|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:55 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
ب- الانفعال بين الصدق والكذب
إذا كنّا نعالج موضوع التعبير الانفعالي في الشعر وندرس صوره
فيه، فإن الحديث عن الصدق والكذب يعدّ من أهم الجوانب التي ينبغي التعرّض لها في
هذا المقام. أما الصدق الذي نطالب به فهو الصدق الشعوري النفسي، هو
الكلام المنسجم مع أحاسيس الشاعر، وليس الصدق الواقعي النموذجي الذي طالب النقاد
القدماء به الشعراء.[1]) وعلى خلافه يكون الكذب، فهو الصنعة والتكلّف والتقليد، إنه
ما خالف أحاسيس الشاعر الواقعية. والكذب بهذا المعنى ليس الغلو والمبالغة[2])،
فقد يبالغ الشاعر وهو صادق[3]). هكذا فهم عبد القاهر الكذب في الشعر: "وكيف دار الأمر
فإنهم لم يقولوا خير الشعر أكذبه) وهم يريدون كلاماً غفلاً ساذجاً يكذب فيه صاحبه
ويفرط، نحو أن يصف الحارس بأوصاف الخليفة ويقول للبائس المسكين: "إنك أمير
العراقين" ولكن ما فيه صنعة يتعمّل لها وتدقيق في المعاني يحتاج معه إلى فطنة
لطيفة وفهم ثاقب وغوص شديد"[4]). وهكذا فهم كروتشه الصدق في الفن: "بقي علينا أن نقول إن
الصدق الذي يفرضونه على الفنّان -كقانون أخلاقي يقولون إنه جماليّ أيضاً- يقوم هو
الآخر على معنى مزدوج. فأما أن يراد بالصدق ذلك الواجب الأخلاقي الذي يلزمنا ألا
نخدع جارنا، فهو حينئذ غريب عن الفنّان الذي لا يخدع أحداً ما دام يعطي صورة لما
هو قائم في فكره. فإذا كان ما في فكره خِداعاً وكذباً فإن الصورة التي يعطيها له،
لأنها جمالية، لا يمكن أن تكون خداعاً وكذباً. وإذا كان الفنّان كاذباً دعيّاً
خبيثاً، فهو يطهّر ذاته الأخرى هذه حين يمنحها العرض الفني. أما إذا أردنا بالصدق،
في المعنى الآخر، كحال العبارة وحقيقتها، فهو إذ ذاك معنى لا صلة له إطلاقاً
بالتصوّر الأخلاقي"[5]). وعن علاقة الصدق بالواقع يقول مندور: "فالأمر ليس أمر
تقليد أو أمر موضوع يقال فيه الشعر، وإنما هو أمر الشاعر نفسه، فهو إذا كان موهوباً
استطاع أن يصل بقوة خياله إلى أن يخلق في نفسه الجو الشعري الذي يريده، ومتى خلق
هذا الجو استطاع أن ينقل إحساساته إلى أي موضوع وهذا ما يسمّونه بنقل القيم. فهو
إذا كان حزيناً استطاع أن يعبّر عن حزنه بوصف أطلال لم يرها ويأتي هذا الوصف
صادقاً مؤثّراً جميلاً، وعلى العكس من ذلك قد يرى شاعر آخر مئات من الأطلال يحاول
وصفها فلا يصل إلى شيء لأنه غير موهوب، ولأنه لا يملك القدرة على الانفعال ثم على
التعبير عن انفعاله في صيغة شعرية"[6]). *** ب/1-
الحقيقة والصدق
أمّا مظاهر الصدق في الأدب، فقد تحدّثنا عن واحد منها آنفاً
متجلياً في الصورة الانفعالية. لكنّ أبرز مظاهر الصدق الأدبي في الشعر يكمن في
ابتعاد الشاعر عن أساليب التصوير المجازية، واعتماده التقرير، وسوق الخبر على
الحقيقة. من ذلك مثلاً قول أبي تمام متغزّلاً:
ويغلب هذا الأسلوب عند أبي تمام على شعر الغزل، والمقطّعات
منه ونلاحظ في هذا النمط من التعبير سيطرة الوحدة العضوية على
الأبيات، فالأبيات كلّها والقصيدة هنا مؤلفة من أربعة أبيات) تدور حول موضوع
واحد. وينبغي لنا القول هنا إِنّ غلبة التقرير في الأبيات لا يعني
خلوّها تماماً من الصور المجازية، فقد نجد شيئاً من هذه الصور، لكن التقرير يبقى
الغالب. وحتى هذه الصور المجازيّة تمتلك قيمة التقرير لغلبته على الأبيات ولقربها
إلى النفس والأفهام. ولا يخلو شعر البحتري من هذا النمط التصويري، نحو قوله في
وصف البركة:
يظهر التقرير أوضح ما يكون في البيت الأخير، والصورة هنا
توحي بصفتَي العمق والاتساع اللتين تتّصف بهما البركة. والأبيات عامة توحي إلينا
بمشاعر الإعجاب الشديد الذي استولى على البحتري، وقد رأى هذا الأثر العمراني
الحضاري. والغريب في الأمر حقّاً، هو أنّ التعبير الانفعالي يغلب على
صور الحقيقة عند أبي تمام، وقد انفردت بمقطّعات كاملة؛ على حين بقيت صور البحتري
في إطار الواقعية الحرفية، لا تؤدّي وظيفة شعورية في المستوى الذي تؤدّيه صور أبي
تمام. * * * ب/2-
المبالغة والكذب
أمّا الكذب فأبرز أشكاله ما يعمد إِليه الشاعر من مبالغة
وتهويل وخروج على النواميس الكونية العامّة، فضلاً عن الصنعة التي تُعدّ مظهراً
بارزاً من مظاهر الكذب لحيلولتها دون سلاسة أداء المعنى بما تتطلّبه من تأمل ونظر. أما المبالغات فهي كثيرة عند أبي تمام، وبخاصة في مقام
المديح. مثال ذلك قوله في وقعة عمورية يمدح المعتصم:
فجعل المعتصمَ وحده يعادل جيشاً جحفلاً، وللزيادة في
المبالغة جعل لصيته جيشاً من الرعب يتقدّم جيوشه. والمبالغة هنا مقصودة لغاية
إعلاء شأن الممدوح، وهي في هذا المقام تخدم التعبير الانفعاليّ ولا تحول دون جمال
أدائه. ومن مبالغاته أيضاً في مقام المديح قوله:
وهل يشيب الوليد؟. وقد تُستخدَم المبالغة لغرض انفعالي، كأن يقصد بها الشاعر
بيان شدة الحسن، ومن خلال ذلك بيان شدة وجده:
والمعنى نفسه يتكرر على مستوى انفعاليّ أعمق في قوله:
وقد يكون القصد من المبالغة الزيادة في السخرية في مقام
الهجاء، مثال ذلك قوله:
أو بيان شدّة وقع المصيبة في مقام الرثاء نحو قوله:
وانعدام الشبيه صورة تتكرر عند أبي تمام في قوله:
وفي تنزيه أبي تمام موضوعه عن الشبه إعلاء من قيمة هذا
الأمر، ومبالغة في بيان مكانته ووقعه في النفوس. وأبو تمام طلباً للمبالغة في قيمة
موضوعه ما كان يكتفي بتنزيهه عن الشبيه وحسب، وإنما كان ينزّهه عن كلّ وصف. يقول
في الغزل:
ويقول في مدح المأمون:
هذه المبالغات، بخروجها على حدود المألوف والواقع ابتعدت عن
الصدق وما يستدعيه من شعور هادئ عميق. وعند البحتري أيضاً نماذج من تلك الصور التي تقوم أساساً على
المبالغة. ومن الطبيعي أن تكثر هذه الصور عند الشاعر، وهو الذي قدّم الشعور على
الفكر في شعره. فالفكر في اعتماده أساليب المنطق غالباً ما يبتعد عن المبالغات
والتهويلات. وتظهر المبالغات خاصة في مقام المديح، لنقرأ قوله يمدح
المتوكل:
فمجد ممدوحه يفوق[20])
علوّاً النجوم، والجبال الممتنعة تتنزّل خضوعاً له. ولنقرأ أيضاً قوله:
يوازن الشاعر هنا بين فعل الممدوح وفعل البحر. فعطاء الممدوح
كعطاء البحر، بل إنّ البحر نفسه يغرق في هذه العطايا. وفي هذا إعلاء من قيمة
العطايا، ومبالغة في فعل العطاء. ومن صور المبالغة عند البحتري في مقام المديح أيضاً، قوله:
وإذا كانت المبالغة تجد في المديح أرضاً خصبة لنموّها، فإن
الفخر أيضاً غرض تصلح فيه المبالغات. يقول البحتري مفتخراً:
وقد يفيد البحتري من أسلوب الإِضراب في رسم صور المبالغة،
كما في قوله يمدح المتوكل:
يشبّه الشاعر هنا عطاء ممدوحه بالقطر في غزارته وكثرته.
لكنّه رغبة منه في المبالغة في تصوير عطائه، يعمد إلى أسلوب الإضراب وأداته بل)،
ليجعل هذا العطاء مقدَّماً على عطاء القطر وزائداً عليه. وربما استفاد البحتريّ من أسلوب التضادّ للتعبير عن فكرة
المبالغة، كما في قوله:
والملاحظ أن التضاد عنده هنا يقوم على أساس شعوريّ لا فكريّ،
غايته إثبات الفكرة في حال قيام نقيضها. فالسيوف تقطع وهي نواب، والعزمات تضيء وهي
وراء حجاب. والقصد من هذا التضاد، كما هو واضح، المبالغة في بيان شدة قطع السيوف
وشدة إضاءة هذه العزمات. ومن هذه الصور القائمة على التضاد الشعوري، نذكر أيضاً قوله:
والصورة نفسها نجدها في قوله:
إن في كفاية التسليم بالوجه دون الكلام مبالغة واضحة في بيان
جمال هذا الوجه وبشاشته وإقباله على الناس، بل في بيان مكانة هذا الممدوح وعلو
شأنه وسلطانه. وعلى غرار أبي تمام، قد يعمد البحتري إلى تنزيه ممدوحه عن
الوصف طلباً للمبالغة في صفته. يقول مثلاً في هجاء علوة:
ويقول في مدح المتوكل:
إن البحتري في تنزيه هذين الأمرين عن الوصف قد ترك لخيالنا
الحرية في امتلاك أبعادهما وفي هذه الحرية مبالغة واضحة في طبيعة صفاتهما. إن أهم ما يميّز مبالغات البحتري من مبالغات أبي تمام، هو
أنّ هذه جميعاً مستمدّة من الشعور، شعور الإعجاب بموضوعها، لا من الصنعة العقلية.
وقد أشار أحد نقّادنا إلى ذلك معلّقاً على قول البحتري في وصف ذيل الفرس:
يقول الآمدي: "هذا خطأ من الوصف، لأن ذنب الفرس -إذا
مسّ الأرض- كان عيباً، فكيف إذا سحبه. وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض
ولم يمسّها"[31]). فيردّ عليه الشريف المرتضى: "وأول ما نقوله: إن الشاعر
لا يجب أن يُؤخذ عليه في كلامه التحقيق والتحديد، فإنّ ذلك متى اعتبر في الشعر بطل
جميعه، وكلام القوم مبنيّ على التجوّز والتوسّع والإشارات الخفية والإيماء على
المعاني تارة من بعد، وأخرى من قرب، لأنهم لم يخاطبوا بشعرهم الفلاسفة وأصحاب
المنطق، وإنما خاطبوا من يعرف أوضاعهم، ويفهم أغراضهم. وإنما أراد البحتري...
المبالغة في وصفه بالطول والسبوغ، وأنه قد قارب أن ينسحب، وكاد يمسّ الأرض"[32]). أصاب المرتضى وعرف سبيل نقد مبالغات البحتري. فعلى الناقد أن
يعرف أوضاع الشاعر المنقود حتى يكون نقده له مجدياً صحيحاً، أمّا أن نضع القاعدة
ثم نقيس عليها الشعر كله والشعراء كلهم، فهذا ما يتنافى مع روح النقد. وكأنما يشير
المرتضى إلى أن لكل شاعر طريقة خاصة لنقده. وهذه الفكرة واحدة مما يدعو إليه النقد
الأدبي الحديث. هذا، وقد تتجلّى المبالغة في عدة صور أخرى، نذكر منها: 2/أ: أسلوب التفصيل
والتفضيل أسلوب يكثر استعماله عند أبي تمام بشكل خاص، وربما
كان ما يتضمنه هذا الأسلوب من قياس منطقي بين أمرين يفضل أحدهما الآخر، سبباً
رئيسيّاً في هذه الكثرة. يقول أبو تمام:
يوازن الشاعر هنا بين يوم العتاب وأيام الفساد التي كانت بين
طيء في الزمن الأول. لكنّه جعل يوم العتاب أشدّ وقعاً على نفسه وإِيلاماً من أيام
الفساد، برغم ما لهذه من وقع مؤلم.
والشاعر يقصد بهذه المفاضلة المبالغة في بيان أثر عتب ممدوحه في نفسه.
والصورة بطرفيها مجتمعين توحي بشعور الرهبة والألم. ويقول أبو تمام:
في هذه المفاضلة تضادّ واضح، إلاّ أنّه ليس شكليّاً
ظاهريّاً، وإنما هو تضاد نابع من العلاقة التفاضلية القائمة بين المفضل والمفضل
عليه. والغاية البعيدة لهذه العلاقة المبالغة في بيان صفة الشيء، والوصول بها إلى
منتهاها سلباً أو إيجاباً. فكما يُقصد بالمفاضلة بيان وفرة الشيء بالنسبة إلى
قرينه، قد يُراد منها بيان قلّته وخموله. يقول أبو تمام:
ولا يمكننا القول إن هذا الأسلوب التفاضلي يخرج الكلام إلى
الكذب حتماً وضرورة، فقد يكون وسيلة تصويرية لبيان صدق الشاعر وللتعبير عن شعوره
ووجدانه. كما في قول أبي تمام متغزّلاً:
أو قوله معاتباً:
ويبقى الفكر، برغم ذلك، هو الأساس عند أبي تمام في تركيب مثل
هذه الصور، ولعله في الصورة التالية يبدو أكثر وضوحاً منه فيما تقدّم، يقول
مادحاً:
ولنا أن نتخيّل طبيعة هذه الإضاءة الوهمية، لنقيس إليها فيما
بعد ضوء القمر... والبحتري، هو الآخر يُعنى بهذا الأسلوب. يقول مادحاً:
وله أيضاً:
وقد يصرّح البحتري بفعل التفضيل مستغنياً عن أسلوبه، كما في
قوله:
هذه الصور كلها قائمة على الإيحاء بالمبالغة في صفة موضوعها،
لكنّ القياس الفكري والشعوري بالنسبة إلى صور البحتري يكاد يكون مفقوداً. فالبحتري
يبدو لنا أكثر محافظة على شكلية القياس وحرفيته، دون أن يضمّن هذا القياس فكرة أو
شعوراً على نحو ما رأينا عند أبي تمام. وما تقدُّم هذا على البحتري في رأينا إلاّ
لعنايته بمعانيه، الأمر الذي جعل مفاضلته أكثر تأثيراً في النفس وأحسن قبولاً من
المتلقي. 2/ب: أسلوب النفي:
وقد يعمد الشاعر في قياسه بين طرفي الصورة إلى نفي الصفة عن
أحدهما رغبة منه في المبالغة في نسبتها إلى الطرف الآخر. يقول أبو تمام:
يوازن الشاعر في هذا البيت بين آكل الهبيد وآكل الحنظل، ثم
ينفي معاناة الأول بالنسبة إلى معاناة الثاني على سبيل المبالغة في تصوير معاناة
هذا الأخير. والمعنى الذي يقصده أبو تمام من علاقة الطرفين، بحسب المعرّي، هو
"أن بعض الشر أهون من بعض"[43]). ومن صور المبالغة المنفية عند أبي تمام أيضاً قوله في وصف
الحرب:
إن الحكيم يصبح غير حكيم، وطير العقل تصبح غير جثوم بعدما
حلَّت محلّها طيور الموت. وهذا كله غايته المبالغة في وصف شدة الحرب وفعلها في
الناس. ولعلّ المبالغة أوضح في قوله:
وقوله:
ففي قياسه ما ضُمّن صدره إلى ما ضُمِّنت صدور الغانيات من
الحلي، وتقليله من قيمة الثاني بالنسبة إلى قيمة الأول، مبالغة في بيان قيمة هذا
المُضمَّن في صدر ممدوحه. كما أنّ في نفيه النسبة أو الوصف عن قدّ محبوبته مبالغة
واضحة في بيان شدة جمال هذا القدّ بالنسبة إلى جمالها العام المنتسب للناظرين. هذا، وبإمكاننا إرجاع هذا الأسلوب التصويري بمظاهره ومضامينه
التهويلية إلى معاني التفضيل، فالشاعر في نفيه الصفة عن أحد طرفي الصورة إِنما
يفضّل الطرف الآخر عليه. كما يمكننا أن نستشف من هذه المفاضلة المنفية صورة من صور
التضاد، والتضاد هنا قائم بين منفي ومُثبَت. إنه تضاد موحىً به من خلال العلاقة القائمة بين طرفي الصورة،
بين التضمين وعدمه في الصورة الأولى، وبين الانتساب وعدمه في الصورة الثانية. وفي
ذلك كله تركيب فكري يقوم على العلاقة المنطقية العقلية بين الطرفين. وربما قصد الشاعر بأسلوب التصوير المنفي التعبير عن شعوره
ووجدانه، مثال ذلك قول أبي تمام يصف الأطلال:
أو قوله يصف غيثاً:
كيف يكون الوشي بغير وشي، والعصب بغير عصب، والغروب بغير
غروب؟ إن الشاعر يقصِد إلى أبعد من الحدود الشكلية للصورة، إنه
يقصد الإيحاء بشعور البهجة والإشراق المسيطِر عليه لرؤية صورة الطبيعة المخضلّة
بقطرات المطر، وهي صورة طالما أثارت في نفس الشاعر مثل هذه الانفعالات. فهو وقد
امتلأت نفسه حبوراً بهذا المشهد امتزجت الأبعاد والأضداد في لا شعوره في وحدة
انفعالية، فتهيأت له هذه الصور بالقوة برغم انعدامها بالفعل. وإذا كنا نجد عند البحتري بعض الصور القائمة على النفي، فإن
علينا أن نلاحظ أن هذا النفي يختلف تماماً عمّا هو عليه عند أبي تمام. يقول
البحتري في وصف السيف:
وله أيضاً:
إن هاتين الصورتين تقومان على المبالغة، لكنّ الملاحظ أن هذه المبالغة شكلية تظهر في
الصفة دون أن يكون هناك قياس بين طرفين. والمقصود من هاتين الصورتين المبالغة في
بيان مضاء السيف وصقله في الشاهد الأول، وبُعد الغاية وكرم الممدوح في الشاهد
الثاني. والشاهدان كما يبدو لنا يقدّمان هذه الأفكار في قالب تقريري لا تصويري،
يُستخدم فيه النفي استخداماً شكلياً لأداء معنى المبالغة وحسب. لكنّ البحتري قد يعمد في بعض صور النفي هذه إلى القياس، كما
في قوله:
فيقيس قطع لسان الواشي بقطع السيف، ثم يسمو بالسيف عن أن
يداني بقطعه لسان الواشي على سبيل المبالغة في بيان شدة قطع هذا الأخير. ولنلاحظ
أن الصورة هنا تقوم على القياس بين فعلين القطع)، وفي هذا التركيب ذهنية واضحة. هذا، ويبقى أثر الفكر أخف وطأة على هذه الأبيات منه على
أبيات أبي تمام. ويبدو هذا الأمر واضحاً من طريقة تركيب كلّ من الشاعرين صورته،
ومن وقع هذه الصورة على نفس المتلقي. ويبقى أن نلاحظ أخيراً بروز الصنعة في هذا
النمط التصويري، فهو قريب من المطابقة والمقابلة وما يسمّى بالتفريق[52])
في علم البديع. 2/جـ: صورة العدد
وقد يفيد الشاعر من الأرقام العددية للمبالغة في صفات
موضوعاته. فإذا أراد أبو تمام تصوير مبلغ حزنه، "بكى دماً عدد الحصى"[53])،
وإذا أراد تصوير مبلغ قوة ممدوحه جعلك:
وإذا كان العدد هنا غائباً غير محدّد، فإننا نجد الشاعر في
بعض الأحيان يميل إلى التحديد فيعدل الواحد بألف، كما في قوله:
وفي هذه الصور مبالغة واضحة في صفات موضوعها. وقد يذهب
الشاعر إلى أبعد من ذلك في طلب المبالغة فيجرّد موصوفه عن العدّ:
وفي هذا التجريد مبالغة بعيدة، فضلاً عن التجسيد والتركيب في
الصورة. وتبدو الصورة العددية أدقّ تحديداً عند البحتري، فهو لا
يكتفي بأن يجعل موصوفه مجرّداً عن العدّ، كما في قوله:
وإنما يذهب إلى أبعد من ذلك، فيسمو به على العدّ:
وإذا كان أبو تمام قد بكى عدد الحصى، فإن البحتري في عدّه
يتجاوز بموصوفه عداد حصى البطحاء:
ويذهب البحتري مذهب أبي تمام في التحديد، فيعدل الواحد بألف:
لكنّ التحديد عند البحتري يبقى أدقّ منه عند أبي تمام، ويبلغ
غايته في قوله مفتخراً:
كان أبو تمام أشدّ احتفالاً بالمعنى من البحتري، لهذا السبب
نجده لا يعنى بالتحديد العددي الشكلي. وعلى خلافه كان البحتري، فما استطاع برغم
تحضّره التخلّي عن هذه الشكلية. وإذا كان هذا الأمر يُعَدُّ مأخذاً على البحتري من جانب،
فإنه يُسجَّل له من جانب آخر. فقد استطاع بهذا التحديد أن يتفوّق على أبي تمام في
المبالغة. فالمبالغة في صور البحتري العددية كانت أشد منها في صور أبي تمام، ولعلّ
السبب الرئيس في ذلك يعود إلى التحديد الشكلي الذي عددناه في أحد جوانبه مثلباً
يؤخذ عليه البحتري. 2/د: صورة العدم
وهي تلحق بصور النفي، إِذ إِنّ الشاعر يعمد فيها إِلى نفي
الوجود كلّه عن موصوفه. وفي هذا رغبة ظاهرة في المبالغة. أراد أبو تمام تصوير تعلّقه الشديد بممدوحه، وشعوره بالضياع
لابتعاده عنه فقال:
انعدم وجوده لغياب ممدوحه، وفي هذا مبالغة ظاهرة في بيان شدة
تعلّقه بهذا الممدوح، فضلاً عن الاتحاد الشعوري الذي توحي به الصورة: لقد أصبحا
واحداً، فغياب طرف يحتّم غياب الآخر. وتظهر صورة العدم في مقام الغزل، فإذا أبو تمام من شدة الوجد
لا يُرى له ظلّ:
وإذا محبوبه سمِيُّ المجهول:
والعموم والخصوص من كلام المناطقة، وكذلك الأمر في صورة
المجهول والمعلوم. وقد يبلغ الوجد بالشاعر مبلغه، فيمتزج الحس بالفكر عنده
وتضيع الحدود بينهما، وينخطف في لحظة اتحاد صوفية بالمحبوب إلى عالم آخر علوي.
فمحبوبه منزّه عن الرؤية، لهذا فإنّ احتواءه بالظنون مستحيل. ولنا أن نتخيّل
العلاقة بين العين والظن:
وبرغم ذلك، يبقى أثر الفكر بارزاً في تلك التقسيمات المنطقية
العلمية، بالإضافة إلى صورة الاحتواء بالظنون. وقد نجد صورة العدم أيضاً عند الشاعر في مقام الهجاء. فإذا
ما أراد أبو تمام المبالغة في الهجو، جعل مهجوّه في الوجود "لا أحد":
وهذا، أشدّ وقعاً على مهجوّه من أي كلام يقال ومن أيّ إقذاع
قد يعمد إليه؟. وهل هناك أشد إقذاعاً من أن يُجرِّد المهجو من كلّ صفة، بله من
الوجود كله؟. وله في الهجاء أيضاً:
وربما أفاد أبو تمام من صورة العدم المتناهي هذه ليقيس بها
نقيضها مبالغاً في صورة هذا النقيض. يقول في المدح:
كل مخلوق فان، ويحيى مخلوق، فيحيى فان، وبفنائه يفنى نواله.
إن نوال هذا الرجل ما كان ليفنى لولا يقين الشاعر بحتمية فناء الإنسان. وفي هذا
إشارة بعيدة ومبالغة موفقة في بيان كثرة هذا النوال مع دوامه. وتقف صورة الكلّ عند أبي تمام في مواجهة صورة العدم، كما في
قوله متغزّلاً:
جمع هذا المحبوب كلَّ صفات الحسن، فما تفرّق منها في الأنام
هي له كلُّها. وفي هذا مبالغة ظاهرة في شدة جمال هذا المحبوب. بقي أن نقول إنه برغم اللمحات الفكرية البارزة في الأبيات
المتقدمة، وبرغم التضاد الذي تشي به العلاقة بين أطراف الصورة، يبقى الجانب
الانفعالي هو الغالب عليها، مما يدفعنا إلى القول بأن المبالغة في هذا المقام كانت
بقصدٍ شعوري وجداني لا تهويلي صناعي. وهذا لا ينفي قيام هذه الصور على أساس فكري،
ولعلّ هذا هو السبب في قلة نماذجها عند البحتري. يقول هذا الأخير في معرض مدحه للمعتز بالله، مُعرّضاً ببُغا
شامتاً به:
ويقول في مدح الفتح بن خاقان:
إن البحتري يعمد في الشاهد الثاني إلى المبالغة في صفة حسن
أخلاق ممدوحه، وذلك عن طريق قياسها إلى صورة انعدامها في سواه. وفي الشاهد الأول
أيضاً يفيد من صورة العدم حلم من الأحلام) للمبالغة في صورة فناء بغا وجماعته.
والتضاد والفكر واضحان في تركيب هاتين الصورتين عند البحتري. لكن صور العدم عند أبي تمام تبقى أوضح وأجمل منها عند
البحتري. أما السبب في ذلك، فإنه يعود -في رأينا- إلى النفحة الوجدانية التي سكبها
أبو تمام من شعوره على هذه الصور، بخلاف البحتري الذي حافظ في صوره على وظيفتها
الشكلية بقصد المبالغة، دون أن يضمّنها أبعاداً أخرى. 2/ هـ: صورة الجزء
وهي الأخرى من صور المبالغة ذات الأصول الفكرية. ولعلّ أبا
تمام انفرد بها عن تلميذه البحتري. ألم يتعمّق في ثقافات عصره وعلومه، وينهل من
معين الفكر والفلسفة؟ والجزء والكل من قضايا الفكر والفلسفة. يسيطر الحزن على أبي تمام ويملأُ عليه كيانه، فلا يجد أفضل
من صورة الجزء يعبّر بها عن مبلغ حزنه وأساه:
وإذا ما أراد التعبير عن شدة جمال محبوبه، لم يجد أفضل من
صورة الجزء. ففي كل جزء من محاسن هذا المحبوب أجزاء من الفتن:
ولنا أن نتخيّل طبيعة تلك الجواهر والأجزاء والبدع. ولنلاحظ
أيضاً الأثر الديني بارزاً في صورة الأنصار. فأبو تمام يعرف ببراعته وذكائه كيف
يُخضع علومه وثقافته على تنوّعها، لفنّه وشاعريته. والأبيات المتقدم ذكرها شديدة الشبه التصويري بأبيات أخرى في
الموضوع نفسه لأبي تمام:
هنا أيضاً تظهر صورة الجزء والواحد والفرع والأصل، وهي كلّها
قضايا فكرية، استطاع أبو تمام أن يخضعها لفنّه، فامتزج فيها العلم بالفن، والفكر
بالشعور. وتنتقل صورة الجزء مع أبي تمام إلى مقام الهجاء أيضاً، فنراه
يسخر من مهجوّه مبالغاً في نعته باللؤم قائلاً:
إنّ لؤم عيّاش بلغت شدته ولصوقه بنفسه أن أصبح ديناً يدين به
صاحبه، وكأنّه من أديان التوحيد. وفي هذا إشارة إلى مبلغ لصوق اللؤم بنفس عيّاش:
فهما واحد. وصورة "البعض" في جوهرها لا تخرج عن صورة الجزء،
كلاهما يقفان في صفّ واحد في مواجهة صورة الكل. وإذا كان أبو تمام قد استخدم الجزء
في الشاهد السابق للمبالغة في بيان مقدار لؤم مهجوّه، فإن صورة البعض عنده تُستخدم
للمبالغة في التقليل من شأن مهجوّه، وكأن هذه الصورة أحد أشكال التعبير العدمي. يقول أبو تمام في هجاء ابن الأعمش:
ويقول في هجاء عيّاش أيضاً:
هذا، وعلينا أن نلاحظ أن صورة الجزء عند أبي تمام، إذا كانت
ذات أصول فكرية فإنِها لا تخرج عن الإطار الانفعالي للتصوير. وإذا ما انتقلنا إلى البحتري، فإننا نلاحظ أن صورة الجزء
الفكرية تكاد تكون مفقودة عنده. فقد استخدم الشاعر هذه الصورة، ولكن من غير أن
تؤدّي ما أدّته عند أبي تمام من وظيفة فكرية انفعالية. يقول البحتري معزِّياً أبا
نهشل عن ابنته:
ويكفينا
أخيراً أن نقول ونحن نختم هذا الفصل: إنّ
البحتري تقدَّم على أبي تمام في التعبير الانفعالي دون أن يتأخّر عنه في
المبالغة. وإِن أبا تمام، وإِن كان الفكر يغلب على فنه، للشعور مجال كبير في شعره،
ولعلّه تقدّم في هذا المجال على البحتري في صور المبالغة. [1]) انظر: الشعر العربي بين
الجمود والتطور للكفراوي 201، والأدب وفنونه لإسماعيل 141، وشرح ديوان الحماسة
للمرزوقي 1/9. [2]) هذا ما فهمه القدماء من
الكذب. انظر: شرح المقدمة الأدبية لابن عاشور 98، وعيار الشعر لابن طباطبا9. |