|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:58 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الخاتمة
الطائيان
بين البداوة والحضارة
في موازنتنا بين الطائيين لا يمكننا الإسراف في ادعاء بداوة
البحتري خالصة وتحضّر أبي تمام خالصاً. فقد استمدّ كلّ من الاثنين مصادر ثقافته من
الحضارة العباسية ومن التراث العربي البدوي معاً، على اختلاف في نسبة هذا التأثر
وطبيعته. أما البحتري، فقد كانت حياته مزيجاً من بداوة وحضارة، فترك
كلّ من هذين الجانبين بصماته واضحة على صوره. لقد نشأ البحتري نشأة بدوية، فولد في
منبج وعاش في باديتها وبقي يحنّ إليها ويتردّد عليها طيلة أيام حياته[1]). وقد ظهر أثر هذه الحياة البدوية التي عاش في
كنفها في شعره ظهوراً سافراً، نجده في ميله إلى القديم بشكل خاص، وفي بعض موضوعات شعره في وصف الذئب والأسد
والفرس مثلاً)، كما نجده في فنه عامة، الأمر الذي أكسب شعره الأصالة والعفوية،
وطبع روحه بالبساطة والصدق والنقاء بعيداً عن التفلسف والمنطق الجامد. ومن آثار
البداوة في شاعريته أيضاً، ميله إلى المشاعر والعواطف يستقي منها أشعاره، وإلى
الخيال الصافي الجلي الذي يميل إلى المحسوسات بعيداً عن العقليات والمجرّدات. وقد
برز أثر البداوة أخيراً، في ابتعاد الشاعر عن الصنعة والتكلّف وميله إلى الطبع
والغنائية. هذا جانب من حياة البحتري، أما الجانب الآخر فنجده في حياة
اللهو والترف التي عاشها عن طريق اتصاله بالخلفاء وعلية القوم وحياته في القصور.
هذا الجانب الحضري من حياة البحتري كان له هو الآخر أثره البعيد في شعره. أما في
الموضوع فنجد أثر الحضارة بارزاً في
صورالعمرانالقصور والبرك والحدائق والرياض)، وأما في الفن فأثر الحضارة يظهر في
الميل إلى الزخرف والشغف ببهاء الألوان، كما يظهر في خياله المصبوغ بالأصباغ
الزاهية. ويبقى تأثّر البحتري بجوانب الحضارة تأثّراً بالصبغة
الخارجية، إذ إنه ظلّ بدوياً في معانيه وعقليته. لقد تجلّى تأثّره بالحضارة في وصف
معطياتها دون أن يتجاوز ذلك إلى الإبداع الشعري نفسه. وعلى خلافه كان أبوتمام، فقد ظهر أثر البداوة في جوهر
الإبداع الشعري عنده. أما مصادر هذا التأثّر فيمكننا أن نعيدها إلى تلك الثقافة
الواسعة التي حصلها. وقد استطاع أبو تمام بذكائه الحاد وشاعريته الفذّة، أن يصهر
هذه المعطيات التراثية البدوية في بوتقة ذاته -وهي متشبّعة بمعطيات الحضارة-
فيخرجها إلى الناس مخرجاً جديداً غير مألوف، الأمر الذي كان وراء هجوم النقاد عليه. وأبو تمام شاعر عاش في الحاضرة، واتصل بكبار مثقّفي عصره مذ
كان شاباً يافعاً يخدم في الجامع بمصر. فلا عجب، إذاً، إن اختلف أثر الحاضرة في
ذاته وفي شعره عن أثرها في البحتري. فقد كان لحياة العلم من ناحية، والترف من
ناحية، وحياة القصور من ناحية أخرى أثرها الكبير في شاعرية أبي تمام. هذه الآثار
يمكننا أن نجد أثرها في ميله إلى الصنعة وخروج شعره إلى التكلّف، كما نجدها ظاهرة
في اعتماده على صور الفكر والفلسفة والمجرّدات، ممّا أبعد شعره عن العفوية، وطبعه
بالغموض والتعقيد. ويتداخل الأثران في شعر الطائيين، فنحن نشعر عند كل صورة أنّ
هناك نَفسَاً بدوياً ونفساً آخر حضرياً فيها، وإن غلبت البداوة على صور البحتري
والحضارة على صور أبي تمام[2]). وتختلف صور البداوة أو الحضارة عند أبي تمام عنها عند
البحتري. أما صورة البداوة، فتظهر عند أبي تمام في مظاهر عدة، فقد تبرز في صورة
الفيافي[3])، وفي صورة
الخيمة: الأوتاد والطنب[4])، والنؤي
والوتد[5]). كما نجدها
في صورة الأثافي[6])، والدمن[7])،
والمراح والعقال[8]). وربما ظهرت
البادية في صور الأفعال كفعل الحلب[9])،
وتتصل به صورة الحليب واللبن[10])،
أو فعل الإلقاح[11]) والإناخة[12]). وتبقى صور الحيوانات الصحراوية أبرز ما يتجلّى فيه أثر
البداوة في شعر أبي تمام. فصورة الكلكل مكّررة عنده[13])،
وكذا صورة العير[14])، والبعير[15])،
والجمل[16])، والآرام[17])،
والمطية[18])، والنجية[19])،
والجآذر[20])، والأسروع[21])،
والأسد[22]). أما الناقة فيبدو أن صورتها ذات أثر بعيد في نفس أبي تمام،
لهذا كثرت استعارته لها ومنها[23])،
وما صور الحلب واللبن والإلقاح في الواقع إلاّ إحدى مشتقات صور الناقة. وصورتها في
رأينا متصلة بعناية أبي تمام بصورة المرأة، فالناقة رمز العطاء والحياة، وكذلك
المرأة. المرأة عطاء اجتماعي للإنسان، والناقة عطاء اقتصادي، وهما معاً سبب حياته. ونلاحظ هنا أن أبا تمام يستمد معظم صوره البدوية من الصحراء.
وهذا يؤكّد ما ذهبنا إليه من أن مصادر صوره هذه ثقافية، فهو لم يتصل بالصحراء ولم
يعرفها إلاّ عن طريق الثقافة والعلم. وعلى خلافه كان البحتري، فقد اتصل بالصحراء وببادية منبج
بالتحديد. لهذا كان من الطبيعي أن تظهر صور البادية في شعره، فهو حين يصف المعركة
البحرية التي خاضها العرب مع أسطول الروم[24])،
يعود بخياله إلى البادية فيستعير صورة ترديد صوت المسنّ من الإبل ليشبّه به ضجيج
البحر بين رماح المحاربين:
هذا التحويل من صور الحضارة إلى صور البادية نجده أبلغ في
تشبيهه السفنَ بالنوق. هذه المركوبات الحضرية تستدعي إلى ذهن البحتري صور النوق
وهي مركوبات القدماء، وكأن هذه تلك. والبحتري بارع في مقارنة الجزئيات بعضها ببعض:
"فهو
يشبه السفن التي حملته ومن معه بالنّوق، ويشبه الطحلب العالق بها من طول مكثها في
الماء بالزّبد الخارج من أفواه الإبل، ثم يصف هذه السفن بأنها سود الخدود لأنها
مطليّة بالقار. ثم يصف بعد ذلك سرعتها فيقول إنها تطير بخمس خوافق أي أربعة مجاديف
وقائم الشراع، ويشبهها بالظّليم الذي هو ذكر النعام حين يجفل من الفزع"[27]).
وهكذا يصدق القول بأن البحتري شاعر جاهلي فطري في عهد الثقافة العربية. ويظهر أثر البداوة أيضاً في شعر البحتري، في صور النتاج[28])،
وبقر الوحش[29])، والجمل[30])،
والأعجاز[31])، والرشأ[32])،
والنقا [33])، والناقة[34])،
والإبل والشاء[35])، والأسد[36])،
وهي جميعها صور بدوية صحراوية. لكن المجتمع البدوي الذي عاش فيه البحتري واستمد منه صوره
مجتمع رعويّ زراعي، لهذا السبب كثرت لديه صور الحلب:
ولعَلّ صورة المطر تعمّق من الجانب الزراعي الذي وجدناه في
صورة الحلب. وهذا طبيعي وبادية منبج وتربة حلب خصبتان زراعياً، الأمر الذي كان
لابدّ أن يترك أثره في نفس البحتري، وقد عاش في هاتين المنطقتين ردحاً طويلاً من
الزمن. هذا الجانب الرعوي الزراعي في صورة البادية يبدو لنا أكثر
جلاءً في قوله:
فالممدوح راعٍ وهم الماشية، وحياة الماشية في حياة راعيها،
وحياتهما معاً متوقّفة على مقدار ما يهطل من مطر. من هنا كان الارتباط الوثيق بين
الممدوح والمطر. ويتابع
البحتري كلامه، فيقول:
هذا، وأبو تمام غير بعيد هو الآخر عن الصور الرعوية، فقد
أشرنا إلى ارتباط صورة المطر- العطاء عنده بالبيئة الزراعية الشامية. هذا الجانب
الرعوي نجده مثلاً في قوله:
وهو لا يبتعد كثيراً عن صورة البحتري في جعل الممدوح راعياً.
لكنّ الجديد عنده هو تلك الروح الحضرية التي تأبى إلاّ أن تظهر طاغية بذلك على
الروح البدوية. هذا الامتزاج بين البداوة والحضارة يتجسّد في فعلَي الرعي والبناء،
فالرعي فعل بدوي والبناء فعل حضري. ويظهر الجانب الرعوي أيضاً عند أبي تمام في صور الخصوبة:
وبين الإمراع والإجداب، والجدب والخصب تضاد واضح. ومما يتصل بصور الخصوبة صور النبات والثمر والغرس، وهي كثيرة
عند أبي تمام، ومثالها في قوله:
ومن صور النبات عند البحتري قوله:
وهي قليلة بالنسبة إلى ما ذكرناه عند أبي تمام. وهذا يعود في
رأينا إلى عمق أثر العطاء في نفسه وعلاقة ذلك بالعطاء الطبيعي. ويكفينا دلالة على
ذلك اتّصال هذه الصور جميعاً بصورة الماء -رمز العطاء. ونترك صور البداوة لنبحث عن صور الحضارة، فنجدها عند أبي
تمام متمثّلة بصور الرياض[46])، والحديقة[47])،
والعقد[48])، وبيادق
الشطرنج[49]). وأبرز ما
تتمثل به صور الحضارة صورة الكتابة في قوله:
وتلحق بالكتابة صور الوشي والنمنمة، وهي كلها من معطيات
الحضارة العباسية:
ومما يدلنا على غلبة روح الحضارة على صور أبي تمام، إخراجه
الموضوع التقليدي في حلّة حضرية مشرقة جديدة، كما فعل في البيت السابق، وكما ظهر
في قوله:
الموضوع الذي يصوره أبو تمام تقليدي، وهو وصف الدموع، لكنّه
أخرج هذا المعنى إخراجاً جديداً، فجعله شبيهاً بالرداء المعلم. في هذه الصورة
والصورة السابقة يقوم التحويل من الموضوع التقليدي إلى الصورة الحضرية المنمّقة.
وفي هذا أكبر دليل على سيطرة روح الحضارة على نفس أبي تمام، بشكل أصبحت فيه صورها
الأصل الذي تستدعيه التجارب التقليدية، في حين كان الصواب أن تكون التجربة
التقليدية هي الأصل المستدعَى للتجربة المعاصرة التي يعيشها . وإذا كانت التقليدية قد غلبت على روح البحتري وشاعريته، فإن
هذا لم يمنعه من الإفادة من صور الحضارة. وقد ظهر أثرها عنده بوضوح في صور
الدنانير[53]) والكتاب[54])،
والفضة، والذهب[55])، والياقوت[56])،
والوشي[57]). لكن الأثر
الحضاري يبدو أوضح في رقة الحاشية) في قوله:
وهي صورة مأخوذة في اعتقادنا عن أبي تمام، إذ طالما أكثر هذا
الأخير من استعمالها في شعره. يقول:
وتبقى صورة البحتري أقرب إلى الحس من صورة أبي تمام، فقد
أغرق هذا الأخير في التجريد مما أخرج صورته عن المألوف الواضح إلى الغريب الغامض. ومن الصور الحضرية التي كثر استعمالها عند الطائيين، صورة
الصياغة والمعادن الثمينة، وهي تتصل بما شاع في العصر العباسي من ترف وزخرف وغنى.
يقول أبو تمام في الخمرة:
ويقول البحتري في المطر:
وآخر صور الحضارة التي ظهرت في شعر الطائيين، صور الطبيعة
العباسية الجميلة. فنحن نرى عندهما صور الرياض[62])،
والتفاح[63])، والزهر[64])،
والعرارة والآس والخزامى[65])، والأقحوان[66])،
والخمائل[67])، والعشب[68])،
والأغصان[69])، والصبح[70])،
والورد[71]). والجلّنار[72])،
والربيع[73]). والصورة الطبيعية عامة عند الطائيين صورة انفعالية امتزج
فيها الموضوع بذات الشاعر. يقول أبو تمام في مقام الغزل:
فمحاسن المحبوبة تجد نظائرها في الطبيعة. وربما قصد أبو تمام بصور الطبيعة الإيحاء بفكرة، على نحو
قوله:
فالجلّنار، وهو صورة الحمّى، يحمل في طياته فكرة المرض. هذا
المرض لم يُفقد المحبوب جماله بل زاده حسناً، وفكرة الحسن مستمدّة من صورة
الجلّنار نفسها أيضاً. يقول أبو تمام أيضاً:
وعليه، يبلغ التعبير عند أبي تمام أعلى مراتبه، فالتضاد قائم
في اللفظة الواحدة: الجلّنار رمز المرض والجمال في آن واحد. ويستوقفنا قول
البحتري :
فالشعور القلب) يستدعي إلى ذهن الشاعر صور الطبيعة هذه
كلها. وعليه، يصحّ قولنا بأن صور الطبيعةعند البحتري صور انفعاليةوظيفتها إيصال
انفعال أكثر من كونها وسيلة لرسم صورة. والبحتري يتقدم على أبي تمام في الشعور بالطبيعة، فنراه في
بعض صوره ممتزجاً بها، يعبّر عن شعوره من خلالها:
فالليلُ يساهر الشاعر.ولنا أن نتخيّل طبيعة هذا الهمّ الذي
يعاني منه الشاعر، وثقل وطأته عليه، حتى بات الليل سهران له. هذا، ولم يقف البحتري بالوصف عند مظاهر الطبيعة المخلوقة،
وإنما تجاوزها ليصف الطبيعة المصنوعة، فوصف القصور-الكامل وإيوان كسرى- ووصف
البركة وغيرها.... إن وصف
البحتري لحضارة عصره كان أشمل من وصف أبي تمام لها. ونحن لا نعجب من هذا الأمر،
وهو البدوي المندهش أمام صور الحضارة، فكان لابد من ثمّ أن تثير هذه الحضارة اهتمامه وأن تظهر صورها في شعره. وبرغم الشمول في وصف الطبيعة، لا يكاد البحتريّ يتوصل إلى
عمق رؤية أبي تمام وشمول نظرته إلى الطبيعة. يقول البهبيتي: "إنّ أبا تمام
كان أكثر اتصالاً بمظاهر الطبيعة الحيّة وأشمل نظراً وأوسع آفاقاً. فأنت من أبياته
هناك تسير في موكب الطبيعة الكبرى، المفعم بالرؤى وبالحياة، المتماسك الأجزاء،
المتعانق الحلقات، على حين أنت منه مع البحتري تقف عند تفاصيله الصغرى، وتقاطيعه
الجزئية. ولكنّها على كلّ حال ليست التقاطيع التي تنعدم فيما بينها الرابطة، أو
التي تفقد فيها الوحدة".[79]) وناحية أخرى تتميّز بها صور الطبيعة عند البحتري عنها عند
أبي تمام. فهي عند الأول تظهر لنا بجمالها الطبيعي العفوي، على خلافها عند الثاني
التي ظهرت الصنعة عنده سافرة فيها قصيدته في الربيع). أما سبب هذا الاختلاف فيعود
إلى اعتماد أبي تمام على عقله والبحتري على خياله. يقول البهبيتي : "ومذهب
البحتري في وصف الطبيعة امتداد مستفيض لمذهب أبي تمام في ذلك على فارق بين الاثنين
يأتي من ناحية اعتماد أبي تمام على عقله، ونظره في الأشياء، أكثر من اعتماده على
خياله، على حين يقوم فنّ البحتري على نصيب من الخيال أوفر من نصيبه من العقل:
فتتقدم الألوان، والأضواء قوية ساطعة، تلوح من ورائها الفكرة خافتة، بعض
الخفوت".[80]) ممّا تقدّم جميعه تصحّ مطالبتنا بعدم الإسراف في ادعاء بداوة
البحتري وتحضّر أبي تمام. فقد استمدّ كلٌّ منهما مصادر ثقافته من الحضارة العباسية
ومن التراث العربي البدويّ معاً على اختلاف في نسبة هذا التأثّر وطبيعته. ونختم
بحثنا بالقول: إنّ أبا تمام شاعر فكرة، وإن لم يغب الحسّ عن صوره، وإنّ البحتري
شاعر الحسّ، وإن لم يغب الفكر عنه. لقد كان من الطبيعي أن يصدر كلّ من الشاعرين عن
الحس والفكرمعاً، كما كان من الطبيعي أن يتأثر البحتري بالفكر وقد عاش في العصر
العباسي، وأن يصدر عن غنائية حسيّة، وقد ترعرع في البادية. ومن الطبيعي، أخيراً،
أن يظهر أثر ثقافة أبي تمام في شعره متجلياً في غلبة الفكر على الحس، وإن لم يغب
الشعور عن بعض نماذجه. [1]) انظر الحديث عن طبيعة منبج
وأثرها في شاعرية البحتري في: الموازنة بين الشعراء لزكي مبارك 124-125. [2]) انظر تداخل صور البداوة بصور
الحضارة عند البحتري في: غزل مسلم بن الوليد وأبي عبادة الوليد لمحمد ياسين الحموي
82. [38] المصدر نفسه 3/ 1933، وانظر
1/233 ب 19. |