الصُّورَة الفَنِّيَّة في شِعر الطَّائِيَّيْن بين الانفعال والحسّ - د.وحيد صبحي كبَّابَه

دراسـة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 01:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
1/ب: الصورة الجامدة

1/ب: الصورة الجامدة

إلى جانب الصور الحركية نلاحظ صور الجمود، وهي تلك التي تهدف إلى تثبيت اللحظة الزمنية وبالتالي الفعلية التي يدور في فلكها الموصوف. إن الصورة الجامدة، والحال هذه، تصبح شديدة الشبه بلوحة الرسّام أو تمثال النّحات، وذلك من حيث الثبات وتجاوز الزمن.

والشاعر في سبيل رسم هذه الصورة، يعمد إلى وسائل متعددة وصور متنوعة، منها صورة الجبل. فأبو تمام في رثاء بني حميد، يصور لنا المرثيّ وقد وقع بين براثن الموت، كأنّه مشدود إلى جبل، لا مفرّ له مما هو محتوم عليه:

مع الحَمِيَّةِ كالمشدودِ في قَرَنِ([1])

 

وَلّى الحُمَاةُ وأَضحى عندَ سَوْرَتِهِ

أما البحتري فحين أراد تصوير ثبات الفتح بن خاقان في المعركة ودفعه الأعداء عن الشاعر، لم يجد أفضل من صورة الجبل توحي بهذا الثبات:

دَفَعْتُ بِرُكْنٍ من "شَرَوْرَى" وَمَنْكِبِ([2])

 

ودَفْعِي بكَ الأعداءَ عنّي، وإنّما

وصورة الجبل فضلاً عمّا تدلّ عليه من جمود وثبات، توحي بالقوة والصلابة.

ويمكننا أن نعدَّ من صور الجمود أيضاً صورة المسافات، ومثالها قول أبي تمام:

ما بَيْنَ أَنْدَلُسٍ إلى صنعاءِ([3])

 

ما سَرّني بِخِداجها من حُجَّة

وقصر "الجرماز" عند البحتري بسكونه وجموده شبيه بالقبر:

وإخلالِهِ بَنِيَّةُ رَمْسِ([4])

(م)

فكأنّ "الجِرمازَ" مِنْ عَدَمِ الأُنسِ

والصورة هنا بالإضافة إلى ما توحيه من جمود وسكون، تتضمن معاني الوحشة والرهبة.

وإذا كانت صورة القبور بجمودها توحي بالرهبة، فإنها ذات دلالة إشراقية في مقام الرثاء، وهذا، دون أن تتخلى عن قيمة الثبات التي تدل عليها. يقول البحتري في رثاء حميد الطوسي:

مواقِعُها مِنْها مَواقِعُ أَنْجُمِ([5])

 

قبورٌ بأطرافِ الثُّغورِ كأنّما

والنجومُ أيضاً تتضمن قيم الثبات والجمود.

ب/2- الصورة والوضوح

القيمة الأولى التي طالب بها النقادُ العربُ الشعراءَ هي قيمة الوضوح. وذلك يعود إلى موقف جمالي نقدي من طبيعة العمل الشعري، فالشاعر مهمته إيصال تجربته إلى الناس، لهذا عليه أن يراعي الوضوح في شعره حتى يكون كلامه مفهوماً.

وقد ترتّب على هذا التقديم أمور عدة نتجت عنها نتائج عديدة. لقد ترتّب على تقديم النقاد الجمهورَ على الشاعر أن ألغَوا شخصية هذا الأخير، ففرضوا عليه قالباً محدَّداً ووضعوا له نماذج معيّنة يحاكيها في شعره ليحقق ما يسمّى بالوضوح ومن ثمَّ الإيصال. من هنا نشأت فكرة المثال الشعري أو الصورة المثال.

وقد نتج عن هذا كله نتائج عديدة، برزت جميعها في مفهوم النقاد والأدباء عن طبيعة الإبداع الشعري. فالشاعر حتى يكون واضحاً يجب أن يبتعد عن المجرّدات وأن يحافظ على المحاكاة الحسية لظواهر الأمور، كما يجب عليه أن يكون صادقاً في محاكاته. ولا نعني بالصدق هنا الصدق الشعوري، وإنما هو الصدق الحرفي الشكلي في تصوير الواقع. وهذا يؤدي إلى الشكلية.

2/أ: الدقة

وقد ذهب النقادالعرب إلى أبعد من ذلك فرأوا الجمال في التكثيّف، فكلما حشد الشاعر الصور الحسية الحرفية في البيت الشعري، كان أبرع وكانت شاعريته أرفع. يلخص محمد مندور موقف النقاد العرب التقليديين من الإبداع الشعري فيقول: "فأنصار القديم يرون بحق أن الشعراء الجاهليين كانوا أصدق شعراً وأقرب إلى المألوف من المحدثين الذين يغربون ويبعدون بنا عن معطيات الحواس المباشرة، التي هي مادة الشعر وسبيله إلى إثارة الصور في نفوس السامعين وبعث الأصداء الملازمة للواقع... وعلى هذا النحو نرى الفارق بين المذهبين: مذهب القدماء العريق في حقيقة الشعر من حيث أنه يصاغ من معطيات الحواس المباشرة بعيداً عن التجريد والإغراب، ومذهب المحدثين الذين يسرفون ويقتسرون ويضربون في عالم المجرّدات".([6])

أمّا أوّل أساليب الوضوح فهو الدقّة في المحاكاةِ الحسية. هذه الدقة نجدها في قول أبي تمام:

فَقَدْ دَقَّ عن حِقْفٍ وَقَدْ جَلَّ عن غُصْنِ([7])

 

ومحتَكمٍ في الخُمْصِ طَوْراً وفي البُدْنِ

لقد حدّدَ الشاعر صورة موصوفه: دقَّ عن حقف وجلَّ عن غصن. ولكنه برغم هذا التحديد المزعوم بقيت صورته غامضة لا نستطيع أن نحدّها بدقة حسيّاً.

أما صوره التالية فهي أدقّ تحديداً، ومن ثم أوضح تعبيراً:

قنا الخَط إلاّ أنّ تلكَ ذوابِلُ([8])

 

-مها الوَحْشِ إلاَّ أنّ هاتا أوانِسٌ

أَبْشارُها صَدَفَ الإحصانِ لا الصَّدفا([9])

 

- لآلئٌ كالنجومِ الزُّهْرِ قد لَبِسَتْ

ولعل سبب هذه الدقة التصويرية يعود إلى ذلك الاستخدام الفني لأسلوبَي الاستثناء([10])والنفي([11]). ونلاحظ في هذه الأبيات أن الاستثناء والنفي زائدان على الصورة الأصلية، وهي صورة حرفية شكلية. وذلك، زيادة في وضوح الصورة وتحديدها.

وتختلف أساليب الدقة والوضوح عند البحتري عنها عند أبي تمام، فالدقة عند ذلك مرسومة ببراعة أكبر، تنم على دقّة ملاحظة حسية بصرية. يقول في وصف صفحة البركة:

مِثلَ الجواشِنِ مصقولاً حَواشيها([12])

 

إذا عَلَتْها الصَّبا أَبْدَتْ لَهَا حُبُكاً

إن التجعّدات التي تركتها الريح على صفحة الماء تشبه الدروع. أما أطراف البركة، ولم تنلها كفّ الريح، فقد بدت مصقولة وكأنها أطراف تلك الدروع. و البحتري في هذه الصورة دقيق الملاحظة، والصورة التي يأتي بها شديدة الشبه ودقيقة المطابقة مع الصورة الأصلية التي يصفها.

وتتكرر صورة الدروع عند الشاعر في قوله:

في كلِّ معركةٍ متونُ نِهاءِ([13])

 

يَمْشُونَ في زَغْفٍ كأنَّ مُتُونَها

هناك شبّه صفحة الماء بالدروع، أما هنا فقد قلب الصورة فشبه الدروع بصفحة الماء. وهذا يدلنا على الترابط مابين الصورتين، ومن ثمّ على المعاني الإشراقية التي تتضمنها صورة الحرب عند البحتري. أما ما يهمنا هنا فهو تلك البراعة في وصف اللوحة، فالشاعر لا يشبّه طرفاً محدداً بطرف آخر، وإنما هو أمام لوحة يجلب لها صورة أخرى من الطبيعة يجعلها النظير والمطابق. أما اللوحة المطابقة فهي شديدة الشبه الحسي بالصورة الأصلية، وكأننا أمام نسختين لصورة واحدة.

ومثال هذه المطابقة الحسية الدقيقة عند البحتري أيضاً قوله:

حُشاشَةُ نَصْلٍ ضَمَّ إِفْرَنْده غِمْدُ([14])

 

وَليلٍ كأنّ الصُّبحَ في أُخرَيَاتِهِ

هنا أيضاً يسمو البحتري في دقة تصويره لانبلاج الصباح من الليل. إن حركية هذا الانبلاج تشبه حركية انسحاب السيف من غمده وقد بدا طرفه الناصع من سواد الغمد. والصورة هنا، فضلاً عن الدقة التصويرية فيها، قائمة على انسياب حركي هادئ. ونلاحظ في هذا المقام أيضاً ظهور صورة القوة مرتبطة بصورة الطبيعة عند الشاعر، وهذا في رأينا مرتبط بتقديس مذهب القوة في عصر اصطبغ بحمرة الدماء.

هذه الحركية في ولادة البياض من السواد، والصباح من الليل، والصفاء من العَكَرَة، نجدها مكرّرة عند البحتري في قوله:

صِبْغُ الشبّابِ عن القَذَالِ الأَشيَبِ

 

والعيسُ تَنْصُلُ من دُجاهُ كما انْجَلَى

كالماءِ يَلمَعُ من وراءِ الطُّحْلُبِ([15])

 

حتى تجلّى الصبحُ في جَنَبَاتِهِ

وتحتمل هذه الصورة دلالة أخرى أيضاً، فهي تتضمن إشارة بارعة إلى فكرة التضاد وتوالد الأمور من أضدادها، وإن لم يبلغ بها البحتريّ المستوى الفكري الذي بلغته عند أبي تمام. والبحتري بارع، ليس فقط في التقاط الصورة الحسية المطابقة، وإنما في التقاط هذه الصورة في حركيتها. وهذا في رأينا دليل واضح على غلبة الحسية، والحركية منها خاصة، على نفسية البحتري وصوره.

هذا، ولا نعدم عند البحتري أيضاً بعض أساليب الاستثناء، كما في قوله:

والشمسِ إلاّ أنّها لا تَغرُبُ([16])

 

كالبدرِ إلاّ أنّها لا تُجْتَلَى،

 

والاستثناء أحد أساليب الدقة الحسية والوضوح الشكلي.

***

2/ب: الحرفية

 أما الحرفية، وهي أحد أنماط التصوير التقليدي وأحد أساليب الوضوح التصويري، فإننا نجد لها نماذج كثيرة عند كلّ من الطائيين على السواء.

مثال هذه الحرفية الشكلية عند أبي تمام قوله:

نجومُ سماءٍ خَرَّ مِنْ بينها البدرُ([17])

 

- كأنّ بني نبهانَ يومَ وفاتِه

أَتَتْكَ بِلَيْتَيْها مِنَ الرَّشَأِ الفَرْدِ([18])

 

- ومن جيدِ غيداءِ التثنّي كأنّما

فجعل بني نبهان في البيت الأول نجوماً كما جعل المرثي بدراً في صفة الضياء الغالب على ضياء النجوم. أمّا وقد مات فإن الفاجعة شديدة، وكأنما البدر قد سقط من بين النجوم، فساد الظلامُ الكونَ. وفي البيت الثاني جعل جيد فتاته شبيهاً بجيد الرشأ الفردِ في صفة الحسن، وهي صورة تقليدية.

ومن هذه الصور الحرفية التي تعتمد على الحسية الشكلية أيضاً قوله:

ولِحاظُهُ سَيفٌ حُسَامُ([19])

 

أصداغُهُ ألِفٌ ولامٌ

وقد يعتمد أبو تمام في بعض قصائده على هذه الصور الحرفية أساساً للتصوير الشعري. نجد ذلك مثلاً في القصيدة السادسة حيث يقول:

كالغيثِ في انسِكابِهْ

 

الحسنُ بنُ وَهْب

والشَّرْخِ من شَبَابِهْ

 

في الشَّرْخِ من حِجَاهُ

كالحَلْيِ والتهابِهْ([20])

 

وحُلَّةٍ كَسَاها

وفي هذه الحرفية، بالشكل الذي وردت عليه، إشارة إلىكذب العاطفة. فالشاعر في القصيدة معنيّ بتتبُّع الصور بغية التعجيب دون التعبير عن عاطفة حقيقية.

لكنّ الحرفية عند أبي تمام ليست خالصة، فهناك دائماً شيء جديد داخلٌ فيها. يقول:

تَوَقَّدُ لِلسَّاري لَكُنَّ كواكِبا([21])

 

وجوهٌ لَوَ انَّ الأرضَ فيها كواكبٌ

فجعل الوجوه شبيهة بالكواكب، لكنه قيّدها بالشرط وهو أحد أساليب التصوير الفكري، فأخرج الصورة بذلك عن الجمود التقليدي والجفاف التصويري.

ويقول أيضاً:

شَمْسٌ وهُنَّ مع الظَّلامِ نُجُومُ([22])

 

لَمَعَتْ أَسِنَّتُه فَهُنَّ مَعَ الضُّحَى

في هذا البيت يشبّه أبو تمام الأسنّةَ بالشمس تارة وبالنجوم تارة أخرى. ولو اقتصر الأمر على ذلك لكانت الصورة جامدة جافة، لكنّ الشاعر ببراعته الفكرية أخرجها مخرجاً جديداً عن طريق الاقتران الزمني في صورة المشبه به: فهذه الأسنة شمس مع الضحى ونجوم مع الظلام. وهذا الأمر دليل واضح على نزعة أبي تمام التصويرية، وميله إلى عدم الإخلاء. فالصورة الواحدة (الأسنة) كانت تستدعي إلى ذهنه أكثر من مثيل ونظير (الشمس والنجوم).

وتبلغ براعة أبي تمام التصويرية به أن يفيد من الصور التقليدية، فيركّب من أكثر من صورةٍ  صورةً جديدةً هي خلاصة هذه الصور مجتمعة، وإن لم يكن لها رصيد واقعي. فعمق ثقافة الشاعر ورهافة إحساسه ويقظة فكره أهّلته لأن يفيد من تلك الصور التراثية، فيفكك علاقاتها ويخلق منها صورة جديدة. يقول في وصف فرس:

خَلفَ الصَّلا مِنْهُ صَخْرةٌ جَلْسُ([23])

 

هَادِيِهِ جِذعٌ مِنَ الأراكِ وما

إن جيد الفرس يشبه جذع الشجرة من حيث الضخامة، كما يشبه نبات الأراك من حيث الملاسة. والصورتان بهذا الشكل العلاقة فيهما حرفية حسية شكلية. فأخذ الشاعر هاتين الصورتين وفكَّك تلك العلاقة فيهما، ثم أعاد تركيبهما في صورة جديدة(جذع من الأراك)، وهي صورة غير واقعية، إذ إنّ نبات الأراك لا جذوع له.

وتبدو لنا الحرفية عند البحتري أوضح وأكثر نماذج. يقول في فتاته:

وللقضيبِ نَصيبٌ من تثنّيها([24])

 

في حمرةِ الوردِ شكلٌ من تلهُّبِها

ويقول في وصف البركة:

من السَّبائِكِ تجري في مجاريها([25])

 

كأنّما الفضّةُ البيضاءُ سائلةً

ويقول مادحاً:

وإنّما أَمزُجُ راحاً بِراحْ([26])

 

أَمزُجُ كأسي بجَنَا ريقه

في البيت الأول يشبّه البحتري خدود محبوبته بالورد في صفتي الحمرة والتلهّب، كما يشبّه قوامها بالقضيب في صفة التثني. وفي البيت الثاني يشبّه الماء بالفضة البيضاء في صفة الصفاء، ويلائم بين الفضة والماء فيأخذ من الماء صفة السيولة ويجعل الفضة سائلة، والصورة هنا حركية. أما في البيت الثالث فإنه يشبّه ريق محبوبه بالخمرة في صفة العذوبة. والصور جميعها تقوم على الثنائية الحرفية الشكلية، إذ يعمد الشاعر إلى تشبيه شيء بشيء آخر دون أن تكون لصورته وظيفة أخرى تقوم بها.

وإذا كانت صور البحتري المتقدمة مركَّبة تركيباً حرفياً تقليدياً فإن الأثر الحضاري بارز بوضوح في صور الطبيعة والفضة والخمرة. ولعلّ هذا الأثر يبرز أشد وضوحاً في قوله في قصيدة البركة نفسها:

ريشَ الطَّواويسِ تحكيهِ ويَحْكيها([27])

 

مَحفوفَة برياضٍ لا تزالُ تَرَى

ولنا أن نتخيّل طبيعة هذه اللوحة المتداخلة الألوان التي أوحى الشاعرُ إلينا بها في هذه الصور.

بقي أن نلاحظ أن الصور الحرفية عند البحتري غالباً ماكانت تُرسَم في إطار انفعالي، على حين كان أثر الفكر بارزاً في صور أبي تمام.

 

***

2/ج: التكثيف

وتنقلنا الصورة الحرفية إلى أسلوب تصويري ثالث، طالما أُعجِبَ القدماء به وعدّوه عنواناً لبراعة الشاعر. هذا الأسلوب هو أسلوب التكثيف التصويري، حيث يعمد الشاعر فيه إلى حشد الصور في قصيدته. وكلما استطاع أن يكثّف هذا الحشد في بيت واحد كان أبرع وكان البيت أروع.

وأبو تمام شاعر الصور، وإذا كان لا يتكلم إلا بصور فإن هذا لا يعني تقليديته، فالتكثيف عنده يخرج على الحدود الحسية ليتناول الأمور الفكرية. إنه تكثيف فكري، وهذا في رأينا أصعب من النمط الحسي الذي شاع في بعض نماذج الشعر القديم.

من هذا التكثيف عند أبي تمام قوله:

وابنِ الغزالِ في غَيَدِهْ([28])

(م)

كالخُوطِ في القَدِّ والغزالةِ في البهجةِ

ثلاث صور اجتمعت في هذا البيت لترسم صورة المحبوب. إنه كالغصن في حسن قوامه، وكالشمس في إشراق وجهه، وكولد الغزال في تثنيه. والصور جميعها حسية حرفية.

ومن تكثيفه أيضاً قوله:

في حِلْمِ أحنفَ في ذكاءِ إياسِ([29])

 

إِقدامَ عَمْرٍو في سماحةِ حَاتِمٍ

يأتي هنا لممدوحه بأربع صور، فهو مثل عمرو بن معد يكرب في صفة الإقدام، ومثل حاتم الطائي في السماحة والجود، ومثل الأحنف بن قيس في صفة الحلم، ومثل إياس بن معاوية في صفة الذكاء.

والصورة هنا حرفية تقليدية، لكنّ أبا تمام يرفدها بصورة فكرية، الأمر الذي يُخرج هذه الحرفية مخرجاً فكرياً:

مَثَلاً شَروداً في النّدى والباسِ

 

لا تُنكروا ضَربي لَهُ مِنْ دُونِهِ

مَثَلاً من المِشكاةِ والنِّبراسِ([30])

 

فالله قد ضَرَبَ الأَقَلَّ لِنُورِهِ

وإذا كان أبو تمام قد رفد الصورة الحرفية هنا بصورة فكرية، فإنّه قد يكثّف في الصور الفكرية نفسها:

لا يَزْخَرُ الوادي بِغَيرِ شِعابِ

 

فاضْمُمْ أَقاصِيَهُم إليكَ فإنّهُ

بَيتاً بلا عَمَدٍ ولا أَطنابِ([31])

 

والسَّهمُ بالرّيشِ اللُّؤَامِ ولن تَرَى

يأتي أبو تمام هنا لفكرته بثلاث صور حسية. أما الفكرة فهي عظمة شأن الممدوح بقومه وأقاربه، وأما الصور الحسية فهي صورة الوادي والسهم والبيت: مثل الممدوح مثل هذه الصور، فكما أن الوادي لا يعظم سيله حتى تدفع فيه الشعاب التي حوله، وكما أن السهم لا تستقيم إصابته إلاّ بلأم ريشه، وكما أن البيت لا يستقيم إلاّ بعمده وأطنابه، كذلك الممدوح لن تتم سيادته إلاّ بقومه وأقاربه. وهو بذلك يحضّه على التأليف لهم، والصبر على مكروههم، واحتمال أذاهم، والصفح عن جانيهم، لأنه لن تتم له السيادة بغير ذلك.

وغالباً ما يعمد أبو تمام إلىهذا التكثيف في مقدمة قصائده، وكأنما يريد بذلك لفت النظر إلى صنعته، حتى إذا ما مضى في القصيدة قلّ هذا التجمّع الصوري، وبدأت تنساب الأبيات انسياباً، ولكنْ من غير أن تبتعد عن الصنعة التصويرية والزخرف البديعي. يقول في مقدمة قصيدته في عمورية:

في حَدِّهِ الحَدُّ بينَ الجِدِّ واللَّعِبِ

 

السيفُ أصدقُ أنباءً مِنَ الكُتبِ

متونهنَّ جلاءُ الشكِّ والرِّيَبِ

 

بيضُ الصّفائحِ لا سودُ الصحائفِ في

بين الخَمِيسَيْن لا في السبعةِ الشهبِ([32])

 

والعِلمُ في شُهُبِ الأَرماحِ لامعةً

ويقول في مقدمة قصيدته في الربيع:

وغدا الثّرى في حَلْيِهِ يَتَكسَّرُ

 

رقَّتْ حواشي الدَّهْرِ فَهْيَ تَمَرْمَرُ

ويدُ الشتاءِ جديدةٌ لا تُكفَرُ

 

نَزَلَتْ مقدّمةُ المصيفِ حميدةً

لاقَى المصيفُ هشائماً لا تُثْمِرُ([33])

 

لولا الذي غَرَسَ الشتاءُ بكفِّهِ

 

إن الفنان عامة، والشاعر خاصة، يتألف عمله من مجموعة دفقات، كل واحدة منها تبدأ شديدة عنيفة غزيرة، ثم تهدأ لتعود من جديد إلى شدتها وعنفها. هذه الدفقة قد تكون في وسط القصيدة، وقد تكون في أوّلها، وقد تكون في آخرها. أما أبو تمام فإنها تبدأ معه من أول القصيدة لتستمر غالباً إلى نهايتها. وهذا دليل واضح على براعة الشاعر الإبداعية، وعلى تملكه أداته التصويرية.

وليس غريباً أن يعمد أبو تمام إلى التكثيف في شعره، وقد قلنا إنه يتكلم بصور ولا يكاد يخلي بيتاً من غير أن يضمّنه صورة. مثال الكلام بصور عنده قوله:

وانحَلَّ فيهِ خَيْطُ كُلِّ سماءِ([34])

 

- فَسَقَاهُ مِسْكَ الطَّلِّ كافورُ الصَّبَا

صارَ ساقاً عُودِي وكانَ قضيبا([35])

 

- أنضرَتْ أَيكَتي عطاياكَ حتّى

وعناية أبي تمام بعدم الإخلاء والتكثيف في الشعر قد تخرجه إلى التكلّف والإغراق في الصنعة. نجد ذلك في قوله:

وأَشاعِرٍ شُعْرٍ وخَلْقٍ أَخْلَقِ([36])

 

بِحَوَافِرٍ حُفْرٍ وصُلْبٍ صُلَّبٍ

ومثال التكثيف عند البحتري قوله:

مُنَظَّمٍ أَوْ بَرَدٍ أَوْ أقاحْ([37])

 

كأنّما يضحكُ عن لؤلؤٍ

جمع البحتري في هذا البيت كلَّ ما شُبِّه به الثّغر، وقد كانت تكفيه دلالة على المعنى المقصود صورةٌ واحدة، لكنّه جاء بالصورتين الأخريين على سبيل المبالغة في بيان جمال ثغر المحبوب.

ومن أمثلة هذا التكثيف عنده أيضاً قوله:

ليناً، والرِّئْمُ طَرْفاً وجِيدا([38])

م

فَهِيَ الشمسُ بَهْجَةً، والقضيبُ الغضُّ

هنا أيضاً جاء بثلاث صور معادلة لصورة المحبوب. والخلاف واضح بين هذه الصورة والصورة السابقة، فهنا جاء بثلاث صور، كلّ واحدة منها تخصّ جزءاً من ذات المحبوب، أما هناك فالصور الثلاث جاءت تصف ثغر المحبوب، وهذا أشد إِغراقاً في الصنعة والتكلّف والمبالغة.

 وربما أخرج الشاعر النموذج الثاني مخرج النموذج الأول من حيث التكلّف والصنعة والمبالغة. يقول:

مُمَيَّلٍ، والدِّعْصِ غَيْرَ مُهَيَّلِ([39])

م

كالبَدرِ غيرَ مُخَيَّلٍ، والغُصْنِ غَيْرَ

يقول صاحب إعجاز القرآن: "التشبيه بالبدر والغصن والدعص أمر منقول متداول، ولا فضيلة في التشبيه بنحو ذلك... إن هذه الاستثناءات فيها ضرب من التكلف، لأنّ التشبيه بالغصن كاف، فإذا زاد فقال: كالغصن غير معوج، كان ذلك من باب التكلّف خللاً، وكان ذلك زيادة يُستغنى عنها، وكذلك قوله: "كالدِّعص غير مهيّل"، لأنه إذا انهال خرج عن أن يكون مطلق التشبيه مصروفاً إليه، فلا يكون لتقييده معنى".([40])

لكنّ الجديد عند البحتري هو أنه يكثّف في صور الحقيقة:

نُ التّصافي، وأُسرةُ الآدابِ([41])

 

شِيعَةُ السُّؤدُدِ الغربيبِ وإخْوا

وأن التكثيف في بعض نماذجه مرتبط بالشعور من جهة وبالفكر من جهة أخرى، فهو تكثيف شعوري فكري:

ك مِزاجي، ووردُ خدَّيْكَ وِرْدِي([42])

 

سِحْرُ عينيكَ قهوتي، وثنايا

أما الانفعال ففي موضوع البيت، وأما  الفكر ففي ذاك التحويل الحسي- الفكري: فالسحر مشروب، والثنايا مزاج، والخدود منهل.

ومع ذلك تبقى الحسية الحرفية هي الطاغية على صور التكثيف جميعها عند البحتري. هذا، وإذا كان البحتري يخلي في قصائده فإننا لا نعدم بعض الدفقات التكثيفية عنده، كمافي قوله يمدح:

أَدْنَى، وأَعْقَبَها "أبا يَعْقُوبَا"

 

فاتَ العُلاَ بـ"أبي سعيدٍ" صِنْوِهَا الـ

شمسُ المشارِقِ إذْ أَجدّ غُروبا

 

كالبدرِ جَلّى ليلَهُ ثم ابتَدَتْ

كانت له الكَفُّ الخضِيبُ رَقيبا([43])

 

أو كالسِّماكِ إذا تَدَلّى رُمْحُهُ

يبقى أن نقول إن التكثيف عند البحتري لا يبلغ حدّ التكلّف الذي بلغه عند أبي تمام، وهذا يعود في رأينا إلى تلك الانفعالية التي كانت تشوب صور البحتري فتخفف عنها صنعتها وتخرجها مخرج المستحسن المقبول.

***

2/د : التفصيل

إذا عدنا إلى أبيات البحتري السابقة لاحظنا أن الصورة الحرفية عنده غير خالصة لنفسها، فهي مقيّدة بالوصف أو الشرط. هذا الأسلوب نسمّيه بالتفصيل، حيث يعمد الشاعر فيه إلى التفصيل في الصورة المستعارة، وربما فصّل في الصورة الموصوفة. والشاعر في هذا الأسلوب لا يقف عند الحدود الشكلية لطرفي الصورة، وإنما يفصّل في أحد الطرفين، وغالباً مايكون التفصيل في الطرف الثاني، زيادةً في الوضوح وتسهيلاً لعملية التوصيل. ومن نماذج التفصيل عند أبي تمام قوله:

لتبطَّحَتْ أُولاهُ بالبَطحاءِ

 

سيلٌ طما لو لم يَذُدْهُ ذائِدُ

وغَدَتْ حَرًى مِنهُ ظهورُ حِراءِ

 

وغَدَتْ بُطونُ مِنىً مِنْ سَيْبهِ

يُخْصَصْ كداءٌ مِنْهُ بالإِكْدَاءِ

 

وتَعَرَّفَتْ عَرَفاتُ زاخِرَهُ ولمْ

بُرْدَيْن بُرْدَ ثَرى وبُرْدَ ثراءِ([44])

 

ولطابَ مُرتَبَعٌ بِطَيْبَةَ واكتسَتْ

يشبّه الشاعر الممدوح بالسيل. هذه هي الصورة المحورية التي تدور حولها الأبيات. أخذ أبو تمام هذه الصورة، ثم راح يفصّل في صورة المشبه به، فالسيل طما وغدت بطون مِنىً مُنىً، وتعرّفت عرفات زاخره، وطاب مرتبع بطيبه. والصورة التفصيلية هنا صورة شرطية تبدأ بأداة الشرط في البيت الأول، ثم يتوالى الجواب في الأبيات التالية. ولا يخفى علينا مافي هذا الشرط من فكرية، ومافي هذا التفصيل من توضيح لصورة المشبه التي يريد الشاعر رسمها، ومن نثرية.

 ومثاله الآخر عند أبي تمام قوله:

بالعَذْلِ وَهْناً أُخْتُ آل شِهابِ

 

أَذكَتْ عليهِ شِهابَ نارٍ في الحَشَا

قرأتْ به الوَرْهاءُ شَطْرَ كتابِ([45])

 

عَذَلاً شَبيهاً بالجنونِ كأنّمْا

الصورة المحورية هنا هي صورة العذل. يتناول الشاعر هذه الصورة فيدير حولها مجموعة من الصور الثانوية المتفرّعة على سبيل التفصيل والتوضيح في صورة العذل. يبدأ أبو تمام بذكر أثر هذا العذل في النفس (شهاب نار)، وهذه نتيجةٌ المفروضُ أن تتأخر على الأصل. ثم يعود فيفصّل في صورة العذل: إنه عذل شبيه بالجنون. وهذه صورة أخرى تتعادل مع الصورة الأولى (شهاب النار)، وكلاهما نتيجة... ثم يأتي بصورة أخرى يفصّل فيها صورة الجنون: إنه شبيه بقراءة الورهاء شطر كتاب.

 صورة تستدعي أخرى، وكلّها تخدم الفكرة المركزية، هذا هو أسلوب أبي تمام في رسم صوره. ونلاحظ هنا أن الصورة التفصيلية لا تكاد تخرج على الصورة التكثيفية من حيث الحشد التصويري.

لكنّ هذا الحشد هنا يخدم طرفاً واحداً، يفصّله ويوضّحه ويبيّن أثره. كما نلاحظ البعد الفكري واضحاً في هذه الصورة، حيث يتعامل الشاعر مع المعنويات والأفعال.

ومن أمثلة التفصيل أيضاً قوله:

قَطَعَتْ فيَّ وهْيَ غَيْرُ حِدادِ

 

بَعدَما أَصْلَتَ الوُشاةُ سيوفاً

يِ كانتْ ضعيفةَ الإِسنادِ([46])

 

من أحاديثَ حينَ دَوَّخْتَها بالرأْ

يبدو لنا تركيب الصورة هنا أعقد منه في ما تقدم، فطرفا الصورة موزعان على البيتين وبطريقة مقلوبة، فالمشبه به في البيت الأول (سيوفاً)، والمشبه في البيت الثاني (أحاديث). وكلّ من هذين الطرفين محاط بهالة تفصيلية توضّحه وتبيّن حدوده: فالسيوف قاطعة وهي غير حداد، وفي هذا تضاد، أما الأحاديث فضعيفة الإسناد لمّا أُعمِلَ العقلُ فيها.

 

أما التفصيل الشرطي فنراه بوضوح في قوله:

بهَضْبِ رَضْوَى إذاً مَالاَ براجِحهِا

 

جاءَتْ بصقْرَين غِطريفَين لو وُزِنا

مَغالِقُ الدّهرِ كانا من مَفَاتِحِها

 

بها شميَّيْن بَدْرِيَّينِ إن لَحَجَتْ

نارَيْنِ أُوقِدَتا في كَشْحِ كاشِحها([47])

 

نصلانِ قَدْ أُثْبِتا في قلبِ شانِئِها

وهذا التفصيل غير منفصل عن القياس الفكري، بل إن أبا تمام قد يستخدم هذا القياس مكثِّفاً من صوره، مفصِّلاً في فكرته:

ما غِبتَ عن بَصَري ظَلِلْتَ تَشَدَّقُ؟

 

أَخَرِسْتَ إذْ عايَنْتني حتّى إذا

بعدوِّهِ ويَحُولُ ساعةَ يُصْدَقُ

 

وكذا اللئيمُ يقولُ إنْ نأتِ النّوى

حتى إذا وَلَّى تولَّى ينهقُ!

 

عَيْرٌ رأى أسدَ العرينِ فهالَه

ليلاً وأصبحَ فَوْقَ نَشْزٍ يَنْعَقُ([48])

 

أومِثْلَ راعي السُّوءِ أَتلفَ ضأْنَهُ

هذا، والتفصيل عامة لا يكون إلاّ في صورة المشبه به، يقول أبو تمام:

لِي ثُمَّ جُدْتَ وما انتظرتَ سؤالي

 

ورأيتَني فسألتَ نفسَكَ سَيْبَها

أَوْ لم يُرَدْ، بُدٌّ مِنَ التَّهْطالِ([49])

 

كالغيثِ ليسَ لَهُ، أُريدَ عَمَامُه

والصورة هنا فكرية. وعليه نقول إن العلاقة في معظم الصور الفكرية علاقة تفصيلية، غايتها توضيح الفكرة المصوّرة.

ومن أمثلة التفصيل في المشبه به أيضاً قوله:

لها راحَةٌ مِنْ جودِهمْ وأصابعُ؟.([50])

 

فأيُّ يدٍ في المجدِ مُدَّتْ فلم تكنْ

شبه المجد باليد، ثم جعل لهذه اليد راحة وأصابع، على سبيل المبالغة في فكرة الكرم. وقد يكون التفصيل في صورة المشبه. نجد ذلك في قوله:

إلى كلِّ من لاقَتْ وإنْ لَمْ تَوَدَّدِ([51])

 

هِيَ البَدْرُ يُغنيها تَوَدُّدُ وجهِها

والصورة هنا فكرية قائمة على علاقة تضاد في صورة المشبه (هي)
تودّد لم تودّد.

وقد يكون التفصيل في الطرفين معاً، كما في قوله:

قُ كِلاهُما مالا يُطاقُ

 

الموتُ عندي والفرا

سِ فَذَا الحِمامُ وذا السِّياقُ

 

يَتَعاونان على النفو

ماقيلَ مَوتٌ أو فِراقُ([52])

 

لو لم يَكُن هذا كذا

وقد يتداخل الطرفان في التفصيل، كما في قوله:

فلُجَّتُهُ المعروف والجُودُ ساحِلُهْ([53])

 

هو اليَمُّ مِنْ أيِّ النّواحي أتيتَهُ

بعد هذا كله، نعتقد أنه بات بإمكاننا معرفة السبب في تسمية أبي تمام بخطيب منبر. لقد أراد الشاعر الوضوح في شعره، فلجأ إلى أساليب الفكر والمنطق، ولم يأخذ بأساليب القدماء ومألوفهم. ولما جعل النقاد العرب الوضوح النثري مقيَّداً بأسلوب العرض المنطقي، رأوا في أبي تمام، وقد استخدم هذا الأسلوب في شعره، خطيب منبر.

وللبحتري نماذج من هذا الأسلوب التفصيلي في شعره، لكنه تفصيل شعوري. وهو أمر عهدناه في شعر البحتري وصوره. يقول مادحاً:

فموتُكَ أَنْ تَلْقاهُ في النَّقْع مُعْلِما([54])

 

- هو الموتُ، ويلٌ منهُ، لا تلقَ حَدَّهُ

قَصِفٌ، وبارِقُهُ حريقٌ مُشْعَلُ([55])

 

- وعفا كما يعفو السحابُ ، ورعدُهُ

ويقوله هاجياً:

إذاً وَقَعَتْ على الأرضِ السماءُ([56])

 

هو الجبلُ الذي لولا ذُرَاهُ

في هذه الأبيات الثلاثة تقوم الصورة على تفصيل الطرف الثاني (الموت، السحاب، الجبل). وإذا كان البحتري يستخدم في تفصيله الصور الحسية فإن ملامح الفكر لم تغب عنه. ففي البيت الثاني يقارن بين فعلين: فعل الممدوح وفعل السحاب، وفي البيت الثالث يلجأ إلى الشرط.

ولا نعدم عنده هو الآخر نماذج من التفصيل في الطرف الأول، كما في قوله:

منهُ قُرْباً تَزْدَدْ من الفَقْرِ بُعْدا([57])

 

هو بَحْرُ السّماحِ والجودِ فازدَدْ

وقد يلجأ البحتري في تفصيله إلى المقارنة بين الطرفين مميِّزاً أحدهما من الآخر على سبيل المبالغة في صفة الطرف الأول:

لِمُبْصِرِها، وأنّها في ثِيابِها([58])

 

هي الشمسُ إلاّ أنّ شمساً تَكَشَّفَتْ

والبحتري، وإن كان أشد محافظة من أبي تمام على وحدة البيت، قد يخرج على هذه الوحدة في بعض شعره، مفصِّلاً في طرفي الصورة:

وَلِيَتْهُ عِصَابةٌ من عِصَابَهْ

 

خُلُقٌ منهمُ تَردَّدَ فيهم

ويُفني في كلِّ عصرٍ قِرابَهْ([59])

م

كالحُسامِ الجُرازِ يبقى على الدَّهْرِ

والصورة هنا فكرية، قائمة على التمثيل الحسي لفكرة مجرَّدة. وهذا يؤكد ماذهبنا إليه من أنّ الصورة الفكرية- هذا النمط منها فقط- أحد نماذج التفصيل في الشعر.

 



([1]) ديوان أبي تمام 4/141 ، وانظر أيضاً صورة الجبل في 2/171 ب 25.

([2]) ديوان البحتري 1/195، وانظر 1/116 ب 11، 296 ب 23.

([3]) ديوان أبي تمام 1/16.

([4]) ديوان البحتري 2/1155.

([5]) المصدر نفسه 3/1945.

([6]) النقد المنهجي لمندور 88-89.

([7]) ديوان أبي تمام 4/279.

([8]) المصدر نفسه 3/116.

([9]) المصدر نفسه 2/360.

([10]) انظر المصدر نفسه 1/143 ب20، و2/341 ب3، و3/140 ب 47، و 4/568 ب4.

([11]) انظر المصدر نفسه 2/446 ب 72.

([12]) ديوان البحتري 4/2418.

([13]) المصدر نفسه 1/11.

([14]) المصدر نفسه 2/742.

([15]) المصدر نفسه 1/80.

([16]) ديوان البحتري 1/72، وانظر 3/1744 ب 13، و1/172 ب27.

([17]) ديوان أبي تمام 4/81.

([18]) المصدر نفسه 2/111.

([19]) المصدر نفسه 4/270.

([20]) ديوان أبي تمام 1/108.

([21]) المصدر نفسه 1/139.

([22]) المصدر نفسه 2/290.

([23]) المصدر نفسه 2/226.

([24]) ديوان البحتري 4/2410.

([25]) المصدر نفسه 4/2418.

([26]) المصدر نفسه 1/436.

([27]) المصدر نفسه 4/2420.

([28]) ديوان أبي تمام 1/427.

([29]) المصدر نفسه 2/249.

([30]) المصدر نفسه 2/250..

([31]) المصدر نفسه 1/88.

([32]) ديوان أبي تمام 1/40-41.

([33]) المصدر نفسه 2/191.

([34]) المصدر نفسه 1/25.

([35]) ديوان أبي تمام 1/171.

([36]) المصدر نفسه 2/410.

([37]) ديوان البحتري 1/435.

([38]) المصدر نفسه 1/591.

([39]) المصدر نفسه 3/1742.

([40]) إعجاز القرآن للباقلاني 223.

([41]) ديوان البحتري 1/84.

([42]) المصدر نفسه 1/523.

([43]) المصدر نفسه 1/185، وانظر بقية الأبيات 12-14.

([44]) ديوان أبي تمام 1/10-12.

([45]) المصدر نفسه 1/77-78.

([46]) المصدر نفسه 1/362.

([47]) ديوان أبي تمام 1/354.

([48]) المصدر نفسه 4/395-396.

([49]) المصدر نفسه 3/78.

([50]) المصدر نفسه 4/586 ، وانظر 1/184 ب18.

([51]) ديوان أبي تمام 2/23.

([52]) المصدر نفسه 4/240.

([53]) المصدر نفسه 3/29.

([54]) ديوان البحتري 4/2088.

([55]) المصدر نفسه 3/1600.

([56]) المصدر نفسه 1/36.

([57]) المصدر نفسه 2/731.

([58]) ديوان البحتري 1/231.

([59]) المصدر نفسه 1/146.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244