|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:57 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
8/جـ: صورة المرأة
أما الصورة الرمزية الثالثة فهي صورة المرأة. وهي تحتلّ عند
أبي تمام مكانة تتقدم على تلك التي احتلّتها الصورتان المتقدمتان. هذه المكانة لا
تستمدها الصورة من كثرتها وحسب، وإنما من طبيعة استعمالها أيضاً. وللمرأة الرمز صور متعددة تبرز فيها، فنجدها مثلاً في صورة
العذرية. يقول أبو تمام في وصف الخمرة:
ويقول البحتري:
وصفة العذرية مستملحة عند أبي تمام، بل إنها الصفة الرئيسة
المعبِّرة عن جمال المرأة في نظره. ومما يتصل بهذه الصفة صورة الناهد[3])،
والكاعب[4]). وصفتا
النهود والكعوب يؤثرهما أبو تمام في المرأة، فيشير إليهما في قوله:
والجدّاء صغيرة الثدي، أما الحائل فهي المرأة ليست ذات حمل. وهاتان
الصفتان لا تكونان إلاّ في العذراء صغيرة السن. ومما يدلنا على إيثار الشاعر هذه
الصفات في المرأة إلصاقها بالعِلم، الأمر الذي يوحي بالصفة الإشراقية الإيجابية
لهذه الصفات، وبمكانتها من نفسه. وفي البيت تضاد سافر بين ولود وحائل. ومما يدلّنا أيضاً على إيثاره من النساء صغيرة السن البكر،
ميله إلى ناعمات الملمس، المُلد:
والمَلَد
الشباب، والأَملد الناعم اللَّيِّن من الناس أو الغصون. إن أبا تمام بناء على ما تقدّم يحصر الجمال الأنثوي في
البِكر العذارء، كاعبة الثدي، ناعمة الملمس. وربما أفاد أبو تمام من صفات المرأة، بمختلف صورها للإيحاء
بفكرة التضاد، فنجد لديه البكر والثَّيِّب متقابلتين[7])،
وكذا البكر والعوان في قوله:
وكذا
أيضاً البكر والنصَف[9])، أو البكر
والأيّم[10]). هذا، وصور المرأة وثيقة الصلة بفكرة العطاء والجود، فهي
غالباً ماتكون المعادل الحسي للصنيعة الحسنة والنعمة:
والصورة هنا أيضاً توحي بفكرة التضاد. والتضاد قائم بين
الكاعب والبكر من جهة، وبين الثيِّب والأيّم من جهة ثانية. والأيّم من لا زوج لها،
أما الثيّب فهي نقيض البكر، المتزوجة. وهنا أيضاً نلاحظ سيطرة صورة العذرية
وتقدّمها على الصور الأخرى، مما يشي بإيثار خاص لها. وتشيع عند أبي تمام الصور الجنسية، فتكثر لديه صور الافتراع.
يقول مادحاً:
فتعامُل الممدوح مع البلدان كالتعامل مع المرأة البكر. وعناية أبي تمام بهذه الصور ما هي إلاّ تعبير لا شعوري عن
نزعته الذكورية. ولا شيء أدلّ على ذلك من تكرار هذه الصورة لديه وتلذّذه بإيرادها.
يقول في وقعة عمورية يصف هذه المدينة:
فهذه المدينة بكر عذراء لم يتمكن من افتراعها إلاّ المعتصم. ومن هذه الصور
عنده قوله يمدح:
يقول التبريزي: يريد سفينة لأنها من خشب الحديقة، وجعل
الحديقة التي هي الأرض ذات الأشجار مؤنثة، وجعل السماء فحلها، لأنها تلقحها
بمطرها"[15]). هذه العلاقة بين الطبيعة والسماء تستدعي إلى ذهن الشاعر
العلاقة بين الرجل والمرأة، وكأنّ الأرض زوج السماء. وبهذا الشكل يكون الكون كله
في نظر أبي تمام متحداً في الوجود كاتحاد الرجل بالمرأة، وذا علاقة جدلية بين
أطرافه كتلك العلاقة القائمة بين الزوجين. وثمرة التفاعل هذه هي الولد، وهو حياة
جديدة. والحياة الجديدة في علاقة الأرض بالسماء هي النبات. هذا، والعلاقة بين
الطرفين هادئة منسجمة مشرقة. يقول أبو تمام في وصف المطر:
إنَّ كلاًّ من الصورتين الأرض والمطر، والبكر والبعل) تعطي
الأخرى معناها الرمزي. ومن ثمّ الصورتان معاً توحيان ببعد رمزي مشرق. ولمّا كانت هذه هي علاقة أركان الوجود بعضها ببعض، فإننا لا
نستغرب أن يجعل أبو تمام صنعة الشاعر شبيهة بعلاقة الرجل بالمرأة. إنّ مثله مثل
الكون من حوله، لن يكون هناك مولود جديد أو حياة جديدة بغير علاقة التواصل هذه.
وعليه، فالشعر هو الحياة الجديدة المولودة من تفاعل تجربة الشاعر بفنّه:
وهذه الصورة مستعملة عند الشاعر في غير هذا المكان[18]).
ومثلها في الإشارة إلى هذا المعنى صورة الحمل[19])،وصورة
الزواج والطلاق[20]). هذه الصور عند أبي تمام تشي بنزعة ذكورية في تعامله مع
المرأة. وهذه النزعة تظهر لنا بجلاء في قوله:
في فعل الغضب هذا تتجسّد لنا كلّ معاني الذكورة والأنانية
والقوة والتعالي التي كانت تتسم بها شخصية أبي تمام. وإذا كان الشاعر في بعض الأحيان يصور لنا تعاليه عن التأثّر
بدموع النساء ومفاتنهن، كما في قوله:
فإنه قد أحبّ المرأة في الصميم، وحبّه لها لم يكن حباً
بريئاً، وإنّما هو حبّ مادّيّ. أما صيحات التعالي والكبرياء هذه فما هي إلاّ غلالة
يستر بها شغفه بالمرأة، مما يتناسب
مع نزعة القوة والتعالي لديه. هذا الشغف وذاك الحب العميقان يظهران لنا بجلاء في قوله:
وأبو تمام في
موقفه يخالف البحتري، وإن كان هذا الأخير أعمق وجداناً وتعبيراً، وله قصة حب عنيفة مع علوة الحلبية. فقد ذهب
البحتري إلى إيثارموت البنات وبقاء البنين:
بل إننا نجده في تعزيته أبا نهشل عن ابنته يعاتبه على حزنه.
فهل يُبْكَى من لا ينازل بالسيف ومن لا يعدل الأموال والبنين زينةً في الحياة
الدنيا، ومن ولدت الأعداء، ومن كانت عاراً وذلاًّ لبعض الناس، ومن كانت سبب زلّة
آدم؟:
لقد أحب البحتري في حياته، لكنه في أعماقه
كان معادياً للمرأة، لا يرى في موتها مصيبة، بل إنه يتمناه. أما أبو تمام فقد
تعالى على الحب، لكنه في أعماقه كان محبّاً للمرأة شغوفاً بها.لهذا السبب نجد صورة
المرأة تكثر عند أبي تمام بالنسبة إلىصورها عند البحتري، فقد ندرت استعارة البحتري
لصور المرأة في مقام تصوير أفكاره وتجاربه، وإن خصّها بقصائد طوال في الغزل. *** 8/د: خلاصة مفهوم الرمز الحسي
وقد يعترضنا معترض، فيؤاخذنا على ما نذهب إليه من حديث عن
الرموز في شعر الطائيين. فنحن لا نريد أن نسرف في ادعاء الرمزية والخوض فيما لا
تؤمن عقباه فيما يخص شعر الطائيين. فالرمزية مذهب نقدي فني حديث يقوم علىأسس فكرية
واضحة المعالم تتلاءم وطبيعة المرحلة التي نشأت فيها. وهي بعيدة كل البعد عن طبيعة
المرحلة التي ندرسها هنا، وإن كانت النتائج متشابهة في بعض الأحيان. ولكن، إذا لم
يكن هذا منهجنا فما الذي نقصد بالرمز؟ وماهي الأسس التي أقمنا دراستنا عليها؟ إنّ الصورة تبقى مجازاً مادامت وظيفتها تصوير تجربة معيّنة
وفي لحظة محدّدة. لكن هذا المجاز يتحوّل إلى رمز، وذلك بمعاودة الصورة وتكرارها.
يقول رينيه ويليك وأوستن وارين: "هل يوجد أيّ معنى هام يفترق فيه الرمز عن
الصورة والمجاز؟ نحن نفكر مبدئياً بمعاودة الرمز وإلحاحه. فالصورة يمكن استثارتها
مرة على سبيل المجاز، لكنها إذا عاودت الظهور بإلحاح، كتقديم وتمثيل على السواء،
فإنها تغدو رمزاً، قد يصبح جزءاً من منظومة رمزية أو أسطورية)...".[26]) وقد انطلقت إحدى الباحثات تبني دراستها على هذا الأساس، فقد
"بيّنت كارولاين سبيرجن في دراستها لصور شكسبير كيف أن الصور المكرورة من نوع
ما، تعطي نغماً فارقاً ومجموعة كاملة من المعاني المحكية في مسرحية من المسرحيات..
فصور المرض تسيطر على رواية هملت، وصور الطعام والهضم تغلب على رواية ترويلوس
وكريسيدا..."[27]) ولم تكتفِ هذه الباحثة بهذا المقدار من البحث في الصور
المكرورة، فقد حاولت في دراستها "الصور عند شكسبير وما الذي تنبئنا به"،
متابعة فكر شكسبير وشخصيته من خلال هذه الصور، مميّزة الدقائق الموضوعية في حياته.
وأشد الأجزاء إثارة هو ذلك الفصل الخاص "بتداعي الأفكار". فقد لاحظت أن
كلمة معينة تستدعي خلفها عدة أفكار. وفي عدة مسرحيات وجدت تردد مثل هذه الفكرة
وخلفها الأفكار المستدعاة نفسها. وقد لاحظت أيضاً أن كل مسرحية مبنية تقريباً حول
سلسلة من الصور المتكررة، تؤلف لها موضوعها. وتوضح الآنسة سبيرجن أن هذه الصور
ليست المعالم السطحية للمسرحيات، وإنما هي شيء أعمق من ذلك بكثير.[28]) هذا ما نعنيه بحديثنا عن الصورة - الرمز، وقد حاولنا فيه
الخروج بنتائج شبيهة بتلك التي خرجت بها الآنسة كارولاين. لكنّ هناك مأخذاً على
هذه الطريقة، فقد أخذ النقاد على الآنسة سبيرجن عدداً من الأخطاء والنقائص
الواضحة. ولعلّ أكبر غلطة في منطقها هي أنها استهانت بتقدير العلاقة بين الصور
وطبيعة الكاتب المسرحي أو تجربته. فهي تربط بين الصور وحياة الكاتب، وتعدّ هذه
الصور بالضرورة تمثيلاً لحياة الكاتب. فشكسبير مثلاً عمل -ولابدّ- ما تتحدّث الصور
عنه، وهذا بالطبع غير معقول. ونجدهافي مكان آخر تتغافل عن الربط بين حياة الشاعر
وصوره، فشيكسبير عاش في المدينة ولا نجد لديه صورة مستمدّة من حياة المدينة.[29]) هذه الناحية من ارتباط الصورة بحياة الشاعر يشير إليها صاحبا
"نظرية الأدب" أيضاً، فيذهبان إلى أنه ليس من الضروري أن تعبّر الصورة
عن نفسية الأديب، كما أنّ غياب الصور المجازية ليس معادلاً لغياب اهتمام الشاعر
بموضوع هذه الصور. من هنا نرى المحظور الذي يجب أن نتنبه له أثناء دراستنا للصور.[30])
ومن هنا أيضاً جاء حذرنا في ربطنا بين صور الطائيين وحياتهما، فكان ما ذهبنا إليه
أقرب إلى التخمين منه إلى اليقين. أمّا ما نعنيه بالرمز في دراستنا هذه، فهو "الدلالة على
ما وراء المعنى الظاهري، مع اعتبار المعنى الظاهري مقصوداً أيضاً. فالطلل في الشعر
العربي رمز لعواطف إنسانية وفردية عميقة، وبكاء الطلل لا يعني بكاء المواد التي
يتكون منها لذاتها"[31]). على هذا
الأساس يمكننا أن نتعامل مع صور الثياب والماء والعذراء عند الطائيين. وإذا كانت الدلالات الرمزية لكل صورة تختلف عنها في الصورة
الأخرى، فإنه يمكننا أن نجمع هذه الصور كلها تحت دلالة رمزية واحدة، هي الإيحاء
بمعنى التفوق والقوة، وقد آمن كلّ من الطائيين به. هذه الروح نجدها عند البحتريّ في تصوير عزمه ومضائه وشجاعته:
كما نجدها في تصوير طموحه[33])
وغروره وتعاليه على ممدوحيه[34]). لكن مذهب القوة كان ألصق بشخصية أبي تمام. ولا عجب، وهو ثمرة
عصر دموي، اصطبغ تاريخه بالدماء. فنحن لا نكاد نرى شيئاً يثير شاعرية أبي تمام كما
تثيرها الحروب والدماء وصور الخراب والتحريق، حتى إننا لنعجب من هذا الشاعر الرقيق
أمام المرأة، كيف يبدو وقد تجرّد من كل نزعةٍ إنسانية، في وصف عمورية:
وتمجيد القوة صفة تطغى على شخصية الشاعر في هذه الأبيات، فهو
لم يقف واصفاً، وإنما راح يهلّل للنار ويهتف للخراب، وينظر إلى المدينة نظرة حاقد
يجد لذّته في دمار ما حوله. وما هذا الموقف سوى ردّ فعل عادل على ما لحق زبطرة على
يد الروم، فكانت وقعة عمورية رداً عليه. هذه اللذة يمكننا أن نعيد جذورها إلى رغبة لاشعورية في
الحياة، فدمار الآخرين يعني حياة الذات. وهنا التناقض والتضاد في موقف أبي تمام من
جدلية الموت- الحياة:
ولعلّ ما يشير أكثر إلى مذهبه في القوة، استعماله صورة
الموتِ واللطمِ في مقام الغزل:
فاللطم لحمرة الخدود، والموت لبيان أثر نظر المحبوبة في
النفوس، وكلتا الصورتين تجفوان عن المقام الانفعالي الذي أرادهما الشاعر له. اتخذ أبو تمام، إذاً، من القوة مذهباً له، بل آمن بها
حَكَماً في أمور الحياة الدنيا:
وإذا كانت طريق الحياة الكريمة صعبة شاقة، فعلى صاحب النفس
العزيزة أن يكافح مشقّاتها، وهو لابدّ محقّق ما يصبو إليه:
ويمكننا أن نجد في اختيار الحماسة، عند كلّ من الطائيين،
صورة من صور مذهب القوة لديهما، وإن كان هذا المذهب أكثر تجليّاً عند في شعر أبي
تمام منه في شعر البحتري. هذا ويبقى أبو تمام أقرب القدماء إلى الرمز، وقد ساعده على
ذلك امتزاج الصنعة بالفكر عنده في إطار من الفن بالغ الدقة. يقول عبد الكريم
اليافي:"ولاعتماد أبي تمام الصناعة كان أقرب الشعراء الكبار طريقة من الرمز
دون أن يكون هو رمزياً، وذلك أنه بالغ في اصطناع الاستعارة والتلميح والمحسّنات
البديعية المعنوية واللفظية، فخرج بعض أشعاره غامضاً يحتاج إلى التفكير والإمعان
والتأويل، ولكن الشعر انتهى بعد ذلك إلى صناعة صرف ضاع المعنى بين اشتباك أشكالها
واختلاط ألوانها".[40]) ب
- الحسّ بين الحركة والوضوح
ب/1- الصورة بين الحركة والجمود
يرى عبد القاهر الجرجاني "أنّ مما يزداد به التشبيه
دقّة وسحراً أن يجيء في الهيئات التي تقع عليها الحركات"[41]).
فالحركة تزيد من جمال الشعر، وهي ركن رئيس من أركان التصوير، بل هي أصعبها. يقول
العقاد: "إنما التصوير لون وشكل، ومعنى وحركة، وقد تكون الحركة أصعب مافيه
لأن تمثيلها يتوقف على ملكة الناظر، ولا يتوقف على مايراه بعينه ويدركه بظاهر
حسّه".[42]) وهذا يعني
أن الحركة في الشعر موحىً بها تُمْتَلك عن طريق الإدراك لا الحسّ. وقد أثارت قضية الحركة والجمود في الفن العديد من المناقشات.
فيرى "لسنج" "أنّ للفنّ التشكيلي لمحة في المكان، وأما الفن الشعري
فله لمحات في الزمن، بمعنى أنّ المصوّر أو النحّات لا يستطيع أن يلتقط بفنه غير
وضع واحد لموضوعه أي لمحة واحدة في المكان، أما الشاعر فيستطيع أن يصوّر بفنّه عدة
أوضاع متلاحقة للموصوف أي عدة لمحات في الزمن، على نحو ما نشاهد مصوِّراً أو
نحّاتاً مثلاً يرسم صورة أو ينحت تمثالاً لحصان في وضع معين، بينما نرى شاعراً مثل
امرئ القيس يقدم لنا في بيت شعر واحد عدة أوضاع للحصان حيث يقول:
ويفسّر "أوسكار وايلد" رأي "لسنج"،
فيقول: "التمثال يمثل لحظة واحدة من لحظات الكمال، والصورة في لوحتها لا تحظى
بالعنصر الحيوي من نمو وتطور، فإذا كان كلّ منهما ثابتاً غير مهدّد بالتغيّر، فذلك
لأنّ حظه من الحياة ضئيل، لأن أسرار الحياة والعدم لا تعتري سوى الأشياء التي
يؤثّر فيها الزمن، والتي ليست رهينة الحاضر فحسب، ولكنها كذلك ملك مستقبل فيه تصعد
أو تنزل على حسب ماضيها... فالحركة -وهي مسألة الفنون الشكلية- خاصة الأدب وحده،
فهو الذي يرينا الجسم في نشاطه الحيوي، وحركته الدائبة".[44]) أما أداة الشاعر في تصوير الحركة فاللفظة. يقول
لسنج:"إنّ الشاعر قد يستطيع بألفاظه اللغوية أن يصوّر الحركة تصويراً يفوق
تصويرها في فن الرسم".[45]) والألفاظ
عنده، وسيلة لتصوير الأفعال[46]) لهذا يخرج
بنتيجة مفادها "أن" "الفعل" هو خير مجال تتجلّى فيه قدرة
الشعر على التعبير، فإن حاول وصف الأجسام لذاتها قصّر دون التصوير، كما يقصّر
التصوير دون الشعر إن حاول تمثيل "الفعل"..[47])".
ويخالف كروتشه لسنج فيما ذهب إليه، فيرى "أن فن الرسم
أو النحت يصور الحركة مثلما يصورها فن الكلام أو الصوت. ولا فرق بينهما في ذلك،
لأن الوقفة التي يرسمها الرسام ليست في الواقع جزءاً من الحركة كما يقول لسنج
ولكنها الجزء الذي يعبّر عنها كاملة. حقاً، إنّ تمثال رجل يعدو لا يعدو بالفعل كما
لا يعدو الشعر أيضاً، وهو لم يؤلف لهذا. ولكنه يدلنا على العدو كاملاً وبكلّ
حركاته. ذلك أن الرسام أو النحات يختار الجزء المعبّر ليوحي بهذا الجزء بكل ما
توحي به طائفة من الأصوات عن كل الحركة، ولكن بشكل معيّن يريده هو لها".[48]) هذه الحركة الزمنية في الشعر يؤكدها إبراهيم العريض مشيراً
إلى ارتباطها بالخيال، فيقول: "كما يحسن بنا ألاّ ننسى أنه بمدد الخيال
-وحده- استطاع الإنسان أن يدخل عامل الزمن في نظرته إلى الأشياء وتقديره قيمتها...
والخيال -وحده- يستقل في الشعر بتصوير الحركة، ما دامت الحركة تفترض مقدَّماً وجود
الزمن".[49]) وهذا معناه أن الحركة المكانية حركة زمانية في الوقت نفسه،
وأنها دليل سافر على بعد خيال الشاعر وعبقريته في التقاط الصورة ورسمها. ويفيد المازني كثيراً من نظرية لسنج المتقدمة في دراساته[50])،
فيرى أن الشعر أو الصورة الشعرية تتسم دوماً بالحركة الزمانية،على حين يتسم الرسم
بالجمود المكاني. يقول:"وكما أن المصوّر يخفق إذا عالج تصوير الحركات
المتعاقبة، كذلك يخفق الشاعر إذا هو حاول أن يرسم لك، بالألفاظ المتعاقبة، منظراً
ثابتاً خالياً من الحركة".[51]) ويأخذ المازني من أبيات أبي تمام في وصف روضة في مقدمة
المصيف مثلاً على ما يذهب إليه، وأوّلها:
يعلّق المازني على هذه الأبيات بقوله: "والأبيات في
ذاتها، وبالقياس إلى أمثالها مما في الشعر، حسنة جميلة، ولكنها من حيث القدرة على
تصوير المنظر للقارئ وإحضاره إلى ذهنه ليست إلاّ مظهراً للفشل التام والعجز
البيِّن الذي يُمَنى بهما من يريد أن يتّخذ من القلم ريشة كريشة المصور. وخيال
القارئ هنا هو الذي يفعل كلّ شيء ويتناول العناصر التي سردها الشاعر ثم يرتب منها
صورة على مثال ما يروقه من المناظر المألوفة. وفي وسعه أن يرسم لنفسه من هذه
الأبيات ألف صورة لا تشابه واحدة منهما أختها. وفي مقدور كلّ امرئ أن يتصور آلافاً
من هذه المناظر. وقد يكون ذلك حسناً وجميلاً، وربما ذهب البعض إلى أنّه مزية وإلى
أن فيه فضلاً، ولكنّنا لم نقصد إلى هذا ولا أردنا شيئاً سوى أن اللغة عاجزة عن أن
ترسم لك جملة المنظر الذي تأخذه عينك حين تقع عليه".[53]) ويتابع المازني كلامه على الحركية في الشعر، فنراه يصبو إلى
الجمال لأنه حركة، ويستخف بل يستهجن الجمال الجامد أو الحرفي النسخي). كما نراه
يذهب إلى أن الشاعر ليس بحاجة إلى أن يسرد لنا أوصاف الجميل، فالشعر يعجز عن إثبات
الصورة التي يرسمها بالدقة التي يرسمها المصوِّر، وهو إن فعل ذلك لم يعد شعراً.
إذاً، الشاعر لا يسرد بل يوحي.[54]) الحركية المكانية في الشعر مرتبطة بالزمان غير منفصلة عنه.[55])وحتى
الصورة الوصفية الجامدة تتضمن حركة زمانية تستمدها من الألفاظ، والألفاظ أفعال،
والفعل حركة وزمن. الشعر فن زماني، والصورة الشعرية لابد أن تكون زمانية،
والحركة الزمانية أحد أنماط الصورة الفكرية، لهذا نعدّ الصورة الحركية وهي
زمانية) أحد أنماط صور التجديد القائم على الفكر في الشعر العباسي. هذا، بالمقارنة
مع الصور الجاهلية المحدودة مكانيّاً جمود) لازمانياً حركة).[56])
أما إن وجد مايُنعَت بالحركية في الصورة الجاهلية، فهي حركية سردية قائمة على التصوير الحسي الحرفي
أكثر منها على التفكير الحيّ[57])،
الذي نجد بعض نماذجه عند الطائيَّين، وبكثرة عند أبي تمام. 1/أ: الصورة الحركية
أدرك أبو تمام بعمق إحساسه جمالية الحركة، فهو يرى من خلال
التضاد أن الحركة هي الأصل في حسن الطبيعة وجمال الأرض على خلاف الأشياء المصنوعة
الثابتة:
والتضاد عند أبي تمام وسيلة من وسائل الإيحاء بالحركة. يقول:
فبين حوَّم) ووقّع) تضاد، الغاية منه الإيحاء بشدة حركة
التحويم بالنسبة إلى سكون الوقوع. هذه الحركة ماكان بإمكان الشاعر أن يرسمها لنا
أو يوحيها إلينا لولا علاقة التضاد بين التحويم والوقوع. والحركة هنا شعورية تصوّر
حالة نفسية زاخرة بالحياة والاضطراب. وأبو تمام بارع في رسم هذه الصورة الباطنية
الداخلية، كما في قوله:
وقد تتخذ الحركة عند أبي تمام شكلاً أفقيّاً، يعبّر بها عن
الاتّساع والانتشار. يصف الخمرة فيقول:
والحركة هنا بطيئة وأبو تمام بارع في التقاط الصور الحية من
حوله، وإن كانت غريبة. يأخذ المتنبي عليه صورة قرية النمل) فيقول:"أمّا أنا
فيبعد عن وهمي ويَندُّ عن سمعي قرية النمل)، وما سوى ذلك فلَه وجه".[62]) لكنّ البطء ليس سمة عامة للحركة التمّامية، وهو القائل
بالحركة والفعل، وصاحب المزاج العصبي المتناقض. فالحركة عنده تغلب عليها صفة
السرعة، والسرعة مرسومة بأشكال متعددة، فنحن نراها في سرعة النبل):
كما نراها في صور التدفّق[64])،
والخضخضة[65])، واللعب[66])،
والانحطاط من العالي[67])، والانقضاض[68])،
والانهمار[69])، بل إنها
خَطْفٌ ولَمْحٌ:
وقد يفيد أبو تمام من الأمثال ليكني بها عن السرعة، كما في
قوله:
يقول المعري في شرح هذا البيت: "يقال كان ذلك كلا ولا
أي وشيكاً عَجِلاً، والمعنى أن الإنسان إذا نَهَى غيرَه يُكّرِر "لا"
مثل أن يقول له اذهبْ إلى موضع كذا فيقول لإرادة المبالغة "لا لا" فيجيء
الحرفان متصلين لا تفاوت بينهما فجعلوه مثلاً في السرعة". هذا، ونلاحظ فيما تقدَّم أن الحركة السريعة عند أبي تمام
مرتبطة بصفة القوة. هذه الصفة في الصور الحركية تبدو أوضح في قوله:
فصور الإذابة والتمزيق والحزّ والعض، كلّها صور حركية تقوم
على فعل قوة. وأمر آخر نلاحظه في هذه الصور، وهو تأسيسها على أفعال.[74])
وهذا في رأينا بتأثير الفكر، بل هو أحد أساليبه. ولعلّنا نجد في هذه الفعلية ما
يعمّق الصفة الحركية في الصورة. هذا المنحى
الفكري الغالب علىصور أبي تمام الحركية، يبدو لنا واضحاً في قوله:
حيث يقوم بتحويل المجردات إلى أفعال حركية، فالنوى ينقضّ،
وسماء الجود تنهمر[76]). وفي هذا
التحويل أبلغ دلالة على حركية ذهن أبي تمام، فهو لا ينظر إلىالمجرّدات بجمودها
الفكري وإنما يسبغ عليها حركية حسية، والحركة زمن والزمن فكر. إن نظرة أبي تمام
إلى الكون نظرة حركية ترى الأشياء متحركة متفاعلة بعضها مع بعض، لهذا كان لابدّ أن
تظهر هذه الحركية حتى في صوره المجرّدة. وما هذا الامتزاج بين المجردات والحركة
الحسية، في الواقع، إلاّ صورة لمذهب الشاعر القائم على مزج الحسّ بالفكر. هذا التجسيد الحركي لصور المجردات يبدو لنا أيضاً في قوله:
يقول الآمدي: "فجعل للبث -وهو أشد الحزن- خطواتٍ في
بدنه، وأنه قد قصرها، لأنه ما قصر في الطلب، وهذا من وساوسه
المحكمة".فالآمدي، برغم مآخذه على الشاعر، معترفٌ له بإحكامِ الصنعة
والتصوير. والصورة هنا قائمة على التجسيد الحركي لصورة مجرّدة وحالة نفسية شعورية. ومثلما برع أبو تمام في تحريك المجرّدات، كذلك برع في تحريك
الجمادات، مما لا يمكن تحريكه، كالوجوه والعيون:
وفي هذا دليل آخر على حركية ذهن أبي تمام. إن جميع هذه الصور
قائمة على المبالغة، والغرض منها التعظيم والتفخيم والتهويل. بقي أن نلاحظ الحركية في صورة الجمع، والحركة فيها داخلية
تدور حول نقطة واحدة، هي ملتقى الإشعاعات على اختلافها. يقول أبو تمام:
ولمّا كان الجمع يعني الائتلاف الذي قد يكون بين المختلفات،
فإن صورة الجمع بالتالي صورة فكرية تقوم على موقف فكري من الكون قوامه التأليف بين
المتناقضات. وللبحتري شبيه بهذه الصورة، صورة الجمع. يقول:
ويبدو التضاد هنا أوضح في جمعه بين المشارق والمغارب. والحركة عند البحتري يغلب عليها الطابع الحسي، وإن كنا لا
نعدم بعض اللمحات الفكرية فيها، كما في قوله:
فالتحويل هنا يتم من المستوى المعنوي الآمال) إلى المستوى
الحركي الحسي اصطراع)، وهو تحويل فكري لا يقوم على التشابه الحسي الحرفي بين
الطرفين. ومن أمثلة هذه الحركية الفكرية أيضاً تشبيه العطايا بالسيول
في زليلها[82])، أو تشبيه
حركة الكفر والإنعام بحركة الهروب.[83])
وقد يفيد البحتري من أساليب القياس المنطقي الفكري في رسم حركية صورته. يقول:
والصورة هنا مؤلّفة من عناصر حسية، لكنّ تركيبها فكريّ.
والحركة فيها هادئة تأملية. مثل هذه الحركة التأملية الداخلية نجدها أيضاً في
قوله:
وغاية الحركة هنا رسم حالة شعورية. والبحتري شديد العناية
بتصوير المشاعر والعواطف، بل إن عنايته بذلك بلغت به أن استخدم الحركة النفسية
وسيلة لتصوير الحركة الجسدية:
أراد البحتري تصوير سرعة السفن فلم يجد أفضل من هذه الصورة
النفسية صورة ذكر النعام إذا تفزع فأسرع)، يستعيرها للإيحاء بهذه السرعة الحركية.
وهذا دليل واضح على عناية الشاعر بالشعور يستمد من عالمه ملامح صوره الحسية
والفكرية. والبحتري كثير العناية بصورة الهروب، فهنا هروب ذكر النعام،
وهناك هروب الرجال[87])، وفي البيت
التالي صورة الهارب:
وصورة الهروب توحي إلينا بالحركة السريعة، وأحياناً الخاطفة،
والبحتري بارع في تصوير هذه الحركة، بل إنه من الطبيعي أن يعجب بها ويصورها، وهي
أكثر وضوحاً من الحركة البطيئة وأكثر تعبيراً عن حياته القلقة المتقلبة. وإذا كانت عناية أبي تمام بتصوير الحركة السريعة مظهرا من
مظاهر فكريته، فإن البحتري بقي محافظاً على الملامح الحسية الظاهرة في صوره
الحركية. فالحصد والسفك للسيف[89])،
والابتداء يسبق السؤال[90])، والجنود
يتسرّعون إلى حتوفهم[91])، والرجاء
محطوط عن مركب صعب[92])، والممدوح
مسرع علوّاً في المكرمات كإسراع السيل في انصبابه[93])،
وبين اتجاه الحركتين هنا تضاد، فحركة الممدوح تصاعدية بينما حركة السيل تنازلية. وتظهر هذه السرعة الحركية عند البحتري أيضاً في وصفه حركة
فرار قائد الروم:
وهي صورة مستمدّة من الطبيعة القاسية. وتكثر عند البحتري
الاستعارة من عناصر الطبيعة في وصف الحركة، نجد ذلك في قوله:
وفي هذه الاستعارة دليلٌ آخر علىمكانة الطبيعة من نفس
البحتري. وكما كان للطبيعة أثر في ذات الشاعر، كذلك كان للخمرة. يظهر
هذا الأثر جلياً في صورة السكران والنشوان التي يستعير الشاعر حركيتها في رسم
صورته:
ولا يخفى علينا مافي هذه الصورة من عشقٍ للحياة وملذاتها. والبحتري
أكثر ولعاً بالحياة من أبي تمام، وقد انعكس هذا الولع بوضوح في صوره، بما أفاضه
عليها من حيوية وماء حياة. هذه الحيوية الحركية تظهر جلياً في وصف خروج المتوكل
يوم العيد:
أولع البحتري بوصف الحركة والسرعة، وبرع فيه براعة متميّزة.
فهو يدير المعاني في هذا الباب بما يتفق مع كل ضرب من ضروبه. فحين يصف فرار قائد
الروم يجعله عبداً للريح،[100])وحين
يصف فرار لؤلؤ من ابن طولون يجعل الهلع يتملكه، ويجعله يرى في السهول صديقاً يفتح
له أبواب النجاة وعدواً يسهّل لعدوه ملاحقته[101]).
والأمر نفسه نقوله في عنايته بالمطابقة بين الصورة والمعنى في وصف حركة الحروب
والرحلات.[102]) وما دمنا نتحدث عن السرعة الحركية في صور البحتري، فلنتوقف
عند أشهر قصائده لننظر في روعة التصوير الحركي وبراعة أداء الشاعر فيها. يقول في
وصف الفرس:
يوحي إلينا الشاعر بالحركة السريعة من خلال صور الحريق
والضرام والهياج. لقد جعل فرسه جمرة يزيد السوط من تأججها. والصورة بألفاظها
جامدة، أما الحركة فإننا نفهمها من معنى الصورة، مما توحيه علاقات الاشتعال
واقترانها بصورة الفرس. هكذا يتمكّن الشاعر من وصف الحركة، فهو لا يصفها وصفاً حسياً
سينمائياً، وإنما يوحي بها. لهذا يرى بعض النقاد أن الحركة في الشعر لا تظهر إلاّ
في نفس القارئ، فالصورة تبقى جامدة طالما لم يسبر القارئ أعماقها، ولم يلحظ
إيحاءاتها. وصورة الفرس عند البحتري مرتبطة بمعاني القوة، لهذا فحركته
دائماً سريعة عنيفة:
وتستوقفنا عند البحتري صورة أخرى، تظهر لنا فيها براعته في
التقاط الحركة وتصويرها، يقول في وصف المعركة:
ويذكّرنا هذان البيتان بقول بشار بن برد:
ربما أخذ البحتري معنى صورته من بشار، كما يمكن أن يكون قد
أخذ صورة دبيب النمل من قرى النمل) عند أبي تمام.[107])
والحركة هنا هادئة، لكنها منتشرة ممتدة الأطراف. والبحتري
يُعنى بمثل هذه الحركية المنتشرة. نجد ذلك في قوله:
وصورة النار هنا تذكّرنا بصورتها في وصف حركة الفَرَس. ونجد
هذه الحركة المنتشرة أيضاً في قوله:
ومن النماذج الرفيعة للحركية السريعة عند البحتري أيضاً قوله
يصف البركة:
تظهر الحركة هنا في صورة الماء والسمك. أما الماء فإنه يتدفق
كالخيل على عجل، وأما السمك فإنه كطير السماء في حركته داخل الماء من حيث التحرك
والاضطراب. والبحتري في صوره الحركية بارع في تصوير التتابع
الحركي،والنموذج الرفيع له في ذلك نجده في قوله يصف الذئب:
أما الحركة فإنها تظهر في هذا التتابع الفعلي المتماسك، وهي
صورة على مستوىعال من الجمال في تصوير الحركة المتتابعة. ويكفينا هذا دليلاً على
حسيّة البحتري وبراعته في التصوير الحسي. ومما يدعم رأينا هذا في غلبة الحركية الحسية على صور
البحتري، ما عمد إليه في وصف الإيوان من تحريك الجمادات. يقول:
نجد أنفسنا نشرف على معركة حقيقية، لا نقف أمام لوحة جامدة.
هنا تكمن براعة البحتري في تحريك الجوامد، وهنا يتجلّى الفارق الحقيقي بين الرسام
والشاعر. لقد استطاع البحتري بلوحته هذه أن يجسّد بشكل تطبيقي الفارق بين الرسام
والشاعر، فالحركة تظهر في لوحة الشاعر أوضح وأجلى مما هي عليه في لوحة الرسام، إذ
يلتقط الرسام الصورة الواقعية في حركيتها، فتبرز لنا لوحته هذه الحركية إيحاء،
لكنَّه يبقى مقصّراً عمّا يبلغه الشاعر في رسمه هذه الحركية. أما وسيلة الشاعر إلى
رسم هذه الحركات فاللفظة والفعل، حيث تتجسّد الحركة بهما أمامنا في سياق زمني.
ونعود هنا إلى وصف حركة الذئب لنلاحظ فيها دور الأفعال والفاء الرابطة في الإيحاء
بالحركة الزمنية. كما نعود فنذكّر بالروح الانفعالية الغالبة على قصيدتي الذئب
والإيوان، مما يعلّل امتزاج السكون بالحركة، وهو بالتالي صورة لامتزاج الذاتي
بالموضوعي. هذا الامتزاج بين السكون والحركة في إطار انفعالي نجده أيضاً عند
البحتري في قوله:
إن البحتري إذ يعمد إلى تحريك الجمادات، إنما يشي بطبيعته
الحركية وغلبتها على شخصيته. لكنّ هذه الحركية عنده حسية انفعالية، وإن كانت غير
منقطعة الأصول الفكرية، على حين غلبت على صور أبي تمام الحركة الفكرية، وإن كانت
جذورها حسية. بقي أن نشير في مجال الحديث عن الصور الحركية عند البحتري
إلى قوله:
حيث
تتجلى براعة الشاعر ومهارته في رسم الحركة المتتابعة المستمرة زمنيّاً. والبحتري
في هذه الصورة يرسم تتابع حركة الممدوح واستمراريتها، موازناً بين هذا التتابع وتتابع
أمواج البحر وتلاحقها. وبما أن البحر غير فان وحركة تَتابُع أمواجه من ثمّ غير
منقطعة، فإن الشاعر يوحي إلينا في هذه الصورة باستمرار عطاء الممدوح وعدم انقطاعه.
لقد استطاع البحتري من خلال إفادته من حركة البحر أن يوحي بتلك الاستمرارية
الزمنية وذاك التتابع الحركي، مازجاً بين الفعل الحسي متجلياً في الحركة، والفعل
الفكري متجلياً في الزمن. هذا، والفعل الشعوري غير غائب، فهو الذي مكّن الشاعرمن
رسم هذه اللوحة الجميلة. |