|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:12 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أهمية الإبداع في المشروع الثقافي العربي النزعة إلى التكرار والنقل والاتباع, ومجافاة التجديد والابتكار ظاهرة لا تخطئها العين في الحياة العربية المعاصرة. وقد تحدثت عن هذه الظاهرة ودرستها أبحاث كثيرة وأبرزت ما في حياتنا الاجتماعية والفكرية والسياسية من عدوات لدودة للإبداع والمبدعين. وليس جديداً التأكيد اليوم على أهمية البحث عن الأساليب والطرائق والوسائل في معركة الأمة العربية وصراعها من أجل البقاء ولتمتلك القدرة على المبادرة , فالحياة المعاصرة ترذل السكون والتردد ولا ترحم أولئك الذين يديرون ظهورهم لحركة التطور ويسلمون زمام أمورهم للأقدار. فامتلاك الأمة زمام نفسها والقدرة على استخدام وامتلاك أسلحة مكافئة ومناسبة لما بلغته الحضارة المعاصرة من تطور وتقدم هي بعض وسائل مواجهة التحديات الراهنة وتراكمات العصور الماضية . ولعله من بديهيات الأمور التركيز على أهمية إنتاج الوسائل الضرورية لتثبيت الأقدام في الأجواء الدولية العاصفة, أو إعادة إنتاجها سواء كانت تلك الوسائل مما يتعلق بالمهارات أو بالمعارف أو بالقيم. ولا يعني هذا أن نرذل ما وصل إليه الآخرون من تقدم في المعارف والتقنيات , بل لا بد من العمل بهدف الوصول إلى تلك الدرجة التي يصير معها ممكناً "المشاركة في إنتاج المعرفة بوساطة استثمار النتائج العلمية الحالية والأدوات المنهجية السائدة أينما وجدت, ومحاولة التفكير فيها بما يسمح بإخصابها والمشاركة في تجارب بإعادة بنائها"(1). وإلا فلا أمل لنا في اختراق السدود وأدوات الحصار التي أحيطت بها البلدان النامية من سيادة نمط الحياة الاستهلاكية, بحيث تكتوي هذه المجتمعات بنار ذلك الأتون الرهيب الذي يصهر كل شيء ليعود ويشكله على نمط يخدم مراكز الهيمنة والاستغلال فيغدو تشييء الناس وهندسة تفكيرهم وسلوكهم واتجاهاتهم بعضاً من نتاج ضبط السلوك البشري الذي تبرمجه مخابر التسلط والاستغلال والاستهتار بقيم الشعب ومعاملة الناس كسلع في سوق الاستهلاك العالمي.. وسنذكر –فيما بعد-وسائل وأساليب وتقنيات تنتجها مراكز الأبحاث والمخابر الغربية من مركز تسلطها الجديد في القارة الجديدة تهدف إلى هندسة السلوك الإنساني دون أخذ في الاعتبار لما تنطوي الشخصية الإنسانية عليه من تفرد وقيم روحية وأخلاقية. وإلا فبماذا تفسر صرعات المجتمع الرأسمالي التي يصدرها عبر وسائله التكنولوجية المتطورة وموديلاته ونماذجه؟ تأتينا على حين غرة محدثة الانبهار وهي التي لا ينقصها شيء من معرفة أساليب التشوق والإثارة, ثم ما تلبث أن تغدو زوابع بل عواصف هوجاء تلف كل شيء بتيارها الجارف فلا تدع مجالاً لتحليل أو تفكير أو نقاش فنفقد القدرة على أن نملك من أمورنا ولو النزر اليسير.. حتى العلم ومناهجه وقواعد البحث فيه تصدر جاهزة تتعامل معها مجتمعاتنا تعاملها مع المأكولات المعلبة والألبسة الجاهزة, نكررها ونمعن في تكرارها مشدوهين بما تحفل به من مزايا لم نكتشفها دون إعمال لتفكير ودونما حاجة إلى السعي لإعادة إنتاجها,فنتيه في ممارسة النقل معطلين تفكيرنا. فمن أين لنا أن ننشد حريتنا ونحن لسنا بقادرين على "إعادة إنتاج المعايير التي يتميز بها الإبداع عن التكرار والخلق عن الاستبدال والتغيير عن التخريب"(2)؟. من هنا يستمد تعلم الإبداع مشروعيته, فالقدرة على الفعل الحضاري وتجاوز حالة التبعية التي تتمثل بالتكرار واللهاث وراء تجارب الآخرين والانبهار بكل عناصر حضارتهم , ليسا ممكنين بدون ولادة عصر الإبداع العربي. وبلوغ أدنى درجات النجاح في صنع المشروع الحضاري الجديد ليس ممكناً إلا بامتلاك قدرات إبداعية بعيداً عن انتظار المخلص الذي يأتي من وراء الحدود, أو من عالم الغيب ليأخذ بيدنا من مستنقع الدوران حول النفس وبنفس المكان. والمشروع الثقافي العربي بخاصة والمشروع النهضوي العربي بعامة لا يتكونان خارج إطار الاتصال والتواصل اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً. فلم تكن عمليات التراجع والتردي التي ميزت الحياة العربية في القرون القريبة الماضية عمليات انفصام عن تاريخ الأمة وحضارتها فحسب, بل كانت انقطاعاً في عمليات الإبداع.فما أن خبا الفعل المبدع حتى سكنت الحياة العربية. واليوم فلا سبيل إلى تخطي حواجز وموانع وسدود التخلف والتبعية إلا بتنمية القدرات الإبداعية على المستويين الفردي والاجتماعي. وهذا يعني النهوض بالعلوم والسلوكية اعتماداً على دراسات حقيقية تنطلق من رؤية شاملة للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, لا الأخذ بمقاربات هذه العلوم واتجاهاتها جاهزة, لأنها في واقع الأمر نتاج استقراءات لبيئات ومجتمعات مغايرة. فلا بد من جهود جماعية متعاظمة تعمل على إعادة إنتاج هذه المقاربات ونقدها, كيما نبلغ الطمأنينة اللازمة التي تعزز خطانا على أننا سائرون على طريق صحيحة وبخطوات متماسكة. وهذا لا يعني بطبيعة الحال الابتداء من الصفر, مواصلة الطريق تحتاج إلى المزيد من المعارف, ولكن عن طريق المزيد من النقد(للوصول إلى نماذجنا وموديلاتنا الخاصة بنا) فإذا ما التقى النقد والمعرفة "قامت سلطة العلم كأعلى السلطات"(3) وهذا هو الذي قصده شاعر المكسيك (كارلوس فونتيس) في مقابلة معه: "لقد نجمت إخفاقاتنا السابقة عن حقيقة أننا لم نكن قادرين على العثور على موديلاتنا السابقة ونماذجنا الخاصة"(4). ولكن المعرفة وإن كانت هي في الأساس لكل توجه, لكنها ليست الضالة التي ننشد لديها المداواة لبعض أدوائنا وعللنا. فهي وإن كانت شرطاً ضرورياً لدفع المشروع القومي العربي إلى أمام, إلا أنها ليست بالشرط الكافي لذلك, فلا بد من الفعل الإبداعي ويكون ذلك بحفز القدرات الإبداعية كافة في الفرد والجماعة والطريق إلى ذلك هو الوعي لشخصيتنا القومية وتوفر الإرادة اللازمة للحفاظ على هويتها. فالشخص المقلد والأمة المقلدة إذ ينسخان ذاتهما عن الآخرين نسخاً فإنهما غنما يمسخان شخصيتهما مسخاً. والخروج من دائرة التخلف والتبعية يدعونا لتعلم الإبداع الذي لا شيء يقوم مقامه لمغالبة حمى المجتمع الاستهلاكي وأتونه فقد " علمنا التاريخ دوماً ألا سبيل لمغالبة ندرة الموارد وشحها إلا عن طريق العقل المبدع المبتكر,عن طريق المادة الرمادية , عن طريق تلك القوة الفكرية التي تقوى على استبدال مورد جديد بمورد قديم, وأن تحل طاقة بديلة مكان طاقة زائلة(….) فالعقل المبدع المبتكر هو سبيل تجديد التربية, وسبيل التغلب على أزمتها ومغالبة ما فيها من نقص الإمكانات والموارد شريطة أن تعنى التربية بتكوين ذلك العقل(….) أجيال تنتظر, وأفواه جائعة تفغر فاها,وأزمات عاصفة تلوح في الأفق, ومن رؤاها ينبغي أن نستمد العزم على أن يكون التجديد في التربية بعض رسالتنا القومية والإنسانية"(5). فالحاجة إلى تعلم الإبداع ماسة وهي ليست محصورة فيما ذكر آنفاً فحسب, بل هي تلح لأسباب أخرى أيضاً نتلمسها فيما بعد, بعد أن نحدد طبيعة الإبداع والفكر المبدع. طبيعة الإبداع والفكر المبدع خلقت الحضارة المعاصرة كثيراً من النتاجات التي أدت إلى تواكل المجتمعات المتخلفة على الفتات الذي تلقيه إليها المجتمعات المتقدمة, فباتت الأولى تنتظر حلولاً جاهزة لمشاكلها تستعيرها أو تنقلها, وتطلبها من البلدان المتقدمة على شكل هبات تقدم لها أو قروض أو ما شابه ذلك.. وهي في ذلك تمعن في ابتعادها عن الإبداع وتتخذ من الاتباع والنقل والتقليد سبيلاً لها, وفي هذا ما فيه من تعميق الأسباب التي تؤدي إلى مزيد من التبعية والتخلف. ولعل المرء لا تخطئ عينه هذه النتيجة عند ملاحظة ما آلت إليه صناعات العالم النامي واقتصادياته, بخاصة عندما بنت مشاريعها التنموية على أساس من البعد الاقتصادي مهملة الجوانب الأخرى للتنمية وعلى الأخص ما يتعلق منها بنمو الكائن البشري الذي توليه البلدان المتقدمة عنايتها بحيث أن تربية الناشئة تهدف بالدرجة الأولى إلى استنهاض سائر قدراتهم الجسدية والعقلية بهدف الإسهام في عمليات البناء والنهوض الاجتماعي والاقتصادي, باحثة باستمرار عن أنسب الطرائق وأكثرها فاعلية في تعلم الإبداع وتنمية القدرات الإبداعية. وقبل أن يلج البحث إلى الطرائق والأساليب والمبادئ التي تستند إليها التربية بالإبداع. نرى من المستحسن أن نلقي نظرة سريعة محاولين إيجاد أجوبة لبعض الأسئلة في هذا الصدد. من هو المبدع؟؟ وهل القدرة على الإبداع وقف على عدد محدود من البشر؟؟ وهل يظهر الإبداع ويتجلى الفعل المبدع بتلقائية عند صاحبه؟؟ أم أنه وليد ظروف ذاتية وأخرى موضوعية؟؟ يترتب على علاقة الإنسان بالبيئة العديد من المشكلات التي تتطلب منه البحث عن حلول لها. ونميز في الحلول التي يتعامل بها الناس مع هذه المشكلات حلولاً فيها الكثير من مظاهر الجدة والمخالفة للمألوف, وأخرى أقل حظاً من ذلك أو أنها تتوافق مع ما ألفه الناس أو أكثريتهم. ويتجلى الإبداع بصورة بديهية في تلك التي تتصف أساليبها بالجدة والابتكار. ويكون تكيف الإنسان مع البيئة عادة في مستوى أعلى مما هو عليه عند الحيوان. أي أن تكيف الإنسان وقدرته على إيجاد حلول للمشكلات التي تعترضه هو في مستوى أعلى مما نجده عند الحيوان. بخاصة وان الإنسان لا يوظف قدرات أولية ذات طبيعة غريزية بحتة في عملية التكيف, بل إنه يوظف تفكيره. والتفكير نم حيث هو نشاط إنساني هو نشاط عقلي عالي المستوى لأنه يكون موجهاً نحو كشف العلاقات بين الظواهر أو الأشياء في كليتها, فلا يعنى بما هو فردي إلا بهدف توظيفه في عملية أو عمليات عقلية تنطوي على الفهم والتفسير والتحليل والتركيب وقد تتجاوز ذلك إلى النقد والتقويم في إطار من البحث عن القوانين والمبادئ التي تنظم هذه العلاقات. وهذا النشاط يكون مركباً لأن الإنسان يحشد فيه فعاليات إرادية متعددة معتمداً على نتائج تصل إليها قدراته الإدراكية وفعالياته العقلية الأخرى من انتباه وتذكر وتخيل. ويستخدم التفكير من حيث أنه نشاط عقلي المفاهيم والمبادئ ثم يطورها ويكتشف مفاهيم جديدة ويدخل في صميم الفعاليات والأنشطة العقلية المختلفة. وفعالية التفكير دوماً هي ذات محتوى, فحيث يكون المرء في حالة تفكير فإنه يوجه طاقاته الذهنية ومهاراته العملية والعقلية نحو موقف محدد أو مشكلة أو شيء, والحلول التي يصلها عن هذه الطريق تتميز بكونها حلولاً ذات كفاية عالية المستوى إذا ما قيست بالحلول العفوية أو بردود الفعل الانعكاسية التي تصدر فيبعض الحالات. وكونها أكثر رقمياً من غيرها فإنها على الأغلب تؤدي إلى نتاجات توفر الوقت والجهد في إعادة استعمالها. ولأنها تتصف بالتعقيد فلا تقتصر حلولها عادة على ما هو آني ومؤقت بل تتجاوز ذلك نحو تحقيق غايات ذات طبيعة مستقبلية لأنها ذات قدرة على استبصار المستقبل والتنبؤ ببعض جوانبه والمعرفة بعواقب الأفعال, وإن اختلف الأمر من شخص لآخر. وهذا لا يعني أن المقاربات التي تحققها فعالية التفكير تكون دائماً صائبة, فهي قد تكون في بعض الأحيان مجانبه للصواب وفي أحيان أخرى قد تتراوح مقارباتها بين الصواب والخطأ. والنشاط الفكري يمثل اليوم محط الآمال البشرية في المحافظة على وجود النوع الإنساني وفي زيادة قدرته على التكيف الإيجابي والاستمرار في تحسين ظروف الحياة, وفي أن يكون البشر أكثر قدرة على تفهمهم لمسألة استيعاب كل ما يصل الدماغ من معلومات ومعارف. فليس باستطاعة الذاكرة مهما بلغت طاقتها على الحفظ واختزان المعلومات والخبرات أن تلبي الحاجة إلى التلاؤم المتوازن مع عصر التفجر المعلوماتي والتقني.. كما أن تنشيط الفكر البشري تفرضه إضافة لما ذكر الضرورات التي ترتبت على تجاوز التفكير العلمي لتلك الأنماط التقليدية من التفكير التي سادت إلى وقت قريب وكانت غاية ما تطمح إليه موضوعية البحث, وهي أنماط ترسم التجربة حدودها وتقوم على طرائق في التفكير اعتاد الناس عليها في تطبيق بعض الأنشطة المتعلقة بالمعرفة. وقد بلغت الثقة بتلك الطرائق حداً جعل الناس يعتقدون أنها البلسم الشافي الكافي لحل كل مشكلة تعترض الطريق البشري. وكأن المرء يكفيه أن يمتلك طريقة ما أو مجموعة من الطرائق ليمتلك آلة التفكير(أورغانون أرسطو أو الأورغانون الجديد بحسب بيكون), وليحيط بكل ما يجري حوله.وما تزال كتب المنطق المدرسية تشير بنوع من القداسة إلى مثل هذه الطرائق. وهي كما نعلم تعتمد حدوداً في الاستدلال يجري تسلسلها وفق قواعد ثابتة تكون معياراً لعملية التفكير ذاتها وتقاس نتائجها من خلال قاعدة الانتقال عبر الحدود المتوسطة من مقدمات لها تسميتها وشروطها. ولكن الاستدلال بأنواعه المختلفة يتعرض اليوم للنقد بعد تلك النقلات النوعية في المعارف مما أدى إلى ما يشبه الانقلابات الجذرية في عملية حيازة المعرفة مما يعلن عن عقم الطرائق التقليدية وعدم ملاءمتها للإحاطة بآفاق المعارف والتطور العلمي سواء في علوم الرياضيات و وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. ويمثل الإبداع بالنسبة لعمليات التفكير المختلفة الثقافة العربية( الآفاق والاتجاهات) لا يبعث الواقع العربي الراهن على التفاؤل,فلا جبهته الداخلية متماسكة ولا يوجد في الأفق ما يوحي بأن هذه الجبهة قادرة-من خلال الصورة المطروحة الآن للأنظمة العربية- على الخروج من وضعها المتردي. كما أن الظروف الخارجية لا تمنح الفرصة الكافية للخروج من شرنقة التبعية والتخلف والتصارع والتخبط والتكالب على فتات موائد ما يسمى بدول المركز التي تشكل أحد طرفي المعادلة على حد تعبير بعض الكتاب والطرف الآخر هو دول الأطراف أي تلك الدول المسماة بالدول النامية وإضافة لما ذكر لعل أصعب ما تواجهه الأمة العربية في معركتها لإنشاء مشروعها الثقافي يتمثل في ذلك الصراع بين دعاة التمسك بالبنى التقليدية على المستوى الثقافي التي لا تنتج إلا التخلف , ودعاة اللحاق بالمشروع الغربي والاستسلام له والذي لا ينتج سوى التبعية. فكأن المشروع الثقافي العربي في كلتا الحالتين لا ينتج سوى تخلفه أو تبعيته. وفيما يلي أهم سمات الحالة الثقافية العربية الراهنة: 1-تخلف النظم التعليمية وقلقها: فسواء نظرنا إلى هذه النظم من جهة المحتوى أم من جهة الطرائق والأساليب والوسائل وأدوات التقويم فلا نكاد نلمح في الصورة ما يبعث التفاؤل في النفس . ولعل أوضح ما تشير إليه هذه الحالة هو غياب الفلسفة التربوية العربية الموحدة, ففي الوطن العربي فلسفات تربوية لا فلسفة واحدة حتى داخل القطر الواحد. داخل النظام التربوي الواحد تداخل لفلسفات متباينة. أما من حيث الأسس التي يقوم عليها التعليم والطرائق المتبعة فإنها لا توحي بخروج النظم التربوية العربية عن نمط التلقين وهو النمط السائد في الحياة العربية حتى خارج نطاق التعليم.وليس غريباً على أحد الممارسات التي تتبعها وسائل الإعلام المختلفة في سائر الدول العربية من محاولة زج العقول كافة في بوتقة النظام السائد وما يتبع ذلك من تعطيل للفكر واستهانة بالعقل والعواطف وأبسط الحقوق القانونية والقيم الأخلاقية .وليس ذلك فحسب فالتلقين هو النمط السائد حتى داخل الأسرة وداخل المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية الإنتاجية منها وغير الإنتاجية. أما التعاون بين المؤسسات التعليمية العربية فيكاد يكون معدوماً رغماً عن ظهور بعض الاتفاقيات الثقافية والتربوية بين بعض الأقطار العربية. كما أن الصلات داخل القطر الواحد تكاد تكون مقطوعة تماماً بين المؤسسات التثقيفية كل في واديه يعمل.. فإذ يفترض التكامل بين جهود المعلمين والإعلاميين مثلاً.. يكاد هذا الأمر يكون لا وجود له بل أن أحدها يمحو ما يفعله الآخر أو يشوشه وإلا فأين دور الخبراء والفنيين التربويين في عمل المؤسسات الإعلامية؟ 2-تغييب دور الفرد وفاعليته وطمس القدرات الفردية والجماعية: رغم الدعاية الرعناء وشآبيب الإعلان التي تطمرها المنظمات الرسمية وأجهزة التسلط عن العناية بالمواطن وأخذ دوره في معركة البناء والتحرير وما أشبه من شعارات , فإن المواطن غائب تماماً لأن الأنظمة القهرية لم تستطع إلا أن تطمس شخصيته وهو مصاب بالإحباط لأن سياسة إطلاق الشعارات بنبرات عالية لم تفعل شيئاً سوى خذلان هذا المواطن الذي دفع دفعاً للهرب من طاحونة الكلام وتعمية المفاهيم ليرتد نحو القيم العتيقة المخالفة لروح العصر والتي لم تعد مناسبة لطبيعة التحولات التي توصل لها العالم ,ولكنه يجد فيها مأوى أكثر طمأنينة له لأن المناخ السائد صارت أهم أسباب التكيف معه أساليب الرياء والمداهنة والخداع.فإذ لا يجد المرء أمام كل الهزائم التي مني بها والتي تتالى وفق وتيرة متسارعة سوى تسويغات وتسميات (تخرج الفكر من عقاله) . لقد حشي قاموسنا الثقافي بمفاهيم لا يقبل تعريفاتها ولا تفسيراتها . إنها مفاهيم (النصر ) التي تسوغ الهزائم ..وحيث لا يجد المواطن في كل ما وعد به من أمن وفي كل ما صور له على أنه سبيل النصر والتقدم ما يشعره بالاطمئنان والأمان فإنه ارتد باحثاً عنهما في كنف القبيلة أو الطائفة,وارتد الناس إلى تداول الخرافات وكأنها البديل لكل ما وعدوا به من إنجاز العلم والتقنية وشعارات التقدم والحياة الأفضل… عاد الناس يحنون إلى الثقافات الغيبية المغرقة في مجافاتها للعقل والمنطق. فالتحول عن الموضوعية والتفكير العلمي والمنطق وغياب الفكر النقدي لم يكن سوى بعض نتاجات الأزمة في الثقافة العربية التي تلعب خيبة الأمل من أجهزة التثقيف العربية دوراً هاماً في تشكيلها.. وليس التحول إلى الغيبيات مجرد نكوص أو ردة فعل طبيعية, بل إن الأنظمة المفلسة تروج لمثل هذه الثقافة في عملية منظمة للإجهاز على عوامل القوة في حركة المجتمع التاريخية بتشجيع كل ما هو معاد للعقل, وتسهم في ترويج الإشاعات والخزعبلات لتستفيق الجوانب المختلفة من الثقافة حيث تصبح ظواهر السحر والشعوذة والإيمان بالغيبيات وانتظار المفاجآت للتخلص من الأزمات هي أهم ما يبرز من ثقافة المجتمع, وهكذا تستفيق مع هذه الردة المتسارعة كل العلل الاجتماعية من عشائرية ومذهبية ويرتد الناس من حالة الولاء للأمة إلى الولاء للطائفة أو العشيرة. "الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد-كما يقول جمال الدين الأفغاني في العروة الوثقى- هذه الأمة التي لا تستشار في مصالحها , ولا أثر إرادتها في منافعها العمومية , وإنما هي خاضعة لحكم واحد إرادته قانون ومشيئته نظام, بحكم ما يشاء ويفعل ما يريد تلك أمة لا تثبت على حال واحد, ولا ينضبط لها سير فيعتورها الشقاء .. ويتناولها العزل والذل"(6) بعد عرض هذه الصورة القاتمة لما يعتور الساحة الثقافية العربية التي هي بطبيعة الحال الجانب المقروء من حياة الأمة في ترديها وانهزامها .. أما من مخرج من الأزمة؟؟ وكيف للأمة أن تنفض غبار تخلفها وتبعيتها وتبني قوتها الذاتية الفاعلة من أجا مستقبل أكثر إشراقاً وأوضح سبيلاً؟ 1- المراهنة على وجود الأمة(أو الأمم بعامة) أو زوال الأمم من الوجود الإنساني ليست واردة فلا يمكن لأي تلفيق ميتافيزيقي –كما قال أراغون- أن يحملنا على قبول التنازل عن هذا الواقع الحي الذي هو الأمة .. (لا يمكن أن يقوم أي تفاهم علمي على غير افتراض وجود الأمم واحترامها)(7) يعني هذا أن بناء ثقافة عربية تسهم في تدعيم الشخصية القومية للأمة العربية من ملامحها أن تكون قادرة على التعامل مع ظروف الحياة الراهنة وهي ثقافة ينبغي لها أن تكون ثقافة الأمة لا ثقافة النخبة بخاصة وأن انتشار التعليم قد عم طبقات الأمة كافة. هذه الثقافة لا تكون خارج نطاق اللغة العربية –والمقصود بذلك بطبيعة الحال الفصحى-حيث أن المعطيات كافة تدل على قابليتها للحياة والتجدد. وحيث أن التطورات الكمية والكيفية الناتجة عن انتشار التعليم تدل على أن الفصحى ليست عسيرة على التداول بين الأقطار العربية وأن كل المراهنات السابقة –أيام الأمية شبه الكاملة- لا تجد لها مرتكزاً ذا بال ودليلنا على ذلك سقوط كل الدعوات التي انتشرت وناضلت من أجل تعميم الأدب باللغة المحكية أو الكتابة بغير الحروف العربية وغير ذلك..ثم إن الدعوة إلى ثقافة الأمة التي تتعدى حلقات النخب المثقفة إلى الساحة الواسعة للجماهير لا تعني صياغة نظريات اجتماعية أو سياسية, بقدر ما يكون هدفها هو مخاطبة عقول الجماهير وإلهاب عواطفها بلغتها, والمقصود باللغة هنا ليس اللهجات العامية طبعاً, بل الانطلاق من مفاهيم الجماهير لتنميتها وتصحيحها. ومما ييسرها اتصافها بالمرونة بحيث يكون لها فسحة كافية من الحرية تسمح بالحوار وبعمليات الاكتشاف وتنمية الإبداع والفكر المبدع. وهذا لا يتحقق عن طريق مجابهة معتقدات الجماهير بصلافة تتجاهل قوة الأفكار الراسخة والتقاليد الشعبية والعادات التي يمتد عمرها طويلاً في التاريخ ولكن الأسلوب المطلوب هو في الاقتراب من ذلك بالتدريج وباستخدام وسائل مناسبة وأساليب للإقناع. والمشروع الثقافي المطلوب لا ينهض به فرد أو جماعة محددة بل ينبغي له أن يكون مشروعاً جماعياً يبنيه القوميون الذين إن أرادوا أن يكونوا قادرين على تمثل حركة التاريخ فلا بد لهم من التآزر والتعاون واحترام الرأي الآخر وسلوك الحوار الديمقراطي بعيداً عن أي تسلط أو عسف من فئة على أخرى. ويقتضي ذلك من الأطراف كافة وعياً بعناصر الاتفاق وتدعيمها, وتحليل عوامل الخلاف ودراستها عاملاً عاملاً بدون تشنج أو تعصب أو ادعاء الوصاية أو التزمت, ويقودنا هذا إلى ضرورة الكشف عن عورات أدبياتنا السياسية والإيديولوجية التي تراكمت في ثقافتنا القومية خلال عدد من العقود في النصف الثاني من هذا القرن بخاصة حيث سادت الخدعة ببعض الأدلجات وصار المثقف لا يجد قبولاً لأفكاره إلا إذا رصعها باستشهادات من هذا الصنم أو ذاك من أصنام الإيديولوجيا التي رسمتها السلطة الرسمية في بعض البلدان وموهت قوة الأفكار بمنجزات مادية هائلة من حيث الصورة وكما تصورها أجهزة الإعلام. وكثيراً ما استخدمت بعض النصوص كطلاء لعمليات الانتهاز والتسلق , ووسيلة للإيقاع بالآخرين بل لاتهامهم في وطنيتهم وإخلاصهم لأمتهم. 2- الوعي بخصوصية الثقافة القومية وقدرتها على تدعيم شخصية الأمة وتحصينها. ولكن ذلك لا يعني اتهام ثقافات الآخرين وإظهار العداء لكل ثقافة أخرى . فأي ثقافة تطمح للنمو وتعمل للعيش في هذا العصر لا يمكن لها أن تتنكر للآخرين وترفضهم رفضاً قاطعاً. وقد كان للثقافة العربية تجربتها مع الثقافات الأخرى , ودللت فيما مضى على مرونتها وحيويتها بأن أقبلت على الآخر –حينئذ-وتمثلت ثقافات الأمم الأخرى, دون أن تضيع خصوصيتها بل دعمت هذه الخصوصية. وفي العصر الراهن لا يصعب على الأمة أن تجد في خبرتها الماضية الدروس التي تستفيد منها للتفاعل مع ثقافات الأمم الأخرى واستيعابها ليكون إسهامها في حضارة العصر ممكناً.ولكن هذه العلاقة مع الآخر لا يتيسر لها أن تصون الخصوصية الثقافية إن لم يكن هدفها توظيف ما تستوعبه من ثقافة العصر لخدمة الأغراض النهضوية. فالاستفادة من تفوق الحضارة المعاصرة تكنولوجياً وعلمياً وعقيدياً لا يكون بالنسج على منوال مثال ( أوروبا في العصر الحاضر وأمريكا) وإنما بنسج ثقافة تحفظ تمايزها وتستوعب التجارب, والبداية في ذلك والمنطلق يكون في فهم طبيعة العصر وفهم البيئة التي ترعرعت فيها الحضارة المعاصرة والوعي بأهم ملامح المستقبل. 3- الثقافة القومية في حفاظها على تمايزها وعنايتها بخصوصيتها تنطلق من مبدأ نهضوي يشدد على أن النهضة لا يمكن أن تبدأ من فراغ بل "لا بد لها من الانتظام في تراث , والشعوب لا تنتظم في تراث غيرها بل في تراثها هي"(8). ولكن هذا لا يعني الاعتقاد بصحة كل ما في التراث وصوابيته. بل لا بد من أن يقرأ التراث من جديد ليكون دليلاً وشاهداً على نزوع الأمة نحو الوحدة, وعاملاً من عوامل الأمن والاطمئنان على مستقبل الأمة حيث تجد نفسها في تاريخها. والأمة العربية في هذا المجال لا تفتقر إلى ما يحفظ لها هويتها ويؤكد على تواصل وجودها, ويوفر لها هذا كثيراً من الجهود التي تبذلها شعوب وأمم أخرى وهي تبحث عن جذور لها تحدد هويتها وتطمئنها على مستقبلها, فالهوية القومية والملامح الشخصية لا تبنيهما القرارات والإرادات الفوقية. ويدرك العالم المتحضر اليوم أهمية الماضي في توازن الحاضر وضمان المستقبل . ويحث المهتمون بقضايا شعوبهم ومصيرها على الاهتمام بالتاريخ ووعيه وتكوين الإحساس به لدى الأجيال لما لذلك من أهمية في الحفاظ على وحدة الشخصية القومية للأمة. فقد اعتبر الرئيس الفرنسي(ميتران) أن نقائض التاريخ تقود إلى فقدان الذاكرة الجماعية لدى الأجيال الجديدة. ففي التراث تتحصن الأمة من الذوبان في الآخر, وبوعيها له وقدرتها على الإبداع تستطيع أن تستفيد من تجارب الآخرين وتتمكن من تجديد هويتها فيصبح حاضرها استمراراً طبيعياً لماضيها وأساساً لانطلاقتها. فالتراث جزء من تاريخ الأمة وحين تفقد أمة ما ارتباطها بتراثها ستجد نفسها وقد أضاعت شخصيتها مع تاريخها وصارت لا تجارب لها تستفيد منها ولا خبرات تبني عليها خبرات جديدة.. يشرح ( جاك بيرك) أهمية التراث في حياة الأمة بقوله: " إن الهوية لا تنفصل عن التاريخ. ولكن لكي نحافظ على الهوية عبر تتابع الأطوار التايخية لا بد من وجود ثوابت بدونها سيكون الأمر تغييراً في الكينونة. هل ثمة من يقول بوجود كائن يحل محل كائن آخر في مراحل حياة الإنسان طفلاً ومراهقاً وراشداً؟؟ أليس هو نفس الكائن الذي يتطور؟ إن ذلك ينطبق على الشعوب" (9). هذا يعني إيلاء الثقافة التاريخية وتنمية الوعي بالتاريخ والحس التاريخي ما تستحق من اهتمام بحيث تسهم في تربية الناشئة وتفتيح ذهنها على وعي مفهوم الزمان, ومساعدتها على معرفة طرائق البحث التي تنير أفكارها في فهم نشأة الحضارة الإنسانية والتنبؤ بمستقبلها.وبالنسبة للإنسان العربي يكون للثقافة التاريخية دورها الذي يمكنه من إدراك أبعاد مفهوم العروبة وطبيعته المتجددة. على ألا تكون مادة هذه الثقافة التغني بأمجاد الأجداد ,بل تكون قادرة على مساعدة الشباب العربي على وعي التاريخ كونه أحد أهم عوامل تكوين الشخصية العربية والمسهم في تجديد هويتها واتجاهاتها . وليس من أهداف هذه الثقافة –مرة أخرى- إذكاء الحنين للماضي بل وعي حركة التاريخ وصلة الماضي بالراهن والمستقبل. فمثل هذه الثقافة لا يمكن لمخرجاتها أن تسهم في تحصين الشخصية القومية إن هي استمدت مادتها من مصادر تتعصب لهذه المرحلة التاريخية دون غيرها, أو لبعض المصادر المعينة بسبب من تعصبها لمذهب دون آخر. فالثقافة القادرة على الإيفاء بأهداف التربية القومية المطلوبة هي التي يكون من سماتها نقد المصادر والتعامل معها بروح نقدية موضوعية. 4- مراجعة شاملة لتراثنا الثقافي القريب, بخاصة ما أنتج منه خلال العقود الأخيرة والتعامل معه بنظرة نقدية متحررة من سلطان الدعاية والتهويش والتطرف.حدث في ميدان الفعل الثقافي ما يمكن أن نصفه بأية صفات لا تنتمي إلى الاتزان والتعقل. فقد تسابق المتبارون-من مفكرين وأحزاب- على التركيز على دور الأفكار في الفعل القومي العربي وفي الفعل السياسي بعامة من منطلقات إيديولوجية فيها الكثير من التسرع والمغالاة, وبتنا نرى ظاهرة اللعب على حبال مختلفة في الدعاية لهذه الفئة أو تلك, ولتسويغ هذا السلوك أو ذاك . وتضاربت على الساحة الثقافية الاتجاهات الماركسية(تروتكسية,ستالينية, خروتشوفية,غيفارية,غورباتشوفية……) بالاتجاهات القومية المغالية منها والمعتدلة…, بالاتجاهات الدينية المغرقة في رجعيتها والمنفتحة على العصر بهذه الدرجة أو تلك... وغدت الساحة الثقافية ميدان مزاودات, كل فريق يسارع من خطواته للتطرف في هذا الاتجاه أو ذاك, وقد نتج عن ذلك تشرذم الفئات والأحزاب والجماعات… وغدا المجال واسعاً لبروز ثقافة طفيلية(بل ثقافات طفيلية) على حساب الثقافة القومية, مما أعطى لقوى التخريب الفرص الكافية لنشر أفكارها التي لم يكن لديها هدف إلا في تخريب المقوم الثقافي للشخصية القومية.. حتى أن مثل هذه الدعوات التي أبعدت نفسها خارج إطارها الحقيقي بتنا نجدها تتردد على ألسنة وفي كتابات أعلام ثقافية, تكرس جهوداً لا يستهان بها في تنمية نزعات (لا عروبية). فها هو ذا عميد الأدب العربي الحديث (طه حسين) في كتابه(مستقبل الثقافة المصرية) ينطلق من مبدأ أن مصر لا تدين للعرب بشيء لأنها بنت أوروبا والغرب. وهذه النزعة التي يمكن إدراجها داخل ما يسمى (النزعة المتوسطية) عمت قطاعاً واسعاً من المفكرين والأدباء.. مما حدا ببعضهم إلى المناداة بهجر الحرف العربي والفصحى ونعتهما بالعقم وعدم ملاءمتهما لطبيعة العصر.. 5- النهوض بالمشروع الثقافي العربي لا يكون ممكناً إلا بوسائل عصرية تفسح المجال واسعاً للفكر المبدع الذي لا يتيسر بدون تربية تنطلق من فلسفة تؤمن بالمستقبل والتطور وتهدف إلى بناء الشخصية التي لا تستهويها في المجال الثقافي الأسماء اللمعة ذات البريق, وهذا يعني أن صورة المثقف الذي يتعصب لكل ما يقرؤه ليست هي الصورة المطلوبة, بل إنها تلك التي تعنى بالإنسان ذي الفكر النقدي. وهذا يعني تربية الناشئة على ما يمكنها التحرر من سلطة الأفكار المسبقة. والصورة السائدة للثقافة إلى حد كبير بين مثقفينا تتمثل بحفظة النصوص الذين ما يقرؤون بعمليات استعراضية.. ثقافة النصوص مع أهميتها وما يمكن أن يمتلك صاحبها من معارف ومعلومات لا مكن الاستغناء عنها ولا إنكار وظيفتها في فهم العصر والآخر إلا أنها في حالة المغالاة لا تفسح المجال للمثقف للإسهام بإضافة وإبداع ما من شأنه أن ينهض بثقافته على المستوى الفردي على الأقل. وجل ما يستطيعه اجترار نصوص محفوظة في عصر لم يعد بحاجة لأشخاص يختزنون الأفكار والمعلومات حيث تقوم الوسائل التكنولوجية المعاصرة بهذه الوظيفة بكفاءة أكبر , ثم إن إغلاق الذهن وتعويده على الحفظ الأصم والاستذكار ببراعة ليس أكثر ,لا يخرج صاحبه من دائرة التقليد. وقد أدركت قوى الهيمنة والاستغلال والاستعباد منذ أمد ما لهذا النمط من المثقفين من دور في لجم القدرات الإبداعية. وفي المثال التالي توضيح لما أشرنا إليه وهو ما لخصه (أنور عبد الملك) لواقع التعليم في مصر أيام الاحتلال البريطاني : " رأى دنلوب مستشار التربية أيام اللورد (كرومر) أن الضمان الوحيد لاستعباد مصر لا يكمن في الاحتلال العسكري والاستعمار الاقتصادي , وإنما في ضرب الفكر عند المصريين في الصميم بحيث يصبح عاجزاً عن التطور والإبداع ويظل معتمداً على غيره, ورأى أن هدفه لا يتحقق إلا إذا اتجه التعليم في مراحله المختلفة نحو الحفظ دون الناقشة,والترتيل دون النقد,والمحاكاة للمرجع والأستاذ دون مناقشة وتكوين رأي مستقل فيها, واحترام الكلمة المكتوبة دون امتحانها والتصارع الفكري معها"(10). لا تتلاءم ثقافة النصوص مع طبيعة العصر واتجاهاته. فلم تعد مخرجات النظم التعليمية المطلوبة(متعلمون يجيدون القراءة والكتابة فحسب), بل أن أحد أهم أهداف التربية المعاصرة يتمثل في إعداد متعلمين قادرين على الاستفادة من كونهم يقرؤون ويكتبون. لذا فإن غالبية نظم التربية والتعليم في العالم تضع اليوم في الرأس من أهدافها تنمية ثقافة المتعلمين من خلال امتلاكهم طرائق في التفكير والبحث ليكونوا قادرين على تجاوز النصوص الموجودة تحت أياديهم إلى دائرة الإبداع والتجديد , وإلى آفاق التحرر من الآراء الجاهزة والأفكار المعلبة والقيم المحفوظة.ووسيلتها في ذلك تدريب العقل على التفكير بحيث يصبح حب العلم والبحث من اتجاهاته وتدريبه على الإبداع والابتكار. 6- المشروع الثقافي العربي بأهدافه النهضوية والإبداعية ,ثمة معوقات تحد من نموه تتمثل بوسائط الاتصال الحديثة حيث أنها باتت تستخدم تقنيات متطورة جداً في عمليات تسويقها وإعدادها ..ومن حيث قدرتها على الفعل في الثقافة إن في تعميق بعض جوانبها أم في تسطيح بعضها الآخر. وأخطر ما في وسائل الاتصال الحديثة التي تغلغلت في الحياة الثقافية للبشر في مختلف البلدان والمجتمعات أنها تمتلك من أدوات التوصيل وسرعتها ومن وسائل الجاذبية والتشويق ما يجعلها ذات آثار لا يمكن تجاهلها في ثقافات الناس المختلفة . والأدهى من ذلك والأكثر خطورة كون هذه الوسائط تقع في دائرة الهيمنة والتسلط التي تستغلها في غزوها الثقافي للشعوب الأقل تقدماً ونمواً من النواحي الاجتماعية والاقتصادية. ولعل ما يقاسيه الوطن العربي من تسلط وسائط الاتصال الحديثة من القوة بحيث لا تمكن مقارنته مع ما تقاسيه شعوب أخرى لاعتبارات كثيرة تتعلق بخطورة وأهمية الوطن العربي بالنسبة للنظام الإعلامي نظراً لغناه من حيث الثروات الطبيعية ولموقعه الجغرافي المتميز ولأنه-وهو أهم من كل ما سبق- ذو خصوصية ثقافية ذات جذور وتاريخ تتناقض إلى حد كبير مع اتجاهات ثقافة المركز المهيمن حالياً في العالم. وتتمثل مخاطر وسائط الاتصال الحديثة في تدفق المعلومات الذي لا رادع له يحمي هذه المنطقة من عمليات الاختراق الثقافي بخاصة في عصر الأقمار الصناعية وبسبب من وقوع المنطقة العربية تحت تأثير إعلاميات متباينة تتعرض لها يومياً عبر وسائل الإذاعة والتلفزة من البلدان المجاورة.(التلفزات الأوروبية المتاخمة لبلدان شمالي أفريقية, والتلفزة التركية والإيرانية المتاخمة لمناطق شمال سورية والعراق ومنطقة الخليج الغربي). مما يسهم في شيوع فوضى ثقافية عربية. ومما يزيد من خطورة ذلك غياب سياسة إعلامية عربية موحدة ناهيك عن شعور عدم الثقة في أجهزة الإعلام العربية من قبل المواطن بخاصة بسبب من خضوعها لسياسات قطرية تفتقر لعناصر التنسيق فيما بينها إضافة لاستخدامها في الدعاية لأنظمة همها تزويق نفسها وشتم الأنظمة التي تعدها منافسة لها. ما سبق يدعونا للتأكيد على أهمية العمل الجاد الهادف إلى تحقيق مناعة إعلامية تخدم الأمن الثقافي العربي وتحافظ على اللغة العربية.(11) ويستلزم ذلك وجود استراتيجية عربية يتجند المثقفون للدعوة لها, تستند إلى أساس من التوجه إلى امتلاك تكنولوجيا تسمح لنا –كعرب- بدخول العصر وتوظف لإنجاز مهام ثقافية يعنى بها مختصون في مجالات الإعلام والتربية, وتستوعب الطاقات القومية وأن تكون السياسات الإعلامية والسياسات التربوية متكاملة وتعمل في اتجاه واحد(12). الإلحاح على أهمية الخصوصية الثقافية والحفاظ على تنميتها دون أن تذوب في الثقافة المهيمنة (ثقافة المركز الغربي) مهمة قومية يتحمل مسؤوليتها المثقفون على مختلف انتماءاتهم الاجتماعية انطلاقاً من مبد(الشخصية القومية هي كائن حي) ينطبق عليها ما ينطبق على الكائنات الحية من حيث خصائص النمو واتجاهاته.ولا يمكن عزل هذا النمو عن ماضي الكائن كونه جزءاً منه. والأمة العربية شأنها في ذلك شأن أية جماعة بشرية تستبطن ماضيها. وليست الثقافة الفاعلة والقادرة على الحياة إلا تلك التي يكون من خصائصها فهم طبيعة النمو بالنسبة للأمة من خلال حل رموز تراثها وإعادة تركيب نفسها من خلال ذلك ومن خلال تركيب العناصر التي عرفتها الجماعات الأخرى في أثناء تطورها التاريخي.ولا يكون التعامل مع الثقافات الأخرى انبهاراً بها أو انصهاراً فيها كما لا يكون نفوراً منها وانفصالاً عنها, بل توظيفها في خدمة وحدة الشخصية القومية والحفاظ على مقومها الثقافي المتميز, وإدراك " ما هو قومي ليس كبعد من أبعاد الثقافة القومية فحسب بل من حيث أنه الوحيد الممكن تاريخياً في الماضي والحاضر والمستقبل"(14). وأخيراً وليس آخراً,إن المشروع الثقافي العربي تعتوره الكثير من المخاطر والصعوبات ولكن الأمة العربية-مهما كان ليلها حالكاً- قادرة على تجاوز محنتها, ولن تعدم الوسائل الكفيلة لصد مخاطر الغزو والاختراق الثقافي الذي يستهدف وجود الأمة ذاته, وهي تستطيع عبر مشروعها الوحدوي الكبير مهما تأخر تحقيقه أن تصنع نموذجها وأن تحمي ثقافتها من الضياع وتنهض بها وتتخلص من كل مظاهر التخلف والتبعية مهما بعد الزمن.. ولعل تلمس أسباب الضعف ومواطن الخطر يقودنا للإلحاح على أهمية التفكير المبدع وتنميته في تجاوز ذلك ووضعنا على الطريق السليمة. أهمية الإبداع في المشروع الثقافي العربي النزعة إلى التكرار والنقل والاتباع, ومجافاة التجديد والابتكار ظاهرة لا تخطئها العين في الحياة العربية المعاصرة. وقد تحدثت عن هذه الظاهرة ودرستها أبحاث كثيرة وأبرزت ما في حياتنا الاجتماعية والفكرية والسياسية من عدوات لدودة للإبداع والمبدعين. وليس جديداً التأكيد اليوم على أهمية البحث عن الأساليب والطرائق والوسائل في معركة الأمة العربية وصراعها من أجل البقاء ولتمتلك القدرة على المبادرة , فالحياة المعاصرة ترذل السكون والتردد ولا ترحم أولئك الذين يديرون ظهورهم لحركة التطور ويسلمون زمام أمورهم للأقدار. فامتلاك الأمة زمام نفسها والقدرة على استخدام وامتلاك أسلحة مكافئة ومناسبة لما بلغته الحضارة المعاصرة من تطور وتقدم هي بعض وسائل مواجهة التحديات الراهنة وتراكمات العصور الماضية . ولعله من بديهيات الأمور التركيز على أهمية إنتاج الوسائل الضرورية لتثبيت الأقدام في الأجواء الدولية العاصفة, أو إعادة إنتاجها سواء كانت تلك الوسائل مما يتعلق بالمهارات أو بالمعارف أو بالقيم. ولا يعني هذا أن نرذل ما وصل إليه الآخرون من تقدم في المعارف والتقنيات , بل لا بد من العمل بهدف الوصول إلى تلك الدرجة التي يصير معها ممكناً "المشاركة في إنتاج المعرفة بوساطة استثمار النتائج العلمية الحالية والأدوات المنهجية السائدة أينما وجدت, ومحاولة التفكير فيها بما يسمح بإخصابها والمشاركة في تجارب بإعادة بنائها"(15). وإلا فلا أمل لنا في اختراق السدود وأدوات الحصار التي أحيطت بها البلدان النامية من سيادة نمط الحياة الاستهلاكية, بحيث تكتوي هذه المجتمعات بنار ذلك الأتون الرهيب الذي يصهر كل شيء ليعود ويشكله على نمط يخدم مراكز الهيمنة والاستغلال فيغدو تشييء الناس وهندسة تفكيرهم وسلوكهم واتجاهاتهم بعضاً من نتاج ضبط السلوك البشري الذي تبرمجه مخابر التسلط والاستغلال والاستهتار بقيم الشعب ومعاملة الناس كسلع في سوق الاستهلاك العالمي.. وسنذكر –فيما بعد-وسائل وأساليب وتقنيات تنتجها مراكز الأبحاث والمخابر الغربية من مركز تسلطها الجديد في القارة الجديدة تهدف إلى هندسة السلوك الإنساني دون أخذ في الاعتبار لما تنطوي الشخصية الإنسانية عليه من تفرد وقيم روحية وأخلاقية. وإلا فبماذا تفسر صرعات المجتمع الرأسمالي التي يصدرها عبر وسائله التكنولوجية المتطورة وموديلاته ونماذجه؟ تأتينا على حين غرة محدثة الانبهار وهي التي لا ينقصها شيء من معرفة أساليب التشوق والإثارة, ثم ما تلبث أن تغدو زوابع بل عواصف هوجاء تلف كل شيء بتيارها الجارف فلا تدع مجالاً لتحليل أو تفكير أو نقاش فنفقد القدرة على أن نملك من أمورنا ولو النزر اليسير.. حتى العلم ومناهجه وقواعد البحث فيه تصدر جاهزة تتعامل معها مجتمعاتنا تعاملها مع المأكولات المعلبة والألبسة الجاهزة, نكررها ونمعن في تكرارها مشدوهين بما تحفل به من مزايا لم نكتشفها دون إعمال لتفكير ودونما حاجة إلى السعي لإعادة إنتاجها,فنتيه في ممارسة النقل معطلين تفكيرنا. فمن أين لنا أن ننشد حريتنا ونحن لسنا بقادرين على "إعادة إنتاج المعايير التي يتميز بها الإبداع عن التكرار والخلق عن الاستبدال والتغيير عن التخريب"(16)؟. من هنا يستمد تعلم الإبداع مشروعيته, فالقدرة على الفعل الحضاري وتجاوز حالة التبعية التي تتمثل بالتكرار واللهاث وراء تجارب الآخرين والانبهار بكل عناصر حضارتهم , ليسا ممكنين بدون ولادة عصر الإبداع العربي. وبلوغ أدنى درجات النجاح في صنع المشروع الحضاري الجديد ليس ممكناً إلا بامتلاك قدرات إبداعية بعيداً عن انتظار المخلص الذي يأتي من وراء الحدود, أو من عالم الغيب ليأخذ بيدنا من مستنقع الدوران حول النفس وبنفس المكان. والمشروع الثقافي العربي بخاصة والمشروع النهضوي العربي بعامة لا يتكونان خارج إطار الاتصال والتواصل اجتماعياً وثقافياً وتاريخياً. فلم تكن عمليات التراجع والتردي التي ميزت الحياة العربية في القرون القريبة الماضية عمليات انفصام عن تاريخ الأمة وحضارتها فحسب, بل كانت انقطاعاً في عمليات الإبداع.فما أن خبا الفعل المبدع حتى سكنت الحياة العربية. واليوم فلا سبيل إلى تخطي حواجز وموانع وسدود التخلف والتبعية إلا بتنمية القدرات الإبداعية على المستويين الفردي والاجتماعي. وهذا يعني النهوض بالعلوم والسلوكية اعتماداً على دراسات حقيقية تنطلق من رؤية شاملة للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية, لا الأخذ بمقاربات هذه العلوم واتجاهاتها جاهزة, لأنها في واقع الأمر نتاج استقراءات لبيئات ومجتمعات مغايرة. فلا بد من جهود جماعية متعاظمة تعمل على إعادة إنتاج هذه المقاربات ونقدها, كيما نبلغ الطمأنينة اللازمة التي تعزز خطانا على أننا سائرون على طريق صحيحة وبخطوات متماسكة. وهذا لا يعني بطبيعة الحال الابتداء من الصفر, مواصلة الطريق تحتاج إلى المزيد من المعارف, ولكن عن طريق المزيد من النقد(للوصول إلى نماذجنا وموديلاتنا الخاصة بنا) فإذا ما التقى النقد والمعرفة "قامت سلطة العلم كأعلى السلطات"(17) وهذا هو الذي قصده شاعر المكسيك (كارلوس فونتيس) في مقابلة معه: "لقد نجمت إخفاقاتنا السابقة عن حقيقة أننا لم نكن قادرين على العثور على موديلاتنا السابقة ونماذجنا الخاصة"(18). ولكن المعرفة وإن كانت هي في الأساس لكل توجه,لكنها ليست الضالة التي ننشد لديها المداواة لبعض أدوائنا وعللنا. فهي وإن كانت شرطاً ضرورياً لدفع المشروع القومي العربي إلى أمام, إلا أنها ليست بالشرط الكافي لذلك, فلا بد من الفعل الإبداعي ويكون ذلك بحفز القدرات الإبداعية كافة في الفرد والجماعة والطريق إلى ذلك هو الوعي لشخصيتنا القومية وتوفر الإرادة اللازمة للحفاظ على هويتها. فالشخص المقلد والأمة المقلدة إذ ينسخان ذاتهما عن الآخرين نسخاً فإنهما غنما يمسخان شخصيتهما مسخاً. والخروج من دائرة التخلف والتبعية يدعونا لتعلم الإبداع الذي لا شيء يقوم مقامه لمغالبة حمى المجتمع الاستهلاكي وأتونه فقد " علمنا التاريخ دوماً ألا سبيل لمغالبة ندرة الموارد وشحها إلا عن طريق العقل المبدع المبتكر,عن طريق المادة الرمادية , عن طريق تلك القوة الفكرية التي تقوى على استبدال مورد جديد بمورد قديم, وأن تحل طاقة بديلة مكان طاقة زائلة(….) فالعقل المبدع المبتكر هو سبيل تجديد التربية, وسبيل التغلب على أزمتها ومغالبة ما فيها من نقص الإمكانات والموارد شريطة أن تعنى التربية بتكوين ذلك العقل(….) أجيال تنتظر, وأفواه جائعة تفغر فاها,وأزمات عاصفة تلوح في الأفق, ومن رؤاها ينبغي أن نستمد العزم على أن يكون التجديد في التربية بعض رسالتنا القومية والإنسانية"(19). فالحاجة إلى تعلم الإبداع ماسة وهي ليست محصورة فيما ذكر آنفاً فحسب, بل هي تلح لأسباب أخرى أيضاً نتلمسها فيما بعد, بعد أن نحدد طبيعة الإبداع والفكر المبدع. طبيعة الإبداع والفكر المبدع: خلقت الحضارة المعاصرة كثيراً من النتاجات التي أدت إلى تواكل المجتمعات المتخلفة على الفتات الذي تلقيه إليها المجتمعات المتقدمة, فباتت الأولى تنتظر حلولاً جاهزة لمشاكلها تستعيرها أو تنقلها, وتطلبها من البلدان المتقدمة على شكل هبات تقدم لها أو قروض أو ما شابه ذلك.. وهي في ذلك تمعن في ابتعادها عن الإبداع وتتخذ من الاتباع والنقل والتقليد سبيلاً لها, وفي هذا ما فيه من تعميق الأسباب التي تؤدي إلى مزيد من التبعية والتخلف. ولعل المرء لا تخطئ عينه هذه النتيجة عند ملاحظة ما آلت إليه صناعات العالم النامي واقتصادياته, بخاصة عندما بنت مشاريعها التنموية على أساس من البعد الاقتصادي مهملة الجوانب الأخرى للتنمية وعلى الأخص ما يتعلق منها بنمو الكائن البشري الذي توليه البلدان المتقدمة عنايتها بحيث أن تربية الناشئة تهدف بالدرجة الأولى إلى استنهاض سائر قدراتهم الجسدية والعقلية بهدف الإسهام في عمليات البناء والنهوض الاجتماعي والاقتصادي, باحثة باستمرار عن أنسب الطرائق وأكثرها فاعلية في تعلم الإبداع وتنمية القدرات الإبداعية. وقبل أن يلج البحث إلى الطرائق والأساليب والمبادئ التي تستند إليها التربية بالإبداع. نرى من المستحسن أن نلقي نظرة سريعة محاولين إيجاد أجوبة لبعض الأسئلة في هذا الصدد. من هو المبدع؟؟ وهل القدرة على الإبداع وقف على عدد محدود من البشر؟؟ وهل يظهر الإبداع ويتجلى الفعل المبدع بتلقائية عند صاحبه؟؟ أم أنه وليد ظروف ذاتية وأخرى موضوعية؟؟ يترتب على علاقة الإنسان بالبيئة العديد من المشكلات التي تتطلب منه البحث عن حلول لها. ونميز في الحلول التي يتعامل بها الناس مع هذه المشكلات حلولاً فيها الكثير من مظاهر الجدة والمخالفة للمألوف, وأخرى أقل حظاً من ذلك أو أنها تتوافق مع ما ألفه الناس أو أكثريتهم. ويتجلى الإبداع بصورة بديهية في تلك التي تتصف أساليبها بالجدة والابتكار. ويكون تكيف الإنسان مع البيئة عادة في مستوى أعلى مما هو عليه عند الحيوان. أي أن تكيف الإنسان وقدرته على إيجاد حلول للمشكلات التي تعترضه هو في مستوى أعلى مما نجده عند الحيوان. بخاصة وان الإنسان لا يوظف قدرات أولية ذات طبيعة غريزية بحتة في عملية التكيف, بل إنه يوظف تفكيره. والتفكير نم حيث هو نشاط إنساني هو نشاط عقلي عالي المستوى لأنه يكون موجهاً نحو كشف العلاقات بين الظواهر أو الأشياء في كليتها, فلا يعنى بما هو فردي إلا بهدف توظيفه في عملية أو عمليات عقلية تنطوي على الفهم والتفسير والتحليل والتركيب وقد تتجاوز ذلك إلى النقد والتقويم في إطار من البحث عن القوانين والمبادئ التي تنظم هذه العلاقات. وهذا النشاط يكون مركباً لأن الإنسان يحشد فيه فعاليات إرادية متعددة معتمداً على نتائج تصل إليها قدراته الإدراكية وفعالياته العقلية الأخرى من انتباه وتذكر وتخيل. ويستخدم التفكير من حيث أنه نشاط عقلي المفاهيم والمبادئ ثم يطورها ويكتشف مفاهيم جديدة ويدخل في صميم الفعاليات والأنشطة العقلية المختلفة. وفعالية التفكير دوماً هي ذات محتوى, فحيث يكون المرء في حالة تفكير فإنه يوجه طاقاته الذهنية ومهاراته العملية والعقلية نحو موقف محدد أو مشكلة أو شيء, والحلول التي يصلها عن هذه الطريق تتميز بكونها حلولاً ذات كفاية عالية المستوى إذا ما قيست بالحلول العفوية أو بردود الفعل الانعكاسية التي تصدر فيبعض الحالات. وكونها أكثر رقمياً من غيرها فإنها على الأغلب تؤدي إلى نتاجات توفر الوقت والجهد في إعادة استعمالها. ولأنها تتصف بالتعقيد فلا تقتصر حلولها عادة على ما هو آني ومؤقت بل تتجاوز ذلك نحو تحقيق غايات ذات طبيعة مستقبلية لأنها ذات قدرة على استبصار المستقبل والتنبؤ ببعض جوانبه والمعرفة بعواقب الأفعال, وإن اختلف الأمر من شخص لآخر. وهذا لا يعني أن المقاربات التي تحققها فعالية التفكير تكون دائماً صائبة, فهي قد تكون في بعض الأحيان مجانبة للصواب وفي أحيان أخرى قد تتراوح مقارباتها بين الصواب والخطأ. والنشاط الفكري يمثل اليوم محط الآمال البشرية في المحافظة على وجود النوع الإنساني وفي زيادة قدرته على التكيف الإيجابي والاستمرار في تحسين ظروف الحياة, وفي أن يكون البشر أكثر قدرة على تفهمهم لمسألة استيعاب كل ما يصل الدماغ من معلومات ومعارف. فليس باستطاعة الذاكرة مهما بلغت طاقتها على الحفظ واختزان المعلومات والخبرات أن تلبي الحاجة إلى التلاؤم المتوازن مع عصر التفجر المعلوماتي والتقني.. كما أن تنشيط الفكر البشري تفرضه إضافة لما ذكر الضرورات التي ترتبت على تجاوز التفكير العلمي لتلك الأنماط التقليدية من التفكير التي سادت إلى وقت قريب وكانت غاية ما تطمح إليه موضوعية البحث, وهي أنماط ترسم التجربة حدودها وتقوم على طرائق في التفكير اعتاد الناس عليها في تطبيق بعض الأنشطة المتعلقة بالمعرفة. وقد بلغت الثقة بتلك الطرائق حداً جعل الناس يعتقدون أنها البلسم الشافي الكافي لحل كل مشكلة تعترض الطريق البشري. وكأن المرء يكفيه أن يمتلك طريقة ما أو مجموعة من الطرائق ليمتلك آلة التفكير(أورغانون أرسطو أو الأورغانون الجديد بحسب بيكون), وليحيط بكل ما يجري حوله.وما تزال كتب المنطق المدرسية تشير بنوع من القداسة إلى مثل هذه الطرائق. وهي كما نعلم تعتمد حدوداً في الاستدلال يجري تسلسلها وفق قواعد ثابتة تكون معياراً لعملية التفكير ذاتها وتقاس نتائجها من خلال قاعدة الانتقال عبر الحدود المتوسطة من مقدمات لها تسمياتها وشروطها. ولكن الاستدلال بأنواعه المختلفة يتعرض اليوم للنقد بعد تلك النقلات النوعية في المعارف مما أدى إلى ما يشبه الانقلابات الجذرية في عملية حيازة المعرفة مما يعلن عن عقم الطرائق التقليدية وعدم ملاءمتها للإحاطة بآفاق المعارف والتطور العلمي سواء في علوم الرياضيات و وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. ويمثل الإبداع بالنسبة لعمليات التفكير المختلفة أهمية الإبداع في المشروع الثقافي العربي : النزعة إلى التكرار والنقل والاتباع ، ومجافاة التجديد والابتكار ظاهرة لا تخطئها العين في الحياة العربية المعاصرة . وقد تحدثت عن هذه الظاهرة ودرستها أبحاث كثيرة وأبرزت ما في حياتنا الاجتماعية والفكرية والسياسية من عدا وات لدودة للإبداع والمبدعين. وليس جديدا التأكد اليوم على أهمية البحث عن الأساليب والطرائق والوسائل في معركة الأمة العربية وصراعها من أجل البقاء ولتمتلك القدرة على المبادرة ، فالحياة المعاصرة ترذل السكون والتردد ولا ترحم أولئك الذين يديرون ظهورهم لحركة التطور ويسلمون زمام أمورهم للأقدار فامتلاك الأمة زمام نفسها ، والقدرة على استخدام وامتلاك أسلحة مكافئة ومناسبة لما بلغته الحضارة المعاصرة من تطور وتقدم هي بعض وسائل مواجهة التحديات الراهنة وتراكمات العصور الماضية ولعل من بديهيات الأمور التركيز على أهمية إنتاج الوسائل الضرورية لتثبيت الأقدام في الأجواء الدولية العاصفة ، أو إعادة إنتاجها سواء كانت تلك الوسائل مما يتعلق بالمهارات أم بالمعارف أم بالقيم. ولا يعني هذا أن نرذل ما وصل إليه الآخرون من تقدم في المعارف والتقنيات، بل لا بد من العمل بهدف الوصول إلى تلك الدرجة التي يصير معها ممكناَ << المشاركة في إنتاج المعرفة بوساطة استثمار النتائج العلمية الحالية والأدوات المنهجية السائدة أين وجدت ، ومحاولة التفكير فيها بما يسمح بإخصابها والمشاركة في بإعادة بنائها>> وإلا فلا لأمل لنا في اختراق السدود وأدوات الحصار التي أحيطت بها البلدان النامية من سيادة نمط الحياة الاستهلاكي والحضارة الاستهلاكية، بحيث تكتوي هذه المجتمعات بنار ذلك الأتون الرهيب الذي يصهر كل شئ ليعود ويشكله على نمط يخدم مراكز الهيمنة والاستغلال فيغدو تشي الناس وهندسة تفكيرهم وسلوكهم واتجاهاتهم بعضاَ من نتاج ضبط السلوك البشري الذي تبرمجه مخابر التسلط والاستغلال والاستهتار بقيم الشعب ومعاملة الناس كسلع في سوق الاستهلاك العالمي... وسنذكر – فيما بعد – بوسائل وأساليب وتقنيات تنتجها مراكز الأبحاث والمخابر الغربية من مركز تسلطها الجديد في القارة الجديدة تهدف إلى هندسة السلوك الإنساني دون أخذ في الاعتبار لما تنطوي الشخصية الإنسانية عليه من تفرد وقيم روحية وأخلاقية. وإلا فبماذا تفسر صرعات المجتمع الرأسمالي التي يصدرها عبر وسائله التكنولوجية المتطورة وموديلاته ونماذجه؟ تأتينا على حين غرة محدثة الانبهار وهي التي لا ينقصها شيء من معرفة أساليب التشويق والإثارة ,ثم ما تلبث ان تغدو زوابع بل عواصف هوجاء – تلف كل شيء بتيارها الجارف فلا تدع مجالا لتحليل أو تفكير فنفقد القدرة على إن نملك من أمورنا ولو النزر اليسير.. حتى العلم ومناهجه وقواعد البحث فيه تصدر جاهزة تتعامل معها مجتمعاتنا تعاملها مع المأكولات المعلبة والألبسة الجاهزة, نكررها ونمعن في تكرارها مشدوهين بما نحفل به من مزايا لم نكتشفها دونما إعمال لتفكير ودونما حاجه إلى السعي لإعادة إنتاجها, فنتيه في ممارسة النقل معطلين تفكيرنا .. فمن أين لنا أن ننشد حريتنا ونحن لسنا بقادرين على <<إعادة إنتاج المعايير التي يتميز بها الإبداع عن التكرار والخلق عن الاستبدال والتغيير عن التخريب >> ؟ . من هنا يستمد تعلم الإبداع مشروعيته,فالقدرة على الفعل الحضاري وتجاوز حالة التبعية التي تتمثل بالتكرار واللهاث وراء منجزات الآخرين والانبهار بكل عناصر حضارتهم, ليسا ممكنين بدون ولادة عصر الإبداع العربي . وبلوغ أدنى درجات النجاح في صنع المشروع الحضاري الجديد ليس ممكناً إلا بامتلاك قدرات إبداعية بعيداً عن انتظار المخلص الذي يأتي من وراء الحدود, أو من عالم الغي ليأخذ بيدنا من مستنقع الدوران حول النفس وبنفس المكان. والمشروع الثقافي العربي بخاصة والمشروع النهضوي العربي بعامة لا يتكونان خارج إطار الاتصال والتواصل اجتماعياَ وثقافياَ وتاريخياَ. فلم تكن عمليات التراجع والتردي التي ميزت الحياة العربية في القرون القريبة الماضية عمليات انفصام عن تاريخ الأمة وحضارتها فحسب ، بل كانت انقطاعاَ في عملية الإبداع . فما أن خبا الفعل المبدع حتى سكنت الحياة العربية. واليوم فلا سبيل إلى تخطي حواجز وموانع وسدود التخلف والتبعية إلا بتنمية القدرات الإبداعية على المستويين الفردي والاجتماعي. وهذا يعني النهوض بالعلوم السلوكية اعتماداَ على دراسات حقيقية تنطلق من رؤية شاملة للبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لا الأخذ بمقاربات هذه العلوم واتجاهاتها جاهزة، لأنها في واقع الأمر نتائج استقرءات لبيئات ومجتمعات مغايرة. فلا بد من جهود جماعية متعاظمة تعمل على إعادة إنتاج هذه المقاربات ونقدها، كيما نبلغ الطمأنينة اللازمة التي تعزز خطانا على أننا سائرون على طريق صحيحة وبخطوات متماسكة . وهذا لا يعني بطبيعة الحال الابتداء من الصفر، مواصلة الطريق تحتاج إلى مزيد من المعارف ولكن عن طريق المزيد من النقد( للوصول إلى نمازجنا و موديلاتنا الخاصة بنا) فإذا ما التقى النقد والمعرفة << قامت سلطة العلم كأعلى السلطات>> وهذا الذي قصده شاعر المكسيك ( كار لوس فونتيس) في مقابلة معه <<لقد نجمت إخفاقاتنا السابقة عن حقيقة أننا لم نكن قادرين على العثور على موديلاتنا السابقة ونماذجنا الخاصة>>. ولكن المعرفة وإن كانت هي في الأساس لكل توجه ، لكنها ليست الضآلة التي تنشد لديها المداواة لبعض أدوائنا وعللنا. فهي وإن كانت شرطا ضروريا لدفع المشروع القومي العربي إلى أمام ، إلا أنها ليست بالشرط الكافي لذلك ، فلا بد من الفعل الإبداعي ويكون ذلك بحفز القدرات الإبداعية كافة في الفرد والجماعة والطريق إلى ذلك هو الوعي لشخصيتنا القومية وتوفر الإرادة اللازمة للحفاظ على هويتها. فالشخص المقلد والأمة المقلدة إذ ينسخان ذاتهما عن الآخرين نسخاَ فإنهما إنما يمسخان شخصيتهما مسخاَ... والخروج من دائرة التخلف والتبعية يدعونا لتعلم الإبداع الذي لا شيء يقوم مقامه لمغالبة حمى المجتمع الاستهلاكي وأتونه فقد << علمنا التاريخ دوما ألا سبيل إلى مغالبة ندرة الموارد وشحها إلا عن طريق العقل المبدع المبتكر ، وعن طريق المادة الرمادية، عن طريق تلك القوة الفكرية التي تقوى على استبدال مورد جديد بمورد قديم وأن تحل طاقة بديلة مكان طلقة زائلة(...) فالعقل المبدع المبتكر هو سبيل تجديد التربية، وسبيل التغلب على أزمتها ومغالبة ما فيها من نقص الإمكانات والموارد شريطة أن تعني التربية بتكوين ذلك العقل(...) أجيال تنتظر، وأفواه جائعة تفغر فاها وأزمات عاصفة تلوح في الأفق ، ومن رؤاها ينبغي أن نستمد العزم على أن يكون التجديد في التربية بعض رسالتنا القومية والإنسانية>> فالحاجة إلى تعلم الإبداع ماسة وهي ليست محصورة فيما ذكر آنفاَ فحسب، بل تلح لأسباب أخرى أيضاَ نتلمسها فيما بعد ، بعد أن نحدد طبيعة الإبداع والفكر المبدع. طبيعة الإبداع والفكر المبدع: خلقت الحضارة المعاصرة كثيراَ من النتاجات التي أدت إلى تواكل المجتمعات المتخلفة على الفتات الذي تلقيه إليها المجتمعات المتقدمة ، فباتت الأولى تنتظر حلولاَ جاهزة لمشاكلها تستعيرها أو تنقلها ، وتطلبها من البلدان المتقدمة على شكل هبات تقدم لها أو قروض وما شابه ذلك .. وهي في ذلك تمعن في ابتعادها عن الإبداع وتتخذ من الأتباع والنقل والتقليد سبيلاَ لها وفي هذا ما فيه من تعميق الأسباب التي تؤدي إلى مزيد من التبعية والتخلف. ولعل المرء لا تخطئ عينه هذه النتيجة عند ملاحظة ما آلت إليه صناعات العالم النامي واقتصادياته ، بخاصة عندما بنت مشاريعها التنمية على أساس من البعد الاقتصادي مهملة الجوانب الأخرى للتنمية وعلى الأخص ما يتعلق منها بنمو الكائن البشري الذي توليه البلدان المتقدمة عنايتها بحيث أن تربية الناشئة تهدف بالدرجة الأولى إلى استنهاض سائر قدراتهم الجسدية والعقلية بهدف الإسهام في عمليات البناء والنهوض الاجتماعي والاقتصادي ، باحثة باستمرار عن أنسب الطرائق وأكثرها فاعلية في تعلم الإبداع وتنمية القدرات الإبداعية. وقبل أن يلج إلى الطرائق والأساليب والمبادئ التي تستند إليها التربية بالإبداع ، نرى من المستحسن أن نلقي نظرة سريعة محاولين إيجاد أجوبة لبعض الأسئلة في هذا الصدد. من هو المبدع؟ وهل القدرة على الإبداع وقف على عدد محدود من البشر؟ وهل يظهر الإبداع أو يتجلى الفعل المبدع بتلقائية عند صاحبه؟ أم أنه وليد ظروف ذاتية وأخرى موضوعية؟ يترتب على علاقة الإنسان بالبيئة العديد من المشكلات التي تتطلب منه البحث عن حلول لها . ونميز في الحلول التي يتعامل بها الناس مع هذه المشكلات حلولاَ فيها من مظاهر الجدة والمخالفة للمألوف، وأخرى أقل حظاَ من ذلك أو أنها تتوافق مع ما ألفه الناس أو أكثريتهم. ويتجلى الإبداع بصورة بديهية في تلك التي تتصف أساليبها بالجدة والابتكار ويكون تكيف الإنسان مع البيئة عادة في مستوى أعلى مما هو عليه عند الحيوان. أي أن تكيف الإنسان وقدرته على إيجاد حلول للمشكلات التي تعترضه هو في مستوى أعلى مما نجده عند الحيوان . بخاصة وأن الإنسان لا يوظف قدرات أولية ذات طبيعة غريزية بحتة في عملية التكيف، بل إنه يوظف تفكيره. والتفكير من حيث هو نشاط إنساني هو نشاط عقلي عالي المستوى لأنه يكون موجهاَ نحو كشف العلاقات بين الظواهر أو الأشياء في كليتها ، فلا يعنى بما هو فردي إلا بهدف توظيفه في عملية أو عمليات عقلية تنطوي على الفهم والتفسير والتحليل والتركيب وقد تتجاوز ذلك إلى النقد والتقويم في إطار من البحث عن القوانين والمبادئ التي تنظم هذه العلاقات . وهذا النشاط يكون مركباَ لأن الإنسان يحشد فيه فعاليات إرادية متعددة معتمداَ على نتائج تصل إليها قدراته الإدراكية وفعالياته العقلية الأخرى من انتباه وتذكر وتخيل. ويستخدم التفكير ، من حيث أنه نشاط عقلي، المفاهيم والمبادئ ثم يطورها ويكتشف مفاهيم جديدة ويدخل في صميم الفعاليات والأنشطة العقلية المختلفة. وفعالية التفكير دوماَ هي ذات محتوى ، فحيث يكون المرء في حالة تفكير ، فإنه يوجه طاقاته الذهنية ومهاراته العملية والعقلية نحو موقف محدد أو مشكلة أو شيء، والحلول التي يصلها عن الطريق تتميز بكونها حلولا ذات كفاية عالية المستوى إذا ما قيست بالحلول العفوية أو بردود الفعل الانعكاسية التي تصدر في بعض الحالات. وكونها أكثر رقمياَ من غيرها فإنها على الأغلب تؤدي إلى نتاجات توفر الوقت والجهد في إعادة استعمالها . ولأنها تتصف بالتعقيد فلا تقتصر حلولها عادة على ما هو آني ومؤقت بل تتجاوز ذلك نحو تحقيق غايات ذات طبيعة مستقبلية لأنها ذات قدرة على استبصار المستقبل والتنبؤ ببعض جوانبه والمعرفة بعواقب الأفعال وإن اختلف الأمر من شخص لآخر . وهذا يعني أن المقاربات التي تحققها فعالية التفكير تكون دائما صائبة، فهي قد تكون في بعض الأحيان مجانبة للصواب وفي أحيان أخرى قد تتراوح مقارباتها بين الصواب والخطأ . والنشاط الفكري يمثل اليوم محط آمال البشرية في المحافظة على وجود النوع الإنساني وفي زيادة قدرته على التكيف الإيجابي والاستمرار في تحسين ظروف الحياة, وفي أن يكون البشر أكثر قدرة على تفهمهم لمسألة استيعاب كل ما يصل الدماغ من معلومات ومعارف. فليس باستطاعة الذاكرة مهما بلغت طاقتها على الحفظ واختزان المعلومات والخبرات أن تلبي الحاجة إلى التلاؤم المتوازن مع عصر التفجر المعلوماتي والتقني ..... كما أن تنشيط الفكر البشري تفرضه إضافة لما ذكر الضرورات التي ترتبت على تجوز التفكير العلمي لتلك الأنماط التقليدية من التفكير التي سادت إلى وقت قريب وكانت غاية ما تطمح إليه موضوعات البحث, وهي أنماط ترسم التجربة حدودها وتقوم على طرائق في التفكير اعتاد الناس عليها في تطبيق بعض الأنشطة المتعلقة بالمعرفة. وقد بلغت الثقة بتلك الطرائق حداَ جعل الناس يعتقدون أنها البلسم الشافي الكافي لحل كل مشكلة تعترض النشاط البشري.وكأن المرء يكفيه أن يمتلك طريقه ما أو مجموعة من الطرائق ليمتلك آلة التفكير ( اورغانون أر سطو,أو الأرغانون الجديد بحسب بيكون), وليحيط بكل ما يجري حوله. وما تزال كتب المنطق المدرسية تشير بنوع من القداسة إلى مثل هذه الطرائق. وهي كما نعلم تعتمد حدوداَ في الاستدلال يجري تسلسلها وفق قواعد ثابتة تكون معياراَ لعملية التفكير ذاتها وتقاس نتائجها من خلال قاعدة الانتقال عبر الحدود المتوسطة من مقدمات لها تسمياتها وشروطها. ولكن الاستدلال بأنواعه المختلفة يتعرض اليوم للنقد بعد تلك النقلات النوعية في المعارف مما أدى إلى ما يشبه الانقلابات الجذرية في حيازة المعرفة مما يعلن عن عقم الطرائق التقليدية وعدم ملاءمتها للإحاطة بآفاق المعارف والتطور العلمي سواء في علوم الرياضيات وعلوم الطبيعة والعلوم الإنسانية. ويمثل الإبداع بالنسبة لعمليات التفكير المختلفة أعمق وأوسع وأعقد نوع من أنواعها, وهو ما يسوغ الاختلاف في تحديد طبيعته. فقد عده بعض الباحثين شكلاَ من أشكال الذكاء العالي , أو أنه الذكاء في أعلى مستوياته, ولكنه يجاوز الذكاء. فإذا كان الذكاء يمثل القدرة على حل المشكلات , فإن الإبداع يتجاوز ذلك إلى شق دروب جديدة وخلق عوامل مبتكرة مباينة للمألوف . لذلك, وتمييزاَ له عن الذكاء , يصطلح البعض أن يسميه بالذكاء المباعد أو المخالف, بينما يطلق على الذكاء في مستواه المألوف الذكاء المقارب الذي يعتمد في مواجهته للمشكلات على أساليب مألوفة, أما الإبداع فهو أقل التزاماَ بالمألوف ولا ينحصر عادة بالاستجابة الحيدة وإنما باستجابات مفتوحة . وبذلك يكون الإبداع بحاجة إلى نوع من التفكير – إن صحت العبارة – منطلقاَ متشعباَ يبحث عن استجابات وحلول ليست مما تألفه أو تعتمد عليه أسئلة اختبارات الذكاء المألوفة. مما تقدم يكون الإبداع قفزة فوق الروابط المنطقية المتعرف عليها لأنه يتجلى باستجابات جديدة, أو أنه كما يقول ( اينشتاين): <<لعبة المزج بين عناصر وصيغ جديدة >>. أو كما عبر عنه ويلسون على أنه:<<شيء مبتكر نحكم عليه في ضوء محك اجتماعي, بمعنى أنه جديد بالنسبة للمجتمع, وفي محك نفسي, بمعنى أنه جديد بالنسبة للشخص نفسه>>(20). وليس الإبداع وقفاَ على مجال واحد من مجالات السلوك والتفكير, لذلك فوصفه على أنه مهارة عقلية ليس دقيقاَ لأنه يتضمن إضافة إلى ذلك تجليات ذات طبيعة وجدانيه كالقدرة على الإحساس بالمشكلات. وأنه لمن المعروف لدى الناس أن المبدع يمتاز بحساسية مرهفة وقدرة على الإدراك الدقيق للثغرات والإحساس بالمشكلات وإثارتها. ويكشف الباحثون في التحليل العاملي للإبداع عن عدد من الصفات يمتاز بها المبدعون منها : 1—القدرة على إنتاج أكبر عدد من الأفكار المبتكرة ويوصف المبدع بسيولة الأفكار وسهولة توليدها. 2--- القدرة على تغيير الحالة الذهبية وفقاَ لتغيير المواقف, وذلك على عكس ما نجده عند أولئك الذين تتصف استجاباتهم بالتصلب والعناد والتشبث بحلول معينة لا يبارحونها. 3--- يكتشف المبدع في الموقف مالا يستطيعه الآخرون. ويمتاز تفكيره بالانفتاح على البيئة والقدرة على رؤية المشكلات ورهافة الحساسية بها. 4--- الابتعاد عن المألوف والحلول التقليدية وعدم تكرار أفكار الآخرين. 5---- الربط بين جوانب الخبرة وإعادة بنائها بنا جديداَ يثير في معظم الأحيان معارضة الناس وعداواتهم. ويحدث تاريخ العلوم والآداب والفنون عن العديد من الحالات التي كان يناصب بها الناس المبدعين, ويعرضونهم للخطر. 6 --- يمتاز المبدعون بالقدرة على مواصلة الاتجاه الذي يسهم في تشكيل أدائهم الإبداعي, ولا يتفق ذلك إلا لمن يكون بذل الجهد ومواصلة العمل بعضاَ من الصفات التي يتمتع بها. والآن كيف نفسر طهور هذه القدرات عند الإنسان المبدع؟ هل هي نتاج وراثي؟ أم أنها نتائج لعوامل أخرى لا يمكن ردها لعوامل الوراثة, أو القول أنها هبة من هبات الطبيعة...؟ في عرض القدرات التي ينطوي عليها الفعل المبدع أو المبتكر وجدنا أن الإبداع هو في أحد جوانبه قدرات معرفية تتطلب ثراء في المعلومات وتنوعاَ في المعارف. أما الجوانب الأخرى في الفعل المبدع , أو الشروط التي تساعد على ظهوره فمنها دوافع الإنسان , هذه الدوافع التي جعل( ماسلو)على رأسها أو في أعلى الهرم منها ( دوافع تحقيق الذات) الذي عده مصدراَ للإبداع. فالفعل المبدع بحسب ذلك يمثل التعبير عن تحقيق الذات الذي يجعل الإنسان في صراع مع بيئته مما يحفزه على الابتكار لا في مجال واحد فحسب, بل في مجالات وأنشطة مختلفة ومتنوعة. ووفقاَ لذلك يكون المبدعون متقبلين لأنفسهم يثقون بها ن ويعتمدون عليها, ويتمتعون بالصحة النفسية والكامل النفسي. أما ( روجرز) فإنه يرى مصدر الفعل المبدع في ميل الإنسان ليحقق ذاته ويستغل أقصى إمكاناته, ويضيف أن خبرته في مجال العلاج النفسي أثبتت له أن الشخص عندما يتفتح أمام كل خبرته يصبح سلوكه إبداعياَ,ويكون إبداعه بناءَ مما يساعده على الشفاء.(21) والقدرات الإبداعية – كما هو معروف – تتفجر انطلاقاَ من رغبة جامحة تطغى على سائر اهتمامات صاحبها, فتشحذ همته, وتحفزه على الابتكار. ولا يفوتنا هنا التذكير بأن الإبداع ليس جهداَ فردياَ فحسب, بل قد يكون نتيجة جهد جماعي. فالجماعة التي تجد نفسها أمام تحديات خارجية أو داخلية, ولو لم يتوفر لها العباقرة, تجعلها قوة الدافع قادرة على شحن أعضائها وإثارة الحماسة في نفوسهم.فإن صدر الإبداع عن فرد أو أفراد لكنه يظل فعلاَ جماعياَ, فإذا لم تشحن الجماعة الفرد أو الأفراد وتعزز فيهم الحاجة إلى الابتكار فلا جدوى من كل الخطط والخطب. ويعلل –جاك أتالي)(22) نهضة بعض البلدان وتفوقها على غيرها بالتحديات التي تفرضها البيئة على البشر ويعطي على ذلك أمثلة منها: << امستردام التي كانت تنقصها المساحات الكافية من الأرض لإنتاج القمح طورت في القرن السابع عشر صناعة الملونات, ولندن التي كان يعوزها فحم الحطب ابتدعت بنجاح الآلة البخارية..>>(23) << أسباب الصعود الياباني المدهش هي في جوهرها ثقافة(...) ضيق المساحة القابلة للسكن دفع إلى إنتاج الأشياء الصغيرة الحجم, والخوف من العزلة أدى إلى تطوير وسائل الاتصال. وقلة مصادر الطاقة إلى البحث من بدائل إعلامية للانتقال. وتواتر الهزات الأرضية إلى تطوير أشياء خفيفة الوزن سهلة النقل, قليلة الكلفة, سهلة التبديل. وأخيراَ تعلمت اليابان من تاريخها الطويل المتميز بالعنف كيف تدير التبادلات بطريقة ناجعة. هذه الخصائص الثقافية تجعل اليابان تعتمد على المستقبل, فالادخار يتقدمالاستثمار, والتصدير يتقدم الاستيراد, والشبكات التجارية تتقدم على التجهيزات الجماعية>>.(24) فللفعل المبدع أيضاَ شروطه الاجتماعية إذا. فالمجتمع بما يملكه من مصادر وتحديات يفتح القدرات الإبداعية وييسر للمبدعين إتيانهم بالجديد بخاصة حين لا يكون هذا المجتمع مثبطاَ للهمم , ساخراَ بالجديد, مضيفاَ على المجددين, وائداَ لكل سلوك أو فعل أو فكرة لا تتفق مع ما استقر لديه من عادات وأفكار وتقاليد. ونعود إلى الشروط الذاتية لظهور الفعل المبدع وهي المتعلقة بسمات الشخصية التي يفترض فيها الصحة النفسية والتكامل والتوافق,على عكس ما كان سائداَ – أو أنه ما يزال لدى بعض الناس – من أن المبدعين ما هم إلا أنصاف مجانين أو أكثر من ذلك. فكون الإبداع بحاجة إلى الجهد والقدرة على مواصلة الاتجاه يشترط المزاج المستقر عند الشخص بخاصة في فترات العمل, وتوافر العاطفة المتأججة وهما بعض أسس الخلق والابتكار. إلا أن الانفعال إذا تعدى درجة معينة – وهي تختلف من شخص لأخر – يصبح له دور سلبي يتمثل في كف الإنجاز لأن السلوك يصبح مضطرباَ ومشتتاَ لا يمكن الإنسان من مواصلة العمل ومتابعة بذل الجهد. وكذلك الأمر بالنسبة للقلق فهو في حدود معقولة يشكل عنصراَ باعثاَ للجهد, ولكنه إن تعدى ذلك يصبح عائقاَ. وأخيراَ لا ننسى ما للشغف بالموضوع عند الشخص من قدرة على الربط بين المبدع وعمليات الإبداع, وهذا الحب يدفع بالمرء لأن يظل متعلقاَ بموضوعه دائباَ على العمل بهدف إنجاز الحلول التي يرضاها له . الحاجة إلى تعلم الإبداع الفجوة الواسعة بيننا وبين الدول المتقدمة تعيدنا باستمرار إلى السؤال: متى وكيف ؟ متى نستطيع أن نواكب التقدم التكنولوجي الذي بلغته البشرية؟ كيف يتسنى لنا أن نتجاوز تخلفنا وتبعيتنا؟ لعل هذا السؤال هو من أهم الموجبات للقول بأنا أحوج ما نكون إلى تعلم الإبداع, وهذا لا يعني كما قد يتبادر إلى الذهن البحث عن تلك الطرائق والأساليب التي تفجر الطاقات الإبداعية التي قلما يخلو منها إنسان. تضعنا الحضارة المعاصرة وما تتصف به من تقدم وتفجر على المستويين المعرفي والتكنولوجي أمام مسؤولية البحث عن طرائق اللحاق بركب التغيير المذهل هذا من جهة , ومن جهة ثانية فالحضارة المعاصرة غنية بالأسباب والمشكلات التي يقتضي التعامل معها أن نكون جماعة وأفراد قادرين على التكيف الإيجابي معها. من هذه الأسباب والمشكلات: أولاَ --- بلغت الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية درجات عالية من التعقيد والتشابك) وتعدد المظاهر والمشكلات الناجمة والمعبرة عنها وتقتضي هذه المسألة وجود عقول غير عادية تتعامل معها بإيجابية, وهذا ما يسوغ الدعوة للبحث عن حلول مثمرة سريعة للمشكلات المطروحة, أي أن هذا العصر تتطلب مشكلاته مستويات من التفكير والسلوك تمتاز بالقدرة على الابتكار. والمشكلات التي يعاني منها العالم المعاصر تتمثل في : 1- مشاكل التلوث والحاجة الماسة لبيئة سليمة, والتلوث قد غدا اليوم مشكلة حقيقية تنذر الكون بأوخم العواقب التي تطال ., إضافة الحاجات الإنسان الأساسية من ماء وهواء وغذاء , وجود الإنسان على سطح المعمورة. 2- التنافس في مجال الإسراف بالطاقة وما ينتج عنه من أسباب تدعو للبحث لابتكار وسائل أكثر شجاعة في ترشيد الاستهلاك, وما يتفرع عن ذلك من مشكلات التفاوت بين الدول المصدرة للطاقة والمستوردة الرئيسية لها وبينها وبين الدول الفقيرة. 3- مخاطر انتشار الحروب الإقليمية التي فجرتها مرحلة ما بعد الحرب الباردة وانهيار أحد طرفي الصراع الرئيسيين فيها. وهذه الحروب التي تنذر في النهاية بحرب شاملة على مستوى العالم في لحظة قد لا يحسب حسابها. وقد تأتي مفاجئة لأن ما أمكن تسويقه في حل بعض المشكلات منطقياَ قد لا يجد مما سيؤدي إلى انتكاسات على المستوى الدولي لا يمكن إيجاد حلول كافية لها ورب شرارة سببت حريقاَ غير متوقع. 4- ما يطرحه ما أخذ يعرف بالنظام الدولي الجديد من أسباب الهيمنة من مركز واحد والمخاطر المترتبة على ذلك والتي تتمل بالنسبة لمنطقتنا بمزيد من الانتهاك لأسباب تطورنا, والوقوف بشراسة ضد أية بادرة تنم عن قدرتنا على النهوض. وهذا ما يعني أن وسائلنا التقليدية التي تثبت عجزها في معالجة أوضاعنا ومشكلاتنا في ظروف سابقة أصبحت اليوم أشد عجزاَ مما كانت عليه, بل أنها قد برهنت على أنها تجديف ضد تيار الأحداث. وتجديف العاجز. 5- المواجهة الحادة بين الشمال ودول الجنوب وتجاهل الثانية من حيث حقوقها من معطيات العصر وإغراقها بالديون. والفروق الحادة داخل هذه المجموعة الثانية بين الأغنياء والفقراء, وبين من هم في سدة السلطة ومن هم في القاع السياسي والاجتماعي, وما ينجم عن مثل هذا الواقع من عنف وقمع واستغلال وتمييز عنصري وطائفي وتقاتل ديني وسياسي وما إلى ذلك من مشكلات وصعوبات اجتماعية... كل ذلك يعني الحاجة إلى حلول جريئة وغير عادية لا سبيل إليها بوسائل التفكير القديمة. ثانياَ—تسارع التقدم المعرفي والتكنولوجي, ونمو وسائل الاتصال وتنوعها, هذا التسارع الذي لا مندوحة لأية أمة من الأمم, مهما كان نصيبها من المشاركة فيه, من أن تقع تحت تأثير نتائجه بشكل أو بآخر.فأما أن تتكيف معه بالسرعة المطلوبة, وتتفاعل معه أخذاَ وعطاء وإما أن تنفعل به فتكون كمن يصاب بالدوار لا يدري يساره من يمينه ولا فوقه من تحته. وفي كتابه ( صدمة المستقبل) يصف (آلن توفلر) بعض ملامح هذا التسارع ومخاطره المرتقبة على البشرية فيقسم الخمسين ألف سنة الأخيرة من حياة الإنسان علة الأرض إلى (800) دورة , مدة كل منها ( 62) سنة منها 650 دورة أمضاها الإنسان قاطناَ في الكهوف والمغاور, ومعظم الأدوات والمنتجات التي يستخدمها البشر حالياَ قد كانت من نتاج الدورة الأخيرة من الدورات الثمانمائة المذكورة. (25) وهناك تصنيف آخر يبرز التزايد المدهش في المعرفة البشرية يجد أن المعرفة قديماً قد احتاجت لتتضاعف مدة 1750 سنة,ولكنها تضاعفت بعد ذلك في مدة 150 سنة, وفي المرة الثالثة حصل ذلك في مدة 50 سنة,أما في المرة الرابعة فقد تضاعفت المعرفة في مدة 10 سنوات فقط, (وهو ما حصل في عقد السبعينيات من القرن الحالي ). وإذا استمر الأمر كذلك فإن طفاً يولد اليوم سوف يشهد تضاعف المعرفة 32 مرة , في مدة لا يكون عمرة قد تجاوز فيها الخمسين سنة ! هذا التفجر المعرفي المتعاظم يطرح بصورة أكثر إلحاحا أهمية تعلم الإبداع والحاجة إليه. وتقتضي مسايرة الزمن سرعة في التعليم . وهذا يعني بطلان ما اعتادت عليه النظم التربوية التقليدية من التركيز على المتعلم لمتوسط. وقد غدا هاجس التفجر المعرفي مصدر شعور يقض مضاجع المهتمين. بمستقبل الجنس البشري سواء في البلدان المتخلفة وفي البلدان المتقدمة, لنر إلى (تورانس ) وهو يعدد بعض إنجازات اليابان في مجال الاختراع يحث مواطنيه في الولايات المتحدة الأمريكية على التعلم من ذلك البلد الذي احتلته الولايات المتحدة ثلاثة عقود ونصف وهو يشير إلى أن اليابان <<تقود العالم في ميدان الاختراع وبراءته, وفي عدد ما تنشره من الروايات, وانخفاض معدلات الجريمة ووسائل خفض التلوث في البيئة وبناء السفن, وتصدير الإسمنت والترانزيستور, والميكروسكوبات الإلكترونية, والبيانو >>.(26) ويرى ( روجرز) أن التكيف الإبداعي هو الاختيار الذي لا بد منه فيما نحن نواجه هذا التفجر المعرفي المتعاظم فيقول في كتابه( نحو نظرية في الإبداع): << في الوقت الذي تتقدم فيه المعرفة, بناءة كانت أم مخربة, في ثبات وقفزات كبيرة إلى عصر ذري هائل, يبدو أن التكيف الإبداعي هو الاحتمال الوحيد الذي يمكن الإنسان من أن يصبح متمشيا مع التغيير المتعدد الجوانب , ففي الوقت الذي تتقدم فيه الاكتشافات العلمية والاختراعات على أساس متوالية هندسية, يصبح الأفراد السلبيون الذين يخضعون لثقافات عاجزين عن التعامل مع القضايا والمشكلات المتزايدة. وما لم يستطع الأفراد والجماعات والأمم المعقدة, فإن النور سينطفئ , وما لم يستطع الإنسان أن يأتي بأساليب جديدة وأصلية للتكيف مع بيئته بسرعة تماثل سرعة العلم في تغيير البيئة, فإن ثقافتنا ستضمحل وسيكون الثمن الذي ندفعه لافتقارنا إلى الابتكار ليس فقط سوء تكيف الفرد وتوترات الجماعة بل أيضاَ الإبادة>>(27) ثالثاَ: استجابة النظم التربوية وطرائق التعليم وأساليب التعليم لتحديات العصر ومتطلبات المستقبل: ليس من المهم إدراك أن التغير سمة من سمات المواجهات الكبرى التي تتحدى الإنسان, بل المهم أيضاَ القدرة على التنبؤ بالتغيرات الممكنة الحدوث وإعداد العدة للتكيف معها. فالتحدي الذي يواجه التربية اليوم يتمثل في قدرتها على الاستجابة التي تمكن المتعلمين من تكوين صورة إيجابية قوية عن المستقبل, مما يسمح بتحديد الأشياء التي سيكون المتعلم مدفوعاَ إلى تعلمها وإنجازها , إذ أن المستقبل يتطلب عقولاَ مبدعة . ونجد لدى ( تورانس) أسبابا أخرى تتعلق بحاجة تعلم الإبداع وتنمية الفكر المبدع, حيث يقول: << إن عصر الفضاء يأخذنا إلى أماكن لم تعد فيها الأفكار القديمة المريحة صالحة. فالأخطار التي تهدد بقاء الإنسان تدفعنا إلى التفكير في أفضل ما يمكن أن يصير إليه البشر, وإلى البحث عن طرق جديدة لتمكين الأطفال من تحقيق إمكاناتهم الابتكاريه, نحن لا نعرف ما يمكن أن يصير إليه الإنسان, ولكن ليس هناك ما يشير إلى أن تطوره يدخل مرحلته الأخيرة, لأن نمو الإنسان ونمو تفكيره الإبتكاري في استمرار. إن الإنسان اليوم سيبدو للأجيال القادمة ساذجاَ وأحمق, مثلما يبدو لنا إنسان الكهف>> (28). فالتربية التي يمكن المتعلم من التكيف مع المستقبل وتوقعاته والتعامل معه والتخطيط له والتأثير فيه هي تلك التي تنمي في الإنسان قدراته على نحو يستطيع معه أن يفكر بطريقة مختلفة عن المألوف والمعتاد, وأن يستنبط البدائل المناسبة على الدوام ويبتكر سبل التعامل مع المستقبل. رابعاَ – الحاجة إلى تدريب المتعلم على التفكير: يتزايد قلق الإنسان في عصرنا وخوفه من أخطار أصبحت ماثلة للعيان يتعرض لها الفكر البشري نتيجة لتعاظم دور وسائط الاتصال الحديثة واتساع مجالاتها وزيادة قدراتها. فهي تمطر الناس بوابل من المعلومات الجاهزة الناجزة الموجه منها وغير الموجه. فالثورة في وسط الاتصال تنذر بانتهاء دور التفكير وتقاعده عن العمل واستقالته عن البحث والاكتشاف والنقد, وليس ذلك فحسب , بل أنها تنذر بما هو أشد خطراَ, فقد استقر الحكم من أيام الإغريق على يد ( أبقراط) على أن المخ هو مكان التفكير, وقيل آنئذ أن ( أبقراط قد عثر على عقل الإنسان داخل جمجمته) . ولكن هذا المخ يبدو أنه قد أصبح في دائرة الخطر إذا ما استمر الحال على إهماله مما سيؤدي إلى تدني كفايته يوماَ بعد آخر. وقد يؤدي ذلك إلى توقف المخ عن أداء مهمته في التفكير بحسب ما هو شائع من أن ( العضو الذي لا يستخدم يضمر), أي أن الإنسان مهدد في خسران دماغه. وقد نبهت ( ماريان دياموند) الباحثة الأمريكية إلى ذلك الخطر بقولها: << استعمل دماغك وإلا فقدته>>. وذلك نتيجة لتجاربها على الحيوانات , حيث وجدت أن قشرة المخ لا تنمو إلا إذا عاشت هذه الحيوانات في بيئة ثرية تحفزها على البحث وعلى مزيد من عمليات التلاؤم والتكيف والاكتشاف. أما ما ينتج عن تدفق المعلومات والأفكار الجاهزة فهو تعطيل المخ مما سيؤدي في النهاية إلى تساقط التغصنات العصبية داخله مما يحصل عنه التصاق أكبر بين خلايا المخ. (1)-كمال عبد اللطيف: صعوبات الاستعمال المنهجي للمفاهيم-الفكر العربي المعاصر-ع 47 ص 32. (2)-مطاع صفدي: عصر الاستشهاد الثقافي-الفكر العربي المعاصر-العدد 13-ص 10 (3)-المصدر السابق: ص 13 (4)-مجلة الكر مل: عدد 18-ص 114 (5)-د.عبد الله عبد الدائم: من محاضرة له في المؤتمر الثاني لتطوير التعليم ما قبل الجامعي- دمشق 1986 (6)-عزت قرني:العدالة في النهضة العربية-ص7-سلسلة عالم المعرفة-الكويت-1980 (7)-من محاضرات اليونيسكو-ترجمة سامي الدروبي-صدرت الترجمة في عدد خاص من مجلة (المعلم العربي) دمشق 1955-تحت عنوان ( في الثقافة) (8)-محمد عابد الجابري: إشكالية الأصالة والمعاصرة في الفكر العربي- المستقبل العربي- ع 69-ص 61 (9)-جاك بيرك: مقابلة أجراها بدر الدين عردوكي-الفكر العربي-ع 2- ص 281 (10)-أنور عبد الملك"دراسات في الثقافة الوطنية-ص 219-دار الطليعة-بيروت 1967 (12)-مصطفى المصمودي:النظام الإعلامي الجديد- ص 267- سلسلة عالم المعرفة-الكويت 1985 (13)-المصدر نفسه:ص 288 (14) ليلى السائح:شؤون عربية-ع 7- ص84. (15)-كمال عبد اللطيف: صعوبات الاستعمال المنهجي للمفاهيم-الفكر العربي المعاصر-ع 47 ص 32. (16)-مطاع صفدي: عصر الاستشهاد الثقافي-الفكر العربي المعاصر-العدد 13-ص 10 (17)-المصدر السابق: ص 13 (18)-مجلة الكرمل: عدد 18-ص 114 (19)-د.عبد الله عبد الدائم: من محاضرة له في المؤتمر الثاني لتطوير التعليم ما قبل الجامعي- دمشق 1986 (20)-من أجل تعريف الإبداع راجع مصطفى حجازي: التفكير الابتكاري – الفكر العربي – العدد 21 – ص 327. (21)—حسن أحمد عيسى: الإبداع في العلم والفن –ص 82- سلسلة عالم المعرفة- الكويت ت 2 1980. (22)-جاك أتالي مستشار الرئيس الفرنسي ميتران. والفقرات منقولة عن كتابه( آفاق المستقبل) ترجمة: محمد زكريا اسماعيل –دارللملايين – نيسان 1991. (23)- المصدر نفسه ص 58. (24)- المصدر نفسه ص 90 – 91 . (25)-عبد الله سليمان ! الموهبة والمستقبل – عالم الفكر 14/2503 . ا(26)-عبد اله سليمان: عوامل الابتكار في الثقافة العربية المعاصرة – مجلة العلوم الاجتماعية – المجلد 13 – ع1 – ص 10 (27)-المصدر السابق –ص 11. (28)-عالم الفكر 14 / 3 – ص 255. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |