|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:56 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الصورة
والحس
إن الأساس الذي تقوم عليه دراستنا للصورة الحسيّة وثيق الصلة
بالطرف الثاني منها، وهو طرف محسوس حتماً. فهو الرديف الحسّي للتجربة الواقعية
الحيّة التي يعيشها الشاعر، سواء كانت هذه التجربة أحِسيّةً أم معنوية. تلك الصورة
الحسية المستدعاة هي موضوع دراستنا وهي التي سنعنى بتحليلها في هذا القسم، محاولين
البحث في طبيعتها وسبر دلالاتها وخلفياتها الرمزية في نفس الشاعر. آ- الصورة والحواس
سندرس في هذا القسم علاقة الصورة بكلّ من الحواس الخمس. وقد
رتّبنا جزئيات الدراسة بحسب قيمة كل من هذه الحواس، فبدأناها بالصورة البصرية
فالسمعية فاللمسية فالذوقية فالشمية، لننهيها بما يسمى بالصورة المتراسلة حيث
تتداخل الحواس فيرى الشاعر ما هو مسموع، وقد يلمس ما هو مشموم. آ/1-
الصورة البصرية
البصر أدقّ الحواس حساسية وتأثراً بالواقع المحيط، فعن طريق
العين يكون الاحتكاك مباشراً بموضوع التجربة، بل إنّ هذه أسبق الحواس إلى إدراك
هذا الواقع. والطائيان، وهما شاعران مبصران، كان لا بدّ أن تحتلّ هذه الصورة مكانة
هامة وبارزة في شعرهما، عن طريقها يعبّران عن أفكارهما ويرسمان صورهما. 1 / آ : الصورة اللونية
واللون أهم ما يستثير البصر ويجذبه. وقد أفاد كلّ من
الطائيين ببراعة من هذا الجانب في رسم أجمل اللوحات وأروعها معبِّرين به عن
أفكارهما تارة وعن شعورهما تارة أخرى وعن إدراك حسّي تارة ثالثة. ويحتلّ اللونان الأبيض والأسود مكان الصدارة بالنسبة إلى
الصورة اللونية التمّامية. أما الأبيض فهو عنده رمز الإشراق والعطاء والصفاء
والشرف:
وأما الأسود فهو رمز القوة تارة:
ورمز
للعار تارة أخرى. يقول في ذمّ الأفشين وبابك ومازيّار:
ومن الطبيعي أن يرتبط السواد بالموت، فللموت وجوه سود[4])
وسيف أسود[5]). وقد يستخدم
أبو تمام هذا اللون للإيحاء بحالة شعورية:
إنه شعور بالإحباط واليأس والحزن، أوحاه إلينا الشاعر من
خلال الصبغ الأسود الذي اصطبغت به أيامه. وهو شعور شبيه بذلك الذي يوحيه إلينا في
قوله:
فاللون الأسود عند أبي تمام، ومن خلال الأمثلة المتقدمة، ذو
قيمة سلبية بشكل عام. إنه رمز لكلّ ما هو مثير ومعادل للمشاعر والقيم السلبية. وقد يُخضع أبو تمام هذين اللونين[8])
لفكره، فيستخدمهما معاً معبّراً بذلك عن فكرة التضاد التي طالما أولع برسمها. فإذا
السواد يصبح بياضاً والبياض يصبح سواداً، وكأن اللونين مشتقان بعضهما من بعض ولا
علاقة تضاد بينهما أصلاً. يقول عبد العزيز سيد الأهل: "إذا كان الضوء على قدر
الحاجة انفتحت له العين واهتدت إلى السبيل، فإن سطع وبهر اختبأت الحدقة وراء
الجفون وضلّت الطريق، وارتدّ هذا البياض سواداً، أو صار كالسواد الذي لا يُرى فيه
شيء".[9]) فالسواد،
والحال هذه، بياض مبالغ فيه. لقد أعجب الشعراء العباسيون المحدثون بهذا المعنى الفلسفي
فذكره ثلاثة من أعلامهم: أبو نواس والمتنبي وأبو تمام[10]).
يقول الأخير:
يشرح عبد العزيز سيّد الأهل هذا البيت فيقول: "يريد ذلك
المعنى الفلسفي، وهو أنّ الإشراق في ممدوحه اشتدّ فسطع وبهر حتى عشيت العيون فيه
فلم تره، فصار كأنه سواد، ولكن الأدب يترك هذا التوضيح لئلا ينزل عن منزلته وجودته
الأدبية، فيشير له إشارات".[12]) إلى هذا المعنى الفلسفي قصد أبو تمام في مطابقته بين البياض
والسواد في معظم شواهده:
ويبدو لنا البحتري أشدّ عناية من أبي تمام باللون الأبيض، بل
إنّ هذا اللون عنده مقدّم على كلّ الألوان[14]).
وهو عنده أيضاً رمز العطاء والشرف والإشراق. يقول:
نلاحظ في البيت الأول الشبه الشديد بين صورة بيض العطايا)
وصورة أبي تمام بياض العطايا)[16])،
الأمر الذي يدفعنا إلى التخمين بالسرقة أو التأثر. كما يمكننا أن نلاحظ في البيت
الثاني الروح الانفعالية التي أفاضها الشاعر على الصورة كلّها. هذا المستوى
الانفعالي ظاهر في علاقة وجدهم باليأس) بوجد الأم بالولد). ويحتلّ اللون الأسود المرتبة الثانية بعد الأبيض عند البحتري[17])،
وهو عنده أيضاً يرمز إلى العار:
ويلوح لنا السواد في بعض صور البحتري في إطار الحرفية
النسخية. يقول في الليل:
لم يقصد بهذه الصورة أكثر من أن يصف الليل بشدة السواد، هذا
ما قد يبدو لنا للوهلة الأولى، فإذا ما عدنا إلى سياق الصورة تبيّن أمر آخر.
فالصورة وحدها مستقلة عن سياقها لا توحي بغير المعنى الحسي النسخي للسواد، لكنّها
في سياقها تقوم بوظيفة انفعالية مهمة لا يمكن الاستغناء عنها في أدائها: فالليل
الأسود سواد الغراب ما هو إلاّ رمز إلى نوب الزمان التي كان البحتري يقارعها بهمته
وعزيمته:
وتلحق صورة الشحوب بصورة السواد عند البحتري، بل إنها تلتقي
بها من حيث المعنى المرموز إليه أيضاً:
والأمر نفسه يمكننا قوله في السُّحمة:
وقد يلتقي البياض بالسواد في وحدة ضدّية عند البحتري أيضاً،
لكنّ اجتماع هذين اللونين معاً عنده لا يعدو كونه طباقاً شكلياً، ليس الهدف منه
الإيحاء بذاك المعنى الفلسفي الذي وجدناه في صور أبي تمام. مثال ذلك قوله:
وحتى حين يعمد إلى توليد البياض من السواد أو السواد من
البياض، فإنه يبقى بعيداً عن المعنى الفكري البعيد، وأقرب إلى الحرفية الحسية.
يقول:
وربما استخدم البحتري لوناً هجيناً هو مزيج من السواد
والبياض، إنه لون البُلْـقَة:
يقول المعريّ: "والمعنى أن الناس ربّما كانوا مثل
آبائهم، وربما خالفوهم في الشيم"[26]). إن عناية الطائيين بهذين اللونين مفردين تارة ومركَّبين تارة
أخرى، تحمل في أعماقها دلالة نفسية بالنسبة إلى الشاعرين من جهة، ودلالة رمزية
معنوية بالنسبة إلى الموضوع المصوّر من جهة ثانية. أمّا عن علاقة هذين اللونين
بالرمز الذي استُخدِما له فهي علاقة صائبة. يقول إبراهيم دملخي عن رمزية اللون
الأسود: إنه "لون الليل والحزن، ولون الإبادة. ورمز الأسود على الأخص إلى
الموت وعالم الأموات.. وكان الأسود شعار العباسيين"[27]).
ولا ندري مستوى العلاقة بين السواد وعباسية الشاعرين. ويتابع إبراهيم دملخي حديثه
عن القيمة التعبيرية للسواد فيقول: إنه "لون الحزن... السواد يعني الليل
والظلام والعمق. ويعني الغدر والعداوة والسرّ والشيء المجهول"[28]). هذه الصفات الرمزية التي يحملها السواد تكاد تنطبق تماماً
على ما رمز إليه الطائيان به في صورهما المتقدمة، وإن كنا نرى أن التطابق أشد بين
هذه الصفات وبين ما قصد إليه أبو تمام بالسواد. أما المعاني النفسية التي توحي بها العناية بالسواد، فإنها
معان متناقضة. فهي تارة تشير إلى التكدر والقلق والفزع وعدم الجرأة وفقدان القوة
والأمل، وتارة أخرى تشير إلى التحدي والعناد والقوة والقدرة وعزة النفس[29]).
ونحن إذا كنا نجد في عناية أبي تمام بالسواد صورة لذاك التناقض الصارخ في ذاته،
فإننا نرى في عناية البحتري به دلالة على نفسه القلقة الحزينة. وما قلقها وحزنها
إلاّ بسبب طموحها غير المشبع. وعن رمزية البياض يقول صاحب كتاب الألوان: "إنه لون
النور المستقيم غير المكسور. ويرمز إلى الاحتفال والسرور... وارتدى المؤمنون
المسلمون ثياباً بيضاءَ دلالة على الطهارة والصفاء والإيمان، وبخاصة الحُجّاج.
واتخذ الأمويون الأبيض شعاراً لدولتهم، دلالة على النية السليمة والأمانة والصدق
في متابعة رسالة الإسلام والعمل على نشرها. ويرمز الأبيض إلى لون لباس الملائكة
والحوريات، ولون الحليب الأصل الصافي وطيبة الأخلاق) ولون اللبن الذي يجري في
أنهار الجنّة. وليست العمامة البيضاء التي يلبسها الإمام، إلاّ شعاراً للرشاد
والحكمة والصدق"[30]). ويقول عن القيمة التعبيرية للأبيض: "الأبيض يعني
النقاوة وعدم التحديد. الأبيض يعني البداية والأسود يعني النهاية"[31]).
وفي علاقة التضاد القائمة بين الأبيض والأسود فيما ذكرناه من نماذج للطائيين،
وبخاصة لأبي تمام، إشارة إلى هذا التضاد القائم بين البداية والنهاية، أليست
البداية نهايةً لأمر سابق، والنهاية بداية لأمر لاحق؟ أما المعنى النفسي الذي توحي به العناية بالبياض، فيقول عنه
إبراهيم دملخي: "ويمثل الأبيض النظافة والطهارة الملائكية".[32])
فلا عجب، إذاً، إن أحلّ البحتري اللون الأبيض مكان الصدارة بين الألوان، وهو
البدوي صافي السريرة والذهن، وإن رأى أبو تمام في البياض سحراً يميّزه من بقية
الألوان:
ويأتي اللون الأحمر في المرتبة الثالثة من قائمة التسلسل
اللوني عند البحتري[34]).يقول
متغزلاً:
ويقول في وصف الفرس:
ويقول في الحرب:
والحمرة عنده مختلطة بلون الذهب:
فالحمرة عند البحتري ذات معنيين متناقضين، فهي تارة رمز إلى
القوة والرهبة الفرس والحرب)، وتارة ثانية رمز إلى الحب والجمال وجه المحبوبة). ويكاد أبو تمام لا يبتعد في استخدامه الحمرة عن هذين
المعنيين. يقول في وصف جمال خدَّي محبوبته:
ويقول أيضاً:
يقول التبريزي: "الجريال ليس بعربي في الأصل... وقيل
إنه صبغ أحمر، وقيل ماء الذهب. والشعراء يستعملونه في معنى الخمر"[41]). إن هذا الكلام ينقلنا إلى ما ذكرناه عن اقتران صورة الخمرة
بالذهب عند البحتري. فأبو تمام أيضاً تختلط عنده الحمرة بلون الذهب، وربّما قصد
الاثنين معاً. أما معاني القوة فهي غالباً ما تظهر في صور الحرب. يقول أبو تمام في
وصف رمحٍ:
ويقول في حروب أبي سعيد:
وارتباط الحمرة بصورة الحرب يجعلنا نرى فيها عند الشاعر
رمزاً إلى الموت، وقد استخدمها هو نفسه في هذا المعنى بقوله:
وقد نجد أبا تمام يرمز بالحمرة إلى معنى آخر، معنى المرض
والعِلّة. لكنّه ببراعته استطاع أن يحوّل هذا المعنى السلبي إلى معنى إيجابي، فيه
الكثير من التعبير الانفعالي:
ونتساءل، ونحن نتحدث عن اللون الأحمر، عن طبيعة هذه الحمرة،
فللحمرة درجات: أيّ هذه الدرجات اللونية قصد إليها الشاعر ووجّه إليها عنايته؟ إن
عودة إلى الشواهد السابقة تضعنا على الجواب، فالمقصود بالحمرة الأحمر القاني لا
غير. وقد أشار أبو تمام إلى هذا القنوّ في غير موضع، كما في قوله يصف قتلى عمورية:
وربما قصد البحتري أيضاً إلى هذا القنوّ في الحمرة، كما في
قوله يصف الخمرة:
ونترك الطائيين لنبحث عن رمزية اللون الأحمر بحسب معطيات
العلم الحديث، محاولين المطابقة بين هذا الرمز واستعماله عند الشاعرين. يقول
إبراهيم دملخي: "كان اللون الأحمر يمثّل لون الدم الذي يعني الحياة بالنسبة
للإنسان والحيوان. فالأحمر يرمز إلى القوة والشباب المتفجر حيوية. ويدلّ على النار
وبالتالي على الحب الحارق. ويذكّر اللون الأحمر بلون الشمس المشرقة والشمس
الغاربة. وهو أقوى الألوان لفتاً للنظر"[48]). والطائيان لم يخرجا في استعمالهما للحمرة عن هذه الرموز
المشار إليها: القوة، والشباب المتفجر في صورة الفرس)، والدم- الحياة في صورة
الموت- موت الأعداء الذي هو حياة الممدوحين)، والحب الحارق صورة المرأة). وعن قيمة الأحمر التعبيرية يقول صاحب الألوان):
"يتميّز بقوة إشعاعه اللافتة للنظر وقابليته للحركة وتميُّزه بصفات عديدة.
وفي الماضي لم يُسمَح لأحد سوى للطبقة الحاكمة بارتداء ألبسة حمراء... والأحمر
يعني الحب الروحي..."[49]). لهذا
اقترنت الحمرة عند الطائيين بمديح ذوي الجاه والسلطان، وبالغزل، وبتصوير القوة
الحركية. أما الخلفية النفسية التي ترمز إليها الحمرة، فيقول عنها
إبراهيم دملخي: "فالأحمر لون الأشخاص المتّصفين بقوة الشعور. وهو لون حيّ
وحركيّ... وللّون الأحمر قوة روحية كالنار، يعني سموّاً في الأخلاق وميلاً إلى
السيطرة وإلى نوع من الأنانية... ويعني الثقة المطلقة بالنفس"[50]). حقاً، قد كان كلٌّ من الطائيين أنانياً محبّاً لذاته. وعلى
حين برزت هذه الأنانية عند البحتري في الطمع وحب المال، نجدها عند أبي تمام ظاهرة
في نزعة الاستعلاء والقوة والأرستقراطية التي طبعت نفسيته. وقد يقترن اللون الأحمر بغيره من الألوان، فيتخلّى حينئذ عن
رموزه ودلالاته ويكتسب رموز اللون القرين، إذ إنّ هذا اللون غالباً ما يكون هو
اللون المفضّل في الحقيقة. يقول إبراهيم دملخي: "وأغلب الأشخاص الذين يفضّلون
اللون الأحمر، يفضلون لوناً آخر معه. وغالباً ما يكون هذا اللون الثاني هو اللون
المفضّل في الحقيقة"[51]).نلاحظ في
آخر شاهد ذكرناه اقتران اللون الأحمر بلون الذهب. أما اللون الذهبي فهو "لون
الحق والطريق المستقيم، ولون الذكاء والإخلاص... ويرمز إلى العظمة
والفخامة..."[52]). وهو "لون الإشعاع، ويعني الغنى والسيطرة"[53]).
هذه الرموز والدلالات اكتسبها اللون الأحمر من خلال علاقته باللون الذهبي. ولا
كبير خلاف بين ما ذكرناه عن صورة الحمرة عند البحتري، وبين المعنى الجديد المكتسب
من علاقة الاقتران اللوني بالذهب. لقد أصبحت الحمرة بهذا الاقتران رمزاً إلى العظمة والفخامة،
ودليلاً على الغنى والسيطرة. وهذا واضح، سواءٌ في ما ذكرناه من صور الحمرة أم في
صور الذهب. وربما استعار اللونُ الأحمر رمزيةَ السواد اللوني، وذلك عبر
علاقة الاقتران بينهما. يقول البحتري في رثاء المتوكل:
إن البحتري لا يستخدم في هذه القصيدة إلاّ ما يدلّ على
السواد المطلق، فإذا استثنى واستخدم لوناً آخر كان ذلك اللونُ هو الأحمر، لكنه
مستخدم بدلالة اللون الأسود. وفي علاقة الحمرة بالموت أكبر دليلٍ على ما ذكرنا،
وقد بينّا آنفاً علاقة هذا اللون بالدم الذي يعني الحياة، وعلاقة ذلك بصور الموت. هذا الاقتران بين اللونين الأحمر والأسود لرسم صورة الموت،
نجده عند أبي تمام أيضاً في قوله:
وقد يظهر هذان اللونان معاً أيضاً في لونٍ جديد هو مزيج
منهما. يشير أبو تمام إلى ذلك بقوله يصف الفرس:
تتداخل الحدود اللونية بين الحمرة والسواد، فيمتزجان معاً في
لون جديد هو الكُمْتَة. ويبقى السواد برغم ذلك هو الغالب اللمى، اللّعس، أدهم،
الغلس)، الأمر الذي يجعلنا نؤكد تحوّل معاني السواد ودلالاته الرمزية إلى الحمرة.
وتجدر بنا الإشارة في هذا المقام إلى اقتران الحمرة بلون الذهب السبيكة). ولا
يخفى علينا ما في ذلك من إشارة إلى معاني العظمة والفخامة. ويظهر هذا الامتزاج اللوني أيضاً في الحُوَّة. وقد ظهر هذا
اللونُ عند البحتري أيضاً:
وهنا أيضاً يبدو السواد غالباً على الحمرة، ويتجلّى ذلك في
لفظة اللعس) وهو سواد مستحسن في الشفاه. لكننا نلاحظ الاختلاف واضحاً بين
الطائيين في طبيعة استخدام هذا اللون الهجين، فعلى حين يحمل معاني القوة والجمال
عند أبي تمام، نجده عند البحتري يتخلّى عن معنى القوة ليقتصر على معنى الجمال. كما يمكننا أن نرى هذا الامتزاج في الكُمْتَة)، والكمتة
وثيقة الاتصال بالبُلقَة، وكأن البحتري يشير بذلك إلى علاقة تضاد قائمة بين
الحُمرة والسواد كتلك القائمة بين البياض والسواد:
من علاقة التضاد هذه تكتسب الصورة معاني القوة والجمال،
وبذلك يلتقي البحتري مع أبي تمام في قوله السابق. وربما أفاضت الحمرة مضامينها الرمزية والدلاليّة على اللون
القرين. يقول البحتري:
لقد أخذ البياض في هذا البيت معاني الحزن والأسى التي ترمز
إليها الحمرة من خلال ارتباطها بلون الدم. ولعل في تقديم البياض على الحمرة دوراً
كبيراً في الإيحاء بهذا المعنى: فمن طبيعة الدموع أن تكون بيضاء، إلاّ أنها قد اصطبغت بالحمرة،
لون الدماء، وهذا يعني أن الشاعر بات يبكي دماً. والصورة اللونية المقصودة هنا هي
الحمرة، فإن ذكر البياض فما قصد منه سوى مضمون الحمرة ودلالتها. لكنّ الحمرة قد تقترن بالبياض والسواد معاً مجتمعين. حينئذ،
يجب أن يكون معنى التضاد الموحَى به من علاقة اللونين القرينين هو المقصود
بدلالتها الرمزية. يقول البحتري:
ولكنّ الأمر يختلف هنا، فالصورة اللونية المقصودة لذاتها هي
البياض، أما اللونان الآخران فقد ذكرهما الشاعر على سبيل الاتساع بمضمون البياض
ودلالته. رمز الشاعر بالبياض إلى جود الممدوح وعطائه، ثم رغبةً منه في الإشارة إلى
الاتساع والشمول في ذلك العطاء جاء بصورتي الحمرة والسواد، وهو يقصد بهما بيان
دوام العطاء، فالممدوح يعطي في كلّ أحواله. ويلحق لون الورد بالحمرة وتشيع هذه الصورة اللونية في نعت
الخدود خاصة. يقول أبو تمام:
ويؤكّد صلة التوريد بالخدود فيقول:
بل إن الورد يستمدّ لونه من الخدود، على سبيل المبالغة في
بيان جمال هذه الخدود، وأثرها في نفسه:
والتوريد عند أبي تمام، كما هو ملاحظ، مستخدم للمبالغة في
لون الحمرة، لون الدم. ولعل هذه المبالغة أوضح ما تكون في قوله:
يقول شارح الديوان: "وقال "محمرّة التوريد"
ولم يقتصر على محمرّة للقافية، أو للإبانة على زيادة لون على الحمرة، لأنّ التوريد
في الوجنة المحمرّة زيادة حسن على حمرتها"[65]). هذه المبالغة في لون الحمرة من ناحية، وفي بيان جمال الخدود
ومكانتها من نفسه من ناحية أخرى، تبدو أوضح ما تكون في قوله يصف الخمرة:
ولون الورد عند أبي تمام مرتبط بلون الخدود، ولذلك بعد
انفعالي واضح، فأثر الفكر يكاد يكون معدوماً في تلك الصور المتقدمة. وممّا يؤكد
المنحى الشعوري لهذا اللون اقتصار استخدامه في مقام الغزل دون غيره من الموضوعات. وارتباط هذا اللون بالخدود، نجده أيضاً عند البحتري في قوله:
هنا أيضاً يُستمدّ اللون من الخدود، على سبيل المبالغة في
لون الحمرة، وفي بيان جمال هذه الخدود. ويقول البحتري أيضاً:
نلاحظ هنا أيضاً ارتباط الحمرة بلون الذهب. ولكننا نتساءل عن
العلاقة التي تربط الخضرة بالتوريد، بل عن ارتباط هذا التوريد بالخدود؟؟ يقول
الآمدي: "ذكر الخضرة لأنه لم يجد لوناً غيرها، وذلك أنّ البياض ليس ممّا توصف
به ثياب النساء، والسواد ثياب الحزن والمصائب. وقد جعل خدودهنّ ديباجاً مذهّباً،
والذهب يشتمل على لون الحمرة والصفرة، والتوريد هو من ألوان الخد، والكحليّ لا
يُلفظ به، والعرب لا تذكره في الألوان وكذلك الأزرق لا تستعمله إلاّ في صفة الماء
والصبح... ولم يبق من الألوان ما يخالف لون الخدود المذهّبة كما قال إلاّ الخضرة.
فبهذا وجه ذكر البحتري الخضرة، لأنه لو قال: واحمرّ موشيّ البرود... لكان مدحاً
بلونين متفقين"[69]). إن لون الورد، من خلال ما تقدم من شواهد ومن خلال علاقته
باللون الأحمر، يتخّذ بعداً رمزياً يتفق مع ما ذكرناه عن رمزية الحمرة إلى الحب
الحارق والشباب المتفّجر. لكننا نلاحظ أن هذه الحمرة هنا على خلاف ما وجدناه هناك
من ارتباطها بمظاهر القوة الدموية. هي هنا وثيقة الارتباط بالشعور والوجدان، ولا
شيء أدلّ على ذلك من استعارتها للدلالة على معنى الإشراق والحبور، وارتباطها
بموضوع الغزل بخاصة. وينفرد أبو تمام بذكر اللون البنفسجي، وهو أحد مركبات
الأحمر، يتألف من مزيج الأحمر والأزرق. وهو عنده رمز المرارة ونقيض الحسن:
والبنفسجي درجات، لكن أبا تمام، ومن خلال العلاقة القائمة
بين هذا اللون ولون الورد، يقصد البنفسجي المائل إلى الحمرة، ولعلّ هذا اللون أكثر
انسجاماً مع المعنى النفسي الذي رمى إليه. يقول إبراهيم دملخي: "واللون البنفسجي... يرهبنا إذا ظهر بشكل مساحة كبيرة،
وخاصة إذا كان مائلاً إلى الأرجواني الأحمر، فيكاد يمثّل انهيار العالم ممّا يدعو
إلى الخوف والفزع"[71]). أمّا المعنى النفسي الذي يوحي به هذا اللون، فإن أهم صفة
يدلّ عليها هي صفة الأنانية والشهوة[72]).
وقد عرفنا هاتين السمتين بارزتين عند أبي تمام. وإذا كان البحتري لم يستعمل هذا اللون في صوره[73])،
فإنه استخدم أصوله الأحمر والأزرق) منفردة. وفي هذا أبلغ دلالة على شكلية البحتري
وعلى اتحاد الأبعاد الكونية وتركيبها بالفكر -وهنا بالحس- عند أبي تمام. يقول البحتري في وصف الخمرة:
واللازورد "معدن يُتّخذ للحلي، أجوده الصافي الشفاف
الأزرق الضارب إلى حمرة وخضرة"[75]).
ولا تخفى علينا القيمة التعبيرية الإيجابية التي يحملها هذا اللون هنا، على خلاف القيمة
السلبية التي حملها عند أبي تمام. ولعلّ هذا يعود إلى اقتران البنفسجي أحمر+
أزرق) بالخضرة التي هي رمز العطاء والحبور، ويمكننا أن نلاحظ أيضاً في هذه الصورة
ارتباط الحمرة بلون الذهب. ونترك الحمرة إلى اللون الأخضر، فنرى أبا تمام يُكثر من
استخدامه، كما نراه عند البحتري يحتل المرتبة الرابعة بعد الأحمر في قائمة الصور
اللونية[76]). وللأخضر قيمة جمالية متميّزة عند أبي تمام، فهو عنده رمز
الإشراق والحبور عامة. ولكنْ تنضوي تحت راية هذا الرمز العام عدة دلالات رمزية،
تقوم الخضرة بالإيحاء بها. فهي تارة رمز الشرف والرفعة، وتارة رمز الحياة. ولكنّها
غالباً ما تكون رمزاً إلى الصفاء والعطاء. ومن نماذج الوظيفة الأولى قوله:
ومن نماذج الوظيفة الثانية قوله:
"وإنما
ذكر الآس لأنه يوصف بدوام الخضرة"[79]).
وفي ذلك رمز إلى الحياة المتجددة المستمرة[80]). وإذا ما انتقلنا إلى نماذج الوظيفة الثالثة الصفاء)، فإننا
نراها في مثل قوله:
وأما فكرة العطاء والجود فتظهر في قوله:
وقوله في عطاء السماء:
وما تكرار الخضرة في القصيدة الأخيرة إلاّ تأكيد للصوق فكرة
العطاء بهذا اللون:
فالأخضر بالنسبة إلى أبي تمام يحمل في طياته قيمة رمزية
إيجابية. فهو رمز الحبور والإشراق، بل إنّه رمز الحسن على الإطلاق:
ويكاد لا يخرج البحتري عن الرموز التي قصد إليها أبو تمام
بصورة الخضرة، فهي أيضاً عنده رمز إلى الصفاء:
أو الحياة:
وفكرة الحياة واضحة في العلاقة القائمة بين الخضرة من جهة
وبين المنهل العذب المشارب والجناب المعشب من جهة أخرى. ونلاحظ كذلك بروز صورة
الطبيعة للدلالة على هذه الحياة، فالطبيعة عند البحتري رمز الحياة والعطاء
المتجدِّد. يقول:
إن صورة الخضرة هنا رمز إلى العطاء، عطاء الطبيعة... لكن هذا
العطاء الطبيعي قد يكون هو الآخر رمزاً إلى عطاء الممدوح وجوده، فالشاهد من مطلع
قصيدة في المدح. ومن قوله أيضاً يرمز بالخضرة إلى عطاء الطبيعة:
ونلاحظ في هذا المقام الارتباط الوثيق بين اللون الأخضر
وصورة الرياض عند البحتري:
وقد يستخدم البحتري الخضرة للدلالة على معان لم يتعرّض لها
أبو تمام في شعره، فنجده يستعملها رمزاً إلى الليونة وعدم الصلابة:
يقول محقق الديوان: "الحَظِر: الشجر المحتظر به: وقيل
هو الشوك الرطب. ومن أمثالهم "وقع فلان في الحظر الرطب" أي فيما لا طاقة
له به. وأصله أنّ العرب تجمع الرطب فتحظر به أي تتّخذ حظيرة، فربما وقع فيه الرجل
فنشب فيه، فشبهوه بهذا. ولذلك نرجّح الرواية التي أثبتناها فهو يصف الحظر بالأخضر
لأنه رطب".[92]) وربما استخدم الخضرة رمزاً إلى النعمة:
الخضراء هي نفسها النعم التي يعود الشاعر فيذكرها في الشطر
الثاني عبر معادلة ذكية بين طرفي البيت. وما الغاية من هذه المعادلة إلاّ تأكيد
مضمون الفكرة، فكرة إفساد النعمة لأصحابها. ولا غرابة في أن يتخذ اللون الأخضر هذه
الدلالات المعنوية المشرقة جميعها، وهو "لون الحقول الخصبة، ولون الأمل
بمحاصيل ثمينة. لذا يرمز اللون الأخضر إلى الأمل وقد لبست العرائس في العصور
القديمة ليلة العرس ثوباً أخضر مكلَّلاً ومزَّيناً بألوان أخرى. وهذا التقليد يدلّ
على فكرة الأمل في الحياة الشابة الجديدة، والرجاء بالسعادة. ورمز اللون الأخضر
لدى الفراعنة إلى السرور والصحة والحياة... واللون الأخضر مريح لأعصاب العين
ومهدّئ للنفس ومسبب للانشراح. يدلّ على الحياة والشباب ويحرّر النفس ويوجّه الشعور
نحو الشيء الأبدي"[94]). هذا، "وتكمن في اللون الأخضر صفة الأنانية، ولكنها
أنانية تختلف عن الأنانية التي تدل عليها الألوان في المجال الأرجواني. فالأنانية
هنا تصدر عن الكفاح من أجل البقاء والعيش. الأخضر لون الأشخاص الحسّاسين. ويمثل
نوعاً من الأشخاص ذوي فعالية ونشاط كبير... ويُعَدّ الأخضر لون التغيير بمعنى
إيجابي. ويعني الهدوء عندما يصل... إلى درجة التشبع"[95]). لو عدنا للموازنة بين هذه الملامح النفسية والرمزية التي
توحي بها الخضرة وبين ما عرفناه عن شخصية الطائيين، وما تبدّى لنا في الشواهد
السابقة، لرأينا أن التطابق يكاد يكون تامّاً بينهما. وبذلك كانت عناية الطائيين
بهذا اللون صدىً طبيعياً لمكوّنات نفسيتيهما، وطبيعة الحضارة من حولهما. وقد يشترك الأخضر مع لون آخر في الإيحاء بالمعنى. يجمع
البحتري بين الخضرة والبياض فيقول:
إن اللونين معاً يستمدّان بعضهما من بعض دلالتهما الرمزية
إلى معنى العطاء والصفاء والإشراق. والمعنى المشرق المستمد من الخضرة يبقى هو الطاغي على دلالات
الألوان المشاركة في تركيب الصورة، وإنْ كان هذا اللون هو الأسود. يقول أبو تمام
في وصف الفرس:
يقول الآمدي: "وقوله "أحوى": الحُوَّة) خضرة
تضرب إلى السواد وهي من الألوان التي تستحسنها العرب"[98]). وربما اجتمع الأخضر مع الأحمر. فيتخلّى الأحمر حينئذ عن
دلالاته الرمزية، ويستمد من اللون القرين رموزه ودلالاته[99]).
يقول البحتري:
يشترك في هذين الشاهدين الأحمر والأخضر في الدلالة على معاني
الحبور والإشراق، وهي معان لا نجدها في الأحمر وحده، وإنما استمدها هذا من اقترانه
باللون الأخضر. ولكنّ هذا الاقتران لم يكن دائماً لصالح الأخضر، فربما قُصِد
من اقترانهما الإيحاء بمعنى التضاد، كما هو الأمر عند أبي تمام في قوله:
يكني أبو تمام عن الموت بالحمرة لون الدم، ويكني عن السعادة
الأبدية بلون الخضرة. وما بين الطرفين تضاد واضح. ولكن، هل علاقة التضاد بين
الحمرة والخضرة صحيحة؟. يقول إبراهيم دملخي: "عندما ندرس معاني اللون الأخضر ودلالته، نجد أنها
تعاكس معاني اللون الأحمر ودلائله تقريباً"[103]).
وقد انتبه قديماً الآمدي إلى علاقة التضاد هذه، القائمة بين اللونين في مقام
تحليله لقول البحتري السابق "واخضرّ موشيّ البرود.." : "ولم يبق من
الألوان ما يخالف لون الخدود المذهّبة كما قال إلاّ الخضرة"[104]). وربما اجتمعت الخضرة باللونين المذكورين معاً الأبيض
والأحمر)، كما في قول البحتري:
في هذا الشاهد تغيب الحدود الرمزية للّون الأحمر وتطغى
الدلالات الإشراقية الإيجابية المستمدة من رمزية اللونين الأبيض والأخضر. وتلفت
انتباهنا في هذا المقام إشارة البحتري إلى علاقة التضاد القائمة بين هذه الألوان
الثلاثة، لهذا استخدم فعل الائتلاف حين جمعها بعضها إلى بعض معاً. وتلتقي الصفرة بالخضرة والبياض في الدلالة الرمزية
الإشراقية. يقول أبو تمام في وصف الفرس:
يقول المعريّ في شرح البيت الأول: "كأنّه يريد أصفر من
عطاء الممدوح، وشبّهه لصفائه بعجس القوس لأنه مصقول"[107]). وفي اقتران الصفرة وحدها بعطاء الممدوح ما يكفينا دلالة
للإشارة إلى المعنى الإشراقي الذي يحمله هذا اللون في نفس أبي تمام. ثم نلاحظ أن أبا تمام يحدّد طبيعة هذا اللون: إنّه صاف كلون
محّة البيضة، ومن هنا صحّ له تشبيهه في البيت الثالث بلون الشمس. ويلفت نظرنا هنا
التشابه اللوني والشكلي بين محّة البيضة وقرص الشمس. هذا الصفاء اللوني الذي قصد إليه أبو تمام يعود ليؤكده في
البيت الثاني: إن العرق الذي يسيل من الفرس أصفر اللون، يستمد صفرته من لون ما
يجري عليه، إنه "كالماء الذي يكون في زجاج، فيرى بلون الزجاج"[108]). وتحتل الصفرة المرتبة الخامسة في قائمة الصور اللونية عند
البحتري[109]). وهي عنده
أيضاً ذات قيمة رمزية إيجابية، فهي لون رايات المعركة، وفي هذا رمز إلى القوة
والنصر:
وقد تكون الصفرة لون الحلل المقابل للسواد. يقول عن معانيه
بالنسبة إلى الألفاظ:
وربما كانت لوناً للدرّ. يقول في إبراهيم بن المدبّر ويذكر
علّة نالته:
إن البحتري صانع ماهر يحسن التعليل، فقد استطاع ببراعته أن
ينقل لون الصفرة من دلالته السلبية في اقترانه بالعلّة، إلى معنى ذات قيمة إيجابية
بإطلاقه صفة للدرّ. يقول الصولي معترفاً بفضل البحتري على غيره في وصف الصفرة في
العلل: "ومن فضل البحتري أنهم وصفوا صفرة اللون في العلل، فكلٌّ قد حكى ذلك
وقال بلا فضيلة إلاّ البحتري فإنه أغرب في أبيات"[113]). والصفرة عند البحتري تلتقي بلون الذهب:
والبحتري لا يكاد يبتعد عن أبي تمام في جمعه بين الصفرة ولون
الشمس، فهو الآخر قد جمع بينهما في قوله:
ومما يؤكد ما نذهب إليه من رمزية الصفرة عند البحتري إلى
المعاني الإيجابية اقترانها عنده بالبياض:
وفي
قوله هذا عودة ثانية إلى جدلية الصفرة -الذهب. أمّا رمزية اللون الأصفر فيحدثنا عنها إبراهيم دملخي بقوله:
"كانت أهمية اللون الأصفر في حضارات شعوب شرقي آسيا، تعادل أهمية اللون
الأرجواني الأحمر في حضارات شعوب الشرق الأدنى وأوروبا في العصور السابقة، كلون
وكرمز للنور والجلالة والعظمة...[117]) وقد قرب اللون الأصفر في رمزه من الأبيض في بعض النواحي[118]).
وأجمل لون أصفر حصلت عليه الشعوب القديمة من نبتة الزعفران، فلوّنوا به الألبسة
والأحذية وغيرها وكانت الأحذية الصفراء تمثّل جزءاً من اللباس الوطني لملوك الفرس[119]).
ورمز اللون الأصفر إلى الحبوب الناضجة والذهب، لذا أخذ هذا اللون دور تمثيل الذهب
في الفنون الجميلة"[120]).
" وللأصفر صفة الحركية والتعدد في علاقاته"[121])،
لهذا نرى الفَرَس عند الطائيَّين ذا لون أصفر، ففي ذلك رمز إلى القوة والسرعة
الحركية. أما المعاني النفسية التي يرمز إليها اللون الأصفر فيقول
عنها إبراهيم دملخي: "يميل اللون الأصفر إلى الصفة الإيجابية، أكثر من ميله
إلى الصفة السلبية... وبسبب درجة فتاحته، يميل إلى صفة الدفء أكثر من ميله إلى صفة
البرودة. واللون الأصفر يعني التعامل والمشاركة والاهتمام والحسد والاستهزاء...
وهو لون الأشخاص ذوي الطبيعة الفطرية الغريزية"[122]).
ولعلّ في ذلك تعليلاً لتقدم البحتري على أبي تمام في استخدام الصفرة، وهو البدوي
الفطري الذي كان يريد كل شيء له. وقد تقترن الصفرة بالخضرة عند البحتري، حينئذ تشعّ الصورة.
يقول إبراهيم دملخي: "ويبدو الأصفر) على أرضية خضراء مشعّاً بحيث يكاد يطغى
عليها بإشعاعه، وذلك لأنّ اللون الأخضر يتألف من مزيج من اللون الأزرق والأصفر.
هذا اللون الأصفر في المزيج يمهّد له الطريق بالسّيطرة على الأخضر"[123]).
يقول البحتري:
وقد يستخدم البحتري الصفرة نقيضاً للخضرة، وإن كانت أحد
مركباتها:
لكنّ الصفرة غالباً ما تقترن بالحمرة، حينئذ تتخلّى هذه عن
دلالاتها الرمزية لتتبنّى دلالات اللون القرين المشرقة بصفائها. يقول أبو تمام في
وصف الربيع:
إن التضاد هو الذي يحكم هذه الأبيات، ومن ائتلاف الأضداد
ينبع جمال التصوير فيها. أما الأصفر فهو لون الزعفران، وقد أشرنا إلى جماليته
بالنسبة إلى درجات الصفرة، وهو اللون الساطع بالنسبة إلى الأحمر. وأمّا الأحمر فهو
هنا لون الدرّ والعصفر، وفي ذلك إشراق مستمد من اتصاله بالأصفر. ولنلاحظ في البيت
الأخير التضاد القائم بين الصفرة والخضرة، وهذا يعيدنا إلى الفكرة السابقة، فكرة
التضاد القائم بين هذين اللونين. ويقول البحتري في وصف الفرس:
نلاحظ في هذه الأبيات الصفاء المستمد من الصفرة، كما نلاحظ
التداخل اللوني بين الصفرة والحمرة مجسَّداً في قوله مزعفراً ومعصفراً). والصفرة
هنا أيضاً محدَّدة بلون الزعفران، أمّا الأحمر فهو قانٍ يَدمى. إنّ العلاقة القائمة بين الحمرة والصفرة عند الطائيين علاقة
تضاد، ولعل في اجتماع اللونين معاً ما يزيد الصورة بهاء. فاللون الأحمر تزداد
حساسيته إذا مزج بقليل من الأصفر[128])،
وكذلك الأصفر "يشكّل على أرضية حمراء مجموعة تتصف بالعظمة والصخب"[129]). ربما كان في ذلك تعليل وتفسير لاستخدام الطائيين اللونين
معاً في وصف الحرب أيضاً. يقول البحتري:
ويقول أبو تمام:
يوحي الطائيان هنا بمعاني العظمة والصخب من خلال علاقة
التضاد والتقابل القائمة بين الصفرة والحمرة. ونلاحظ أنّ هذه العلاقة توحي
بالإشراق وهو ما سميناه بالحساسية)، وأبو تمام أصرح من البحتري في إشارته إلى ذلك
في بيته الثاني: فتداخل اللونين يثير في النفس البِشر، والشاعر يؤكِّد في الشطر
الثاني هذا البشر الصادر عن ذلك التداخل اللوني. إنّ اللون الأحمر وهو لون الدماء
الداكن القاتم المقزّز المخيف، قد اكتسب صفة الصفاء والإشراق من خلال اتصاله
بالصفرة رمز الصفاء. هذا الصفاء قد يبدو لنا أعمق في دخول البياض طرفاً ثالثاً في
المعادلة اللونية. يقول أبو تمام في وصف الربى:
ويقول البحتري:
قد يبدو لنا أن بين البيتين صلة سرقة
أو تأثّر، وهو ما أشار إليه أبو الضياء مدَّعياً على البحتري فيه بالسرقة والاتفاق[134]).
لكنّ الآمدي ينفي السرقة فيقول: "أفترى البحتري لم يكن ليهتدي إلى أصفر فاقع،
وأحمر قان لولا بيت أبي تمام؟"[135]). والحمرة في هذين الشاهدين تستمدّ دلالاتها الرمزية من
علاقتها باللونين الأصفر والأبيض، فتصبح بذلك رمزاً إلى الحبور والصفاء. ولا شيء
أدلّ على ذلك من اجتماع هذه الألوان في وصف الرياض، وهو الموضوع الذي كان يستثير
في نفس الشاعرين أرقّ المشاعر وأعمقها، فيميل بالتصوير إلى التعبير الانفعالي. وربما كان في دخول اللون الأخضر طرفاً رابعاً في الصورة
اللونية ما يعمّق هذا الاتجاه في تجريد الحمرة من معاني القوة والقسوة وإكسابها
معنى الصفاء والحبور. يقول البحتري:
واليقق هو المتناهي البياض، ولا يخفى علينا ما في ذلك من
دلالة رمزية إشراقية صافية. وينفرد البحتري عن أبي تمام بالعناية بالألوان. ولا غرابة في
ذلك، وهو الشاعر البدوي الفطري المطبوع الذي يتعامل مع محيطه بعينه لا بفكره.
لنقرأ هذه الأبيات، ولنلاحظ فيها ذلك الحشد اللوني. يقول في وصف فرس:
ويكاد ينفرد البحتري أيضاً عن أبي تمام بالعناية باللون
الأزرق. وهو عنده رمز إلى القوة والرهبة مناقض للبياض: فالسيوف زرق اللون[138])،
و "بغاث الطير زرق الجوارح"[139])،
والفجر الأزرق معادل حسيّ لمكروه الأمور[140]). والمعنى نفسه نراه عنده إذا ما امتزج الأحمر بالأزرق،
فاجتماع هذين اللونين عند البحتري يحمل معنى سلبيّاً. يقول في الهجاء:
لكنّ الموقف يعتدل إذا ما كانت الحمرة مذهّبة، والأزرق لا
زورديّاً، فيصبح المعنى الموحى به إيجابياً، ووظيفة الصورة التعبير الانفعالي لا
التصوير الشكلي. يقول في وصف الخمرة:
"يُقال
إنّ اللون الأزرق هو أول لون عرفته البشرية... وممثّل في عناصر الوجود الأربعة:
الأرض، الماء، الهواء، النار"[143]).
لهذا كان من الطبيعي أن يُعنى البحتري البدوي الحسي بهذا اللون ويوليه تلك
الأهمية. ومن رموز الأزرق البرودة والعمق[144]).
وهو وإن كان يقع على الطرف المقابل للّون الأحمر[145])
"يحتفظ بصفاته البرودة والغمق) فوق أرضية حمراء برتقالية"[146]). وهذا يعني أن التضاد هو الذي كان يحكم الشواهد الأخيرة، حيث
اجتمعت الحمرة بالزرقة. لكن هذا التضاد لم يتجاوز حدود الحس اللوني الشكلي إلى
المضمون الموحَى به، فقد بقي هذا المضمون واحداً رمز الرهبة والخوف) برغم التضاد
القائم بين الزرقة والحمرة من حيث السلبية والإيجاب. ونشير هنا إلى أنّ الحمرة
باقترانها بالزرقة قد تخلّت عن دلالتها الإيجابية هذه، واكتسبت صفات اللون القرين
السلبية. ممّا تقدم يمكننا أن نلاحظ عدّة ملاحظات تميّز الطائيين
بعضهما من بعض. أولى هذه الملاحظات وأهمّها تعود إلى طبيعة الاستعمال اللوني في
التصوير عندهما. فعلى حين كان اللون عند أبي تمام صورة لفكرة، نجده عند البحتري
شكليّاً وظيفته حسية انفعالية. هذا الأسلوب في تصوير الفكرة تصويراً لونيّاً يسمّى
بالتدبيج. وأبو تمام شديد العناية بهذا الصبغ البديعي، بل إنّه ليخيّل إلينا أنّه
قد استوعب جميع صور التدبيج في شعره معتمداً في ضبطها على التفصيل في التدبيج.[147]) أمّا البحتري فأشدّ عناية بالألوان من أبي تمام، لكن طبيعة
استعماله لها تختلف عنها لدى أبي تمام. فهو لا يكاد يتجاوز فيها الحدود الحسية
الواقعية، والاستعمال الفطري الساذج، وإن كانت لا تخلو من بعض اللمحات الانفعالية
وقليل من الإشارات الفكرية. ذلك، على خلاف أبي تمام الذي اتخذ اللون عنده رمزاً
لفكرة بعيدة.[148]) ويمكننا
أن نرى في عناية أبي تمام هذه بالتدبيج صورة من صور العناية بمزج الفكر بالحس التي
أولع بها. أمر آخر نلاحظه عند أبي تمام وهو شدة عنايته بالألوان
الصافية غير المركّبة. ولا عجب في ذلك، وهو القائل:
وهذا في رأينا يعود إلى موقف فكري أكثر منه إلى موقف حسيّ
ذوقي... وكأنّه بذلك يشير إلى قضية الوضوح الفكري. بقي أن نقول إن اللغة مهما حاولت وصف الألوان يبقَ وصفها
الأشكال أدقّ وأوضح من وصفها الألوان.[150])ذلك
"لأن بصرنا يحيط برسم الأشياء وتحفظه ذاكرتنا، أمّا مظهرها اللوني فسرعان ما
يغيب عن الخاطر من غير أن يؤدي ذلك إلى إفقار الصورة التي يحملها عن الواقع
إفقاراً كبيراً"[151]).
لكن الأمر ليس كذلك دائماً. إذ إن اللون في بعض الحالات النادرة، يكون "خاصة
أساسية من خواص الأجسام، كما هي الحال بالنسبة إلى الحجارة الكريمة والمعادن
والأزهار والثمار، فلا يحقّ لنا حينئذ أن نهمل لونها، وإلاّ فقدت هذه الأجسام
اهتمامنا بها. وبلغ من أهمية لونها أن أصبح اسمها مطابقاً اللون الذي انفردت به.
وبذلك توارت حقيقتها المادية خلف صفتها اللونية"[152]).
وهو الأمر الذي نجده في كثير من صور الطائيين. بل إن هذا الأمر يميّز أهل الصين
والعرب، فهم إذ يستخدمون تعابير تصويرية مشتقة من أوراق الزهر والأحجار الكريمة
والمعادن والثمار، تكاد تكون الصورة اللونية عندهم أدق وأقرب إلى الحقيقة منها عند
غيرهم. وفي ذلك تربية بصرية مرهفة عند من يستعملها أو عند من يستمع إليها.[153]) وبرغم
ذلك "يبقى من الصعوبة بمكان أن تعبّر اللغة عن السّمة المميّزة للألوان. ولما
كان جوهر الفن يكمن في طبيعة اللون المستعمل، فإنّ اللغة في نهاية المطاف، تفشل في
محاولتها نقل اللون إلى الأدب"[154]).
وإذا كان المؤلف "يظن أنه يُظهر قارئه على الشيء الذي يصفه له، فإنه في الواقع
يستحضر ذكريات القارئ الخاصة به"[155]). [11])ذكره عبد العزيز سيد الأهل في
دراسته السابقة نقلاً عن: همزيات أبي تمام اعبد السلام هارون كما ذكره شاهين عطية
في: ديوان أبي تمام ص13. [73]) انظر: ديوان البحتري 5/3094،
حيث نجد نماذج من الصور الأرجوانية،
وهو مزيج من الأحمر والبنفسجي. وانظر رمزية هذا اللون وقيمته التعبيرية ومعناه
النفسي في: الألوان لدملخي 71، 83، 100. |