إسرائيلي هناك"(65). خلاصة القول: إن أمن البحر الأحمر جزء أساسي من الأمن القومي العربي وهو عامل حاسم في الصراع العربي -الإسرائيلي الذي تؤكد الوقائع أنه من الحكمة عدم الإغراق في التفاؤل في التوصل إلى تسوية عادلة ومشروعة ودائمة له في الظروف الحالية. وسيبقى الأمن في هذا الممر المائي الحيوي يحمل إمكانيات صراع ضخم في المستقبل على ضوء مقدرة التحالف الأمريكي -الإسرائيلي، تأمين التواجد المعادي للعرب على السواحل الارتيرية خلافاً لكل الحقائق التي كانت إسرائيل تعارض استقلال ارتيريا لأجلها لأنها ستكون دولة عربية تجعل من البحر الأحمر بحيرة عربية. إن الإرادة الاستراتيجية العربية الموحدة مطالبة بتأمين متطلبات السيطرة الاستراتيجية القومية على هذا الممر المائي على ضوء خبرات الماضي وحقائق الحاضر ومصالح العرب القومية في المستقبل، لقد استطاعت عملية فدائية صغيرة شنت ضد ناقلة النفط الإسرائيلية "كورال سي Corral Sea" بعد عدوان حزيران في مضيق باب المندب أن تؤكد فشل النظرية الأمنية الإسرائيلية وجاءت تجربة إغلاق باب المندب في 6/10/1973من قبل المدمرات والغواصات المصرية التي وصلت إلى السواحل اليمنية سراً وأغلقت مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية لتؤكد ما قلناه حول النظرية الأمنية الإسرائيلة وكذلك الحدود الآمنة، وأنه في ظروف المعركة المشتركة الشاملة يمكن أن تتعرض لضربات موجعة وحيوية تجعل قادة إسرائيل يعيدون النظر في سياساتهم.(66). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |