|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الإنتاجية في الوطن العربي مفهوم الإنتاجية: يقصد ب( الإنتاج) لغوياَ ، ما تصنعه الأمة من ثروات وما تستخرجه من باطن الأرض أما المقصود ب( الإنتاجية) فهو تلك الفاعلية في استثمار الموارد واستخدامها0 أما مستوى الإنتاجية فيحدد على أساس من معيار كفاءة الفاعلية0 ولكن هذا لا يعني أن اتفاقاَ على تحديد مفهوم الإنتاجية حاصل لدى الباحثين لهذا المفهوم ، وهم كثر وينتمون إلى اختصاصات مختلفة ، وداخل الاختصاص الواحد توجد أبحاثهم أيديولوجيات متعارضة0 إلا أننا قد نجد مرتكزات لهذا المفهوم لدى مختلف المهتمين به تتعلق بأهمية ارتفاع معدلات الزيادة في الإنتاج ،وخفض التكاليف ، وتقليص الهدر في الموارد وفي الجهد البشري إلى أدنى حد ممكن0 وفي مجال الجهد البشري يشار دوماَ إلى عدد من العوامل الهامة ذات العلاقة بدوافع العاملين والمديرين ، والكفاية في التصرف والإشراف00000 أما الخلاف في تحديد هذا المفهوم فقد يعود إلى ما ينطوي عليه من عناصر اقتصادية وإلى طريقة التعبير الكمي عن هذه العتاصر0 يؤكد الاقتصاديون ذوو النزعة الرأسمالية على تعريف الإنتاجية من خلال العلاقة بين مدخلات النشاط الاقتصادي ومخرجاته، ويستخرجون الإنتاجية بوساطة عملية حسابية تهدف إلى تعريفها بقياس مدى كفاية الوحدة الاقتصادية بالنسبة التالية: المخرجات ______________________________ ( العمل + المواد + رأس المال ) :بحيث تشكل عناصر مقام الكسر معاَ مدخلات النشاط الاقتصادي ويلجئون من ناحية ثانية إلى تعريف الإنتاجية كونها ( الإنتاجية الكلية للعمل ) التي هي بين الإنتاج والعمل الكلي المستخدم فيه وفق القاعدة التالية : القيمة النقدية للأرباح ( السعر × الإنتاج) الإنتاجية الكلية للعمل= ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأجر القياسي للعامل في الساعة ويميز آخرون بين الإنتاجية الكلية للعمل الذي تمثله علاقة كمية الإنتاج بالعمل الإنساني المبذول فيه ، وبين إنتاجية العمل الذي تمثله كمية الإنتاج والعمل الكلي المبذول ( آي العمل الإنساني مضافا إليه العمل الذي يوجد في المعدات والآلات والمواد الخام)0 إلا أن مفهوم الإنتاجية في كلتا الحالتين لا يبعد عن أهمية العنصر البشري ودوره في رفع المستوى الفني للإنتاج وفي البحث عن أسباب وأساليب تضمن رفع تنظيم العمل وفي تحسين الأداء الوظيفي للفرد حينما كان موقعه في العمل الإنتاجي00 وموضوع الإنتاجية في عصرنا هذا مدار اهتمام الاقتصاديين وعلماء الاجتماع ، علم النفس ، والسياسيين 0 ويعود ذلك ، بصورة خاصة ، إلى تلك الصورة القاتمة التي تثير مكامن الخوف والقلق والعالم يودع قرناَ من عمر الحياة على الأرض ويستعد لاستقبال قرن جديد وتتلخص هذه الصورة ب: << الفوارق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقومية والجنسية ، التي لم تعد محتملة حتى وإن لم يزد خطرها 0 مئات الملايين من البشر يعيشون تحت تهديد المجاعة المباشرة ، وملايين أخرى يخضعون للعذاب الجسدي والفكري وهم أشد بؤساَ من الآخرين 000 إننا مطالبون ليس فقط بإعادة قلب قوى الإنتاج والعلاقات الإنتاجية والاجتماعية، بل بإعادة قلب علاقاتنا مع النوع ، ومع المنظومة البيئية بأكملها>>(1)0 ونظرا لدور العنصر البشري في الإنتاجية وأهميته يجدر بنا أن نلجأ إلى تحديد مفهوم الشخصية المنتجة0 مفهوم الشخصية المنتجة: الشخصية في اللغة ، صفات تميز الشخص من غيره 0 والمنتجة قد لا تكون هكذا لغوياَ وإنما الأصح المنتاجة أي الكثيرة الإنتاج 00 وفي كتب علم النفس تعريفات للشخصية تختلف عن بعضها درجات متقاربة، نأخذ منها التعريف الوارد في قاموس علم النفس وهو: <<الشخصية هي تنظيم متكامل ودينامي للخصائص الجسيمة والخصائص العقلية المعرفية والخصائص المعنوية والخصائص الانفعالية والاجتماعية، ويتضح هذا التنظيم في تفاعل الفرد مع الأشخاص الآخرين وفي الحياة الاجتماعية المبنية على الأخذ والعطاء>>. وحسب هذا التعريف فإن الشخصية تتجاوز المظاهر الخارجية للسلوك البشري لتشمل جماع صفات الفرد وأفكاره واستجاباته الداخلية. وتبعاَ لهذا التعريف فإن للشخصية صفات تميزها ولكنها ليست ثابتة ساكنة وإنما هي حركة وتغير مستمرين وإن بدت من خلالها هوية الشخص على أنها استمرار الماضي في الحاضر وفي نظر الآخرين أيضاَ. إلا أن هذا الثبات كما رأينا ما هو إلا الإثبات نسبي. ويبدو بوضوح أن تغير الشخصية يبدأ منذ السنوات الأولى لحياة الفرد إلا أن سرعة هذه الحركة تختلف في مراحله من مراحل النمو عن غيرها لكنها لا تتوقف. وإن الحركة والتغير مرتبطان بعوامل كثيرة منها ما يتعلق بحوادث النمو ومنها ما له علاقة بالمحيط. ولكن هذه الحركة والتغير لا تعني استبدال شخصية بأخرى وإنما هي لصيقة بالثبات النسبي للشخصية ولا تتعارض معه. يولد الإنسان مزوداَ بقدرات واستعدادات كامنة قابلة للنمو والتشكل ولكن العوامل الحاسمة في ذلك إنما تعود إلى جملة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يوجد منها ويتفاعل معها. وحينما تكون المقارنة بين محتوى الحضارة ومحتوى الشخصية تبدو العلاقة بينهما على أوضح ما يكون إذ أن سلوك الفرد واستجاباته إزاء المؤثرات المختلفة يكاد يكون معادلا لنمط الحضارة التي ينتمي إليها من حيث الخصائص والعلاقات بشكل متكامل . مما يدعونا للتعبير عن ذلك بأن الشخصية بصورة ما تفصح عن ثقافة معينة وبصور تتعدد بتعدد الأفراد الذين ينتمون لهذه الثقافة. وإضافة إلى خاصتي الثبات النسبي ( الهوية) والتغير في الشخصية فإن ثمة خاصة أخرى ندعوها ( وحدة الشخصية). فعلى الرغم من تجلي الشخصية بصور تختلف إحداها عن الأخرى قليلا أو كثيرا سواء من حيث المظهر الذاتي ام من حيث المظهر الموضوعي الا انها تظل بنية تنظيمها الداخلي وتتمثل ابرز معالمها في النظرة الى العالم والتعرض له والانضواء فيه. وتتمثل هذه الوحدة في ( وحدة الأنا – العالم) وهي في وحدتها هذه تنطوي على جانب اساسي يتمثل في الوعي الذي يرشد سلوكها. والشخصية في تفاعلها القائم بينها وبين البيئة تنتظم ككل في اسلوب يشكل ما يمكن ان ندعوه (اتجاه الشخص). هذاالاتجاه يتصف بنوع من الثبات يصعب تبديله تبديلا كاملا.وهو الذي يحدد النمط الذي يتخذه السلوك ويعطيه طابعا مميزا. . من هنا كان لجوء مدارس علم النفس الى تصنيف الناس في انماط يتميز كل منها بطابع او سمات معينة يقربنا هذا من خلع سمة على الشخصية تتعلق بالإنتاجية بحيث نصنف بعضها في خانة الشخصية المنتجة ، أي الشخصية القادرة على الإنتاج بأوسع معانية لا الاقتصار على الإنتاج المادي فحسب. فالشخصية المنتجة –بحسب اريك فروم – تتميز بالمقدرة على استخدام قواها العقلية والجسمية وتحقيق امكاناتها الكامنة فيها . ويتصف صاحبها بانه ذو تفكير مستقل يحترم رفاقه ونفسه لا يعاني الكبت او القلق ويستطيع ان يحقق ذاته ويستمتع بحياته.(2) مظاهر ضعف الإنتاجية العربية وتجلياتها: تعاني بلدان ما يسمى بالعالم الثالث ومنها بطبيعة الحال بلدان الوطن العربي من تدني مستوى الإنتاجية على الرغم من أن بعض هذه البلدان – العربية – لا تعاني من الموارد والإمكانات، فكل الدراسات والأبحاث والإحصاءات تؤكد على توافر الإمكانات وعلى أن قدرة العرب في مجاراة العصر والإسهام في بناء الحضارة المعاصرة ممكنة، وأسباب ذلك متوافرة سواء من حيث امتلاك الأرض والمال او من حيث وجود جحافل من اليد الماهرة الخبيرة واليد القادرة على العمل في الزراعة والصناعة، لكن الملاحظ والثابت غير ذلك: 1 – رغما عن وجود الموارد فإنها لا تستغل بصورة ملائمة لأنها تعاني من سوء الاستخدام بل ويعاني بعضها من عدم الاستخدام أساسا. 2 – الظلم الاجتماعي يعرقل الجهود التي تهدف إلى تحسين الزراعة بصورة خاصة، ويؤدي إلى إنتاجية منخفضة من جانب المزارعين الصغار إما الملاك الكبار والمتنفذون فيحتكرون الانتفاع بخدمات الدولة في الإرشاد الزراعي والقروض. 3 – يتجه الإنتاج نحو المحاصيل الترفيه وإهمال المحاصيل الزراعية الضرورية. والاتجاه نحو إنتاج ما هو قابل للتصدير . ( فبينما كانت مالي تتعرض للجفاف زيدت المساحة المزروعة بمحصولي التصدير لديها وهما الفول السوداني والقطن بحوالي 50% وبما يزيد على 100% على الترتيب في الفترة ما بين 1965 – 1972 .(3) وتقوم الشركات الأوربية باستيراد طعام الفقراء من الدول الفقيرة ( الذرة الصفراء ، فول الصويا ، المنيهوت) لتسمين الماشية باعتبار هذه المحاصيل علفا رخيصا.(4) 4 – تدني الكفاية في إدارة عمليات التنمية وتنفيذها فبلدان العالم المتخلف تواجه منذ بدايات استقلالها مهما اقتصادية واجتماعية كبيرة جدا. ويطرح عاى هذه البلدان مهمة الانتقال من حالة التخلف والتبعية الى حالة التحرر والكفاية الإنتاجية وهذا يتطلب منها تطوير القاعدة الإنتاجية وتحسين كفاية الكوادر البشرية من إداريين وعمال وخبراء ، وتجاوز القيم التي ارتبطت تاريخيا بحالة التخلف القديم والتردي المزمن. ولم يكن أمام هذه البلدان سوى أن تنيط بالدولة مهمة القيام بالدور القائد أو المهيمن على مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية لدفع عجلة التنمية مع ما في ذلك من مخاطرة ومكابرة حيث أن التعرض صارخ بين عظم المهام الملقاة على كاهل النسق السياسي في هذه البلدان وضالة القدرات المتوافرة . فيناط بالدولة في معظم البلدان المتخلفة ومنها بلدان الوطن العربي، إضافة لما هو مناط بالدولة التقليدية من تقديم الخدمات الاجتماعية مثل التعليم ومحو الأمية وإقامة المرافق العامة وإدارتها من نقل ومواصلات ورعاية صحية –إقامة المصانع والمنشآت وتمويل الزراعة إلى جانب دورها في صياغة العقائد السياسية والترويج لها ,وإقامة دولة حديثة تتجاوز ما هو سائد من نظم عشائرية وقبلية ورواسب إقليمية وطائفية (5). ويجد هذا النسق السياسي المتنطع لحمل هذه الأعباء نفسه أمام أفكار تنموية يغري الباحثين في الترويج لهل ,ويسوغها على أنها نوع من البديهيان والمقصود بذلك ما يتصف به هذا النسق من تمركز السلطات والاستبداد وعمله على سيادة ثقافة تتصف بالخنوع والطابع العائلي للنظام السياسي, وطغيان الانفعال والعنف في معالجة المشكلات الطارئة ، مقابل النظم السياسية المتقدمة حيث السيادة للقانون ودولة المؤسسات وثقافة المشاركة والاحتكام لمقتضيات التفكير الوقائعي ونهاية عصر الأيديولوجيات.(6) 5 – افتقار البرجوازية الطفيلية للحد الأدنى من المستويات الخلقية, فحيث انه لم تتبلور في المجتمعات المتخلفة البنى الطبقية تبدو البورجوازية الناشئة ذات طبيعة خاصة بسبب من تطفلها على جسد التنمية وبسبب من ظروف تشكيلها مما أدى إلى عدم امتلاكها للحد الأدنى من الأخلاق الذي لا بد منه في النهوض بالعملية التنموية مما أدى إلى ضعف الإنتاجية، ذلك أن هذه الطبقة النهمة للثروة والسلطة لا تعرف الشبع ولا تمتلك بعد النظر المطلوب على المستوى الاجتماعي ، فهي تطوع العام باستمرار لخدمة مصالحها الضيقة والآنية . وتتصف هذه الطبقة الهشة بسرعة قابليتها للفساد والإفساد . وسرعان ما تتحول هذه البورجوازية إلى بورجوازية دولة مبتعدة عن الواقع الثوري الذي تدعيه في بدايات تسلقها وتسللها وييسر لها هذا التمادي في إخفاء العيوب والتستر على الأخطاء والهروب من الاعتراف بها تحت غبار إعلامي تثيره على شكل زوابع مزوقة بشعارات التقدم والتصدي والصمود أمام الهجمة الإمبريالية ..هذا النمط السلوكي – مع الأسف – يتفشى حتى يصبح هو السائد عند الحكام والمحكومين وعند المثقفين وغيرهم.. وكثيرا ما يلجأ هذا النسق عند اكتشاف عوراته – وما أكثرها – إلى رد النتائج إلى أسباب خارجية متنصلا من المسؤولية. وباختصار فإن أهم ما يميز هكذا تفكير متخلف أنه يتصف بما ينطوي عليه نمط التفكير ( المانيلوفي) من أحلام ضخمة وفعالية منعدمة .(7) 6—نزيف الأدمغة أو ما يعرف بهجرة العقول : سيل الهجرة من الدول النامية بعامة والدول العربية بخاصة إلى الدول المتقدمة صناعياَ وتكنولوجياَ بشك أحد مظاهر الخلل الديمغرافي في العالم ، هذا من حيث الكم أما من حيث الكيف فإن النسبة التي تكاد تصل إلى 100% من هؤلاء المهاجرين فهم من جيل الشباب الذين يفقرون بلدانهم من قوة العمل اللازمة لعمليات التنمية المختلفة وبين هؤلاء ترتفع نسبة أصحاب الكفاءات العلمية ومعظم هؤلاء من الأطباء والمهندسين والمختصين بالعلوم الطبيعية ومن ذوي المهن الطبية والاختصاصات بالعلوم الإنسانية . ومعظمهم يهاجر إلى الولايات المتحدة أولاَ فكندا فالبلدان الأوربية.. وفي إحدى الإحصائيات عن مساهمة الدول النامية من أطباء كل من الولايات المتحدة وكندا يذكر أن هذه المساهمة تمثلت ب 58% من الأطباء و 42% من العلماء والمندسين (8). وما يزال سيل الهجرة مستمراَ وإذا حاولنا تحري أسباب ذلك فإننا واجدوه في : 1- العوامل الاقتصادية المتردية للبلدان العربية. 2- عوامل علمية تتعلق باعتماد البلدان العربية أساليب تعليمية قديمة لا تساعد عل ى الاستفادة من الطاقات الشابة والكفاءات العلمية. 3- معاناة المثقفين بعامة وأصحاب الكفاءات المتخصصة بخاصة من سوء التقدير لمواهبهم وقدراتهم وافتقار بلدانهم للأجهزة والمخابر والمعامل ومراكز الأبحاث التي يستطيعون بوساطتها إبراز قدراتهم وتنميتها وتطويرها. 4- عدم احترام الكفاءات المتوسطة وعدم إعطائها حقها في مجال الحياة الاجتماعية فيشعر المثقف أو المختص أنه غريب في بلده. 5- ضعف الطلب في معظم بلدان الوطن العربي –إن لم يكن نقل كلها – على نتائج البحوث. بينما نجد أن بعض مراكز الأبحاث وأجهزتها تجد ضالتها في استجابة الطلب الخارجي لها. على سبيل المثال << تعاقدت بعض الجامعات والمؤسسات الأمريكية مع الأجهزة العلمية المصرية على 253 مشروعا بحثيا بخلاف (9) مشروعات بحثية تعاقدت عليها وزارة الزراعة مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية خصص لها 93 مليون جنيه خلال سنوات أربع كما ورد في محضر اجتماع شعبة البحث العلمي 16/9/1979 . 6- هناك هجرة داخل الوطن العربي من البلدان غير النفطية إلى بلدان النفط مما أدى إلى خلل في توزيع الكفاءات داخل الوطن العربي من جهة ,وإلى عدم الاستفادة المطلوبة من هذه الكفاءات في البلدان الجاذبة في اختصاصاتها إلا فيما نذر . وقد أدى ذلك إلى نتيجتين سلبيتين: النتيجة الأولى :خلل و عدم استقرار في وضع هذه التي تتطلع باستمرار للفرصة المواتية للهجرة إلى بلدان الجذب النتيجة الثانية : عدم احترام هذه الكفاءات في بلدان الجذب ومعاملتها كأنها كفاءات ثانوية إزاء استخدام العمالة الوافدة من البلدان المتقدمة 7- إهمال الإنسان وتحية دوره من هدف التنمية إلى أداة من أدوات العملية الاقتصادية ففي تقرير التنمية العالمي الذي وزعه برنامج الأمم المتحدة للتنمية تحت عنوان ( تقرير التنمية البشرية السابع ) لعام 1996 ثمة ملاحظات هامة تشير إلى أن الفوارق الاقتصادية بين الدول الصناعية و النامية تنتقل من حالة اللامساواة إلى الحالة الإنسانية (10) وثمة معلومات في ذلك التقرير تش إلى آن العمر المتوسط في الوطن العربي قد ارتفع من 45 إلى 65 سنة لكن نصف سكانة ما زالو محرومين من الماء النقي ومع تضاعف معدل تعليم الراشدين هناك ستون مليونا من الأميين ومع أن النمو الزراعي بلغ 5% إلا أن 73 مليونا لا يزالون تحت حد الفقر وعشرة ملايين لا يحصلون على القوت الضروري, ومع كل الخدمات الصحية فإن معدل وفيات مت هم دون الخامسة أكبر بأربع مرات من البلدان الصناعية . 8 – غياب التعاون العربي والتكامل في المجال التنموي :نمو النزعة القطرية رسوخ الدولة القطرية غيب كل مشاريع التكامل والوحدة في المجال الاقتصادي فرغما عن كل الاتفاقات والمعاهدات حول إقامة تكامل اقتصادي أو اتحاد اقتصادي أو سوق عربية مشتركة فإن تنفيذ ذلك يكاد لا يذكر في عصر يتجه فيه الاقتصاد العالمي نحو قيام التكتلات الإقليمية الواسعة وليس خافيا ما يشكل ذلك من خطر على مستقبل الوطن العربي من زيادة التشرذم ومن مخاطر الوقوع في شرك السياسات الدولية الرامية إلى تزيف وتزوير كل مفاهيم الوحدة والعروبة.... وأقرب مثال على هذه الأخطار المحدقة مشروع الرق أوسطية الذي يريد منه أصحابه وحوار يوه أن يكون بديلاَ عن كل المشاريع الوحدوية الأخرى. الإنتاجية وخيرات العلم والتصنيع: التزمت الأقطار العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال—شأنها في ذلك شأن معظم البلدان التي تحررت بعد الحرب العالمية الثانية من الاستعمار- بخيار العلم والتصنيع. واتخذت هذا الالتزام شكل إفساح المجال أمام الناشئة في الوطن العربي للولوج إلى صفوف الدراسة في المدارس التي أخذت بالانتشار في الأحياء المدينية والأرياف وفي مضارب البدو. لكن ذلك لم ينطلق من سياسات واحدة أو ذات توجهات متشابهة , فإذ تبنت بعض هذه الأقطار مجانية التعليم وإلزاميته في وقت مبكر فإن بلداناَ أخرى تأخرت في تبني ذلك. واتخذت القرارات سواء على المستوى القومي من خلال المنظمات والمجالس العربية في نطاق جامعة الدول العربية للتخلص من الأمية ورفع سن الالتزام وتبني التعليم الأساسي من خلال مفهومي( التربية والصفة الاجتماعية). وقد تبنت استراتيجية تطوير التربية في البلاد العربية وأكدت على تطوير محتوى التربية المدرسية وطرقها عن طريق ( تزييف المدارس التقليدية) على أن يكون ذلك جزءاَ متكاملاَ في التنمية الريفية الشاملة التي ترتكز على الشمول والتكامل في المشروعات, وتنظيم التربية على أساس مرحلي يوفق بين جوانب الاستثمار في التربية وجوانب الاستهلاك والاعتماد في التنمية على أبناء الريف ودور التعليم الأساسي فيها. وعلى الغم من حماسة وزارات التربية في الأقطار العربية لما جاء في استراتيجية تطوير التربية العربية حول رفع سن الإلزام ( عام 1979)إلا أن سن الإلزام لا زال مختلفا بين دولة وأخرى إضافة إلى أن بعض الدول العربية لم تلزم نفسها بتحديد ذلك(!). وإذ يتأكد يومياَ أن لا تقدم لأمة من الأمم وما من ثقافة تدوم بدون العلم تبرز أهمية البحث والتطوير العلمي. ويطهر في هذه المجال القصور واضحاَ على مستوى الأقطار العربية إذ أن ما يخصص من إجمالي إنتاجها السنوي للبحث والتطوير من 3,. %إلى 9,. % وهذا يعادل 1000 مليون دولار في السنة أي بمعدل 4 دولارات للفرد الواحد وأن منظمات البحث العربية تربو على 700 منظمة توظف حوالي (30) ألف عالم ومهندس للبحث توظيفاَ كاملاَ وبالمقارنة مع بلدان أخرى نجد أن مستوى التمويل العربي في هذا المجال منخفض بمقاييس العالم الثالث أذ أن الأقطار المتقدمة فيه تخصص 1% من مجمل دخلها القومي لذلك. وهو شديد الانخفاض بالنسبة للبلدان الصناعية. وإن منجزات البحث والتطوير في الأقطار العربية تكاد تكون ذات طبيعة تطبيقية حصراَ وتبدو الصورة إذا عرفنا أن حصة العلوم الاجتماعية في أقل من 10% . إضافة إلى أنه ( ليست السلامة والتلوث والرفاه البشري والصحة من مظاهر اهتمام الحكومات المحلية أو المركزية في الوطن العربي. هذا الحقل الذي يحتاج إلى عناية متزايدة , لأن التقانة في أيد مهملة سلاح خطير)(11). وإذ يشهد العالم ثورات متزامنة في مجال الحاسوب وتقنيات الاتصال والإلكترونيات الدقيقة فإن الوطن العربي في وضع لا يحسد عليه, حيث أن استخدام الحاسب لازال قاصراَ فحتى الآن لا يرف الحاصل على الشهادة الثانوية عنه إلا اسمه الأجنبي . وفي مجال البرمجة والمعلومات لا نجد لنا مكاناَ على طاولة محتكري المعلومات التي يصدرونها بالطريقة التي تخدم مصالحهم. فأجهزة الحاسب , والتلفاز, آلة الهاتف الحديثة , الراديو , التلكس , تكاد تكون حكراَ كاملاَ على الولايات المتحدة واليابان وفرنسا وهولندا وبريطانيا وألمانيا. وفي مجال الإنتاج الإلكتروني العلمي لأجهزة الاتصال تسيطر على 75 % منها شركات أمريكية , حيث أن الدخل الإجمالي لشركة الاتصالات الأمريكية ( AT&T )عام 1977 بلع 26 بليون دولار أي أكثر من الدخل الوطني لمائة وثماني عشرة دولة من دول الأمم المتحدة. وفي مجال الإلكترونيات الدقيقة فإن هذه التقنية التي دخلت حياتنا من خلال الغسالة والراديو والتلفاز فما زلنا نعاني قصوراَ واضحاَ في معرفتها ودورها في التخفيف من حجم الآلة الكبيرة من التلوث. وهكذا يبدو لدينا عجز في قدرتنا على دمج العلم دمجاَ عضوياَ في كياننا القومي . لأنه مهما اصطنع الاقتباس لنفسه من وسائل ( لن يتحقق دون وجود هياكل علمية وإنتاجية راسخة لدى المقتبس تتيح له فرصة حقيقية للاستفادة منه (12).وليس ذلك فحسب , فقد درجت البلدان العربية على استيراد تكنولوجية جاهزة لا تمتلك المرونة من أجل تكيفها لتكون ملائمة لظروفها. فالتكنولوجيا قبل أن تكون سلعة للتجارة الدولية هي أولاَ معرفة وتنظيم. فالمعرفة والكفاءة الإدارية وطاقة الإبداع تشكل معا ركائز كل تطور تكنولوجي , فليست الآلة بحد ذاتها هي التي تسمح بتراكم الإنتاج , وبالتالي رفعة, بل هي تنظيم أفضل لشروط الإنتاج والإدخال الناجح لطرائق تقنية تزيد في أرباح الإنتاجية الناجمة عن التطور في التنظيم(13). لكن النتائج التي وصلت إليها مشاريع التنمية والتطور السريع في توسع التعليم وتخريج الدفعات الكبيرة من حملة الشهادات ( بخاصة بعد التوسع في التعليم الجامعي الذي لم يرتكز على ربط الجامعة بالمجتمع إلا من نواحي شكلية بحيث تكاد تكون الأبحاث العلمية في مجالات العلوم الأساسية والإنسانية من الندرة بحيث لا تفي كثيرا بحاجات التطور والتقدم ) فهذا التوسع واستيراد التكنولوجيا لم يسهما في رفع الإنتاجية , بل إن الأمر على العكس من ذلك , إذ شهدت الأقطار العربية ضعفاَ واضحا في إنتاجيتها بالقياس إلى البلدان الصناعية. فقد انخفضت إنتاجية العمل في الوطن العربي 42% خلال فترة عشرين سنة نسبة إلى الولايات المتحدة(14). ( والعلم قد يكتسب والمعرفة التكنولوجية قد يمكن حيازتها, لكن ضعف القدرة على الإنتاج قد يحول دون الاستفادة من هذا العلم ومن هذه المعرفة التكنولوجية الممتازة,فبذرة التخلف -- على الرغم من كل شيء – ذات وظيفة رهيبة , تحول دون أن يكون لكل البريق الذي صاحب الإنجازات التحديثية ( تحديث الأجهزة العسكرية , إنشاء الجامعات, استخدام الخبراء والمستشارين) أية قدرات على استنبات تكنولوجية حديثة(15). فالذي حصل فعلاَ لم يكن سوى الإهمال في القدرات والموارد البيئية واستزراع الصناعات ومصانع دون تهيئة المناخ المناسب. أهملت الزراعة التي هي عصب أية عملية إنتاجية وأساس التوازن بين كل قطاعات الإنتاج والذي أدى بالمجتمعات الزراعية التي كانت متوازنة في الأصل إلى أن(أختل توازنها, فأصبحت تستورد حتى المواد الغذائية الطبيعية غير المصنعة لأنها تخلت عن أريافها المنتجة وقبعت في شققها المفروشة وبيوتها الصفيحية والتراب جوار المدن في تقليعة جديدة تمدينية تمشيا مع نزعة الفندقة المجتمعية أو المجتمع الكان في جميع المجالات حتى في مجال بناء الذات الإنسانية وأعني به تهافت التهافت على التعليم ودكاكينه وليس على التربية الفاعلة المخططة والمتوازنة والتي تقوم على السعي لاكتشاف الحاجات عند المتعلمين ومحاولة إشباع هذه الحاجات تلافيا لتربية فوقية استهلاكية فصامية>>(16). أن أوهام التنمية التي عششت في رؤوسنا والتي استندت إلى اعتبارات غير أساسية الانبهار بحضارة الغرب وشعور بدونية قاتلة اعتبرت أن نقل التكنولوجية هوه من الأولويات لكل عملية تنموية , هذه الأوهام لم تستطع أن تنتج أكثر من دعايات إعلامية لهذا النظام أو ذاك ودعاوى في التقدم موهوبة ولم تضف سوى رتوش هشة على صور التنمية وخرائطها . وقد تأت البلدان النامية عن حقيقة مفادها أن التكنولوجيا القادرة على رفع الإنتاجية ليست سوى تلك التي تكون ثمرة جهد ومثابرة واستنفار لطاقات المجتمع بمختلف فئاته . << فاليابان الحديثة صنعها صغار الحرفيين جنباَ إلى جنب مع كبار الإقطاعيين, وإمبراطور جبار كان قد استوعب الحضارة الحديثة. وأمريكا الشمالية قد صنعها رعاة البقر بسواعدهم وعرق جبينهم, وإيمانهم بمجتمع جديد. وثورة أوروبا الصناعية في القرن الثامن عشر قام بها فلاحون حديثو العهد بالصناعة, وعمال مهرة بلا علم خاص>>(17). وماذا نتج عن اعتماد التوسع العشوائي في التعليم غير المخطط والمدروس؟ لم ينتج عن ذلك سوى ابتعاد السواعد الشابة عن العمل في الريف بل وفي المصنع بانتظار التخرج من الجامعات,يبقى الشاب عالة على غيره طوال فترة تحصيلة التي تمتد إلى سن الثالثة والعشرين وفوق ذلك إلى سن الثلاثين دون أن يسهم في العملية الإنتاجية. وليس ذلك فحسب فقد ساد في المشاريع التنموية التركيز على الجانب الاقتصادي مقطوع الصلات عن جوانب الحياة الأخرى, وكان تقليد المراكز المقدمة هو السائد دون الالتفاف إلى القوى الذاتية بل إهمالها وعرقلة نموها. ونما نتيجة لما سبق اقتصاد طفيلي بدلا من تنمية<< القوى الإنتاجية والعلمية والتكنولوجية تنمية استراتيجية بعيدة المدى>> وأهملت عمليات التنمية الاعتماد على النفس ولم تعبأ<<بالإمكانات والطاقات والقوى الوطنية ولا بتحديد مراحل التقدم استراتيجيا وتكتيكيا على ضوء التفاعل الجدلي بين الطاقة الوطنية منظوراَ إليها في تطورها من ناحية وبين القوى المحاصرة والضاغطة وكذا الحليفة والمواكبة لنا في عالم متغير من ناحية أخرى >>(1). وفي الوطن العربي, ماذا حصدنا خلال العقود الماضية من خلال مشروعاتنا التنموية وسياساتنا في تطور ذاتياَ وشاملاَ؟ أم أنا لم نحصد سوى قيام بؤر صناعية لا تغني ولا تسمن بل شكلت في كثير من الأحيان عبئاَ ثقيلاَ على الإنسان العربي كونها مرتبطة بصورة أساسية بمراكز تصدير التكنولوجية. فلا يمكنها أن تتطور أو تنمو لأنها تحتاج باستمرار للخبرات الأجنبية وإلى زرقها بالمعونة الفنية الغربية.. خيار العلم والتصنيع لدينا,لأنه لم يبن على قاعدة من الاعتماد على الذات واستنهاض قواها وقدرتها, أدى إلى حالة من التردي مضحكة مبكية..( وشر البلية ما يضحك). وتعبر العبارات التالية عن هذه الحالة بلغة تزخر بالمرارة وتصفها وصفاَ قد نخطئ إذا قلنا أنه يحمل شيئا من المغالاة. << لماذا تنقلب كل خططنا, كل مؤسساتنا, كل ثوراتنا بين عشية وضحاها إلى نماذج ( متطورة) عن تراث تخلفنا المعهود. كيف يدمر العليم في بلادنا؟.. كيف تهجر الأرياف إلى المدن والمدن إلى ما وراء البحار... ويتم التعاضد والتكافل بين مهندسي السيطرة الرقابية في مراكز التكنولوجية المتقدمة وبين أفواج من العملاء المتطوعين.. إنهم أعضاء في نادي التزييف والإجهاض والإخصاء لكل نباتات المشروع الثقافي المستقبل الذي تصنعه الأمة الناهضة. هؤلاء الأفواج متخرجون إما من المؤسسات التقليدية التي اسمها الجهل , وصار اليوم اسمها الجهل المتعالم التي تخرج الأميين العصريين من حملة الشهادات العليا من جامعات الغرب المتخصصة في تأهيل شباب العالم الثالث لهذا النوع من ( العلم) أو من جامعات المدن الإفريقية والآسيوية وأوروبا الشرقية... إعادة إنتاج التخلف ضمن التقدم المسروق أو المستعار>>(18). وهل أسهمت النظم التعليمية في الداخل في النهوض بالوعي الاجتماعي؟ الوعي الاجتماعي والتعليم جزءان في بنية اجتماعية فحين كانت الهيمنة في التعليم لنظم هندسها المستعمرين فقد لبت تلك النظم رغبات المستعمرين وحققت أهدافها. بحيث أن مخرجات التعليم كانت ذات نتائج إيجابية بالنسبة لمصالحهم وكانت تخدمها. ومن المفروض بالنظام التعليمي في أي بلد من البلدان أن تكون مخرجاته غير محصورة في تلقين مهارات ومعارف وقتية تقتضيها الحاجة الآنية لسوق العمل , بل تجاوز ذلك إلى الإسهام في تشكيل شخصية منتجة فاعلة مبادرة بحيث يكون تحقيق مصالحها الفردية غير متعارض مع تحقيق مصالح الجماعة. وقد شهدت التربية في حقبة الاستقلال محاولات إصلاحية كثيرة متنوعة لكنها – مع الأسف – كانت تركز دوما على الكم ولم تول اهتمامها إلى الكيف. فحل ما هدفت إليه تحقيق نسب مئوية مرتفعة في تعداد الذين يدخلون المدارس أو يتخرجون من مراحلها المختلة. فوقعت في فتنة الأرقام. والنتيجة أكداس من المتعلمين في قطاعات الخدمة المدنية ومؤسسات القطاع العام. ولا يغربن عن البال , كم هي مضللة هذه الوظائف التي يشغلها حملة الشهادات , إنها لا تعني – في الواقع – أكثر من أنها بطالة مقنعة , تسهم في تعميق التبعية وتعميم الاستهلاك وتعميق التمايزات الطبقية, وتشويه الارتباط بين العمل والتعليم وبين العمل والنقلة الاجتماعية. ناهيك عما تكشفه هوية هكذا نظام تعليمي من كبت رغبات المتعلمين وإحباطهم, وقهرهم بحرمانهم من إشباع حاجات مرحلة نمائية معينة مما يسهم في تهيئة ظروف اغتراب الطفل في سن مبكرة عن المدرسة وعن لحظة التعليم وعن شروط التعليم(19). الإنتاجية والشروط الذاتية والموضوعية: لا تعبر الإنتاجية عن نمط الإنتاج ووسائله فقط, بل تعبر أيضاَ عن العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفكرية, كما تعبر عن المعايير الأخلاقية والقيم والاتجاهات وهذا يقتضي إجراء تحديد شامل وموضوعي ودقيق لكل من الحاجات الاجتماعية والفردية وللإمكانات والموارد إضافة إلى تحديد القدرات المناسبة للعمل. ولا تكون عملية تجاوز التبعية والتخلف في عصر التقدم المتسارع والمذهل للعلم والتكنولوجية ممكنة بدون ( استيعاب هذا العصر أي استيعاب معرفة ووسائل إنتاج البلدان المتقدمة لتحقيق نمطها الإنتاجي نفسه لتصبح في درجة تفوقها نفسها وتخطي ذلك بهدف تحقيق السبق). هذا الهدف البعيد والصعب يمكن أن يوضع له المعايير التي تقيس مدى تقدمه نحو مواكبة العصر في شرط من شروطه هو التحكم بالبيئة..... لكن رفع مستوى الإنتاجية يستلزم أيضاَ شروطاَ لازمة وضرورية منها الحفاظ على الموارد الطبيعية ,والحد من سرعة استنفادها, إضافة إلى صيانة البيئة بما يسمح في إبقائها مجالا حيوياَ يسهم في فسح المجال لعمليات إنتاجية متنوعة الأشكال والأهداف وإذا تأملنا هذه الأهداف والشروط العامة فسنصل إلى نتيجة تشكل الهدف الهام والشرط الجوهري في ذلك ألا وهو الشرط البشري. إن اتباع سياسة مناسبة تؤدي إلى امتلاك الوسائل والطرائق المجدية لتكوين كادر من العاملين المنتجين هو وحده الكفيل بتطوير قدرات الإنسان وإطلاق طاقاته الإبداعية. ومن شأن عملية التكوين هذه أن تؤثر في الشروط الأخرى. ولنتأمل علاقة ذلك بالبيئة مثلاَ, فنرى أن الفتك بالبيئة وتلوثها إنما يتمان على يدي الإنسان نفسه, حتى أن أزمة البيئة غدت أزمة عالمية شملت بلدانا مختلفة الاتجاهات ومتفاوتة من حيث درجة التقدم والصناعي. فالإنسان وحده هو القادر على الحفظ على البيئة من أن يدمرها التقدم الاقتصادي, وهوا لذي يستطيع أن يؤمن للطبيعة قدرتها على التحديد ويوجه فاعليته بحيث يكون << استخدام المواد الأولية والطاقة عند إنتاج السلع وتوفير الخدمات العامة في حدود أقل كمية ممكنة لكي تحقق أكبر فائدة بأقل قدر من الموارد>>(20). ويرتبط الشرط البشري ورفع كفايته, إلى حد بعيد وبصورة أساسية, بشعور العامل المنتج بأن حاجاته ملباة. وأن الاتقاء بتلبية الحاجات وفق بناء هرمي لا يعني الاتجاه نحو الحاجات العليا وإهمال الدنيا.