|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:54 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الصورة
والانفعال آ-الصورة
الانفعالية
هي التي تصوّر انفعالاً ألمّ بالشاعر، أو حالة وجدانية تربط
الشاعر بالموضوع المصوّر. والأصل الحسي لا يغيب عن هذه الصورة، إذ إن الحسّ هو
وسيلة إدراك الإنسان للعالم المحيط به. والعلاقة بين الصورة والعاطفة علاقة وثيقة، فعاطفة الشاعر في
قصيدته إنما تكمن في صوره، بل إن الصورة بأشكالها، هي الوسيلة التي يعتمدها الشاعر
لتجسيد شعوره. يقول مكليش: "إن العاطفة إن كان ثمة عاطفة في القصيدة تكمن في
الصور -أو إذا لم تكن كامنة في الصور نفسها، فبين هذه الصور"[1]). إن العاطفة هي التي توجّه الخيال، وهي أساس أي تخيّل أو
تصوير وما قوّة الخيال إلاّ صدىً لقوّة العاطفة وصدقها. يقول مكليش: "إن قوة
الخيال والتصوير تتضمن عاطفة في الشعر عامة"[2]).
إن علاقة العاطفة بالخيال علاقة وثيقة وعلى قدر كبير من
الأهمية، فنحن يمكننا من خلال سبرها الحكم الصحيح على طبيعة الإبداع الشعري عند
الشاعر. فالخيال الشعري لا ينشط إلاّ تحت تأثير العاطفة والانفعال، ورؤية الشاعر
للحقيقة ما هي إلاّ وليدة الاتحاد بين قلبه وعقله من جهة وبين المظاهر الكبرى
للحياة من جهة أخرى، وهو اتحاد لا يتم من غير توافر العاطفة الصادقة لدى الشاعر.[3])
هذا هو مفهوم الخيال الشعري عند العقاد، وهو يتفق فيه مع شيلنج وكولردج. ويلخّص
عبد الحي دياب موقف هذين الأخيرين بقوله: "إن ملكة الخيال عند هذين الناقدين
يعتمد نشاطها على علاقة جوهرية بين الروح الإنسانية والطبيعة، وهذه العلاقة يدركها
الإنسان في لحظة رؤياعاطفية وقلبية معاً"[4]). فالانفعال شرط ضروري لا بدّ من توافره في الصورة الشعرية،
حتى تتمكن من التأثير في القارئ. يقول جويو: "ولكي تستطيع الصورة الشعرية
التي يرسمها الشاعر، وهي في ذاتها باردة أن تحدث أثراً في نفس القارئ، فلا بدّ أن
تكون محاطة بإحساسات حادة، ممتزجة بعواطف أخلاقية"[5]). من غير العاطفة الحادة لا يمكن للصورة أن تترك أثراً في نفس
القارئ. ويضاف إليها العواطف الأخلاقية، وهي تلك التي تثير في نفس القارئ مشاعر
السمو الرفيعة، والمعاني الفكرية السامية. أما لعب الخيال من أجل الخيال نفسه، أي
تتابع صور باردة لا يمكن أن تنقلب إلى إحساسات مؤلمة أو لذيذة، ولا إلى أفكار أو
عواطف، فهو الشيء السطحي الملوم في الفن[6]).
ومعنى ذلك أن الخيال وحده لا يكفي في الفن، فهو حينئذ نمط من اللعب. وإنما الشعر
الحقيقي هو ما كان صادراً عن شعور، وما أثار فينا أرفع العواطف الأخلاقية وأسمى
المعاني الفكرية. ولكن، ما الفائدة إذا كان الشاعر يمتلك شعوراً حاداً، ويفتقد
الأداة الخيالية التي بها يتمكن من إيصال هذا الشعور؟ هنا تبرز أهمية الخيال إلى
جانب العاطفة في إيصال تجربة الفنان إلى المتلقي. إن اللغة العادية لعاجزة في أغلب الأحيان عن تصوير القوة
الانفعالية في نفس الشاعر، لهذا يجد هذا الأخير نفسه مضطراً إلى أن يحتال، ويكوّن
من عناصر تجربته لغة فنية هي كِفاء ما في نفسه من شعور. هذه اللغة الفنية هي لغة
الخيال بأنماطها التصويرية المجازية، التي هي لازمة في كثير من الأحيان للتعبير عن
العاطفة[7]). للخيال، إذاً، أثر بعيد في العاطفة، فهو السبيل إلى بلورتها
وإعطائها حدودها التي تتمكن بها من التأثير في القارئ. ولكن، إذا كانت العاطفة
تشرح لنا خواصّ الصورة الأدبية الصالحة للتعبير عنها ولإثارتها، فإنه لا بدّ أن
يكون القصد إلى العواطف عن طريق غير مباشرة[8])،
باعتماد الإيحاء. والإيحاء أهم ما تتسم به الصورة الانفعالية التي تتفوق به فنيّاً
على الصور الوصفية المباشرة[9]). ممّا تقدم، نجد أن العلاقة بين الخيال والعاطفة علاقة جدلية،
ذاك يؤثر في هذه وهذه تؤثر في ذاك. والصورة الفنية في علاقتها بالخيال والشعور،
غير منقطعة الصلة بالحس ومعطياته. فالشعور إحساس ناجم عن احتكاك مباشر أو غير
مباشر بالواقع المحسوس[10])، وكذلك
الأمر بالنسبة إلى الخيال، فهو مهماً حلّق بعيداً عن أرض الواقع تبقَ جذوره تستمد
نسغها من معطيات الحواس. وعليه تغدو الصورة الفنية علاقة مع الذات والموضوع، أو هي
لحظة انسجام بين الذاتي شعور الفنان وخياله) والموضوعي المعطيات الحسية
الواقعية). والشاعر، إذ يصوّر الواقع المحسوس، شأنه في ذلك شأن المصوّر،
عاجز عن إثبات الصورة بالدقة التي يرسمها المصوّر. لكنه برغم ذلك يبذّ هذا ويفوته
بما يضفيه على المنظر من إحساسه وعاطفته، الأمر الذي يعجز عنه المصوّر. إن الشاعر
في صوره لا يسرد بل يوحي[11]). وتبدو علاقة الانفعال بالحس أعمق من كل ما تقدم، فالانفعال
في أغلب الأحيان انعكاس لطبيعة الأشياء المصوّرة. العالَم هو الذي يخلع على الانفعال
طابعه، وليس الانفعال هو الذي يطبع العالم. فانفعال الإنسان أو حالته العقلية
عندما يتأمل جبلاً يختلف عنهما عندما يتأمل سهلاً، وما سبب ذلك إلاّ أن الجبل
يختلف عن السهل. فالجبل ليس خَطِراً ورهيباً لأن لدى الإنسان شعوراً بالخطورة أو
الرهبة يخلعه عليه، وإنما هذا الانفعال مستمد من الصفات المدرَكة والمستوحاة من
الجبل نفسه[12]). هذا، وجمال العالم المحيط بنا لا يعدّ شيئاً إن كان منفصلاً
عن شعورنا[13]). وعليه فإن
جمال الطبيعة مرتبط بذات الفنّان، وهذا في الواقع ما يميّز الفنان من العالِم،
فكلاهما ينطلقان من انفعال وشعور نحو الطبيعة لاكتشافها. لكنّه على حين يتجه
العالِم إلى الطبيعة فقط، يتجه الفنان إلى ذاته لاكتشاف الطبيعة من خلالها[14]).
إن العلاقة، والحال هذه، بين الفنان والواقع المحسوس علاقة
جدلية، وما هي إلاّ صورة لجدل الذاتي- الموضوعي. فالطبيعة هي التي تحدد للفنان
مشاعره، ولكنّ للفنان أيضاً دوراً في تحديد المشاعر المستوحاة من الطبيعة. إن
المشهد الطبيعي الواحد لا يمكنه أن يثير الإحساس نفسه عند اثنين، فلا بد أن يكون
هناك اختلاف، وهذا الاختلاف إنما يعود إلى أسباب ذاتية في الفنان لا إلى أسباب
موضوعية في مادة التجربة. لهذا نرى أن اختلاف الناس في التصوير والتقدير إنما يعود
سببه المباشر إلى اختلافهم في التجارب ووجهات النظر[15]).
ونحن نقصد بالتجربة هنا تلك المادة الشعورية الناجمة عن تفاعل الذاتي بالموضوعي. ولكن، أين الفكر من هذا كله؟ نقول إن الفكرة الممتزجة
بالشعور أجمل وقعاً على النفس من الفكرة المدفوعة بالحركة العقلية. يقول إبراهيم
سلامة موضّحاً ومعلّلاً: "إن الفكرة الناشئة عن العاطفة أبلغ في التأثير وفي
الإنتاج الأدبي من الفكرة المدفوعة بالحركة العقلية، لأن الأولى ملففة في لفائف من
الحب أو البغض أو القبول أو الاستهجان، وهي مدفوعة أيضاً بقوة من الأديب وبسيل من
مدامعه وانفعالاته يزجيها إزجاء إلى نفس السامع فتقع في قلبه قبل أن يعرضها على
عقله، وحتى إذا عرضها على العقل.. فهو لا ينبو عنها..."[16]).
وعليه، نرى أن الفكر غير بعيد الصلة بالشعور، بل إن هذا
يزيده جمالاً وبهاء، حتى إنه ليمكننا أن نعتبر الأدب الحقيقي هو ما جمع بين عناصره
الثلاثة الفكرة والصورة والعاطفة)، وزاوج بينها[17]).
ولعل موازنة بين الطائيين توضح لنا الفارق بين الفكرة
الصادرة عن انفعال والفكرة المدفوعة بالحركة العقلية. يبدأ أبو تمام قصيدته في
عمورية بالحكمة فيقول:
ويبدأ البحتري قصيدته في إيوان كسرى بالحكمة أيضاً، فيقول:
إننا إذ نشعر بأدق خلجات روح البحتري الحزينة في حكمته
فيهزّنا في أعماقنا، لا يكاد يتجاوز هذا الإحساس العقل في قراءتنا لحكمة أبي
تمّام. وما سبب ذلك إلاّ أن الأول صادر عن تجربة شخصية فامتزج شعوره بفكرته، على
حين كانت حكمة الثاني مستقاة من ثقافته مدفوعة بعقله. وواضح تفوّق البحتري على أبي
تمام في هذا المجال. بقي أن نشير إلى أن الصورة الانفعالية لا تلتزم ضرورة أن
تكون الألفاظ أو العبارات فيها مجازية. فقد تكون هذه العبارات مستعملة على
الحقيقة، وتكون مع ذلك دقيقة التصوير تدل على خصب الخيال[20]).
لكنّ هذا لن يتمّ إلاّ إذا تلافى الشاعر هذا النقص الخيالي برصيد هائل من العاطفة
الصادقة والعميقة، ولعل عينيّه الصمّةِ بن عبد الله خير مثال نضربه على ذلك:
آ/ 1 - الانفعال عند أبي تمام
إن للتجربة دوراً كبيراً في ظهور هذا النموذج التصويري في
شعر الشاعر، فللحياة وتفاعل الأديب معها أثر بعيد في إضفاء الطابع الوجداني على
الأدب، وقد كان كلٌّ من الطائيين قد عاش ملء عصره، فكان لا بدّ أن يبرز الجانب
الوجداني سافراً في أدبهما. يحدثنا أبو تمام عن تجربته في الحياة فيقول:
وقد تكون هذه التجارب أقسى أثراً وأشدّ وقعاً على نفس
البحتري:
لهذا السبب نرى الجانب الانفعالي الوجداني أكثر بروزاً عنده
مما هو عند أبي تمام. لقد ظهرت الانفعالية في قصائد أبي تمام على شكل التماعات
صورية تبرق في ثنايا القصيدة، أمّا أن تكون منهجاً يعتمده الشاعر في قصيدة كاملة
فهذا أمر لا نكاد نجد له أمثلة في ديوان الشاعر، إلاّ ما كان في بعض المقّطعات. ومن الصور الانفعالية عند أبي تمام قوله:
وقوله:
وكلتا الصورتين توحي بشعور الضياع والقلق، إلاّ أنه شعور
إيجابي في البيت الأول، سلبي في البيت الثاني. ولعلنا لاحظنا هذه المداخلة اللفظية
في لفظة الوسواس في البيت الأول: أهو وسواس الحلي، وهو ذاك الصوت الخفيف الناجم عن
احتكاكها بعضها ببعض، أم هو حديث النفس، وهو حديث مرضي؟ يبدو أن الشاعر قصد المعنيين
معاً، وببراعته اللفظية استطاع اختصارهما بلفظ واحد: هذا الصوت كان الحديث جواباً
له. ولكن التصوير الانفعالي في البيت الثاني أوضح وأعمق، وهو يكاد يقطر حزناً
وألماً. لننظر إلى شجرة الهموم هذه المستنبتة من لوعات القلب، فكان ثمرها
الوساويس. مهما قلنا في شرح هذه الصورة يعجز لساننا عن الشرح والتفصيل. إننا نفهم
هذه الصورة بإحساسنا وشعورنا. إننا نشعر بها أكثر مما ندركها، وهنا يكمن جمال هذه
الصور فهي تثير فينا أعمق المشاعر، لكنها تستعصي على الشرح. وقد يقف أبو تمام في المقدمة الطللية موقفاً وجدانياً
عميقاً. لنقرأ هذه المقدمة التي تكاد تقطر حزناً وهمّاً ولهفة:
إن أبا تمام يكاد يتفوّق على الجاهليين في هذه الأبيات من
حيث الاندغام التام والامتزاج الرائع بالطلل. فميدان السوافي في الطبيعة يقابله
ميدان الهموم في ذات الشاعر، وما ميدان الهموم هذا؟ إنها صورة لا يمكننا فهمها
بحرفيتها اللفظية، فنحن نفهمها بروحها وبما تثيره فينا من مشاعر، وبما تلقيه حولها
من هالات شعورية. ثم لنتوقف قليلاً عند صورة الدمع، إن لدمعه رسوماً تشبه رسوم
الطلل، وقد انسكبت عليه. ويقول في مقدمة قصيدة أخرى له:
هنا أيضاً يصور الشاعر أحاسيسه ومشاعره الحزينة في وقوفه على
الطلل. إنها صورة إيحائية تعبر عن
أعمق مشاعر الحزن. أتقول إن الشاعر جسّد الأسى فجعل له منازل شبّه أحشاءه
بها؟ إن مثل هذا الشرح يفرّغ الصورة من دلالتها المعنوية وإيحائها الشعوري. وأبو
تمام على عادته نجده -حتى في صوره الانفعالية- يُعنى بالتضاد والمقابلة. فالوقوف
يقابله القفر، وعلى حين كانت أحشاؤه منازل للأسى نجد الطلل قد تعفّت منازله، ولعل
هذا يؤكد قولنا إن أبا تمام مطبوع على الصنعة. وإذا كان أبو تمام قد امتزج بالطلل هنا، فإننا نجد له نماذج
أخرى من هذا الامتزاج، لكنها هنا بالمحبوبة تارة، وبالطبيعة تارة أخرى، يقول
مصوّراً عاطفته الرقيقة تجاه محبوبته، متجاوزاً حدودهما الفردية:
مثل هذا الامتزاج بشخص المحبوب نجده أيضاً في قوله:
تركت الحضارة العباسية أثرها في نفس أبي تمام، فهذّبتها
وثقّفتها.. لهذا كان من الطبيعي أن يتوقف الشاعر عند مشاهد الحسن والجمال، تهتز
لها نفسه، فيحلّق معها في لحظة انسجام وجداني. وإذا كان الحسن نسبياً في البشر،
فإنه كاد يطغى على مظاهر الطبيعة العباسية، الأمر الذي كان له أبلغ الأثر في شاعر
ذوّاقة كأبي تمام. ولعل أروع صور الامتزاج الوجداني بالطبيعة، حيث يأتلف الذاتي
بالموضوعي، تلك القصيدة التي رسم فيها صورة الربيع:
لا يرسم الشاعر في هذه الأبيات صورة للربيع، وإنما يفضي
إلينا بما أثاره الربيع في نفسه من مشاعر. ولعلّ البيت الأخير في ما أوردناه يشير
إلى هذا الموقف بصراحة. يقول الشابي معلّقاً على هذا البيت: "أيُّ خيال أعمق
وأيُّ نظر أبعد؟ أليس من بعد النظر وعمق الخيال أن يحس الشاعر بتلك
"الدنيا" الخيالية الرائعة التي يخلقها الربيع ويتكشف عنها الوجود، تلك
الدنيا البريئة الطاهرة التي لم تخلق لمشاغل العيش وأرجاسه وإنما خلقت للذّة
"النظر" وإمتاع النفوس الشاعرة"؟[31]).
وربما كان إخراج الورود في صورة العذارى وجهاً آخر من وجوه
الامتزاج بروح المرأة، إلاّ أنه هنا امتزاج في إطار الطبيعة، حيث تتّحد المرأة
بالطبيعة في وجدان الشاعر:
وما هذا الاتحاد في الواقع إلاّ وجه من وجوه التجديد الذي
برع به أبو تمام، مستفيداً من معطيات تراثية قديمة. كان تجديد أبي تمام، إذاً، أبعد أثراً وأشد وضوحاً في ميدان
المطالع الطبيعية، وهو في ذلك مسبوق بزهير بن أبي سلمى ومن بعده[33]).
إلاّ أنه كان أبرع من هؤلاء في إجادته الربط بين الطبيعة والمرأة من جهة، وبين
المطلع الطبيعي- ومزجه الطبيعة بالمرأة صورة تجديدية للمطلع الطللي والنسيب-
والمدح من جهة ثانية. يقول الكفراوي مفسّراً هذا الاتجاه التجديدي عند أبي تمام:
"وكأن أبا تمام، وهو يبحث عن شيء جديد تشترك العواطف الإنسانية جميعها في
التعلّق به، ليحلّه محل المرأة طلباً للتجديد وفراراً من التكرار، لم يجد أيسر
منالاً من الأزهار، ولذا نراه يمزج بين البدل والمبدل منه، ليلفت الأنظار، إلاّ
أنه لم يُسرف في تجاهل تقاليد الشعر العربي حين وضع الطبيعة موضع المرأة، وأسبغ
عليها من عواطفه وإعجابه ما كان سواه من الشعراء يسبغه على المرأة وديارها"[34]).
إن هذا الكلام يدلنا على بعد أثر الطبيعة في نفس الشاعر
ومعاصريه، حتى إنه أحلّها محل المرأة، بل هي والمرأة سواء عنده. وإذا كان أبو تمام عُرِف مفكراً، فإن هذا الجانب في إبداعه
لا يلغي جانباً آخر، وهو كونه شاعراً يحسّ بأدق خلجات الكون من حوله، وما هذا
التصوير الطبيعي إلاّ شاهد على ذلك الإحساس المرهف العميق. لكنّ هذا الإحساس ما كان يظهر في شعره إلاّ بشكل التماعات
تبرق في ثنايا قصائده. ومع ذلك تبقى لصوره الانفعالية قيمتها الكبيرة، هذه القيمة
التي تستمدها من امتزاج الحسي بالوجداني، مع عدم غياب الجانب الفكري. إن الصورة
الانفعالية عند أبي تمام هي نتاج التجربة الحسية والشعورية والفكرية بكليّتها.
والواقع أنه لو كان أبو تمام خفّف من سلطان الفكر في شعره، لكان قد حقّق بذكائه
وشاعريته تطوُّراً أعمق وأبعد من ذلك الذي حققه. فأبو تمام في صوره الانفعالية يحاكي المشاعر والوجدان ببراعة
لا تكاد تفوقها براعته في محاكاة الأفكار. فصورة مشي القلوب في الصدور[35])
تدل على مشاعر الذعر والفزع، ومأتم الشوق يدل على شدة الحنين والحزن[36])،
وعرس العين على الفرح والبهجة[37])،
وتجرّع نقيع الحنظل على المرارة والألم[38])،
وتشوّف المريض للطبيب وطرب المحب للحبيب على مشاعر اللهفة والحبور[39])،
وتعبيس المقدّم للقتل على شعور الكراهية والبغض[40]).
ويجيد أبو تمام في بعض قصائده الإفادة من الصور الانفعالية في أداء معانيه
المجرّدة. يقول:
إن الشاعر في هذه الأبيات يجيد استحضار الصور الوجدانية
الشعورية من التراث -وهي بذلك تمتلك بعداً شعورياً ثابتاً اكتسبته من التقليد
التراثي ومكانته من نفس العربي -كصورة وقوف الصب بالطلل المحيل تعبيراً عن عبثية
الانتظار، أو من العصر كصورة المعنى الدقيق لا يجد له ذهناً جليلاً يُدركه،
تعبيراً عن الذل. إن طول الانتظار الذي عبّر عنه الشاعر بصورة وقوف الصبّ
بالطلل، عاد وأكّده في البيت التالي بصورة عكوف اللحظ في الخد الأسيل. وهنا،
يخُيّل إلينا أن المعنى متناقض، بل أن الصورة غير منسجمة مع الموقف الشعوري، فوقوف
الصب على الطلل أو النظر إلى الخد الأسيل يحملان بعداً شعورياً إيجابياً، على خلاف
ما قصد إليه الشاعر من تصوير شعور العبث. لكننا لو عدنا إلى الموازنة بين الموقفين
لما وجدنا أي تناقض، فموقف أبي تمام من مهجوّه كان موقف رجاء -وقد أشار إليه في
البيت الأول- وهو إيجابي ينسجم مع الصورتين المعبّر بهما عنه. ولمّا أراد الشاعر
تصوير عبثية انتظاره وخيبة رجائه جاء بهاتين الصورتين المتضمّنتين كلا المعنيين
الإيجابي والسلبي: انتظار الشاعر يشبه انتظار الصب على الطلل، ورجاؤه يشبه رجاء
الناظر إلى الخد الأسيل. أمّا وقد خاب رجاؤه وبات انتظاره عبثاً، فإن كلتا
الصورتين تصلحان لهذا المعنى الجديد: عبثية انتظاره تشبه عبثية انتظار الواقف على
الأطلال، وخيبة رجائه تشبه خيبة رجاء العاشق الذي عاد بعد طول انتظار دون أن ينال
وطراً. وكلتا الصورتين تشتملان على المعنيين الشعوريين الإيجابيين الانتظار
والرجاء) والسلبيين عبثية الانتظار وخيبة الرجاء) معاً. وهذا وجه من وجوه التضاد
الذكي عند أبي تمام، ونمط من أنماط الإفادة من الأسلوب الفكري في تركيب صوره
الانفعالية. وإذا كان أبو تمام شديد الغرور، متعالياً، مما حرم جلّ شعره
من النفحة الوجدانية التي طغت على شعر غيره، فإننا نجد له وجهاً آخر لشخصيته، يبدو
لنا فيه صاحب إحساس مرهف، ونفس رقيقة تترك فيها الحوادث أبلغ الأثر، فينطلق لسانه
منشداً بلغة رقيقة عذبة وصور وجدانية رقيقة. يقول مثلاً في رثاء جارية له توفيت:
إنه نمط من القياس الفكري، لكنّ الصورة هنا لا تصوّر فكرة
وإنما تصوّر انفعالاً في إطار من القياس الفكري. إنه شعور ببعد منزلة المتوفاة في
نفس الشاعر، ولا أدلّ على ذلك من صورة التعريس على نار الليالي. ولعلّ في كلمة
الليالي بما توحيه بظلامها ما يعمق هذا البعد ويزيده تأثيراً في النفوس. وأبو تمام، حتى في صوره الانفعالية، لا يتخلّى عن مذهبه في
الصنعة، فنشعر ونحن نقرأ أمثال أبياته هذه بأثر الصنعة يفوح منها. والصنعة في
الأبيات المتقدمة واضحة في أسلوب القياس الفكري، وهو هنا نمط من الأسلوب القصصي،
القائم على الحوار وطريقة السؤال والجواب. وامتزاج الانفعال بالصنعة يبدو لنا أوضح في مثال هذه الصورة
التجريدية:
حيث يوحي أبو تمام بمشاعر الإشراق والانفتاح في تشبيهه أبا
سعيد بالربيع، ولنا أن نتخيّل ما يحمله الربيع إلى النفوس عامة وإلى نفس أبي تمام
خاصة. كما يوحي الشاعر في البيت السابق بمشاعر السواد والانكفاء في تشبيهه الناسك
بالخريف، وهو فصل ممقوت من شاعر الربيع أبي تمام. وعلاقة التضاد بيّنة بين الطرفين،
مما يزيد من المنحى الصناعي للصورة الانفعالية. وقد تكون الصنعة في التشخيص، والشاعر هنا يسرف في إسباغ
المشاعر الإنسانية على المعنويات، فإذا البخل يخشى، وللجود صولة:
ولعلّ أروع ما برز فيه الامتزاج بين الصنعة والانفعال قوله:
وأبو تمام بذلك متقدّم على من تلاه من الشعراء مثل ابن سناء
الملك الذي "التزم الدّقة العقلية أكثر منه، وابتعد بها عن الأصل العاطفي
الذي نجده أحياناً عند أبي تمام ولا نكاد نجده عند ابن سناء الملك"[46]).
يقول الأهواني مقدّماً لأبيات أبي تمام السابقة، شارحاً
الامتزاج الصناعي الانفعالي فيها: "فأبو تمام حين يرقب الإبل تبدأ رحلتها
ممتلئة الجسم ريّانة مكتنزة اللحم والشحم، ثم تأخذ في الهزال لمشقة السفر ولقسوة
الصحراء، يلتفت ذهنه إلى المقابلة بين ذلك السمن السابق وبين هذا الهزال الطارئ،
ثم يثب ذهنه إلى أن الصحراء القاسية تأكل هذه الإبل أكلاً، وهنا تجيء المقابلة
التي يصوغها أبو تمام وينمّقها، ولكنها مع هذا التنميق الواعي العقلي إلى حدّ ما
تظل تحتفظ بالوثبة النفسية العاطفية التي جعلت من الفيافي كائناً مفترساً"[47]). وقد يخرج أبو تمام في صوره الانفعالية من دائرة التعبير
الانفعالي المفرد القائم على البيت الواحد أو بضعة الأبيات، ليصبح الموقف
الانفعالي أشمل وأكمل فيشمل الأبيات جميعاً. هذه الكلّية لم تظهر في القصائد
الطوال، وإنما ظهرت في المقطّعات التي لا يتجاوز عدد أبياتها العشرة. وناحية أخرى
نلاحظها في هذه الصور الكلية، وهي أنها كانت جميعاً في موضوعات رقيقة كالغزل
والرثاء، مما يؤكد قولنا السابق برهافة إحساس أبي تمام ورقة شعوره. يقول في الرثاء،
ويُعتقَد أن الأبيات في أخيه:
ومن الطبيعي أن يبرع أبو تمام في مثل هذا النموذج من الرثاء،
وهو الذي قيل عنه: "مدّاحة نوّاحة". فشعر أبي تمام في رثاء أصدقائه
وأنسبائه بكاء حقيقي وأنين يتصاعد من جرح بليغ، ولوعة ملموسة، تتردّد له أصداء
بعيدة في نفوس قارئيه. إن كل صورة في هذه الأبيات تحمل طاقات شعورية هائلة تهزّنا
في صميم وجداننا وتترك بصماتها على روحنا. ومن صور التعبير الانفعالي أيضاً قوله في غانية:
هذه هي القصيدة كلها، وقد جاءت في أربعة أبيات يجمعها إطار
من الانفعال الوجداني الصادق المؤثّر. إن الشاعر، وقد بدت له محبوبته تعضّ
التفاحة، شعر بأن سكاكين الهوى تنغرس في فؤاده وتجرحه. هذا المعنى عبّر عنه الشاعر
بصورة التفاحة المجروحة، وما جراحها غير جراحه، وبهذا يتّحد الطرفان: التفاحة
والشاعر. والتفاحة مقطوفة من خدّ محبوبته، وهنا يبلغ التعبير
الانفعالي قمته، فتتّحد ذات الشاعر بذات المحبوبة، أما محور الاتحاد فهو التفاحة،
وهي نبات رطب يتناسب مع الحالة التي فيها الشاعر. وكأن الشاعر لا يملك إلاّ أن
يُبرز ذاته في البيتين الأخيرين، فهو يفدي بنفسه تلك المحبوبة. لكنّ التعبير
الانفعالي يبدو لنا أقوى في البيت الأخير، الذي يُعدّ في نظرنا خلاصة الموقف
الشعوري في الأبيات جميعاً: إنه لشدة وجده بهذه الغانية سيلبّي دعوتها من قبره.
فهو شديد الحب لها، حتى إنّ الموت، وهو المفرّق بين الأحباب، لن يحول بينه وبينها،
وفي هذا تأكيد شدة حبه لها. هذا الموقف لأبي تمام نجد له نظيراً عند أحد أعلام الشعر
الوجداني، "جميل بثينة"، في قوله يخاطب محبوبته:
وفي هذا الشبه أبلغ تأكيد للمنحى الانفعالي في أبيات أبي
تمام السابقة. *** آ/2 -
الانفعال عند البحتري
وعلى خلاف أبي تمام، يطغى الجانب الانفعالي على شعر البحتري،
حتى تكاد تنتظم قصائد طويلة كاملة في سلكه. وأبرز ما ظهر فيه التعبير الانفعالي
عند البحتري شعر الطبيعة، فللطبيعة كما عند أبي تمام أثر بعيد في نفسه. وهذا أمر
طبيعي، وهو الذي نشأ وترعرع في منبج، في وسط طبيعي أخّاذ، فكان لا بد أن يظهر هذا
الأثر البيئي في شعره عاطفةً رقيقةً وشعوراً مرهفاً. والبحتري نفسه يفصح عن هذا
الأثر في نفسه وشعره بقوله:
ما الصلة بين منبج وأفياء النعمة؟ وهل للنعمة أفياء؟ إن
الصورة في هذا البيت تشي بوضوح بمكانة طبيعة منبج من نفس الشاعر، الأمر الذي جعله
يستعير إحدى صورها الأفياء) لينسبها إلى نعم الممدوح. وقد نجح الشاعر في هذه
الصورة في إقامة العلاقة الوجدانية بين طرفيها. فالصلة بين منبج وأفياء النعمة صلة
وجدانية: الشعور الذي تثيره في نفس الشاعر أفياء منبج يشبه ذلك الشعور الذي تثيره
في نفسه أفياء نعم الممدوح. فلا غرابة، بعد، في أن يستعير الشاعر صورة الأفياء
الطبيعية من منبج لنعم الممدوح، والحالة الشعورية المستوحاة من الصورتين واحدة. هذه العلاقة الوجدانية بين طرفي الصورة هي أساس التصوير
الانفعالي. والبحتري بارع في إدراك الصلة الشعورية بين الأشياء، فهو بشعوره يوحّد
بين أجزاء الكون على غرار ما كان يفعله أبو تمام بفكره. لنقرأ قوله:
هذا التصوير رائع، والبحتري دقيق في التقاط تلك الصورة
الوجدانية العميقة، صورة وجد الأم بالولد، ليشير إلى علاقة الحب القائمة بين
الممدوحين من طرف وبين البأس والجود من طرف آخر. وهي علاقة تكاد تكون اتّحادية
أكثر منها ائتلافية. والبحتري غالباً ما يوحّد بشعوره بين طرفي الصورة، كما في
قوله:
فمنازل الأحباب هي الأحباب، وفي هذا دلالة بعيدة على عمق أثر
هذه المنازل ومكانة أولئك الأحباب من نفس الشاعر. إن العلاقة بين طرفي الصورة، وإن
كانا حسيين، علاقة شعورية وجدانية، يوحّد فيها الشاعر بين الطرفين في بوتقة شعوره
المرهف. هذا الشعور هو الذي جعل البحتري يُعنى بتصوير أدق خلجات نفسه
تصويراً رائعاً فيه الكثير من الظلال المعنوية الوجدانية. مثال ذلك قوله مصوّراً
أثر الوداع في نفسه:
هذا الوداع يثير في نفسه أشد مشاعر الحزن والأسى، حتى يكاد
الوداع نفسه يشقّق جيوبه على حاله، وفي هذا أيضاً امتزاج شعوري بين الشاعر وصورة
الوداع. فالمشقق جيوبه منطقياً هو الشاعر لا الوداع، ولكن الشاعر رغبةً منه في
تصوير شدة أثر الوداع عليه جعل الوداع هو المشقّق جيوبه على سبيل المبالغة في بيان
هذا الأثر. ونعود إلى شعر الطبيعة عند البحتري، حيث برز الامتزاج
الشعوري بوضوح أشد. فقد تركت الطبيعة أثراً بالغاً في نفس الشاعر، حتى إننا نجده
يخصها بقصائد مستقلّة وهي عامة من المقطّعات). يقول في وصف روض:
يبلغ الامتزاج الشعوري أوجه في هذه الأبيات بين صور الطبيعة
من جهة وذات الشاعر من جهة أخرى. وقد برز هذا الامتزاج واضحاً في بيان أثر هذه
الصور في النفوس، إنها "مقيمة لها ومقعدة"، بل إن بروزه كان أوضح في
استعمال ضمير المخاطب عاينت، حسبت، ينسيك) وما هذه الكاف وتلك التاء سوى أنا)
الشاعر. والبحتري في الأبيات المتقدمة إنما يبلّغنا مكانة الطبيعة من
نفسه وأثرها فيها. والطبيعة المصوّرة طبيعة مشرقة، وجب أن تثير في النفوس أرق
المشاعر وأكثرها إشراقاً. وقد نجح الشاعر في إقامة التوازن بين هذين الطرفين:
الصورة والموقف، الموضوع والذات. فالشاعر في هذه الأبيات لا يصوّر الطبيعة، وإنما
يوحي بموقفه منها، وبما أثارته في نفسه من مشاعر الحبور والإشراق. وتستوقفنا في تلك الأبيات صور الصنعة: التصريع مجدّداً-
مقعدا) والطباق في مقيما- مقعدا) والجناس في راحة الريح)، الأمر الذي يجعلنا
نؤكد طغيان الانفعال على صور البحتري، حتى على صور الصنعة منها. فنحن لا نكاد نشعر
بهذه الصور لدى قراءتنا الأبيات، وهذا يعود في نظرنا إلى تلك الطاقة الشعورية التي
أفاضها البحتري من ذاته على شعره، مما جعل أمثلة تلك الصور تخفى على القارئ. ويستوقفنا في الأبيات المتقدمة أيضاً البيتان الرابع
والسادس. ففي هذين البيتين، ومن خلال العلاقة الشعورية بين غناء الحمام وغناء
الغريض ومعبد، ومن خلال العلاقة بين الشاعر والمدام، إشارة إلى مكانة الغناء
والخمرة من نفس الشاعر وموقفه الإيجابي منهما. فالبحتري، استناداً إلى الأبيات السابقة، ما كانت تستثيره
إلاّ صور الطبيعة المشرقة، لهذا كثر عنده وصف الربيع ومظاهره. واحتلت الطبيعة مكاناً بارزاً من وجدان الشاعر، لهذا فإن
المحسوسات عنده غالباً ما تجد نظائرها في صور الطبيعة، على سبيل التصوير الانفعالي
الوجداني. مثال ذلك قوله:
وقد تتخذ الطبيعة عند الشاعر طابعاً رمزياً من خلال اتحادها
بأنا الشاعر، فتصبح بالتالي رمزاً لذاته. فليل البحتري يشاركه همومه ويسهر لها:
في هذه الصورة تشخيص للّيل وامتزاج به، فالساهر المهموم هو
الشاعر وليس الليل، وما سهر الليل إلاّ نوع من الامتزاج الشعوري بين وجدان الشاعر
والليل، بين الذات والموضوع. ولعلّ أجمل صور الطبيعة التي كانت تستثير الشاعر صورة
الربيع. ففي هذا الفصل تكتسي الأرض أبهى حللها، فتنجلي عن طبيعة غنّاء زاخرة بالحياة.
فتشرق نفس البحتري لها وتطرب لإشراقها وتمتلئ حبوراً وسروراً. ها هو ذا الربيع يعود ثانية، فيخيّل إلى البحتري رجلاً
ممتلئاً حيويةً ونشاطاً، يختال بطلعته البهية ضاحكاً للحياة. وفي لحظة اتحاد صوفي
بين الشاعر والطبيعة، بين الذات والموضوع، يخيّل إلى البحتري أن الربيع يتكلم:
بمثل هذا التصوير الانفعالي الذي ينمّ على إشراق نفسه وحبوره
يبدأ البحتري وصفه للربيع ثم يحدّد لهذا الفصل بداية، وهي عيد النوروز، أحد اعياد
الفرس. وكأن هذا العيد هو الذي نبّه الطبيعة إلى الحياة:
فالربيع، وهو المنير بإشراقه، متولَّد من الظلمة، ظلمة
الشتاء. إنه موجود بالقوة في هذه الظلمة إلى أن نبّهه عيد الشمس فأخرجه إلى النور
فعلاً. وكأن الشاعر قد استحسن هذا المعنى فجعله مطلع إحدى قصائده:
وعلاقة التضاد نلمحها في هاتين الصورتين، إلاّ أنه تضاد
شعوري، طغت العاطفة فيه على الصنعة الفكرية. فالبحتري لم يسعَ إلى هذا التضاد إلاّ
رغبة منه في إظهار إشراق الربيع بالنسبة إلى ظلمة الشتاء. والموقف الشعوري الذي
توحي به هذه الصورة واضح: الموقف الإيجابي من الربيع والسلبي من الشتاء. وإذا كان
الموقف الأول واضحاً فيما تقدّم، فإن الموقف الثاني يبرز في الرائية بقوله:
والتعبير الانفعالي هنا يبرز في العلاقة القائمة بين الشتاء
وشخص الخائف المتنكر. فالبحتري يجيد التقاط صوره من المواقف الانفعالية، وهو بذلك
لا يصوّر بل يوحي، إنه يغنّي لا يرسم. والعلاقة التصويرية في هذا البيت علاقة
حركية سلبية، فحركة ذهاب الشتاء تشبه حركة تسلل الخائف المتنكر، والمعنى الموحى به
هو معنى الزوال الذي لا رجعة بعده. ويتابع الشاعر وصفه للربيع في الميمية، فيقول:
فالندى يفتّق الورد من أكمامه بعدما كان مستتراً في أغصانه،
وكأنه حديث نُشِر بعد طول كتمان والصورة التي يرسمها البحتري هنا شبيهة بقول أبي
تمام:
والتضاد واضح في كلتا الصورتين: الحياة المنبعثة من الموت،
والظهور المنبعثة من البطون. لكنّ أثر الفلسفة والفكر أوضح في قول أبي تمام منه في
قول البحتري، فضلاً عن الطاقة الشعورية التي تفجرها صورة الثاني، وبتحديد أدقّ فعل
التفتيق. أما الشجر وقد اكتسى حلله الخضراء فبدا كأنه موشّى بأبهى
الحلل المنمنمة: فصل الربيع بحلوله أدخل البهجة والسرور إلى النفوس. ولمّا كانت
العيون هي نافذة النفس على العالم، فإنها امتلأت غبطة وبشاشة بعدما كان الشتاء لها
كالقذى. وهنا أيضاً يلجأ البحتري إلى الموازنة الشعورية بين النقيضين: الشتاء
والربيع، موحياً فيها بموقفه النفسي منهما: الربيع "للعيون" بشاشة،
والشتاء" قذى للعين". ويبلغ التعبير الانفعالي مداه في البيت الأخير، حيث يجعل
النسيم شبيهاً بأنفاس الأحبّة. فالطبيعة عند البحتري تجد نظائرها في شخص المحبوب،
وفي هذا امتزاج بين الذات والموضوع. الذات يمثلها شخص المحبوب، وهو ذو مكانة رفيعة
من نفس الشاعر، أما الموضوع فهو المادة المحسوسة: نسيم الريح. وما علاقة الترابط
بين هذين الطرفين إلاّ علاقة وجدانية شعورية هدفها إبلاغنا المكانة التي تحتلها
الطبيعة من نفس البحتري ووجدانه. والبحتري بهذا المزج بين ذاته والموضوع، وهو امتزاج وسيلته
الخيال، يبلغ أعلى مستويات التعبير الانفعالي. وهو في الواقع لا يرسم لنا صورة،
وإنما يفضي "بما أثاره الربيع من المعاني في نفسه وبما حرّكه من طلب الانشراح
في عيد الطبيعة" كما يقول المازني[64]).
ونختار من ديوان البحتري نموذجاً آخر لموقفه المتقدم من الربيع، إذ طالما استشهد
النقّاد بالنموذج السابق. يقول الشاعر في مقدمة قصيدة يمدح بها أحمد بن دينار:
بعدما يوازن البحتري بين الربيع والشتاء ينتقل ليصف
"بطياس"، وقد بدت له بإشراق طبيعتها بساطاً سندسيّاً موشّى بأبهى الألوان
وأزهاها:
أما القطر فهو نظير اللؤلؤ:
وتتداخل الألوان في نظر الشاعر، فالأبيض والأحمر والأخضر
تتداخل في هذا الوشي الطبيعي:
وهنا أيضاً يعمد الشاعر إلى تصوير قطرات الندى وقد توضّعت
فوق وريقات الورد، إنها درّ نثير وجوهر:
ولكن أين الشمس من هذا كلّه؟ إنّ ضياءها مردود عليها،
فالأقحوان بإشراقه وملاسة خده يعكس على الشمس نورها. وكأن الشاعر بهذه الصورة يريد
أن يؤكد إشراق صور الطبيعة، حتى إنها باتت تعادل الشمس إشراقاً وبهاء، فتردّ عليها
ضياءها:
وينهي الشاعر هذه اللقطة الطبيعية بمثل ما أنهاها في أبياته
السابقة، بالمزج بين الطبيعة والمحبوبة، فتمايل براعم الورد يذكره بتمايل علوة. وها
هنا تصريح باسم المحبوبة، التي طالما ذكرها في شعره وأحلّها من نفسه مكانة رفيعة.
فالطبيعة مشبَّهة بهذه المحبوبة، وفي هذا أبلغ بيان عن مكانة طبيعة الربيع من نفس
الشاعر:
والصور جميعها في هذه الأبيات العلاقة بين أطرافها شعورية
وجدانية تنم على عمق مكانة الربيع من نفس الشاعر وأثره فيها. ومن الطبيعي أن يحتل
الربيع هذه المكانة عند الشاعر، وهو القائل:
إن وشي الربيع يلتهب على ألحاظ الشاعر. وهذا أيضاً نمط من
أنماط امتزاج الذات بالموضوع، فشدة إعجاب الشاعر بالربيع، وشدة جمال صوره، جعلاه
يتّحد بها. ولمّا كانت وسيلة الشاعر لإدراك هذه الصور بصرية، كان من الطبيعي أن
تكون هاتان العينان موطن ذلك الامتزاج. وفي فعل الالتهاب جانب جمالي آخر، وكأن
البحتري يوحي إلينا بشغفه بصور الطبيعة، فكأنما عيناه تلتهمانها التهاماً. إن صور
الطبيعة تتوالى مسرعة أمام عينَي الشاعر، وهو مشغوف بها يتلقفها تلقفاً. ومن حركتي
التسارع والتلقف تتولد شرارة الالتهاب، وهو التهاب وجداني ظاهره حرقة في العين،
وجوهره انسحاب صوفيّ من عالم الوجود إلى عالم الخلود، حيث تمتزج الأبعاد الذاتية
بالأبعاد الموضوعية. وبسبب هذه المكانة التي احتلّها الربيع، نجد البحتري كثيراً
ما يشبّه ممدوحه به، كما في قوله:
بل إنه في أحيان أخرى يفضّل ممدوحه على الربيع على سبيل
المبالغة الشعورية. وفي هذا دلالة على القيمة الكبيرة للربيع في نفس الشاعر:
فأيام الممدوح عند البحتري أبهج وأحلى وقعاً في نفسه من ليل
الربيع بكواكبه المشرقة. وفي هذه الصورة دلالة بعيدة على الوقع الانفعالي الذي
تمتلكه تلك الليالي الربيعية في نفس شاعرنا. وعلى غرار صور الطبيعة عامة، والربيع خاصة، تمتلك الخمرة هي
الأخرى طاقة شعورية، تستثير في نفس الشاعر أرق المشاعر الوجدانية. يقول البحتري:
في هذا البيت تمتزج صورة الطبيعة بصورة الخمرة. ولمّا كانت
الطبيعة ذات قيمة شعورية عند البحتري، يمكننا أن نجد في هذا الامتزاج إشارة إلى ما
تمتلكه الخمرة أيضاً من تلك القيمة عند الشاعر. ويدخل عنصر آخر طرفاً ثالثاً في
الصورة، فيقوّي الصلة الشعورية بين هذين العنصرين الموضوعيين وذات الشاعر، إنه
صورة المحبوب زهر الخدود). ومن اجتماع هذا الثالوث الموضوعي تتولد الصورة الانفعالية
التي يوحي إلينا بها البحتري. وهذه الخمرة ذات تأثير نفسيّ يحمل شحنة إيجابية ترتسم على
نفس الإنسان إشراقاً وبهجة، فهي تنسي الهموم، وتبعث الشوق. وفي صورة الشوق الضالّ
في الأحشاء رديف شعوري للصورة النواة، صورة الخمرة بآثارها الإيجابية:
والقيمة الشعورية التي تمتلكها الخمرة ليست خاصة بجوهرها
آثارها) وحسب، وإنما هي قيمة لاصقة بشكلها أيضاً، بلونها ورائحتها وحبابها
المتناثر على صفحتها. أما لونها فيجعلها تبدو للشاعر في لحظة وجد صوفي كأنها قائمة
بغير إناء. وأما رائحتها فتعيد إلى ذاكرة الشاعر صورة الرياض التي طالما تَغَنّى
بجمالها، وكان لها في نفسه رصيد شعوري بعيد الأغوار، وأمّا حبابها فكأنه الدموع
المتناثرة على صفحة خدّ الكاعب الحسناء:
في البيتين الثاني والثالث يعيدنا الشاعر إلى البيت الأول،
حيث ربط بين الخمرة والرياض وذات المحبوب. إنها تشبه هذين العنصرين الموضوعيين، لا
في الحدود الحسية الحرفية الشكلية، وإنما في الأبعاد الوجدانية التي يثيرها كلّ
منهما، وفي القيمة الشعورية التي يمتلكها. ويمهد هذا الاتحاد بين الخمرة وذات المحبوب الطريق للشاعر،
ليوحّد بينها وبين الساقي. فكلاهما ذو فعل واحد، يُسكران، الخمرة بشربها والساقي
بطرفه:
ويعيد هذان البيتان إلى ذاكرتنا قول أبي نواس:
ممّا يدفعنا إلى التخمين بالسرقة. والخمرة وثيقة الاتصال بمجالس الغناء، لهذا نجد التعبير
الانفعالي عند البحتري يظهر أيضاً في وصفه لهذه المجالس، ها هو ذا يصف أثر الغناء
والموسيقا في النفس وهما يتجاذبانها:
والغناء غير منفصل عن المغنّي، فأثرهما واحدٌ في النفس:
الحاستان البصرية والسمعية يعملان معاً على امتلاك الواقعة
الجمالية. والبحتريّ في وقوفه عند هاتين الحاستين وجمال ما يمكن إدراكه بهما،
يعبّر عن موقف جماليّ رفيع المستوى. فالسمع والبصر يفضلان "الحواس الأخرى من
حيث قيمتها العقلية والثقافية"[82]).
بل إن في رهافة الإحساس السمعي وحده دليلاً بليغاً على عمق الموقف الجمالي
وتقدّمه، "فليس في إمكان العين تحليل اللون المركب إلى ألوانه البسيطة، في
حين تميّز الأذن المدربة بين النغم الأساسي والأنغام التوافقية، ولهذا السبب لا
تفوق لذة فنية ما تجلبه الأنغام الموسيقية للنفس من نعيم ومتعة"[83]). ونظير هذا الموقف الانفعالي من الغناء والموسيقا، يمكننا أن
نجده عند أبي تمام أيضاً. يقول الصولي: "حدثني أبو عبد الله محمد بن طاهر
قال: لما دخل أبو تمام أبرشهر، هوي بها مغنّية كانت تغنّي بالفارسية، وكانت حاذقة
طيبة الصوت، فكان عبد الله كلما سأل عنه أُخبِر أنه عندها، فنقَصَ عنده، قال:
وفيها يقول أبو تمام:
يبدو لنا أبو تمام في هذه الأبيات أرقّ شعوراً وأشدّ تأثراً
بمجالس الغناء وألحان الموسيقا وشدو المغنيِّين من البحتري. وهذا جانب جديد من
شخصية أبي تمام، فوقاره ورزانته لم يمنعاه من التردد إلى مثل تلك المجالس والطرب
لسماع المغنيات. وليس هذا بغريب في نظرنا وهو شاعر مرهف الإحساس رقيق الشعور. بل
إن الغريب حقاً هو ألاّ يطرب للموسيقا والغناء، وهما أسهل ما يكونان ولوجاً إلى
النفس، وأشد ما يكونان تأثيراً فيها. فلا عجب، بعد ذلك، إذا رأينا هذا الامتزاج
الوجداني بين ذات الشاعر والكون من حوله. وكل ما يمكن قوله في تفسير طبيعة هذا
الامتزاج يُفقد التعبير الانفعالي إيحاءه وجماله. إن "أنا" الشاعر تبرز بوضوح في هذه الأبيات متّحدة
عبر انفعالها بالواقع المحيط بها بأركان الكون الواسع. فإذا تلك الليلة مسرورة طار
الكرى من أجفانها، وإذا وهدات الأرض تفقد حنينها إلى رباها. كلّ هذا سببه الغناء
العذب الذي استولى على ذات الشاعر وروحه، فبات سمعه يقتات حسن ذلك الصوت. ويبرز
الانفعال أوضح ما يكون في هذه المتابعة الشعورية لعدمية الصوت، فهو إن سكت بقي
صداه يتجاوب في أذن الشاعر. ويتابع أبو تمام بيان أثرِ هذا الغناء في نفسه، فيبدو لنا
خالص الامتزاج باللحن الموسيقي، ومن خلال هذا اللحن بصاحبته. يظهر هذا الامتزاج في مشاعر الشجو والشوق والفداء التي يشعر
بها الشاعر لسماعه صوت ضرب الأوتار. وفي هذه الأفعال، كما هو واضح، اتحاد باللحن
الموسيقي المثير لمشاعر الشجو والشوق من ناحية، وبذات المغنية المثيرة لشعور
الفداء الذي يحس به سامعها من ناحية ثانية. ويعمّق الشاعر هذا الامتزاج في البيت التالي، فهو لا يفهم
معاني الغناء، لكنه برغم ذلك منفعل بلحنه. وفي هذا تأكيد للقيمة الجمالية الكبيرة
التي تمتلكها حاسة السمع عنده. ويوازن الشاعر بين حاله هذه وحال الأعمى الذي يحب
الغانيات برغم أنه لا يراها، وهو يشير بذلك إلى بشار بن برد. وفي هذه الموازنة
نلاحظ العلاقة قائمة بين المحسوس سمعاً والمحسوس بصراً. وهذا أمر مقبول عندنا، ففي
عالم الشعور الداخلي تتحطم الأبعاد الحسيّة كلّها، فإذا الشاعر يسمع بعينه ويرى
بأذنه، وربما رأى وسمع بلسانه!! يبدو لنا أبو تمام في هذه الأبيات أشدّ تأكيداً من البحتري
لدور الحاسة السمعية في إدراك الواقعة المحسوسة جمالياً. وفي هذا التقديم للحس
السمعي على الحس البصري دلالة بليغة على عمق موقف الشاعر الجمالي من الواقع
المحسوس. ونعود إلى البحتري لنجد عنده التعبير الانفعالي يبرز أيضاً
في مقام البكاء والرثاء. فهو يجيد إجادة بعيدة التقاط الصور الانفعالية المثيرة
للعاطفة والوجدان في هذا المقام. لنقرأ قوله يبكي مستعطفاً:
ولنا أن نتخيّل الحالة الشعورية التي كان عليها الشاعر من
خلال العلاقة القائمة بين بكائه وبكاء الثكلى على ولدها. ونحن نستطيع إدراك هذه
الحالة من خلال مشاعرنا، ومن خلال ما تستثيره هذه الصورة في نفسنا من أشجان. فليس
أبلغ دلالة على شدة الحزن من بكاء المرأة على ولدها، وليس أشد وقعاً على النفس من
فقدان الولد. ولنا أن نلاحظ أن المحزون امرأة، وهذا أبلغ في التعبير وإثارة الانفعال.
ويقول البحتري في رثاء غلامه قيصر:
سيطر الحزن على فؤاد البحتري، فبات كأنه مريض مُعْجِز، عجز
الطبيب عن مداواته. لكن الشاعر يخشى أن يُؤخذ تصويره هذا على سبيل المبالغة واللعب
الخيالي، فيفصِّل في صورة الحزن: إنه في أشدّ حالاته "وهو يخبو" ذكي
الجمر عنه واللهيب". إن الشعور الموحَى به في هذين البيتين هو شعور الحزن
العميق الشديد الذي يصل بصاحبه إلى حدود الضياع والفراغ الروحي واليأس. هذا ما
أراد البحتري تصويره من خلال العلاقة القائمة بينه وبين المريض، وهي في الواقع
علاقة بين حالين غايتها تصوير شعور الحزن والضياع الذي يشعر به البحتري. وينقلنا هذا الموقف من غلامه في مقام الرثاء، إلى موقفه من
غلام آخر له في مقام الغزل. وهذا الأمر يدلنا بشكل عام على مكانة الغلمان من نفس
البحتري. وحكايته مع "نسيم" وتعلّقه به، وما كان يعمد إليه من بيعه ثم
التغزّل به واستعادته معروفة[87]).
ومن غزله في "نسيم" قوله:
وفي هذا التصوير اتحاد شعوري بين الشاعر وغلامه، فهو يعبّر
عن شدة وجده به. والمُلاحَظ أن لا طرفين حسيين في الصورة، وإنما هناك حالان يقصد
الشاعر من خلال إقامة علاقة التناظر بينهما التعبيرَ عن اتّحادهما. وتبقى المرأة مستأثرة بعلاقة الحب والغزل. يقول البحتري
متغزلاً:
يعمد البحتري في هذه الأبيات إلى التصوير النفسي، تصوير أثر
صورة المحبوبة في نفسه، مبتعداً عن التصوير المادي الحسيّ وهو بذلك يلتقي مع
الشعراء العذريين، لكنّه يتفوّق عليهم في انسلاخه عن ذاته واتحاده بذات المحبوبة.
إن العلاقة بينه وبين المحبوبة شبيهة بالعلاقة بين الماء والراح، وهي علاقة
تَوَحُّد وامتزاج معبّر عنها بفعل المصافاة. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ البحتريّ
كان أشدّ اتحاداً بموضوعه من أبي تمام. ولعلّ في ذكر الراح في هذا المقام إشارة
إلى ما ذكرناه من قبل عن منزلة الخمرة في نفس الشاعر. ومن جميل قوله في الغزل أيضاً:
ولنا أن نتخيل طبيعة هذه القبل التي تكون بخفيّ اللحظ.
فالشاعر في هذه الصورة إنما يعبّر عن وجده بتلك الخدود، حتى يكاد يقبلها بعينيه.
وهو بارع في تصوير حركة لحظه: إنه لاينظر إليها جهراً، وإنما بطرف عينه. وهذا أشد
تعبيراً عن وجده من جهة وعن شدة حسن تلك الخدود التي تلفت قسراً نظره من جهة
ثانية. وإذا كانت الصورة توحي بالخفر في حركة اللحظ، فإننا نجد فيها الكثير من
الوجد الذي يبلغ حدّ الشبق المعبّر عنه بفعل العض. ولنا أن نتخيّل هنا أيضاً قُبَل
العضّ هذه. وتلفت انتباهنا في هذا البيت العلاقة القائمة بين الخدّ
والتفاح، وهي علاقة تتردّد عند الشاعر[91]).
فصورة الخد غالباً ما تستدعي إلى مخيّلة البحتري صورة التفاح، وهي صورة تقليدية طالما
استخدمها الشعراء في تصوير الخدود. وقد يتجاوز التعبير الانفعالي الغزلي عند البحتري حدود البيت
الواحد والأبيات المعدودة، ليشمل قصيدة بأسرها. ولعلّ أبرز قصيدة نتمثل بها في هذا
المقام تلك التي قالها متغزّلاً بعلوة الحلبية. وعلوة هذه ذات أثر بعيد في نفس الشاعر،
فقد أحبّها وهام بها، فلا عجب، إذاً، إن أثارت صورتها في نفسه أرقّ المشاعر،
وانطلق لسانه بأعذب الشعر. يبدأ الشاعر قصيدته بالبكاء، وهو بكاء صادق بعيد عن التكلّف
والمبالغة:
ثم ينتقل إلى العتاب، وهو عتاب رقيق لا يقسو فيه الشاعر على
محبوبته، بل إنه يرحّب بالهجر، إن كان الدلالُ سببه:
وينتقل الشاعر بعدها إلى تصوير حاله. وهنا تتوالى الصور
الانفعالية، فإذا الأرض يصوَّر للشاعر بسود العقارب، وإذا هو كالفرخ الغائب عن
فرخه. والصورة الأولى توحي بمشاعر الضياع والألم، أما الثانية فتوحي بشدة التعلّق
واللهفة والوجد:
ويفصّل الشاعر في تصوير مشاعر الضياع والألم، فإذا هو يساهر
نجوم الليل حتى تغيب، فإذا ما طلعت الشمس راقبها حتى مغيبها. والصورة هنا في
إيحائها بالتواصل الزمني بين الليل والنهار تشي بما كان يكابده الشاعر من مشاعر
الضياع والقلق:
وتستبد بالشاعر نخوة الرجولة، كيف يبكي على من صدّت عنه
وزهدت فيه، بعد ما أبدى حبه لها ورغبته فيها؟:
لكنه غير قادر على نسيانها، فقد أراد التحوّل إلى غيرها،
لكنّ اسمها بقي يتردّد على لسانه فيرّد قلبه إليها. إن لسانه دائم الشكوى والشوق
إليها. فإذا قلبه سجين ينتظر قتله، أو كأنه راهب لاحت له نار الشموع فامتلأ قلبه
حرارة وإيماناً. أمّا الصورة الأولى فإنها توحي إلينا بمشاعر القلق والخوف
الممتزجة بمشاعر حب الحياة المفقودة. وكأن الشاعر يشير بذلك إلى أن محبوبته كانت
الحياة بالنسبة إليه، أمّا وقد فقدها، فإن شعوره بات كشعور المحكوم بالإعدام، وكأن
في الهجر إعداماً له. والشاعر بارع في تركيب هذه الصورة، والعلاقة صحيحة بين
طرفيها. وأما الصورة الثانية فإنها توحي بمشاعر الوله واللهفة والتقديس، وهذه
المشاعر تنتابه كلّما هاج شوقه إلى محبوبته. وقد استطاع الشاعر أن يرسم لنا صورة
هذه المشاعر من خلال العلاقة القائمة بين حاله وحال الراهب. ولكن، هل العلاقة
صحيحة؟ نتساءل: وهل الشاعر إلاّ راهبٌ في محراب الحبّ؟:
وبعد أن يصوّر الشاعر حاله، يتوجه بالخطابٍ إلى محبوبته
معاتباً قسوتها مسترحماً. فقد عانى الكثير من هجرانها، ولو أن قلبه يستطيع الكلام
لحدّثها عن الكثير ممّا عاناه. وإذا كان لا يستطيع الكلام الآن، فطالما كتب إليها
واسترحمها حتّى ملّ كاتبه. أفلا تتّقي الله؟ إنّه أصبح في حالة يرثى لها، يبكي
عليه الأقربون والأبعدون. ويقسم الشاعر لو أن محبوبته أبصرت حاله وهو يتضرع إليها،
يتلهّف إلى لقياها، لأصابها ما أصاب الآخرين من إشفاق لحاله، فتبكي عليه. لقد بات
هو والميت سواءً، فكأنما قد قام نادبه من كثرة العويل والبكاء على حاله. إن
التعبير الانفعالي في هذا القسم، إذا كان يبدو أوضح ما يبدو عليه في البيت الأخير
حيث يقابل الشاعر بين حاله وحال الميت على سبيل المبالغة في تصوير وجده واستثارة
الشفقة، فإنه يبرز في بقية الأبيات في أسلوب التصوير بالحقيقة، إلاّ ما كان من
تشبيه نفسه بالشّنّ الذائب، وهي صورة بدوية عَرَف الشاعر كيف يفيد منها في المقام
الذي جاءت فيه:
وترقّ المحبوبة لحاله، فتدعوه، فيهرع إليها؛ إذ لا غنى
لأحدهما عن الآخر:
بهذا الاندغام بذات المحبوبة ينهي البحتري قصيدته. وكأنه في
هذه الأبيات يقوم برحلة خيالية في عالم الحب، ولكنه خيال قائم على دعائم واقعية: فراق،
فبكاء وحزن، فاستعطاف وصدّ، فانهيار، فوصال. والشاعر في حكاية هذا الواقع يلجأ إلى
أسلوب القصّ، فكأننا، ونحن نقرأ هذه القصيدة، أمام قصة حب لها بداية ونهاية. وهذا
الأمر يسجَّل لصالح البحتري براعة أداء، وصدق تصوير. ويُلاحَظ في تلك القصيدة أنها تدور كلها حول موضوع واحد في
وحدة شعورية، والبحتري في ذلك يتقدم على أبي تمام، وربما كان هذا يعود إلى تفوّقه
في مجال الشعور على أُستاذه، الشعور الذي يصهر في بوتقته كلّ عناصر التجربة
الواقعية مهما كان اختلافها. وإذا بدت الوحدة هنا في الموضوع والتجربة والتصوير،
فإنها أشد ما تبدو في وصف الذئب ووصف الإيوان. أما قصيدته في وصف الذئب فهي من أوّل أشعاره، كما يقول ابنه
أبو الغوث[100]). يقول حسن
كامل الصيرفي، في مقدمة ديوان الشاعر، عن هذه القصيدة: "إنها صورة رائعة من
صور الصراع النفسي من أجل الحياة، استطاع فيها البحتري -على رغم حداثة سنه حين قال
هذه القصيدة- أن يوفّق بين تنسيق أجزائها، واستطاع كذلك أن يعبّر عن أحاسيسه
الباطنية بما يكشف عن نزعته الفنية التي أخذت في النمو بعد ذلك، كما استطاع أن
يدلّ على لمّاحيّته الخاطفة التي تبدو في كثير من شعره، وذلك في قوله حين أطلق
سهمه على الذئب فأصاب قلبه، فكان سريع اللمح حين قال -في صدق تعبير- معناه الذي
يصوّر ما في أعماق القلوب من نوازع متضاربة بقوله: "بحيث يكون اللبّ والرعب
والحقد"[101]). في هذه القصيدة يبلغ التعبير الانفعالي مداه، وذلك من خلال
الاتّحاد الكامل بين الشاعر والذئب. فيصبح الذئب من ثمّ رمزاً لذات الشاعر، وما
مشاعره وخواطره إلاّ مشاعر الشاعر نفسه وخواطره. يقول الصيرفي: "وثمة صورة أخرى استمدّ الشاعر فيها معانيها من
أعماق نفسه، وطابَقَ فيها بين أحاسيسه الظاهرة والباطنة، وهي قصيدته في وصف الذئب
الذي لقيه في طريقه وهو يشقّ البادية سعياً وراء الرزق. ولعلها هي أول خطوطه في
هذا اللون. ففي هذه القصيدة يطابق بينه وبين الذئب، كلاهما يضرب في مجال الصحراء،
وكلاهما جائع. عوامل الشر وعوامل الخوف تنتاب كلاًّ منهما، وغريزة حب البقاء
تستولي على كلّ منهما بالصورة التي تتفق مع لون دفاعه".[102]) يبدأ الشاعر قصيدته بالحديث عن همومه وأحزانه، فيمزج النسيب
بالفخر والغضب، والألم بالفرح والحب.
اجتمعت نوائب الزمان على الشاعر، فبات وحيداً منفرداً، مثله
مثل الذئب في الصحراء الذي سينتهي إلى وصفه فيما بعد. فقد خانه الأحباب وهجروه
ونكثوا وعودهم. ويقابل هذا الموقفَ من الحبيب موقف مماثِل من الأصدقاء، فهم
أيضاً هجروه وعادوه، بل تمنّوا موته:
ولكن الشاعر يبدو متفائلاً، فهو برغم موقف الحبيب باق على
حبّه:
وهو برغم عداء أولئك الرجال له، صامد قويّ مستعدّ لاحتمال
"ثقل كل ملمة". ففي ذلك إِساءة للأعادي:
وما الفخر الذي يعمد إليه إلاّ صورة من صور هذا التفاؤل
والثقة بالنفس:
لكنّ هذا لا يعني أنه لم يكن مرهَقاً من الإِحباط والإخفاق
اللَّذَين مُنِيَ بهما في علاقته بمحبوبته أولاً وبأصدقائه ثانياً. لهذا يحمل نفسه
وحيداً ليلاً طلباً للرزق وسعياً وراءه، وفي هذا السعي وذاك الطلب صورة أخرى من
صور التفاؤل:
وصورة الليل هنا تأتي لتكمّل الإطار الطبيعي للّوحة الحزينة
التي يرسمها الشاعر. في هذا الإطار المظلم صادف الشاعر الذئب، وهو ذئب أغبر اللون
برزت عِظامه من شدة الهزال والجوع، فلم يبقَ منه إلاّ العظم والروح والجِلد. وقد
راح يُصوِّت بأسنان صلبة معوجة من شدة الجوع، كمن أصابه القرّ فارتعدت فرائصه. وله
ذنبٌ طويل يسحبه خلفه، أما ظهره فقد انحنى واعوجّ إشارة إلى الهموم والتجارب
الكثيرة التي مرّ بها ويعاني منها[109]). هذا الذئب بجبروته وقوته، وقد بدا للشاعر ضعيفاً هزيلاً، ما
هو إلاّ رمز لذات الشاعر وقد اتحدت بموضوعها. في هذه اللوحة يرسم الشاعر صورة ذاته
القوية المقهورة، أمّا ملامح القوة فتبدو لنا في صداقته مع الثعالب والأسود من
جهة، وفي إطلاق مشاعره وعواطفه على الذئب من جهة ثانية. هذا الاتحاد الشعوري الذي
يربط الشاعر بالذئب يظهر بوضوح أشدّ في هذين البيتين:
إنّ ما بالشاعر من شدة الجوع هو نفسه بالذئب، وكلاهما منفردٌ
في صحراء "لم تحسس بها عيشة رغد". ويصرّح الشاعر بوضوح أكثر في البيت
الثاني بتشابه ما بينهما، بل باتحادهما فكلاهما بهذه الصحراء ذئب. ولا يقتصر
اتحادهما على هذه النواحي الشكلية، فهما متحدان أيضاً في طبيعة التجربة والمعاناة:
نلاحظ في هذا البيت وفي البيت السابق كلانا بها...) استخدام
الشاعر ضمير المتكلمين نا)، وفي هذا ما لا يخفى على أحد من دلالة على الامتزاج
التام بين الطرفين: الشاعر والذئب. كما في هذا أيضاً، حفاظ على ذاتية كلٍّ منهما،
فلكلٍّ منهما تفرّده الذاتي. وربما كان في هذا الامتزاج بين الطرفين مع المحافظة
على التفرّد، تعبير أبلغ وبيان أعمق. إنهما مشتركان في الحكم الواقع عليهما، ومن
خلال هذا الاشتراك يوحي الشاعر بامتزاجه المتقدم بالذئب. وينتقل البحتري بعد ذلك إلى وصف المعركة التي دارت بينه وبين
الذئب، وما كان من قتله إياه، وإسكات جوعه[112]). قلنا إن الذئب رمز لذات الشاعر، فكيف يصحّ هذا الكلام وقد
قتله الشاعر هنا؟ أيقصد الشاعر قتل نفسه؟ إن البحتري ما قصد قتل نفسه، وإنما أراد
بقتل الذئب تدمير ما أدّى به إلى هذه الحال، وهي حال شبيهة بحال الذئب. فقتل الذئب
في هذه الأبيات تعبير لا شعوري عن رفض الواقع الذي يعيشه الشاعر، واقع القهر
والنقمة والجوع، وفي هذا الرفض تفاؤل بواقع أفضل. ويتجلّى لنا هذا الرفض في تلك
الصور المتلاحقة التي هي تجسيد لما كان يعتمل في نفس الشاعر من قهر. إن نزعة
التشفّي هذه، ليست إلاّ تعبيراً لا شعورياً عن ثورة الشاعر على ما يكابده من
الدهر. وقد ظهرت صور المعاناة والمكابدة هذه في ما أذاقه للذئب، وكأن الشاعر في
ذلك يردّ على الدهر بمثل سلاحه، ولكن في شخص الذئب. وبهذا يبلغ التعبير الانفعالي
عند البحتري مستوى رفيعاً يتقدّم به على أبي تمام. وينهي الشاعر أبياته بمثل ما بدأها، بالشكوى من الزمان،
وبالتصميم على تجاوز واقعه والتفاؤل بالغد المشرق. أمّا إذا مات دون غايته، فعذره
أنه جاهد وطلب الغنى والمجد، ولم يقعد ذليلاً دونهما. والبحتري في ذلك يشي بما كان
مطبوعاً عليه من حبّ للمال وسعي إلى الغنى والمجد.[113]) تتمحور هذه القصيدة حول شعورين متناقضين: شعور الانخذال
والقهر وشعور التفاؤل والتصميم. ويقوم بين هذين الشعورين صراع حاد في ذات الشاعر،
وما الصراع الدائر بين الشاعر والذئب إلاّ صورة لهذا الصراع الداخلي. وتمرّ الأيام وتتوالى المحن على الشاعر، وتزخر جعبته
بالتجارب المسرّة حيناً الفاجعة أحياناً. فيحمل هيكله المتثاقل، ويجرّ قدميه
المشرفتين على عتبات الآخرة، ويقصد إيوان كسرى. وهناك تستيقظ ذكريات الشاعر، فيمرّ
شريط حياته أمام ناظريه متمثّلاً بصورة الإيوان. فيستسلم لمشاعره نادباً نفسه
بتعبير انفعالي لعلّه من أجمل ما حفظه لنا تراثنا الشعري العربي. تظهر أنا) الشاعر واضحة في البيت الأول، وكأنما قصد البحتري
بذلك توجيه الأنظار إليه، حتى إذا ما انتقل إلى تصوير الإيوان عرفنا أن المقصود به
هو ذاته وقد أسبغ مشاعرها على الإيوان:
وينتقل الشاعر بعدها إلى تفصيل همومه وتجاربه، مُظهِراً
تماسكاً وتجلّداً:[115])
وكأنه بذلك يمهّد لوصف الإيوان: إن حاله كحال الإيوان، فهو
متماسك برغم نكبات الدهر كتماسك الإيوان على مرّ الأيام. وتتوالى الهموم على الشاعر، فيتوجه إلى "أبيض
المدائن"، لعلّه يجد فيها ما يخفّف عنه بعض أحزانه[117]).
لقد جمعته بأولئك الأقوام وحدة التجربة، فذهب يقصد بقاياهم معتبراً، لعلّه يجد
فيها العزاء لنفسه الحزينة[118]).
إن هذه الأطلال وقد خلت من سكانها ما هي إلاّ ذات الشاعر وقد أضحى وحيداً بعد ما
مات ربّ نعمته المتوكل، وانفضّ من حوله الخِلاّن. وهنا تجتمع أمام ناظرَي الشاعر
لحظتان، لحظة الماضي بأنسه وسروره وصخبه ولحظة الحاضر بفراغه وسكونه، فيبدو له
الإيوان "بنية رمس" قام فيه مأتم" بعد عرس"[119]). هذه الصورة التي بدا عليها الإيوان للشاعر ما هي إلاّ تعبيرٌ
عن حاله، وتجسيد لصورة ذاته: تعود الذاكرة بالشاعر إلى ماضيه الحافل بالمسرّات،
وتتبدى له حاله في لحظته الحاضرة. هاتان اللحظتان تتجليان في نفس الشاعر فتبرزان في
مشهد الإيوان، إن لم نقل إن الإيوان هو الذي أثارهما فيها. والصورة بلحظتيها توحي
بمشاعر الحزن والأسى التي سيطرت على الشاعر فأعادت إلى ذاكرته صور الماضي السعيد،
فراح يقارن بينها وبين حاضره التعيس. وتظهر للشاعر صورة "أنطاكية" فيفيض في وصفها وصفاً
حركيّاً حيّاً، ما هو إلاّ تجسيد لماضيه السعيد، ماضيه الصاخب بألوان الحركة
والمتع الحسّية[120]). هذه الصلة الشعورية بين صورة أنطاكية وذات الشاعر في لحظة
زمنية ماضية، تتجلّى للشاعر في الزمن الحاضر، فتبدو له في لحظة انسجام شعوري حيّة
ناطقة مستمرة في هذا الزمن:
اختلطت الأمور على الشاعر واندغم الذاتي بالموضوعي والماضي
بالحاضر، فبات الموضوعي ذاتياً والماضي حاضراً، وفقد الشاعر إحساسه بحاضره ورحل
عبر امتزاجه بموضوعه إلى الزمن الماضي ليعيشه من جديد. ها هي ذي الحياة تدبّ
مجدّداً في هذا الماضي، وقد تجسّد في صورة أنطاكية، حتى إن الشاعر نفسه شكّ في صدق
إحساسه. أمّا، وقد تبيّن واقعه، وعادت إلى فمه مرارته، لم يجد الشاعر
سوى الخمرة تنسيه همومه وتخفّف بمذاقها من تلك الحرارة[122]).
وهنا أيضاً يمكننا أن نلاحظ الامتزاج الشعوري بالخمرة، وقد "أفرغت من كلّ
قلب" وباتت "محبوبة إلى كل نفس"[123]).فتختلط
الأمور على الشاعرمن جديد وتطغى لحظة النشوة الماضية على لحظة الألم الحاضرة،
فيخال "كسرى" معاطيه و "البلهبذ" نديمه[124]). كلٌّ من الحاضر والماضي كان شديد التأثير في نفس الشاعر،
الماضي بنشوته وسروره، والحاضر بأساه وآلامه. هذا الاختلاط أفقد الشاعرَ إحساسَه
الزمني، وجعله يتساءل: أهو أضغاث أحلام أم أمانٍ مكبوتة ذلك الذي يتراءى له؟[125])
وفي هذا التساؤل اعتراف ضمنيّ بمرارة هذا الواقع وبطغيانه على كلّ ملذّات الماضي
ومسراته، الأمر الذي يوحي بشدة تأثير آلام الحاضر بالنسبة إلى مسرّات الماضي. ويعود البحتريّ ثانية إلى الإيوان، فيشخّصه مطلِقاً عليه
العواطف والمشاعر الإنسانية. إنه وحيد حزين[126])،
لكنّه برغم ذلك محتفظ بتجلّده[127])،
مشمخرّ.[128]) والشاعر
إذ يسبغ المشاعر الإنسانية على الإيوان، إنما يعبّر عن امتزاجه به. فما آلام
الإيوان هذه سوى آلام الشاعر، وما كبرياؤه وإباؤه وشموخه سوى كبرياء الشاعر وإبائه
وشموخه. وتتداخل مرة أخرى لحظات الزمن الحاضر بلحظات الماضي، فتعود
الحياة تدبّ ثانية في الإيوان[129]). إن حركية الحياة في الإيوان المتجسّدة في اللحظة الحاضرة، ما
هي إلاّ صورة حياة الشاعر الماضية، وقد تجلّت له في لحظة حزن وأسى حاضرة. إن
الشاعر، إذ يضفي على صورة الجماد شيئاً من الحركة الحيّة، كأنما يحاول أن يعود إلى
شبابه، فيضفي بتلك العودة شيئاً من السرور على حاضره الحزين. لحظة الماضي تمثّل النشوة والسرور، ولحظة الحاضر تمثّل الألم
والحزن. الماضي فيه الحركة والحياة والشباب، والحاضر فيه الجمود والفناء
والشيخوخة. ومن تفاعل هاتين اللحظتين ينبع موقف البحتري في الإيوان، بل إن القصيدة
بكاملها تدور حول هاتين اللحظتين. ويتجسّد ذلك صراحة في قوله:
وتطغى أخيراً لحظة الحاضر على الماضي، فيستسلم الشاعر
لواقعه، ويشارك الإيوان بكاءه على ماضيه. وما هذه المشاركة في الواقع سوى تجسيد
شعوري لواقع حال البحتري، واعتراف صريح بانهيار الماضي، وإذعان مرّ للواقع الأليم.
إن البحتريّ، إذ يبكي على الإيوان، إنما يبكي ذاته وقد بات الإيوان رمزاً لها:
هذا، ونلاحظ أن القصور غالباً ما تثير المشاعر الحزينة في
نفس البحتري، وكأنها باتت عنده نظير الأطلال عند الجاهلي. فالأطلال حملت إلى نفس
الجاهليين شعوراً مأساوياً، فإذا القصور عند البحتري تعادل الأطلال رمزاً وإثارة،
فتثير في نفسه مشاعر الحزن والأسى. وفي كلا الموقفين، موقف البحتري من القصور وموقف
الجاهلي من الأطلال، تجسيد للحظتين: لحظة الزمن الماضي المشرقة، ولحظة الزمن
الحاضر الحزينة. ومن تفاعل هاتين اللحظتين في نفس الشاعر تتولّد المأساة وينشأ
الموقف الانفعالي. يبدأ البحتريّ رثاءه المتوكلَ بالوقوف على نهرِ القاطول، حيث
كان قصر "الجعفريّ" فيقول:
أصبح القصر بديل الطلل عند البحتري فبات مثله مهجوراً،
بُدِّل قفره بأنسه، وقبحه بحسنه حتى أضحى في عين الناظر شبيهاً بالقبر. والبحتري في وقوفه على هذا الطلل العصريّ، تقوم في نفسه
مشاعر الحزن والأسى نفسها التي كانت تقوم في نفس الجاهليّ برؤية الطَّلل البدويّ:
في هذا البيت يتجلّى التعبير الانفعالي بوضوح، وذلك من خلال
بروز أنا) الشاعر ممتزجة بـ نا) المتكلمين. وفي موقف الشاعر هذا من القصور تجديد
واضح، فقد جعل القصر بديل الطلل، من غير أن يغيّر هذا الإبدال شيئاً من الموقف
الشعوري. وفي هذا مزج بارع بين التقليد والتجديد. إن البحتريّ يفيد من معطيات الحضارة الحديثة، فيستخدمها
بديلاً من موضوعات تراثية، وفي المقام التعبيري نفسه. ولعلّه في ذلك يتقدّم خطوات
كثيرة على أبي نواس القائل:
يرى البحتري هنا إمكانية استبدال الوقوف على أطلال الحضارة
بالوقوف على الأطلال البدوية. بل إن ما يثيره الطلل البدوي في نفس الجاهلي، بإمكان
الطلل الحضري أن يثيره أيضاً في نفس العباسي. لهذا لم يرَ ضيراً في استبدال القصر
بأطلال البادية، وإن كان لم يدعُ صراحة وجهراً إلى هذا الاستبدال على نحو ما فعل أبو
نواس. وموقف البحتري في ذلك أعمق من موقف أبي نواس، إذ عمد مباشرة إلى التطبيق على
حين بقيت دعوة أبي نواس في حيّز التنظير لم تتجاوزه إلى نطاق التطبيق العملي في
شعره. ممّا تقدّم جميعه، يمكننا أن نلاحظ أن التعبير الانفعاليّ
يطغى على شعر البحتري.وقد يكون لكثرة التجارب دورها في طغيان الشعور على شعر
البحتري. ولا عجب، وقد عاش عمراً طويلاً لم يعش أبو تمام نصفه. إن هذا العمر
المديد كان لابدّ أن يترك أثره البعيد في شخصية البحتري، فتنوء نفسه بثقل التجارب،
وينطلق لسانه بأعذب الشعر وأصدقه. لنقرأ هذه الأبيات، وهي من مقدمة إحدى قصائده:
كان
البحتري، إذاً، يواجه الدنيا بإحساسه وشعوره، لهذا غلب التعبير الانفعالي على
شعره. أما أبو تمام فقد واجه الحياة وتجاربها بعقله، الأمر الذي كان وراء طغيان
الفكر على الشعور في شعره. |