إذ لا يمكن تلبية تلك الحاجات إذا كانت حاجات قاعدة الهرم محبطة, ولعل ترتيب( ماسلو) لهذه الحاجات هو الأقرب لإيضاح ذلك, حيث تقع في أسفل الهرم الأمور الأساسية المتمثلة بحاجات الإنسان إلى الطعام والماء والدفء والجنس وذلك بتوفير المأكل والشراب والملبس والمأوى والتكاثر. وتستلزم تلبية هذه الحاجات شروطا صحية تتعلق بشروط عمل مرضية وبتحديد لساعات العمل لصالح وقت أكبر من الفراغ, وابتعاد عما ينهك العضلات والانزعاج إضافة إلى المزيد من الأجر. ويتمثل المدماك الثاني من هرم الحاجات بالنواحي التي تتعلق بحاجة الأمن التي تتضمن أسس وقواعد الحماية والأمن والنظام. وحسب فلسفة ( هيرزبرغ) تنطوي العوامل المتعلقة بهذه الحاجة على شروط لا بد منها تتمثل الضمان ضد الأخطار الخارجية, والاطمئنان إلى وجود راتب تقاعدي, ووجود شكل من أشكال الضمان الصحي والاجتماعي, مراعاة مبدأ الأقدمية في العمل وتحديد مستويات الأداء وتحقيق شروط الأمن الصناعي. تفسح هذه العوامل والشروط مجالاَ صحياَ للإنتاجية فلا تعترضها معوقات تخلق لدى العاملين نشاطات غير مقبولة وروتينية لامكان للإبداع فيها مما يؤدي إلى نشوء حالة من التعارض بين حاجات العامل الشخصية وبين العمل نفسه. ذلك أن توقف حماية الأمن وازدهار الاقتصادي يؤثر سلباَ في إحساس الفرد بالانتماء الذي يواكبه نضج الشخصية. وإذا نظرنا إلى كل من الشروط الصحية والعوامل المؤدية إلى الأمن والاطمئنان نرى أنها عوامل تتعلق بما يحيط بجو العمل ويتفق مع شروطه بحيث يغدو الأمر ملائماًْ لنمو الإنتاجية وتقدمها. أما الشعور بالحرية فيشكل المدماك الثالث في هرم الحاجات بحيث أن الإنسان يحتاج لأن يشعر بأنه كائن مرغوب فيه وأن له مكانة بين الآخرين وإلا فإن شعوراَ بالغربة سوف يحول بينه وبين أن يعطي الإنتاجية جهده بحيث لا يؤدي إلى هدر في الموارد فحسب, بل وإلى تبديد الجهد ذاته. وما من شك في أن الشخصية المغتربة تكون على طرفي نقيض مع الشخصية المطمئنة التي تعد شرط الإنتاج والاقتصاد. واتجاه العامل نحو الأعمال ذات الفعالية مرهون بتحقيق هذه الحاجة بحيث يصبح المرء قادراَ على البحث عن الوسائل المحفزة لذلك من حلال سعيه للبحث عن الأصدقاء الودودين مما يعضد انتمائه وفتح المجال للتفاعل مع الآخرين والاتصاف بعلاقات شخصية ممتازة ونجاح في العمل مع الجماعة. وفي صعود هرم الحاجات إلى المدماك الرابع تأتي ( منزلة الشخص) المتمثلة بطموحات خاصة ومميزة تقوده إلى النجاح والتفوق. وتتمثل الوسائل التي تحفز الفرد لتحقيق هذه الحاجة بحسب ( هيرزبرغ) بالالتزام بالعمل الذي يوجب إظهار الكفاءات التي تؤدي إلى شهرة اجتماعية ومهنية. وهنا يصبح النجاح مبنياَ على الجدارة, وحث الفرد على المشاركة بأفضل أشكالها في العمل مما يؤدي إلى حصول الفرد على حاجته إلى النجاح والتقدير. ولكن ذلك ليس مفروشاَ بالزهور إذ أن تحقيق ذلك يظل مشروطاَ باستجابة -الآخرين. وفي قمة هرم الحاجات تتربع الحاجة إلى تحقيق الذات التي هي مصدر للإبداع لا عند النابغين فحسب, بل وفي الحياة اليومية, ويرى ( روجرز) أن الإبداع يصدر أساساَ عن ميل عند الإنسان لتحقيق ذاته. فالفرد عندما تتفتح أمامه كامل قدرته يصبح سلوكه إبداعياَ(21). وفي حالة إرضاء هذه الحاجة يصل المرء إلى منزلة الإرضاء الذاتي ويتم ذلك على مستويي الإنجاز والمعرفة. أما الوسائل التي تحفز إلى ذلك فتتمثل في قدرات الفرد وإمكاناته لإرضاء ذاته والبحث عن المكانة الاجتماعية والعمل المبدع ومواجهة التحديات, إضافة إلى الشعور بالاستقلالية والحرية وممارسة فن القيادة. ومرة أخرى نذكر بأنه ليس باستطاعة الفرد إشباع مستوى من هذه المستويات الخمسة قبل إشباع المستوى الذي هو أدنى منه. إن تركيزنا على تلبية الحاجات الفردية على مختلف مستوياتها لا يعني الاهتمام بعلاقة الفرد بنوع العمل لأنه القمين برفع مستوى الإنتاجية فحسب. فلا الفرد ولا العمل موجودان في دائرة مغلقة أو في قلع بلقع .. بل إن المناخ الاجتماعي هو القادر على أن يساعد أو يعيق الإنتاجية ويوجهها أيضاَ . وهذا المناخ الاجتماعي للعمل يهيئ الظروف المساعدة على النهوض بالإنتاجية ويتهيأ ذلك من خلال المشاركة الجماهيرية في التنمية وفي رسم الخطط الإنتاجية وتنفيذها. المشاركة الجماهيرية: تقتضي تنمية الكوادر البشرية في البداية رفع شبح التسلط والقمع والإرهاب وإيجاد آليات لتحقيق المشاركة الفعلية في تحديد الحاجات والأهداف ومن بعد ذلك الإسهام في اتخاذ القرارات وتقويم مراحل التنفيذ والمتابعة ضمن إطار احترام حقوق الإنسان. ويرى ( إريك فروم) أنه إذا أمكن جعل العمال مشاركين نشيطين ومسؤولين وواعين لدورهم في العملية الإنتاجية ن فإن هؤلاء السلبيين غير المكترثين يمكن أن يصحوا على درجة عالية من الحيوية والقدرة والابتكار وخصوبة الخيال والرضا عن النفس. ولا يكون هذا الأمر ممكناَ إلا بوساطة إدارة إنسانية تحل محل الإدارة البيروقراطية كشرط من شروط المشاركة النشطة والمسؤولة فالإدارة البيروقراطية مميتة لأنها تدير شؤون العاملين كأنهم مجرد أشياء , وتنظر إلى الجانب الكمي في الأشياء أكثر من الاهتمام بنوعيتها. وهي تبني قراراتها على قواعد ثابتة مبنية على بيانات إحصائية. ولا تكون قرارات البيروقراطي استجابة للكائنات الإنسانية الحية التي تقف أمام مكتبة(22). والمشاركة الجماهيرية الفعالة هي ما كانت مستمرة وشاملة لجميع الشعب وفي مختلف مراحل التنمية, لأن التنمية وفق المفهوم لا تكون محصورة في تحقيق أهداف سياسية واقتصادية فحسب , بل تستجيب أيضاَ للمتطلبات الثقافية والاجتماعية في سياق تنمية موحدة متعددة الأشكال متوازنة , إضافة إلى مراحل النظرة التكاملية من حيث امتداد هذه المشاركة إلى مراحل العملية كاملة: من المبادرة إلى التصميم فإعداد الخطط واتخاذ القرارات والتنفيذ والتسيير والمتابعة والتقويم وإعادة توجيه الخطة وأخيراَ المبادرة الجديدة(23). أي أن البرامج والمشاريع لا تملى إملاء, وإنما يجب إفساح المجال فيها وتشجيع انبثاقها من القاعدة الواسعة لتكون المشاركة معبرة عن حرية الجماهير وإرادتها واختيارها. واعتماداَ على مبدأ المشاركة الجماهيرية تغدو المنشأة الاقتصادية, أية منشأة, لا مجرد مؤسسة اقتصادية تكنولوجية بل مؤسسة اجتماعية يقوم كل أعضائها بأدوار شخصية في دورة حياتها وفي أسلوب تسييرها.. فأمورها وفق هذا المنظور تصبح شأناَ يخص كل عضو فيها(24). ويعيد كثير من الخبراء فشل السياسات التنموية في البلدان الأقل تقدما إلى إهمالها الواضح لمشاركة الجماهير. فالمشاركة هنا لا يقصد منها أن تكون وسيلة إنمائية بقدر ما هي تعبير عن حاجة إنسانية أساسية, وحق من حقوق الإنسان باعتباره من صناع التنمية ومن المستفيدين والمنتفعين بها. موقع الفرد في منظومة العمل المنتج: من الشروط التي تحدد مستوى الإنتاجية ما يتعلق بوضع العامل أو الفرد في منظومة العمل. فالمشاركة الشاملة والمستمرة ينبغي أن يتم بموازاتها فعل يعتمد على خطط شاملة تستند إلى معرفة دقيقة بمجالات العمل وأشكاله وطبيعة كل جزء من أجزائه, لموازنة حاجات الفرد وقدراته مع حاجات العمل ومتطلبات النجاح فيه, وتجنب الهدر في طاقات العنصر البشري من جهة, والتخلص من شعور معظم المؤسسات بثقل التكاليف التي تترتب عليها من جراء استخدام العنصر البشري وعدم استخدام طاقاته وقدراته في تحقيق إنتاجية أفضل من جهة أخرى. لذلك يغدو مطلوباَ تحليل العمل بتجميع المعلومات عنه ورسم خريطة له تساعد على تحديد الموقع التنظيمي وعلاقته بالوظائف الأخرى الأدنى منه والأعلى وتوضح النشاطات الخاصة به وارتباطها بالأعمال والواجبات التي تكون العمل نفسه(25). ويقتضي هذا البحث عن أفضل السبل لملاءمة استعدادات الفرد العقلية ومهاراته وخبراته للعمل, وتوافر الرغبة في العمل حيث يؤدي ذلك إلى استمتاعه به. ولا يخفى ما لذلك من أثار إيجابية على الصحة النفسية للعامل التي هي أحد الشروط التي لا غنى عنها في رفع مستوى الإنتاجية. ويستدعي ذلك ايلاء عملية التوجيه والإرشاد المهنيين الاهتمام اللازم والاستفادة من النتائج التي تقدمها, مما يقلل من الآثار السلبية لعمليات اختيار المهنة التي هي في الواقع لا تستند إلى أية أسس موضوعية, مما يؤدي إلى حالة تردي الإنتاجية السائدة.... التوجيه المهني والإرشاد: يهتم علم النفس الصناعي بميدان العمل والإنتاج من خلال دراسته لمسائل الاختيار المهني والتوجيه والإرشاد والتأهيل والتدريب وغيرها. فإذ يركز الاختيار المهني على اعتماد أفضل الطرق والوسائل لانتقاء العاملين المناسبين لعمل ما, وذلك من خلال تحليل العمل وتحديد الخصائص والصفات الجسمية والنفسية المختلفة التي لها علاقة بأساليب الأداء, فإن التوجيه والإرشاد يعكسان العملية بحيث تنصب الجهود على تحديد نوع العمل المناسب لشخص ما. وتثبت الأبحاث النفسية والاجتماعية نجاح التوجيه المهني في ارتفاع مستوى أداء العمل وتحقيق الطمأنينة للعامل ورضاه عن عمله مما يقلل من ظاهرة ( دوران العمل) التي تشكو منها المؤسسات الإنتاجية والتي تهدد الإنتاج بالخسائر. أما الإرشاد فيقصد به تلك العملية التي ترافق الفرد ابتداء من مرحلة التوجيه المهني إلى مراحل ممارسته العمل فعلاَ فهو متمم للتوجيه المهني. فإذ يساعد التوجيه على التقليل من المشكلات التوافقية في العمل إلا أنه لا يقضي عليها تماماَ ,فثمة مشكلات ابرز خلال ممارسة العامل للعمل ومشكلات أخرى تتعلق بالجو العام والمشكلات الأسرية والصلات والعلاقات الاجتماعية داخل العمل وخارجه قد تؤثر سلباَ في نشاط العامل وهنا دور الإرشاد للمساعدة على إعادة التوازن المطلوب(26). أسباب ضعف الإنتاجية في الوطن العربي: إذ كانت الظروف البيئية ذات أثر فعال في شخصية الإنسان, وبالتالي على نشاطه في مجالات العمل والإنتاج, فتحقيق المناخ الطبيعي المناسب يغدو ضرورياَ لا بد منه في رفع مستولى أداء العامل. ويتعلق ذلك بالحالة الطبيعية للمؤسسة الإنتاجية ومدى توافر الشروط الصحية المناسبة من تهوية وإضاءة , وتوافر نظام عمل يخفف من وطأة التعب والجهد المبذولين كالتقيد بجعل فترات الراحة تتخلل ساعات الإجهاد بين الفينة والفينة, وإيجاد وسائل ترفيهية وتهيئة الظروف لممارسة أنشطة ترويحية وهوايات خاصة بكل عامل. وقد استخلص ( ماير) من أبحاثه في موضوعات علم النفس الصناعي أن المؤسسات التي يتضمن برنامج العمل لديها عمل أسبوعية أقل, تكون الإنتاجية فيها أعلى مستوى من تلك البلدان التي يكون فيها يوم العمل أطول وعدد الساعات الأسبوعية للعمل أكثر. وهكذا فنحن نرى اليوم أن كثيراَ من بلدان العالم أخذت في الاتجاه إلى جعل العطلة الأسبوعية يومين بدلاَ من يوم واحد أو يوما ونصف اليوم. وإذا تفحصنا مدى الاستجابة إلى هذه الشروط في معظم المؤسسات الإنتاجية العربية فإلى أية نتيجة نصل ؟ لا نجانب الحقيقة إذا قلنا أن معظم هذه المؤسسات ---- إن لم نقل كلها – لا تنطبق عليها المواصفات المذكورة آنفاَ من حيث تهيئة ظروف عمل طبيعية.أما بالنسبة لساعات العمل فإن هذه المؤسسات إذ تطبق إلى حد ما يوم عمل بثماني ساعات فإن الهدر خلالها كبير.أما بالنسبة للرواتب والأجور فإن تدنيها قد أدى إلى إكراه العامل أو الموظف على مزاولة عمل آخر إلى جانب عمله في المؤسسات الإنتاجية. مما ينتج عنه إطالة يوم العمل ليصل إلى أكثر من خمس عشرة ساعة في اليوم. ناهيك عن الوقت المهدور فيقطع المسافة بين العمل والمنزل في كثير من الأحيان, وصعوبة المواصلات, وهدر زمن آخر في سعي العامل لتأمين خبز أسرته وحاجاتها الأخرى حيث تعاني أقطار عدة من مشكلة التزاحم على منافذ بيع الخبز والسلع الغذائية الأخرى. أما فيما يتعلق بتوفير الظروف النفسية والاجتماعية الضرورية لشعور العامل بالأمن والطمأنينة فقد بينت دراسات كل من ( ليفيت) و( هوايت) أهمية وجود جو إداري ديمقراطي في بيئة العمل في رفع مستوى أداء العامل ورضاه على نفسه وعمله على العكس مما يحصل في الجو الديكتاتوري والفوضوي(27). ويضاف إلى ما سبق ما يتعلق بعدم اطمئنان العامل على مستقبلة حيث أن استمراره في العمل مرهون برضا رؤسائه ومزاجيتهم لا يسمح له أو لا ينتج عنه أداء جيد. ثم أن المؤسسات الإنتاجية في البلدان الأقل تقدماَ ومنها الوطن العربي تعاني من غياب الروح الديمقراطية في العمل حيث تسود عقلية الاستحواذ والتسلط والهيمنة وغياب العلاقات الموضوعية. يتصرف مدير العمل – ينطبق ذلك على مؤسسات القطاع العام أيضاَ – على المنشأة أو المؤسسة هي ملك شخصي له, فلا يتقيد معظم المديرين بالقوانين – إن كانت من حيث طبيعتها صحيحة, إن لم تكن هي نفسها جائرة – فالقوانين هي أمزجتهم والعلاقات التي تحددها نزوات ورغبات منحطة على الأغلب . فيخضع الإنسان في مثل هذه الأجواء غير الإنسانية وتتردى القيم والمعايير السلوكية, وتحكم بالأفراد ظروف لا تساعد على تفتح شخصياتهم, مما ينعكس سلباَ على مستوى الأداء في العمل. وقد لا تأتي بجديد عندما نتحدث عما يعانيه العمال العرب حيث يضطرون للعمل في قطر عربي غير القطر الذي ينتمون إليه. وسنعرض في هذه الجزء من نص قصصي يبين ما تعانيه العمالة العربية في بعض الأقطار العربية: -<< أنتم لدي رقيق. لقد وقعتم على ذلك. العقد هو صك رقكم.. يا.. وتابع أبو سحيم موجهاَ كلامه إلى عمال الباتون وهو يلوح بورقة يحملها في يده. --- أنا كفيلكم ووجودكم في (بلدي) متوقف على هذه الكفالة. --- لكن عمولة الكفالة كبيرة يا أبو سحيم وأنت رجل تخاف الله.. خمسون بالمائة من عرقنا؟ أنتم رضيتم بذلك. والخمسون هي ثمن إقامتكم. وإلا.. وفي اليوم التالي كان الرقيب ينتر بفهد المسعود صائحاَ: اسمع يا فهد, يا مسعود.. في الغد تكون قد رحلت من هذه البلاد. أبو سحيم سحب كفالته لك, ولم يعد لك نصيب بالبقاء في هذه البلاد. أتسمع؟(28). هذه الفقرات القصصية لا تكشف عن الأحوال المزرية التي يعيشها العمال العرب في أقطار عربية فحسب, ولكنها تفصح أيضاَ أساليب جديدة من الاسترقاق لا ترعى حرمة لدين أو مبدأ إنساني , وتصور إلى أي حد وصلت قيمة الإنسان العربي في عصر انحطاط القيم وازدهار البترول. فالإنسان العربي يصدق عليه – ربما أكثر من غيره – ما يصف به( إريك فروم) الإنسان ( السلعة) في عصر الاستهلاك. فاستخدام العمالة واستقدامها يقومان على أساس معاملة الإنسان معاملة السلعة, بل إن الإنسان نفسه يعرض نفسه في سوق العمالة على أنه ذو قيمة تبادلية. وقد فرضت الظروف الاجتماعية والاقتصادية على الإنسان العربي سواء أكان عاملاَ يستخدم قواه العضلية أم كان مثقفاَ أم تقنياَ – أن تتدنى شخصيته إلى مستوى يصدق عليه صفة الشخصية المسواقة. فموقف الإنسان من ذاته في مثل هذه الظروف لم يعد محدداَ بالكفاءة والتأهيل وأداء العمل فحسب ,بل في أن ينجح في المباراة مع الآخرين لإحراز النجاح وقبول الجهة الطالبة للعمل به وليس من المبالغة الاستناد إلى الأحكام والخصائص التي يعتمدها ( فروم) في وصف نمط كهذا: لو أن كسب العيش لا يتطلب الاعتماد على معلومات الإنسان وخبرته وكفاءته لكان تقدير الإنسان لذاته متناسباَ تناسباَ طردياَ مع قدراته أي قيمته الانتفاعية, ولكن ذلك ليس هو المعمول به لأن النجاح يتوقف إلى حد كبير على كيفية بيع الإنسان شخصيته وممارسته لذاته على أنها سلعة معروضة للبيع فقط. التزاحم على أبواب السفارات واستخدام وسائل الرشوة والوساطة والمحسوبية مناظر مألوفة في عواصم الأقطار المصدرة( للناس).... في أجواء كهذه لا يصبح اهتمام الإنسان مركزاَ حول حياته وسعادته وكرامته وإنما كيف يباع ويشرى في أسواق النخاسة الجديدة. ويصبح هدف طالب العمل تغيير جلده كما تقتضي الأحوال, لكي يكون مطلوباَ في السوق. فهو لم يعد الإنسان الذي يتمسك بشخصية فلا يغيرها.. بل يتلون باستمرار وفقاَ لقاعدة: أكون كما تريدني أن أكون(1). هذه إشارات بسيطة تهدف إلى الكشف عن بعض أسباب تدني الإنتاجية في الوطن العربي وهي أسباب تعود في الدرجة الأولى إلى نظرة للإنسان تحط من قيمته, وقد تكون صادرة عن مبدأ ينطوي على عدم الثقة بالإنسان وعلى سيادة الأنانية والنزعة التسلطية, وعلى الاعتقاد بأن المستخدمين في العمليات الإنتاجية لا تحركهم إلا وسائل الترهيب والترغيب. الإنتاجية والإدارة : لا يمكن بحال من الأحوال أن نحذف دور الإدارة في الإنتاج وأثرها في أداء العامل لعمله.ولعل المهتمين بهذا الشأن مأخوذون في هذا العصر بالمثال الياباني حيث أن ارتفاع مستوى إنتاج الإدارة اليابانية وكفاءتها وتميزها عن مثيلاتها حتى في الدول الغربية وفي دول الشمال الأمريكي من الأمور التي يجد فيها البعض سر ارتفاع مستوى الإنتاجية إلى حد لا يجازى. ويقول( أحد أعضاء شركة جنرال الكتريك) في كفاءة هذه الإدارة أنها تتمثل في قدرتها على تجميع بعض العناصر والمبادئ المعروفة في نظام متكامل يعطيها لوناَ متميزاَ ويمتاز نظام الإدارة هذه في استغلاله الأمثل للموارد البشرية من خلال اعتماده على مبادئ أهمها المبدآن التاليان: المبدأ الأول: الموارد الأساسية لأية منظومة إنتاجية هي ثروتها الأساسية وأغلى أصولها جميعاَ. المبدأ الثاني: وحدة المصلحة بين المؤسسة والعاملين فيها.فليس العاملون مجد أدوات في العملية الإنتاجية تستغل جهودهم, بل تحرص الإدارة بوسائل عملية على إشعار الفرد بالمنفعة المتبادلة بينه وبين المؤسسة. ويؤدي ذلك إلى اتباع سياسات في الإدارة تتمثل في : 1—ضمان الوظيفة مدى الحياة. مما يشعر العامل بالأمان والاطمئنان وبالعلاقة الوثيقة بالعمل. فلا هو مهدد يوماَ من الأيام بالفصل ولا تستغني المؤسسة أو الشركة عنه. فالعمالة مدى الحياة هي إحدى الخصائص الهامة عندهم. وهكذا فالانتماء يكون على أفضل وجوهه للعمل. وهو ما يعبر عنه الكاتب الياباني ( نيشيوكانجي) بقوله: << إن اليابانيين حين يتعارفون لا يهم أحدهم ماذا يعمل الآخر بمقدار ما يهمه معرفة اسم الشركة التي يعمل بها >>(31) 2--- اهتمام شمولي بالموظف : يمتد من الاهتمام بحياته الخاصة والأسرية منها وذلك جراء أداء الإدارة لدورها في معرفة شخصية وثيقة للمدير بموظفيه وحل المشكلات بروح جماعية وعدم التسرع في العقاب , وتوفير فرص الإشباع الاجتماعي والنفسي للعاملين( إعانات اجتماعية, منح دراسية للأولاد , تسهيل منح القروض..)(32) 3—مشاركة جماعية وحقيقية في صنع القرار: العمال مشاركون فعليون في القرارات. والإدارة تقوم بدور ضبط عمل الإنتاجية, والأوامر التي تصدرها الشركة هي من هذه المشاركة وليست أوامر تصدرها الإدارة. ويتحرك العمال نتيجة لذلك بدوافع منهم بما يكفل الكفاءة في العمل. 4—التركيز على عمال الفريق والمسؤولية الجماعية,إذ يكافح العمال والإدارة معاَ من أجل زيادة أرباح الشركة. وهكذا فإن أهم ملامح الإنتاجية لديهم هو ما يقول عنه ( كانجي): << التراخي في بداية الأسبوع والتغيب عن العمل تكاد الشركات اليابانية لا تعرفهما. ويعود هذا بطبيعة الحال إلى الوعي الاجتماعي عند الموظفين الذين يعدون أنفسهم أعضاء في أسرة واحدة كبيرة>>. 5—اعتماد سياسة ذات معايير دقيقة في اختيار المديرين للقطاعات الإنتاجية , بحيث لا يجري التركيز على خصائص محددة وإنما يجري التنويع في الخصائص. فلا يؤخذ التخصص مثلاَ كمعيار لذلك. فليس من الضروري - على سبيل المثال – أن يكون مدير مؤسسة صناعية متخصصة بالأدوات الكهربائية مهندسا أو فنياَ في الكهرباء, بل قد يكون قانونياَ أو متخصصاَ بإدارة الأعمال أو مسك الدفاتر والحسابات.. لأن عمل المتخصص في مجال اختصاصه مباشرة أجدى من استهلاك جهده في عمل إداري يمكن أن يقوم به غيره. إضافة لاتباع الإدارة أساليب في التنمية تعتمد التطوير التكنولوجي لأساليب الإنتاج ورفع كفاءة العاملين لديها. والخلاصة: إن رفع مستوى الإنتاجية تحدد إلى حد كبير الموارد البشرية التي تتصف شخصية كل فرد فيها بأنها شخصية منتاجة تتميز بأداء متميز يؤدي إلى: 1—إنتاج كبير من حيث عدد الوحدات في الزمن المحدد. ويكون هذا الإنتاج جيداَ من حيث الكيف. 2 – غياب السلبيات من سلوكها كالتغيب عن العمل, وإساءة استخدام الآلة, والتفريط بالمواد الخام. 3 – نادراَ ما يتعرض صاحبها لإصابات العمل بعيداَ عن التذمر والشكوى 4 – تعامل جيد مع الرؤساء والزملاء وتقيد بنظم العمل وقوانينه.. ولا يتأتى للمرء أن يحوز على هذه المواصفات والخصائص إذا لم تكن الظروف مؤاتيه والحاجات الأساسية والاجتماعية والنفسية ملباة في جو من العمل تسوده علاقات إنسانية يشعر فيها العامل بإنسانيته ويطمئن على مستقبله, وتتاح له متطلبات الترويح والترفيه, وتأمين مستلزمات حياة كريمة من مسكن ملائم وتغذية مناسبة ومشاركة فعلية في كل مراحل الإنتاج. ولكن ذلك لا يمكن أن يعطينا الصورة المناسبة لفهم آلية الإنتاجية العربية إلا من داخل صورة أوسع ومن خلال خلفية تسمح بتكوين صورة متكاملة لوضع الثقافة العربية. فما هي اتجاهات الثقافة العربية؟ وما هي الآفاق المتاحة؟ وبعد ذلك فأين ه المتطلبات التي يتهيأ تأسيساَ عليها إتاحة فرص تفتح الشخصية العربية ليصبح تعلم الإبداع جزءاَ من تربيتها؟. الثقافة العربية( الآفاق والاتجاهات) لا يبعث الواقع العربي الراهن على التفاؤل,فلا جبهته الداخلية متماسكة ولا يوجد في الأفق ما يوحي بأن هذه الجبهة قادرة-من خلال الصورة المطروحة الآن للأنظمة العربية- على الخروج من وضعها المتردي. كما أن الظروف الخارجية لا تمنح الفرصة الكافية للخروج من شرنقة التبعية والتخلف والتصارع والتخبط والتكالب على فتات موائد ما يسمى بدول المركز التي تشكل أحد طرفي المعادلة على حد تعبير بعض الكتاب والطرف الآخر هو دول الأطراف أي تلك الدول المسماة بالدول النامية وإضافة لما ذكر لعل أصعب ما تواجهه الأمة العربية في معركتها لإنشاء مشروعها الثقافي يتمثل في ذلك الصراع بين دعاة التمسك بالبنى التقليدية على المستوى الثقافي التي لا تنتج إلا التخلف , ودعاة اللحاق بالمشروع الغربي والاستسلام له والذي لا ينتج سوى التبعية. فكأن المشروع الثقافي العربي في كلتا الحالتين لا ينتج سوى تخلفه أو تبعيته. وفيما يلي أهم سمات الحالة الثقافية العربية الراهنة: 1-تخلف النظم التعليمية وقلقها: فسواء نظرنا إلى هذه النظم من جهة المحتوى أم من جهة الطرائق والأساليب والوسائل وأدوات التقويم فلا نكاد نلمح في الصورة ما يبعث التفاؤل في النفس . ولعل أوضح ما تشير إليه هذه الحالة هو غياب الفلسفة التربوية العربية الموحدة, ففي الوطن العربي فلسفات تربوية لا فلسفة واحدة حتى داخل القطر الواحد. داخل النظام التربوي الواحد تداخل لفلسفات متباينة. أما من حيث الأسس التي يقوم عليها التعليم والطرائق المتبعة فإنها لا توحي بخروج النظم التربوية العربية عن نمط التلقين وهو النمط السائد في الحياة العربية حتى خارج نطاق التعليم.وليس غريباً على أحد الممارسات التي تتبعها وسائل الإعلام المختلفة في سائر الدول العربية من محاولة زج العقول كافة في بوتقة النظام السائد وما يتبع ذلك من تعطيل للفكر واستهانة بالعقل والعواطف وأبسط الحقوق القانونية والقيم الأخلاقية .وليس ذلك فحسب فالتلقين هو النمط السائد حتى داخل الأسرة وداخل المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية الإنتاجية منها وغير الإنتاجية. أما التعاون بين المؤسسات التعليمية العربية فيكاد يكون معدوماً رغماً عن ظهور بعض الاتفاقيات الثقافية والتربوية بين بعض الأقطار العربية. كما أن الصلات داخل القطر الواحد تكاد تكون مقطوعة تماماً بين المؤسسات التثقيفية كل في واديه يعمل.. فإذ يفترض التكامل بين جهود المعلمين والإعلاميين مثلاً.. يكاد هذا الأمر يكون لا وجود له بل أن أحدها يمحو ما يفعله الآخر أو يشوشه وإلا فأين دور الخبراء والفنيين التربويين في عمل المؤسسات الإعلامية؟ 2-تغييب دور الفرد وفاعليته وطمس القدرات الفردية والجماعية: رغم الدعاية الرعناء وشآبيب الإعلان التي تطمرها المنظمات الرسمية وأجهزة التسلط عن العناية بالمواطن وأخذ دوره في معركة البناء والتحرير وما أشبه من شعارات , فإن المواطن غائب تماماً لأن الأنظمة القهرية لم تستطع إلا أن تطمس شخصيته وهو مصاب بالإحباط لأن سياسة إطلاق الشعارات بنبرات عالية لم تفعل شيئاً سوى خذلان هذا المواطن الذي دفع دفعاً للهرب من طاحونة الكلام وتعمية المفاهيم ليرتد نحو القيم العتيقة المخالفة لروح العصر والتي لم تعد مناسبة لطبيعة التحولات التي توصل لها العالم ,ولكنه يجد فيها مأوى أكثر طمأنينة له لأن المناخ السائد صارت أهم أسباب التكيف معه أساليب الرياء والمداهنة والخداع.فإذ لا يجد المرء أمام كل الهزائم التي مني بها والتي تتالى وفق وتيرة متسارعة سوى تسويغات وتسميات (تخرج الفكر من عقاله) . لقد حشي قاموسنا الثقافي بمفاهيم لا يقبل تعريفاتها ولا تفسيراتها . إنها مفاهيم (النصر ) التي تسوغ الهزائم ..وحيث لا يجد المواطن في كل ما وعد به من أمن وفي كل ما صور له على أنه سبيل النصر والتقدم ما يشعره بالاطمئنان والأمان فإنه ارتد باحثاً عنهما في كنف القبيلة أو الطائفة,وارتد الناس إلى تداول الخرافات وكأنها البديل لكل ما وعدوا به من إنجاز العلم والتقنية وشعارات التقدم والحياة الأفضل… عاد الناس يحنون إلى الثقافات الغيبية المغرقة في مجافاتها للعقل والمنطق. فالتحول عن الموضوعية والتفكير العلمي والمنطق وغياب الفكر النقدي لم يكن سوى بعض نتاجات الأزمة في الثقافة العربية التي تلعب خيبة الأمل من أجهزة التثقيف العربية دوراً هاماً في تشكيلها.. وليس التحول إلى الغيبيات مجرد نكوص أو ردة فعل طبيعية, بل إن الأنظمة المفلسة تروج لمثل هذه الثقافة في عملية منظمة للإجهاز على عوامل القوة في حركة المجتمع التاريخية بتشجيع كل ما هو معاد للعقل, وتسهم في ترويج الإشاعات والخزعبلات لتستفيق الجوانب المختلفة من الثقافة حيث تصبح ظواهر السحر والشعوذة والإيمان بالغيبيات وانتظار المفاجآت للتخلص من الأزمات هي أهم ما يبرز من ثقافة المجتمع, وهكذا تستفيق مع هذه الردة المتسارعة كل العلل الاجتماعية من عشائرية ومذهبية ويرتد الناس من حالة الولاء للأمة إلى الولاء للطائفة أو العشيرة. "الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد-كما يقول جمال الدين الأفغاني في العروة الوثقى- هذه الأمة التي لا تستشار في مصالحها , ولا أثر إرادتها في منافعها العمومية , وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون ومشيئته نظام, بحكم ما يشاء ويفعل ما يريد تلك أمة لا تثبت على حال واحد, ولا ينضبط لها سير فيعتورها الشقاء .. ويتناولها العزل والذل"(33) بعد عرض هذه الصورة القاتمة لما يعتور الساحة الثقافية العربية التي هي بطبيعة الحال الجانب المقروء من حياة الأمة في ترديها وانهزامها .. أما من مخرج من الأزمة؟؟ وكيف للأمة أن تنفض غبار تخلفها وتبعيتها وتبني قوتها الذاتية الفاعلة من أجا مستقبل أكثر إشراقاً وأوضح سبيلاً؟ 1- المراهنة على وجود الأمة(أو الأمم بعامة) أو زوال الأمم من الوجود الإنساني ليست واردة فلا يمكن لأي تلفيق ميتا فيزيقي –كما قال أراغون- أن يحملنا على قبول التنازل عن هذا الواقع الحي الذي هو الأمة .. (لا يمكن أن يقوم أي تفاهم علمي على غير افتراض وجود الأمم واحترامها)(34) يعني هذا أن بناء ثقافة عربية تسهم في تدعيم الشخصية القومية للأمة العربية من ملامحها أن تكون قادرة على التعامل مع ظروف الحياة الراهنة وهي ثقافة ينبغي لها أن تكون ثقافة الأمة لا ثقافة النخبة بخاصة وأن انتشار التعليم قد عم طبقات الأمة كافة. هذه الثقافة لا تكون خارج نطاق اللغة العربية –والمقصود بذلك بطبيعة الحال الفصحى-حيث أن المعطيات كافة تدل على قابليتها للحياة والتجدد. وحيث أن التطورات الكمية والكيفية الناتجة عن انتشار التعليم تدل على أن الفصحى ليست عسيرة على التداول بين الأقطار العربية وأن كل المراهنات السابقة –أيام الأمية شبه الكاملة- لا تجد لها مرتكزاً ذا بال ودليلنا على ذلك سقوط كل الدعوات التي انتشرت وناضلت من أجل تعميم الأدب باللغة المحكية أو الكتابة بغير الحروف العربية وغير ذلك..ثم إن الدعوة إلى ثقافة الأمة التي تتعدى حلقات النخب المثقفة إلى الساحة الواسعة للجماهير لا تعني صياغة نظريات اجتماعية أو سياسية, بقدر ما يكون هدفها هو مخاطبة عقول الجماهير وإلهاب عواطفها بلغتها, والمقصود باللغة هنا ليس اللهجات العامية طبعاً, بل الانطلاق من مفاهيم الجماهير لتنميتها وتصحيحها. ومما ييسرها اتصافها بالمرونة بحيث يكون لها فسحة كافية من الحرية تسمح بالحوار وبعمليات الاكتشاف وتنمية الإبداع والفكر المبدع. وهذا لا يتحقق عن طريق مجابهة معتقدات الجماهير بصلافة تتجاهل قوة الأفكار الراسخة والتقاليد الشعبية والعادات التي يمتد عمرها طويلاً في التاريخ ولكن الأسلوب المطلوب هو في الاقتراب من ذلك بالتدريج وباستخدام وسائل مناسبة وأساليب للإقناع. والمشروع الثقافي المطلوب لا ينهض به فرد أو جماعة محددة بل ينبغي له أن يكون مشروعاً جماعياً يبنيه القوميون الذين إن أرادوا أن يكونوا قادرين على تمثل حركة التاريخ فلا بد لهم من التآزر والتعاون واحترام الرأي الآخر وسلوك الحوار الديمقراطي بعيداً عن أي تسلط أو عسف من فئة على أخرى. ويقتضي ذلك من الأطراف كافة وعياً بعناصر الاتفاق وتدعيمها, وتحليل عوامل الخلاف ودراستها عاملاً بدون تشنج أو تعصب أو ادعاء الوصاية أو التزمت, ويقودنا هذا إلى ضرورة الكشف عن عورات أدبياتنا السياسية والإيديولوجية التي تراكمت في ثقافتنا القومية خلال عدد من العقود في النصف الثاني من هذا القرن بخاصة حيث سادت الخدعة ببعض الأدلجات وصار المثقف لا يجد قبولاً لأفكاره إلا إذا رصعها باستشهادات من هذا الصنم أو ذاك من أصنام الإيديولوجيا التي رسمتها السلطة الرسمية في بعض البلدان وموهت قوة الأفكار بمنجزات مادية هائلة من حيث الصورة وكما تصورها أجهزة الإعلام. وكثيراً ما استخدمت بعض النصوص كطلاء لعمليات الانتهاز والتسلق , ووسيلة للإيقاع بالآخرين بل لاتهامهم في وطنيتهم وإخلاصهم لأمتهم. 2- الوعي بخصوصية الثقافة القومية وقدرتها على تدعيم شخصية الأمة وتحصينها. ولكن ذلك لا يعني اتهام ثقافات الآخرين وإظهار العداء لكل ثقافة أخرى . فأي ثقافة تطمح للنمو وتعمل للعيش في هذا العصر لا يمكن لها أن تتنكر للآخرين وترفضهم رفضاً قاطعاً. وقد كان للثقافة العربية تجربتها مع الثقافات الأخرى , ودللت فيما مضى على مرونتها وحيويتها بأن أقبلت على الآخر –حينئذ-وتمثلت ثقافات الأمم الأخرى, دون أن تضيع خصوصيتها بل دعمت هذه الخصوصية. وفي العصر الراهن لا يصعب على الأمة أن تجد في خبرتها الماضية الدروس التي تستفيد منها للتفاعل مع ثقافات الأمم الأخرى واستيعابها ليكون إسهامها في حضارة العصر ممكناً.ولكن هذه العلاقة مع الآخر لا يتيسر لها أن تصون الخصوصية الثقافية إن لم يكن هدفها توظيف ما تستوعبه من ثقافة العصر لخدمة الأغراض النهضوية. فالاستفادة من تفوق الحضارة المعاصرة تكنولوجياً وعلمياً وعقيدياً لا يكون بالنسج على منوال مثال ( أوروبا في العصر الحاضر وأمريكا) وإنما بنسج ثقافة تحفظ تمايزها وتستوعب التجارب, والبداية في ذلك والمنطلق يكون في فهم طبيعة العصر وفهم البيئة التي ترعرعت فيها الحضارة المعاصرة والوعي بأهم ملامح المستقبل. 3- الثقافة القومية في حفاظها على تمايزها وعنايتها بخصوصيتها تنطلق من مبدأ نهضوي يشدد على أن النهضة لا يمكن أن تبدأ من فراغ بل "لا بد لها من الانتظام في تراث , والشعوب لا تنتظم في تراث غيرها بل في تراثها هي"(35) ولكن هذا لا يعني الاعتقاد بصحة كل ما في التراث وصوابيته. بل لا بد من أن يقرأ التراث من جديد ليكون دليلاً وشاهداً على نزوع الأمة نحو الوحدة, وعاملاً من عوامل الأمن والاطمئنان على مستقبل الأمة حيث تجد نفسها في تاريخها. والأمة العربية في هذا المجال لا تفتقر إلى ما يحفظ لها هويتها ويؤكد على تواصل وجودها, ويوفر لها هذا كثيراً من الجهود التي تبذلها شعوب وأمم أخرى وهي تبحث عن جذور لها تحدد هويتها وتطمئنها على مستقبلها, فالهوية القومية والملامح الشخصية لا تبنيهما القرارات والإرادات الفوقية. ويدرك العالم المتحضر اليوم أهمية الماضي في توازن الحاضر وضمان المستقبل . ويحث المهتمون بقضايا شعوبهم ومصيرها على الاهتمام بالتاريخ ووعيه وتكوين الإحساس به لدى الأجيال لما لذلك من أهمية في الحفاظ على وحدة الشخصية القومية للأمة. فقد اعتبر الرئيس الفرنسي(ميتران) أن نقائض التاريخ تقود إلى فقدان الذاكرة الجماعية لدى الأجيال الجديدة. ففي التراث تتحصن الأمة من الذوبان في الآخر, وبوعيها له وقدرتها على الإبداع تستطيع أن تستفيد من تجارب الآخرين وتتمكن من تجديد هويتها فيصبح حاضرها استمراراً طبيعياً لماضيها وأساساً لانطلاقتها. فالتراث جزء من تاريخ الأمة وحين تفقد أمة ما ارتباطها بتراثها ستجد نفسها وقد أضاعت شخصيتها مع تاريخها وصارت لا تجارب لها تستفيد منها ولا خبرات تبني عليها خبرات جديدة.. يشرح ( جاك بيرك) أهمية التراث في حياة الأمة بقوله: " إن الهوية لا تنفصل عن التاريخ. ولكن لكي نحافظ على الهوية عبر تتابع الأطوار التايخية لا بد من وجود ثوابت بدونها سيكون الأمر تغييراً في الكينونة. هل ثمة من يقول بوجود كائن يحل محل كائن آخر في مراحل حياة الإنسان طفلاً ومراهقاً وراشداً؟؟ أليس هو نفس الكائن الذي يتطور؟ إن ذلك ينطبق على الشعوب" (36) هذا يعني إيلاء الثقافة التاريخية وتنمية الوعي بالتاريخ والحس التاريخي ما تستحق من اهتمام بحيث تسهم في تربية الناشئة وتفتيح ذهنها على وعي مفهوم الزمان, ومساعدتها على معرفة طرائق البحث التي تنير أفكارها في فهم نشأة الحضارة الإنسانية والتنبؤ بمستقبلها.وبالنسبة للإنسان العربي يكون للثقافة التاريخية دورها الذي يمكنه من إدراك أبعاد مفهوم العروبة وطبيعته المتجددة. على ألا تكون مادة هذه الثقافة التغني بأمجاد الأجداد ,بل تكون قادرة على مساعدة الشباب العربي على وعي التاريخ كونه أحد أهم عوامل تكوين الشخصية العربية والمسهم في تجديد هويتها واتجاهاتها . وليس من أهداف هذه الثقافة –مرة أخرى- إذكاء الحنين للماضي بل وعي حركة التاريخ وصلة الماضي بالراهن والمستقبل. فمثل هذه الثقافة لا يمكن لمخرجاتها أن تسهم في تحصين الشخصية القومية إن هي استمدت مادتها من مصادر تتعصب لهذه المرحلة التاريخية دون غيرها, أو لبعض المصادر المعينة بسبب من تعصبها لمذهب دون آخر. فالثقافة القادرة على الإيفاء بأهداف التربية القومية المطلوبة هي التي يكون من سماتها نقد المصادر والتعامل معها بروح نقدية موضوعية. 4- مراجعة شاملة لتراثنا الثقافي القريب, بخاصة ما أنتج منه خلال العقود الأخيرة والتعامل معه بنظرة نقدية متحررة من سلطان الدعاية والتهويش والتطرف.حدث في ميدان الفعل الثقافي ما يمكن أن نصفه بأية صفات لا تنتمي إلى الاتزان والتعقل. فقد تسابق المتبارون-من مفكرين وأحزاب- على التركيز على دور الأفكار في الفعل القومي العربي وفي الفعل السياسي بعامة من منطلقات إيديولوجية فيها الكثير من التسرع والمغالاة, وبتنا نرى ظاهرة اللعب على حبال مختلفة في الدعاية لهذه الفئة أو تلك, ولتسويغ هذا السلوك أو ذاك . وتضاربت على الساحة الثقافية الاتجاهات الماركسية(تروتكسية,ستالينية, خروتشوفية,غيفارية,غورباتشوفية……) بالاتجاهات القومية المغالية منها والمعتدلة…, بالاتجاهات الدينية المغرقة في رجعيتها والمنفتحة على العصر بهذه الدرجة أو تلك... وغدت الساحة الثقافية ميدان مزودات, كل فريق يسارع من خطواته للتطرف في هذا الاتجاه أو ذاك, وقد نتج عن ذلك تشرذم الفئات والأحزاب والجماعات… وغدا المجال واسعاً لبروز ثقافة طفيلية(بل ثقافات طفيلية) على حساب الثقافة القومية, مما أعطى لقوى التخريب الفرص الكافية لنشر أفكارها التي لم يكن لديها هدف إلا في تخريب المقوم الثقافي للشخصية القومية.. حتى أن مثل هذه الدعوات التي أبعدت نفسها خارج إطارها الحقيقي بتنا نجدها تتردد على ألسنة وفي كتابات أعلام ثقافية, تكرس جهوداً لا يستهان بها في تنمية نزعات (لا عروبية). فها هو ذا عميد الأدب العربي الحديث (طه حسين) في كتابه(مستقبل الثقافة المصرية) ينطلق من مبدأ أن مصر لا تدين للعرب بشيء لأنها بنت أوروبا والغرب. وهذه النزعة التي يمكن إدراجها داخل ما يسمى (النزعة المتوسطية) عمت قطاعاً واسعاً من المفكرين والأدباء.. مما حدا ببعضهم إلى المناداة بهجر الحرف العربي والفصحى ونعتهما بالعقم وعدم ملاءمتهما لطبيعة العصر.. 5- النهوض بالمشروع الثقافي العربي لا يكون ممكناً إلا بوسائل عصرية تفسح المجال واسعاً للفكر المبدع الذي لا يتيسر بدون تربية تنطلق من فلسفة تؤمن بالمستقبل والتطور وتهدف إلى بناء الشخصية التي لا تستهويها في المجال الثقافي الأسماء اللمعة ذات البريق, وهذا يعني أن صورة المثقف الذي يتعصب لكل ما يقرؤه ليست هي الصورة المطلوبة, بل إنها تلك التي تعنى بالإنسان ذي الفكر النقدي. وهذا يعني تربية الناشئة على ما يمكنها التحرر من سلطة الأفكار المسبقة. والصورة السائدة للثقافة إلى حد كبير بين مثقفينا تتمثل بحفظة النصوص الذين ما يقرؤون بعمليات استعراضية.. ثقافة النصوص مع أهميتها وما يمكن أن يمتلك صاحبها من معارف ومعلومات لا مكن الاستغناء عنها ولا إنكار وظيفتها في فهم العصر والآخر إلا أنها في حالة المغالاة لا تفسح المجال للمثقف للإسهام بإضافة وإبداع ما من شأنه أن ينهض بثقافته على المستوى الفردي على الأقل. وجل ما يستطيعه اجترار نصوص محفوظة في عصر لم يعد بحاجة لأشخاص يختزنون الأفكار والمعلومات حيث تقوم الوسائل التكنولوجية المعاصرة بهذه الوظيفة بكفاءة أكبر , ثم إن إغلاق الذهن وتعويده على الحفظ الأصم والاستذكار ببراعة ليس أكثر ,لا يخرج صاحبه من دائرة التقليد. وقد أدركت قوى الهيمنة والاستغلال والاستعباد منذ أمد ما لهذا النمط من المثقفين من دور في لجم القدرات الإبداعية. وفي المثال التالي توضيح لما أشرنا إليه وهو ما لخصه (أنور عبد الملك) لواقع التعليم في مصر أيام الاحتلال البريطاني : " رأى دنلوب مستشار التربية أيام اللورد (كرومر) أن الضمان الوحيد لاستعباد مصر لا يكمن في الاحتلال العسكري والاستعمار الاقتصادي , وإنما في ضرب الفكر عند المصريين في الصميم بحيث يصبح عاجزاً عن التطور والإبداع ويظل معتمداً على غيره, ورأى أن هدفه لا يتحقق إلا إذا اتجه التعليم في مراحله المختلفة نحو الحفظ دون الناقشة,والترتيل دون النقد,والمحاكاة للمرجع والأستاذ دون مناقشة وتكوين رأي مستقل فيها, واحترام الكلمة المكتوبة دون امتحانها والتصارع الفكري معها"(37) لا تتلاءم ثقافة النصوص مع طبيعة العصر واتجاهاته. فلم تعد مخرجات النظم التعليمية المطلوبة(متعلمون يجيدون القراءة والكتابة فحسب), بل أن أحد أهم أهداف التربية المعاصرة يتمثل في إعداد متعلمين قادرين على الاستفادة من كونهم يقرؤون ويكتبون. لذا فإن غالبية نظم التربية والتعليم في العالم تضع اليوم في الرأس من أهدافها تنمية ثقافة المتعلمين من خلال امتلاكهم طرائق في التفكير والبحث ليكونوا قادرين على تجاوز النصوص الموجودة تحت أياديهم إلى دائرة الإبداع والتجديد , وإلى آفاق التحرر من الآراء الجاهزة والأفكار المعلبة والقيم المحفوظة.ووسيلتها في ذلك تدريب العقل على التفكير بحيث يصبح حب العلم والبحث من اتجاهاته وتدريبه على الإبداع والابتكار. 6- المشروع الثقافي العربي بأهدافه النهضوية والإبداعية ,ثمة معوقات تحد من نموه تتمثل بوسائط الاتصال الحديثة حيث أنها باتت تستخدم تقنيات متطورة جداً في عمليات تسويقها وإعدادها ..ومن حيث قدرتها على الفعل في الثقافة إن في تعميق بعض جوانبها أم في تسطيح بعضها الآخر. وأخطر ما في وسائل الاتصال الحديثة التي تغلغلت في الحياة الثقافية للبشر في مختلف البلدان والمجتمعات أنها تمتلك من أدوات التوصيل وسرعتها ومن وسائل الجاذبية والتشويق ما يجعلها ذات آثار لا يمكن تجاهلها في ثقافات الناس المختلفة . والأدهى من ذلك والأكثر خطورة كون هذه الوسائط تقع في دائرة الهيمنة والتسلط التي تستغلها في غزوها الثقافي للشعوب الأقل تقدماً ونمواً من النواحي الاجتماعية والاقتصادية. ولعل ما يقاسيه الوطن العربي من تسلط وسائط الاتصال الحديثة من القوة بحيث لا تمكن مقارنته مع ما تقاسيه شعوب أخرى لاعتبارات كثيرة تتعلق بخطورة وأهمية الوطن العربي بالنسبة للنظام الإعلامي نظراً لغناه من حيث الثروات الطبيعية ولموقعه الجغرافي المتميز ولأنه-وهو أهم من كل ما سبق- ذو خصوصية ثقافية ذات جذور وتاريخ تتناقض إلى حد كبير مع اتجاهات ثقافة المركز المهيمن حالياً في العالم. وتتمثل مخاطر وسائط الاتصال الحديثة في تدفق المعلومات الذي لا رادع له يحمي هذه المنطقة من عمليات الاختراق الثقافي بخاصة في عصر الأقمار الصناعية وبسبب من وقوع المنطقة العربية تحت تأثير إعلاميات متباينة تتعرض لها يومياً عبر وسائل الإذاعة والتلفزة من البلدان المجاورة.(التلفزات الأوروبية المتاخمة لبلدان شمالي أفريقية, والتلفزة التركية والإيرانية المتاخمة لمناطق شمال سورية والعراق ومنطقة الخليج الغربي). مما يسهم في شيوع فوضى ثقافية عربية. ومما يزيد من خطورة ذلك غياب سياسة إعلامية عربية موحدة ناهيك عن شعور عدم الثقة في أجهزة الإعلام العربية من قبل المواطن بخاصة بسبب من خضوعها لسياسات قطرية تفتقر لعناصر التنسيق فيما بينها إضافة لاستخدامها في الدعاية لأنظمة همها تزو يق نفسها وشتم الأنظمة التي تعدها منافسة لها. ما سبق يدعونا للتأكيد على أهمية العمل الجاد الهادف إلى تحقيق مناعة إعلامية تخدم الأمن الثقافي العربي وتحافظ على اللغة العربية.(38) ويستلزم ذلك وجود استراتيجية عربية يتجند المثقفون للدعوة لها, تستند إلى أساس من التوجه إلى امتلاك تكنولوجيا تسمح لنا –كعرب- بدخول العصر وتوظف لإنجاز مهام ثقافية يعنى بها مختصون في مجالات الإعلام والتربية, وتستوعب الطاقات القومية وأن تكون السياسات الإعلامية والسياسات التربوية متكاملة وتعمل في اتجاه واحد(39) الإلحاح على أهمية الخصوصية الثقافية والحفاظ على تنميتها دون أن تذوب في الثقافة المهيمنة (ثقافة المركز الغربي) مهمة قومية يتحمل مسئوليتها المثقفون على مختلف انتماءاتهم الاجتماعية انطلاقاً من مبد(الشخصية القومية هي كائن حي) ينطبق عليها ما ينطبق على الكائنات الحية من حيث خصائص النمو واتجاهاته.ولا يمكن عزل هذا النمو عن ماضي الكائن كونه جزءاً منه. والأمة العربية شأنها في ذلك شأن أية جماعة بشرية تستبطن ماضيها. وليست الثقافة الفاعلة والقادرة على الحياة إلا تلك التي يكون من خصائصها فهم طبيعة النمو بالنسبة للأمة من خلال حل رموز تراثها وإعادة تركيب نفسها من خلال ذلك ومن خلال تركيب العناصر التي عرفتها الجماعات الأخرى في أثناء تطورها التاريخي.ولا يكون التعامل مع الثقافات الأخرى انبهاراً بها أو انصهاراً فيها كما لا يكون نفوراً منها وانفصالاً عنها, بل توظيفها في خدمة وحدة الشخصية القومية والحفاظ على مقومها الثقافي المتميز, وإدراك " ما هو قومي ليس كبعد من أبعاد الثقافة القومية فحسب بل من حيث أنه الوحيد الممكن تاريخياً في الماضي والحاضر والمستقبل"(40) وأخيراً وليس أخرا,إن المشروع الثقافي العربي تعتوره الكثير من المخاطر والصعوبات ولكن الأمة العربية-مهما كان ليلها حالكاً- قادرة على تجاوز محنتها, ولن تعدم الوسائل الكفيلة لصد مخاطر الغزو والاختراق الثقافي الذي يستهدف وجود الأمة ذاته, وهي تستطيع عبر مشروعها الوحدوي الكبير مهما تأخر تحقيقه أن تصنع نموذجها وأن تحمي ثقافتها من الضياع وتنهض بها وتتخلص من كل مظاهر التخلف والتبعية مهما بعد الزمن.. ولعل تلمس أسباب الضعف ومواطن الخطر يقودنا للإلحاح على أهمية التفكير المبدع وتنميته في تجاوز ذلك ووضعنا على الطريق السليمة. (1)– جاك روبان: من التنمية الاجتماعية إلى النمو البشري – ترجمة شحاذة الحوشان ص 122 0 وزارة الثقافة دمشق - - 1977. (2) سيد عبد الحميد مرسي: إطار نظري لدراسة الشخصية – الفكر المعاصر – العدد 71 – يناير 1971. (3)– فرنسيس مورلايه : صناعة الجوع – ترجمة أحمد حسان – ص 22 – عالم المعرفة الكويت 1983. (4)– المنيهوت: نبات استوائي تستخدم جذوره الدرنية في استخراج النشاء والدقيق وهو طعام شعبي. (5)–فايزبكتاش:مفهوم التخلف السياسي في دول العالم الثالث – ص 47 – مجلة العلوم الاجتماعية – العدد 7 – 1979 (6)- - نفسه : ص 48 . (7)– المانيلوفية نسبة إلى شخصيات رواية( الأرواح الميتة ) ل (غوغول) (8)–فرج عبد القادر : علم النفس في خدمة العامل والإنتاج. الفكر المعاصر – ع 61 – ص 35 – مارس 1970. (9)- مجلة قضايا عربية ( م.س ) حاشية الصفحة 248.--------- (10)الكفاح العربي 939 – 29/7/1996- صفحة-32. (11)–انطوان زحلان: المستقبل العربي العدد 188 ص48 (12)– اسماعيا سرور شلش: قضية التكنولوجيا واستخدامها عربياَ, الفكر العربي العدد 7 ص 79. (13)– جورج قرم: الشركات المتعددة الجنسية في الفكر العربي العدد 7 ص19. (14)– انطوان زحلان : المستبل العربي العدد(180) ص 108. (15)– جورج قرم : التنمية المفقودة – ص 14 –دار الطليعة – بيروت 1981. (16)- غازي أبو شقرا: التكنولجيا والتكامل الحضاري –ص 139 – الفكر العربي ك2 1979. (17)-التنمية المفقودة:ص 104. (18)– مطاع الصفدي : عصر الاستشهاد الثقافي –ص 4 – الفكر العربي المعاصر – ع 13 – تموز ( يوليو) 1981. (19)–عبد الباسط عبد المعطي : التعليم وتزييف الوعي الاجتماعي ص 65و 67 –مجلة العلوم الاجتماعية مجاد 12 ع4- شتاء 1984. (20)فرنربيغر: البيئة والتنمية – ص 65 ( تنمية المجتمع) – العدد 3 – 1987. (21)- حسن أحمد عيسى :الإبداع في العم والفن—ص 92 – سلسلة عالم المعرفة – 1989- الكويت (22)- أرك فروم: الإنسان بين الجوهر والمظهر –ترجمة سعد زهران –عالم المعرفة – 107 – الكويت 1989 ص 107 وص199 (23)– هوين كاوتري: المشاركة الشعبية في التنمية – التربية الجديدة – 49 – ع16 . (24)– أريك فروم ( سبق ذكره) ص 195. (25)- في مراجعة سهيل فهد سلامة – مجلة العلوم الإنسانية ع 24, ص 242 – الكويت 1986 لكتاب ( ج . هه برنادين) و( ر.و.بتي) في كتابهما تقويم السلوك الإنساني في العمل. والطريقة المستخدمة في ذلك تسمى ( قياس توزيع الأداء). (26)- فرج عبد القادر: علم النفس في خدمة العامل والإنتاج.. الفكر المعاصر -ع 61- ص35 – مارس 1970. (27)– فرج عبد القادر: علم النفس والشخصية المنتجة – الفكر المعاصر- ع 75 – ص 29 – مايو 1971. (28)- وهيب سراي الدين: الرقيق – مجموعة قصص – الفقرات من قصة الرقيق – اتحاد الكتاب العرب – دمشق 1985. (29)– أريك فروم (سبق ذكره) 157. (30)رفاعي محمد رفاعي: فلسفة الإدارة اليابانية في إدارة الموارد البشرية –ص 85 –مجلة العلوم الاجتماعية ع 12 شتاء 1984. (31)يشيو كانجي: الطريق الموازي الذي سلكته اليابان للتحديث – الثقافة العالمية – ص86 – 16 أيار1984. (32)- رفاعي محمد رفاعي: ( سبق ذكره) ص 101 – 102.----- (33)رني:العدالة في النهضة العربية-ص7-سلسلة عالم المعرفة الكويت-1980 (34)حاضرات اليونسكو-ترجمة سامي الدروبي-صدرت الترجمة في عدد -خاص من مجلة (المعلم العربي) دمشق 1955-تحت عنوان ( في الثقافة) (35) عابد الجابري: إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربالعي- المستقبل ربي- ع 69-ص 61 (36)جاك بيرك: مقابلة أجراها بدر الدين عردوكي-الفكر العربي-ع 2- ص 281 (37)أنور عبد الملك"دراسات في الثقافة الوطنية-ص 219-دار الطليعة-بيروت 1967 (38)مصطفى المصمودي:النظام الإعلامي الجديد- ص 267- سلسلة عالم المعرفة-الكويت 1985 (39)المصدر نفسه:ص 288 (40) يلى السائح:شؤون عربية-ع 7- ص84. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |