عبد الله والعالم ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

شعر ـ العربية للنشر والطباعة دمشق

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبد الله والعالــم

ـ مدخل إلى عالم عبد الله‏

عَجِّلي ..بارتداءِ السُّكونْ‏

و أَقيمي الصلاةْ‏

هكذا قالتِ العارِفهْ‏

و ادخلي في مَجالِ الكُمونْ‏

بذرَةً للحَياةْ‏

رَيْثَمَا تَهدأُ العاصِفَهْ‏

فأنا عاجزٌ أَنْ أَكونْ‏

في زَمانِ الطُّغاة‏

غيرَ ما صاغَني الخائِفونْ‏

لوحةً راعِفهْ‏

ضَمِّخي بالهَوي‏

لحظةَ الإِنكِسارْ‏

و اسْكَري بالجُنونْ‏

عَبْرَ وَعْي النَّهارْ‏

أَسْرعِيِ‏

أَسْرِعي‏

قبلَ أنْ يدخُلَ القاتلونْ‏

و اهْجُري الزمَّانْ‏

حِقبَةً…لقِيْتْ حَتْفَهَا واقِفَهْ‏

* * *‏

عجِلي … بارتداءِ السُّكونْ‏

قبلَ صَحْوِ النَّهارْ‏

و إِملأي بالجنون‏

لحظة الاِنهيار‏

* * *‏

حوَّلَ المُخربون‏

سَبْرَ هذه الحَياةْ‏

فَغَدتْ لوحَةً تالِفهْ‏

عجِّلي‏

هَلْ تَظلِّينَ واقفهْ؟‏

- من هو عبد الله؟‏

على آخر الجسْر‏

عندَ التقاءِ المَحَطَّاتِ بأَحلامِها‏

و عندَ هبوطِ المواعيدِ مِنْ سُلَّمِ الذَّاكرهْ‏

و قُرْبَ التصاقِ النهاياتِ بالصِّفْرِ‏

كَيْ تُغْلَقَ الدائرهْ‏

سمعتُ صِغارَ العصافيرِ تَعْلِكُ أَلحانَها‏

و القوافِلَ تدفُنُ أَحْزانَها‏

و النُّعاسَ يَدُبُّ على مقلةِ الأرضِ كُرْهاً‏

و في الشَّفةِ الضارِعهْ‏

رأيتُ شَهيَّة عِشْقٍ إلى الشَّفَةِ الجائعهْ‏

و قلتُ: الدَّمارُ إذاً والنهايةُ تحبَلُ بالفاجِعهْ‏

و أشرعتُ سَيْفِي‏

لأكتب أوَّلَ وَصْفٍ لعُمري‏

و أوَّلَ حرفٍ باسمي‏

على دفترِ الموتِ‏

و الصَّمتُ يبلعهُ الصمتُ منتظراً لمحةَ البادِرَهْ‏

و كانَ الدليلُ الذي قادَني‏

عبرَ كُلِّ النُّتوءاتِ عبرَ المخَاضات … غابْ‏

يَعبُر الدروبُ مِنْ هُوَّةٍ لليبابْ‏

إلى هُوَّةٍ لليبابْ‏

و مِنْ حولِهِ حَدَقاتٌ جِياعٌ‏

تَطوفُ به آخِرَ الفَصْلِ للعُدْوَةِ المُقْفِرَهْ‏

و سَيْفي‏

و ظِلُّ لسيفي‏

و أَشْلاءُ كَفِّي‏

و أَشتاتُ أَحلامِيَ الغابِرَهْ‏

تُطَوِّفُ … بينَ البَصيرَةِ والخاصِرَهْ‏

و كُلُّ النُّبوءاتِ قد غُسِّلَتْ بالنُّعاسْ‏

و نامَتْ على الشَّفةِ الساخِرهْ‏

* * *‏

آنذاكَ الْتَمَعْتِ‏

تكوَّنْتِ في عتمةِ الأُفْقِ كَوْكَبَةً مِنْ نُجومْ‏

ليكْبُرَ بالضوءِ ضَوْءٌ. ويُشرِقَ صبحٌ‏

و ماجَ … ومُجْتِ بِهِ‏

فعبَّأَ سطحَ الأُفُقْ‏

و غابَتْ – مُفَاجَأَةً –‏

ليلةٌ طولُها نصفُ قرنٍ وأَكثَرْ‏

تساءَلْتُ: كَيْفَ؟ اقتربْتِ … اقترَبْتِ‏

تَشكَّلت مِلْءَ فَضاءِ البصيرةِ والذَّاكِرَهْ‏

أحاطَ بيَ الضَّوْءُ أَلقيتُ سيفي بعيداً‏

ضحكْتِ … وصرْتِ بحجمِ هُمومي‏

لمستُكِ قلتِ: تشكَّلْ كما تَشْتَهي‏

تغسَّلتُ بالضَّوءِ‏

قُلتِ: تَوَضَّأْ‏

تَوَضَّأْتُ بالحُبِّ‏

قلتِ: تَجَدَّدْ‏

و لما خَلعتُ إهابي القَديمْ‏

و ذاكِرَتي المُتعبَهْ‏

رأيتُكِ تنز رعين بِعَيْنيَّ سُنْبُلَتَينْ‏

و فوقَ ضُلوعيَ غابَةً نَخلٍ… ورُمَّانَتَينْ‏

تَمدَّدْتِ حتى تَحَوَّلَ كُلُّ يَبابي اخْضِرارا‏

و أَشْرقْتُ بعدَ الغُروبْ‏

* * *‏

و جئتُ أسائِلكُم وأنا كائِنانْ‏

تُرى .. مَنْ أَكُونُ أَنا؟‏

ـ عبد الله .. يخاف‏

عبدُ اللهْ‏

نَسِيَ متى بدأَ الخوفُ يُلاحِقُهُ‏

و مَتى نَفَدَ الزيتُ مِنَ القِنْديلِ، فَماتْ‏

و مَتى ناداهُ الليلُ: حَذارِ‏

فَأُذُنُ الليلْ‏

تَرْصِفُ بالصمتِ الطُّرُقاتْ‏

* * *‏

عبدُ الله‏

منذُ قُرونٍ يحملُ دفترَ أَحْلامٍ في جَفْنَيهْ‏

و الظُّلْمَةُ تَمْحو ما يكتُبهُ الضَّوءُ عليهْ‏

فتشابهتِ الصُّوَرُ على دفترهِ وتساوَتْ جُثثُ الكَلِماتْ‏

* * *‏

هل يَنْسى عبدُ اللهْ؟‏

حاولَ أن يَنْسى لكنْ كيفْ.‏

وَ مِياهُ الْخَوفْ‏

تَتَسلَّسلُ مِنْ كلِّ مساماتِ الجِلْدِ إِليه‏

حتى تَبْتَلَّ جميعُ خواطِرِهِ‏

* * *‏

حاولَ يوماً أَنْ يرسُمَ حُلْماً‏

فَرأى عشرةَ أشباحٍ ترقُدُ تحتَ أظافرِهِ‏

و إذا فَكَّرَ عَبدُ اللهْ‏

تَقِفُ الأَفكارُ على أطرافِ أصابِعِه‏

فاعْتَذَرَ مِنَ الحُلمِ‏

عَنِ الحُلمِ … ونامْ‏

* * *‏

عبدُ اللهْ‏

لا يتَكَلَّمُ إلا مُنْفِرداً‏

و يَجُسُّ حِبالَ الرُّؤيا مفتوح العَيْنينْ‏

نامَ طويلاً بعدَ مَجالِ الرُّؤيا‏

و اضْطَجَعَ وراءَ حدودِ النَّومِ وخارِجَ سُلْطانِ الجَفْنَينْ‏

* * *‏

عبدُ اللهْ‏

فكَّرَ أن يرحلَ في الصحراءْ‏

و هنالِكَ يَبْتديءُ الأسفارْ‏

حُرَّا … حُرَّا لا ترعبه وشوشة خُزامى‏

أو يُقلِقُهُ بَوْحُ عَرارْ‏

و ابتدأَ الرحلة فِعلاً‏

بَيْنً فِراخِ حُبارى هجَّرَها الذُّعرُ‏

فلاذَتْ بظلالِ الغُربةِ الأَحْجارْ‏

و رأى عبدُ اللهْ‏

كيف تَسيلُ الصحراءُ على وجهِ الدُّنْيا‏

تبلعُها طَرَفاً … طرَفَاً‏

فتساءَلَ: ما جَدْوى‏

معرِفَةِ جِهاتِ الكَوْنِ السِّتْ‏

و لماذا أَبتديءُ المشْوارْ؟‏

* * *‏

عبدُ اللهْ‏

ألِفَ الخَوْفَ أخيراً‏

و تَشَبَّثَ بخُيوطِ النُّسْيانْ‏

و تَبَسَّمَ فَرَحاً وتساءَلَ :‏

هلْ يُمكِنُ أَنْ يَحْيا‏

مِنْ غيرِ الخَوْفِ الإِنْسانْ؟‏

ـ عبد الله يتجمد‏

في أحَدِ الأَيامْ‏

نسيتُ نفسي نائِماً‏

أبْحَثُ عَنْ تَصويرتي في دفترِ الأَحلامْ‏

و لم أكُنْ أسمعُ مَنْ يُنادي :‏

تَنامُ أَمْ تَموتُ أَمْ تسيرُ عبدَ اللهْ؟‏

و عندما صَحوتْ‏

رأيتُني … تَجرُّني سلاسِلُ الأَعْوامْ‏

و مرفأي … يسبحُ في الظَّلامْ‏

و زَوْرَقي المخلوعُ مِن شِراعِهِ أَغفْى بلا كَلامْ‏

و طائِرُ الحُلْم علي يَديَ ارتَعشَتْ جُفونُهُ .. ونامْ‏

و نَسِيَ الرحيلُ أنني أرحَلُ في ظلالِهِ‏

و أَفْلَتَ مِنْ يَديَّ مِقْوَدُ الأَيامْ‏

و كانَ عُمريَ المتعبُ مِنْ وَرائي‏

يدخلُ في الشَّتاتْ‏

مُنْزَرِعاً في البُقعةِ المُواتْ‏

قلتُ – وليس مَنْ يسمَعُني –‏

: مُخيفةٌ هي الحَياةْ‏

عذابُها صَحْوٌ ولحظَةُ الفَرحْ‏

تنامُ في المَنامْ‏

* * *‏

فعدتُ للنومِ .. مُصَمِّماً لا ناسِيا‏

و لَحْظَةَ انْحَنَيْتْ‏

أَوَدِّعُ المَنائِرَ المُحتَرِقَهْ‏

و أدفُنُ المَوانِئَ المختنِقَهْ‏

و نِمْتْ‏

مَيِّتاً .. أو داخِلاً في المَوْتْ‏

و كان كلُّ شيءٍ حَولي‏

يوحي بأنَّني … انتهيتْ‏

آنَئذٍ رأيتْ‏

أفقاً يخضرُ‏

و كوكباً يلبسني كالثَّوبِ حين مرَّ‏

و كائِناً من مُبدِعاتِ الفجرْ‏

أقبل نحوي مُشرقاً‏

و انحني .. وصفَّقا‏

حاملاً ذاكرتي‏

و تاركاً خُطاهُ قُربَ يَقْظَتي‏

مَطِيَّةً … وأَلقا‏

* * *‏

هَزَّني‏

سألتُ: مَنْ؟‏

قال: أنا الدّليلْ‏

و حاملُ القنديلْ‏

و راسمُ الجهاتِ في تأَلُّقِ الرَّحيلْ‏

تعال عبدُ اللهْ‏

بين يديّ هودَجُ السِّرِّ إلى المُخَبَّأ الجميل‏

* * *‏

و حين .. همَّ أن ينطلقا‏

قال: امتطِ جَناحي‏

ناديتُ: أَيْنَ يا دليل؟‏

قَال: امتطُ جناحي‏

و اخلُصْ من العُزْلَةِ عبدُ اللهْ‏

* * *‏

لامَستُهُ .. فانزلق‏

و كِدْتُ أنْ احْتَرِقا‏

لكنَّه لَمْ يلتفِتْ .. وحلَّقا‏

و صارَ في الأعالي‏

فَرَساً من نورْ‏

و صِرْتُ في بهائِهِ‏

أرَقَّ مِنْ غلالةِ البَلُّورْ‏

عاشِقاً مَطِيَّتي‏

و ناسياً ذاكرتي‏

لكنَّني نسيتُ أن أَنْصعِقا‏

* * *‏

و مُنذُ ذلِكَ اليومِ غدوتْ‏

لا في السَّماءِ طائراً مُنطلقا‏

و لا على التُّراب مُضغةً أَوْ عَلَقَا‏

يرفُضني المُخبَّأ الجميلْ‏

و أرفضُ المَوت أو الرَّحيلْ‏

أشدُّ قامةَ الزَّمانِ كَيْ لا أَغْرقَا‏

و لم أزَلْ على حِبالِ رؤيتي مُعَلَّقا‏

فكيفَ يستريحُ من تَجرُّهُ القُيودْ‏

و على أعماقِهِ قد أَشْرقا‏

مُجَمَّداً .. مُحَمْلِقا؟‏

* * *‏

فمن رأى مُسافراً مُعلَّقاً‏

و غَارِقاً ما اخْتنَقَا‏

و لاصِقاً في وَهَج الأعالي‏

لكنهُ ما احترقا‏

و ناظراً بألف عيٌ حوله‏

و ألفُ بابٍ حولَهُ … قد أُغلقا؟‏

ـ عبد الله يهرب من عصر الرعب‏

قالت معشوقة عبدِ اللهِ لعبدِ اللهْ :‏

في عصر الرُّعبِ يُغَيّرُ فَصلُ القتلِ ملابِسهُ‏

يتخَفَّى في كُلِّ الأشياءِ ويظهر في كُلِّ الأشياءْ‏

فلنحسمْ موقِفَنا مِنْه‏

فإنَّافيه لا أمواتَ ولا أَحياءْ‏

فَلْنَهرب عبد اللّه‏

إنَّ جُحوظَ الأَعْيُنِ يكبر‏

ونَباتَ الحُزن تَسلَّل من كلِّ خصاصٍ‏

والموتُ يفرِّخُ موتاً أكبرَ مِنْ أَحجامِ النَّاسْ‏

***‏

قالَ: سَنهْرُبْ‏

قالت: إنَّ جُلودَ الناسِ بعصرِ الخوفِ‏

تُتَرْجمُ للحُرَّاسِ كِتابَ الصَّمتِ المُغْلقْ‏

بين الجفن وبين القلب‏

سأخلعُ جلدي فأخلَعْ جلدَكْ‏

قالَ: صدقتِ فإني‏

أحسستُ بدَرَنِ العصرِ المخلوعِ مِنَ التاريخِ‏

يُعَشِّشُ في جلدي‏

ورأيت الريحَ المجنونةَ عاثت في عينيْ ريحٍ مجنونهْ …‏

قالت: نذبحُ ذاكرتَيْنا‏

إنَّ الذاكرة بعصرِ الرعبِ جحيم‏

وتسلَّلنا - يُروْي عبدُ اللَّه –‏

سيدتي.. وأنا‏

من عصرٍ يقفُ الخوفُ على كل منافذه‏

وأقَمْنا سنةً في شبهِ صلاةٍ دائمةٍ‏

أَنزلْنا فيها السكينَ مِنَ اْلجُرْحِ‏

وغَسَّلْنا أَعْيُننَا مِنْ فَضْلاتِ اْلأَحْلامْ‏

وتركْنا في العصرِ المخلوعِ بَقَايا‏

مِنْ بصماتٍ علقَتْ بأصابِعنا‏

وتطهَّرْنا بالصمتِ سنهْ‏

لا نَقرأُ لا نسمع‏

قِصَصَ المَقْتولينَ على بواباتِ العصرْ‏

والأحلامُ الخضرُعصافيرٌجائعةٌ تبكي في أعينهم‏

***‏

قالتْ معشوقةُ عبدِ الَّلهْ :‏

نحن الآن تَجاوَزْنا عصرَ الرُّعبِ‏

ونحنُ الآنْ‏

مغسولان من الماضي فلنتقدَّم‏

قبل نهوضِ سكاكينِ الحُرَّاس‏

تلك المشتاقة لِدخول الذاكرة البيضاء‏

***‏

وتجاوزَ عبدُ الَّلهْ وسيدتُهْ‏

خطاً يفصلُ بينَ الزَّمنين‏

فبادلَهُما بابٌ يُفْضي للغاباتِ الملآى‏

بالكافورِ وبالرندِ وأزهار العشــقِ‏

وليمونِ الفرحِ ومنثورِ الأعْــراس‏

لكنَّ الحارِسَ أوقَفَ عبدَ الَّلهِ وسيدتهْ‏

قهقه عبد الله…ونادى :‏

هل نَحْتاجُ بطاقاتِ دخولْ؟ .‏

-لا تَحْتاجان فقط نسيانَ الرعبْ‏

-:غَسَّلنا نفسينا من دَرَنِ العالَم‏

قال الحارس: مِسكِنَان‏

نادى عبدُ الَّلهِ: وأمضينا سَنَةً‏

في شبه صلاةٍ دائمةٍ‏

أنزَلنا فيها السكينَ مِنَ الجُرحِ ونَظَّفنا أعْيُنَنَا‏

مِنْ أعشابِ الماضي وغُبارِ الزَّمن المتآكلْ‏

أنظر ذاكرتينا فَهُما كزجاج الأحلامْ‏

علّقنا جلدَيْنا في مِشجَبِ ريحٍ‏

قالوا عنها: اللاَّشرقية واللاَّغربية‏

هانحن الآنَ بلا جلدينْ‏

وبلا ذاكِرَتَيْنْ‏

قال الحـارس :‏

أُبصِرُ مَنْ خَسِرا جلدينِ وذاكرتينْ‏

وبدا الحزنُ جَريحاً بهما بينَ القلب وبين العينْ‏

وأرى كُلَّ المُدن الراكَضَةَ على سَيلِ دمٍ‏

تركضُ بكما‏

وأنا أخْشَى أن تُفْسِد رائحة الدَّمِ‏

مخلوقات الحلم بهذي الغابةْ‏

يهمسُ عبدُ الَّلهْ بحزن ٍ: هل نلبس جلدينا ثانيةً؟ .‏

ضَحِكَ الحارسُ‏

فرَّت ضِحكتُهُ كالنَّسرِ الكهلْ‏

واضْطَجَعَتَ فوقَ جدائِلِ مَحْبوبَةِ عبدِ اللَّهِ‏

و قال:‏

مجنونٌ. . .. بل مَجْنونان‏

هل يهرُبُ غيرالميِّت من ذاكِرتهِ؟ .‏

ـ عبد الَّله يهرب من عبد اللَّه‏

صَلَّى عبدُ اللَّهِ،وقرَأَ القُرانَ، وغَسَّلَ أُمنياتِهْ‏

وَتمَدَّدَ فوقَ الخَطِّ الفاصِلِ بينَ اليقظةِ والنَّومْ‏

والتَحَفَ بآهاتِهْ‏

شاهَدَ مخلوقاً سَدَّ عليه الأفقَ بآلافِ الأَعْيُن والأَيْدي‏

أغلقَ عبدُ اللهْ عَيْنَيْهِ…وهرب إلى داخلهِ رُعباً‏

فرأى المخلوقَ بداخلهِ يتربَّعُ فوقَ مناماتهْ‏

لم يمِلكْ عبدُ اللهْ سوى أَنْ يفتحَ عينيهِ ويهرُبَ مِنْ ذاتِهْ‏

في تلكَ اللَّحْظةِ غادَرَ عبدَ اللَّهْ‏

ومضى يتوزَّعُ في هذا الكَوْنْ‏

مخلوعاً من صـَبَوا تـِهْ‏

يوماً يسبحُ في الصحراءِ‏

ويوماً يركضُ فوقَ الماءِ‏

و يوماً يتسلَّلُ بينَ منافذِ هذا الكوْنِ‏

يُشاهِدُ مخلوقاتِهْ‏

ويُحاوِلُ أن يَهربَ منهُ..ولكن لا يعرفُ بوَّاباتِهْ‏

***‏

قالتْ إحدى قدمَيْ عبدِ اللَّهِ لعبدِ اللَّهْ:‏

الدَّمُ يخنقُني عبدُ اللَّهْ‏

فإخْلَعْني‏

وإتْرُكْني تحت النَّخْلَةْ‏

عَلِّي أبرَأْ‏

إنْ أتَدفَّأْ‏

أوْ أتخبَّأْ‏

عبدُ اللَّهْ‏

خلعَ القدمَ النازفة ووَسدَّها جِذْعَ النَّخْلةْ‏

ورأى القدمَ الثانية تحِنُّ إلى الأولى فَرماها بين الأعشابْ‏

ومَضى يَطْوي الدربَ بلا قَدمينْ‏

وحَفيفُ الورقِ اليابسِ يَسألُهُ عَنْ طولِ الرحلةْ‏

بعدَ مسيرِ اليومِ بأَكْمَلِهِ وثلاثَةِ أرباعِ اللَّيلَةْ‏

هاجمَهُ التعبُ وشَدَّ ذواِئبَهُ المجنونِ ونادى:‏

يا عبدُ اللَّهِ أمجْنونٌ يا عبدَ اللَّهْ‏

كيفَ تَسيرُ بلا قَدَمين؟ .‏

فتذكَّر عبدُ اللَّهْ‏

قدميهِ النَّائِمتينْ‏

بين العُشبةِ والنَّخلةُ‏

فَبَكى قدميه الغائبتينِ وأَلقْى جُثَّتهُ فوقَ الأَحجارْ‏

كالصَّفصافَةَِ أهوى ساعةَ يَصْعَقُها الإِعصارْ‏

***‏

عبدُ اللَّهْ‏

لا ماءَ بِدَوْرَقِهِ‏

لا خُبْزَ بجعبتِهِ لا خمرَ ولا نارْ‏

مَرَّ بِهِ نَسْرٌ مُكتهلٌ أرهقَهُ الطيرانُ‏

فحمحمَ مثل المُهرِ وسارْ‏

يَطْوي كالثَّوبِ المهترىِء جنَاحَيِهِ ويضحك مِنْ عبدِ اللَّهْ‏

حَمْلَقَ عبدُ اللَّهْ بوجهِ النَّسر وقالْ :‏

تَمْشي يا مجنونُ على الأرضِ‏

وتتركُ ذاكَ الأفقَ المَغْسُولَ العَيْنَينْ‏

الأَحجارُ هنا ميَّتةٌ والعَدوى تعشقُ هذا الموتْ‏

قال النسرُ: تعبت مِنْ الأفق ِالمغسولِ‏

وجئتُ ..ولكنِّي مِنْ غيرِ يدينْ‏

ما رأيُكَ يا عبدَ اللَّهِ‏

أَنْ تَستبدلَ بالكَّفَين جناحَيْنَ‏

***‏

فَرِحَ النسرُ بكَفَّي عبدِ اللَّهْ‏

وعبدُ اللَّهِ اجتاحتهُ اللَّذَّةُ لَمَّا‏

ثبَّتَ في كتفيهِ جناحيَّ النسرِ وطارْ‏

* * *‏

ومنَ الأفقِ الأعلى‏

أرسلَ عينيهِ إلى الأرضِ لتكشِفَ لـه عشاً في إحدى الأشجارْ‏

* * *‏

لا يعرفُ أحدٌ موقعَ عبدِ اللَّهِ الآنْ‏

في الأُفقِ،أَمِ الأرضِ،أَمِ البَحرْ‏

لكنَّ الكائِنَ صاحِبَ آلافِ الأَرْجُلِ والأعْيُنِ والأيْدي‏

كتب بدفترهِ :‏

عبدُ اللَّهِ المسكينُ ينامُ بِلا عَيْنَينْ‏

ـ عبد الله يبحث عن نفسه‏

كانَ عبدُ اللَّهِ يستَجْلي المَدى‏

بعد أنْ دمَّرت اليقظةُ ما قد شيَّدا‏

ومضى مُستَتِراً في سرِّهِ‏

يرتدي عالَمَهُ المنسوج من غَزْلِ النَّدى‏

كُلَّما مَزَّقَتِ الريحُ شِراعاً حاكَهُ‏

نَسَجَ الريحَ شِراعاً والأماني زوْرقاً‏

وإستأنف السيرَ ليجتازَ الغَدا‏

كان عبدُ اللَّهِ في الأطلسِ مَلاَّحاً‏

وفي الإِسراءِ صوفياً وفي الجوِّ…‏

خيالاً جُسِّداً‏

مُسرِعاً في طُرقَات العُمرِ مَحْمولاً إلى وعدِ ولا مَنْ وَعَدَا‏

فإذا خادَعَهُ الليلُ بدرْبٍ نَفَضَ اللَّيلَ وسارْ‏

واسْتَوى ثانيةً يبحثُ عن صُبحِ المَسارْ‏

دونَ أن يعلَمَ في أيِّ الثَّنايَا صَعَداً‏

وسِنونَ العمرِ نامتْ خلفهُ‏

جُثَثاً منسيَّة كَفَّنها الوَهْمُ وغَطَّاها العذابْ‏

لم تنلْ من لَذَّة العَيشِ ولا ثانيةْ‏

وهيَ لم تَعْرِفْ لِضوءٍ مورِداً‏

* * *‏

قالَ عبدُ اللَّهْ: ما أبعدني‏

عن هذه الدُّنيا وما أقْرَبَها مِنِّي‏

فهل نحنُ عدُوَّانِ يَسِيرانِ معاً‏

هو يَطْوي ذاتَهُ في ضَوْئِـها‏

وهي تطـويهِ إذا ما إتَّقـدا؟‏

كيف لي أن أُبصرَ الأحلامَ في العَتْمِ إذن؟.‏

وأرى الدَّاني مِنَ الحُلمِ أوِ المُبْتَعِدا؟ .‏

* **‏

ورأى يوما على إحدى المَرايا‏

لُمَّةَ مُنْطَفِئَةْ‏

وجَبيناً نسيَ الدَّهْرُ عليهِ صَدَاهْ‏

وأخاديد انحنت في وجههِ‏

يَتَحرَّى صمتُها أَسرارهُ ومناماً خبَّأهْ‏

كلُّ ما شاهَدهُ كانَ غَريباً فاجأهْ‏

قال عبدُ اللَّهِ: ما أصْعَبَ أن أحْيا ولا أَحْيا‏

بغاباتِ الرُّؤى المُنكَفِئَةْ‏

فهل امْتَصَّ أمانيَّ الزَّمانْ‏

وأنا أحرسُ في قلبي هَديراً لينابيعِ الهَوى المُخْتَبِئَةْ؟‏

وانْثَنى للخَلْفِ عبدُ اللَّهْ يَسْتَجْدي السنينَ المُطفأَهْ‏

* * *‏

وعلى مائدةِ الليلِ‏

الذي واكبَ عبدَ اللَّهِ في الغُرْبَةِ إِلفا‏

حلَّ عبدُ اللَّهِ ضَيْفاً مُنزلاً عن كتفيهْ‏

سَلَّة الحُزنِ .. ومِصباحاً على كَفَّيْهِ أغفى‏

ورأى مِنْ فَجوة الليلِ امرأَهْ‏

يَرْتَديها الضوءُ شِفَّاً‏

أقبلَتْ كالكَوكبِ الدُّرِّي إِشراقاً ولُطفاً‏

ظَنَّها في بادئِ المشهد عبدُ اللَّهِ طيْفاً‏

أَوْكياناً من نسيجِ الوهمِ قد رقَّ وشفَّاً‏

قال :لا.. لكنْ .. بلىإنَّ ماأُبصِرُقَدَّاً‏

يتوالى مولِدُ الحُسْنِ بِهِ قِطفاً..فَقِطفاً‏

فِتنةً تغفو على الثغرِ .. لتصحو‏

فِتنةً أخرى .. إذا ما الهُدبُ رَفَّاً‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ :‏

ما أجملَ أن أستأنفَ الرحلَةَ في فصلِ الخَريفْ‏

وأضُمَّ الحُسْنَ .. تَقْبيلاً وقَطْفاً‏

لم يَعُدْ لي هاجِسٌ غيرُ الهوى‏

بعدَ أن شُلَّتْ أمامي الطُّرُقاتْ‏

ودليلُ السيرِ أغْفى‏

وأنا في عتمةِ العُمرِ وحيدٌ أتخفَّى‏

وغَربٌ أتَكَفَّا‏

والذي ما ذقتُهُ من ثَمرِ الأَفْرَاح جَفَّا‏

هل تَجِيئينَ مَعي كَيْ نبدأ الرَّحْلَة خَطْفا؟‏

* * *‏

لم يزل مُنتظراً مَوْعِدها‏

وهيَ حتى الآنَ ما قَالَتْ لعبدِ اللَّهِ حَرْفاً‏

ـ عبد الله .. يتغرب‏

عبدُ اللَّه‏

لَمَسَ حَوافي الأُفقِ وجسَّ مَفاتيحَ الغُرْبَةِ‏

وانْدَسَّ بعَبِّ الرِّيحِ وغابْ‏

سَمِعَ الشَّفَقَ يغنِّي فَتذكَّرَ‏

أَنَّ أَباهُ انتحَرَ البارِحَةَ بِهَيكَلِ ربٍّ‏

أَمضى بينَ يديه قُرابَةَ سَبْعينَ سَنَةْ‏

وتَبيَّنَ للأَب بعدَ الرحلَةِ أنَّ الرَبَّ المُتَصدِّرَ هيكَلَهُ‏

مَنحوتٌ مِنْ ثَلجٍ خَدَشَتهُ أظافيرُ الشَّمْسِ فَذابْ‏

* * *‏

عبدُ اللَّهْ‏

لامَسَ نَهدَيِّ الريح‏

فرأى وجْهَ امرأةٍ يَألفُهُ‏

فَتَذَكَّرَ أنَّ لـه أُمَّاً نَزَفَتْ ماءَ العُمر ِ‏

لِتُسقِيَ قافِلةَ عَناقيدٍ تَتلوَّى في كَرْمَتِهَا منذُ ثلاثينَ سَنَهْ‏

لكنْ لم تنضُجْ حتى الآنَ وشَحَّ الماءُ بينبوعِ الأُم‏

فماتتْ حُزْناً والنسْيانُ يُكَفَّنُهَا‏

بَيْنَ عناقيدٍ ما نضجَت‏

وجُيوشٍ مِنْ أعشابْ‏

* * *‏

عبدْ اللَّهْ‏

جَسسَّ مَفاتيحَ الغُربةِ ثانيةً وتخبَّأ تحتَ الريحِ..وغابْ‏

قبَّل شَفَتَي الريحْ‏

فتدَلَّتْ بَينَ يديهِ جَدائلُها‏

وتحسَّسَ دفءَ الأُنثى فتذَكَّر‏

أَنَّ لـه امرأةً يعشَقُهَا‏

سَفَحَ دِنانَ العمرِعلى قدميها خَمْراً‏

يتحوَّلُ عصفوراً في الليلْ‏

يَنْقُرُ صَمْتَ مفاتِنِها وضُحىً‏

يتَسلَّقُ فَوقَ مَواويلِ الحُبِّ ليقْطِفَ أَجْمَلَها‏

ومفاجَأةً يعرفُ عبدُ اللَّهْ‏

أنَّ حبيَبَتهُ لا تَفهمُ لُغةَ الطَّيْرْ‏

لا تعرفُ طعمَ الخَمرْ‏

وتلفَّتَ عبدُ اللَّهْ‏

ليُلَملِمَ أشتاتَ العمرِ.. فَخابْ‏

-:العُمْرُ ساقطَ كِسَفاً خلفَكَ يا عبدَ اللَّهْ‏

والزَّمَنُ يَبَابْ‏

* * *‏

عبدُ اللَّهْ‏

جَـسَّ مَفاتيحَ الغُربَةِ ثالثَةً‏

وتسلَّقَ ظَهْرَ الريحِ وغابْ‏

نادته الريحُ: أعَبْدُ اللَّهِ إلى أينَ تطيرْ؟ .‏

وأنا مثلُكَ يا عبدَ اللَّهْ‏

لا أعرفُ كيفَ أسيرْ؟ .‏

* * *‏

يَهمسُ عبدُ اللَّهِ بأُذنِ الريحْ‏

-:مِنْ أحقابٍ .. مِنْ أحْقابْ‏

وأنا أحملُ هذا الكَوْنَ على كَفَّيَّ على كَتِفَيَّ‏

أُقَلِّبُهُ أتمنَّى..أن أدْخُلَ فيهْ‏

لكِنْ؟ مِنْ أَيِّ الأبوابْ؟‏

-: مِسْكينٌ عبدُ اللَّهِ-وهزَّتهُ الرِّيحْ-‏

أدْرَكَ عبدُ اللَّهِ بأنَّ الرِّيحْ‏

مَلَّتْ صُحبَتَهُ فتسائل :مَنْ يَألَفُ أَوجاعَ المنفيَّينَ‏

ومَنْ يعشقُ أحزانَ الأغْرابْ‏

* * *‏

فَعَلا عبدُ اللَّهْ‏

وعَلا‏

وعَلا‏

وعَلا‏

وتدلَّى كَوكَبَ حُبٍّ‏

يخترقُ سَماواتٍ سَبعاً‏

ويَجِسُّ مَفاتيحَ الغُرْبَةَ…مُنْتَظِراً‏

حتَّى هذي اللَّحظةِ أن تَأتِيَ قافِلَةُ الأَحْبابْ‏

ـ عبد الله.. ينام‏

قالَ عبدُ اللَّهِ يَوْماً :‏

- وهوَ يلتفُّ على أضْلاعِه الصُّفْرِ بأعْماقِ الزَّوايا-‏

-: أهوَ العشقُ تُرى حَثَّ إلى سيِّدتي وَهْمَ المَطايا؟‏

(( والتي يَعْشَقُها تَبْدو لهُ‏

فَرَساً مِنْ باهِرِ الضوءِ على بُعدِ ثلاثينَ سَنَةْ))‏

أمْ تباريحُ الهَوى تخلُقُ ما بينَ انْخِلاعي وانْخِلاعي‏

رايةَ الوَصْلِ ومَعْسولَ الحَكايا؟ .‏

أَمْ سِياطُ الشَّيْبِ هَزَّتْني فَأَلْفَتْني فراغاً وبقايا؟ .‏

* * *‏

((كانَ عبدُ اللَّهِ‏

يَدْعوها إلى غُرْبَتِهِ العَمْياء خَوْفَاً‏

وهي في غُربَتِها وَعْدٌ خَجولٌ‏

وإشتهاءٌ مبهمٌ طافَ على الأَيامِ طَيفاً‏

هو في غُربتهِ ثَغرٌ على وتَرِ الشَّهْوَةِ حُفَّاً‏

وهي في غربتِها كأسٌ مِنَ الشَّهْوةِ كُفَّاً ))‏

-: هل تُرى مِنْ عاشِقٍ‏

- قالَ عبدُ اللَّهِ - قلبي‏

قَد أعادَ الزمَنَ المزروعَ في الأَمْسِ‏

وروَّى حبَّهُ من عَطَشِ الماضي‏

وما خلَّفَهُ القَهْرُ بأعماقِ الضَّحايا؟ .‏

لا أَرى خَلْفِيَ إلاَّ سَنواتٍ من حُطامْ‏

ونُجوماً سَعَلَتْ مِنْ كَثرَةِ الضَّحْكِ‏

وشَحَّ الزيتُ فيها فُتَهَاوَتْ في الظَّلامْ‏

وأنا رُغْمَ الذي أعرفُهُ‏

أُطبِقُ العينينِ كَيْ أُبصِرَ ما أَرغَبُهْ في تَجاعيدِ الْمَنامْ‏

وإذا ما أَحرَقَ الوعْيُ اشْتِهائي ورأيتُ"الآن" في صَحْوَتهِ‏

أتَجلَّى في رجالٍ يرتدونَ الصمتَ والخَوْفَ‏

وأَطْفالٍ عُراةٍ وصَبايا‏

خانَهُنَ الحبُّ فاعتَدنَ مُناجاةَ المَرايا‏

وإذا ما خانَهُنَ الشوقَ المَجْهولِ يَحلُمْنَ عَرايا‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ: ما أغربني‏

حلمٌ يَشْغَلُني‏

بعد أَنْ ضَلَّ إليَّ الدَّربَ عِشْرينَ سَنَةْ‏

و انْطَوى في عَتْمةِ الماضي وذابْ‏

ليسَ لي منهُ سِوى الذِّكْرى تُوافيني بثوبٍ من ضَبابْ‏

وهي لاتَقْبَلُني إلاَّوَحيداً أَصلبُ الوعيَ على ليلِ اغْتِرابْ‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ-في وِحدتهِ-‏

ليت لي قدرةُ من ينفكُّ من ذاكرةٍ‏

تفردهُ كالثَّوبِ أو تطويه.. حرفاً في كِتابْ‏

مُرهقٌ أن يُفلتَ المِقود مِنِّي وأنا فيه بقايا مِنْ حضورٍ وغِيابْ‏

* * *‏

أَتعَبَ التِّذكارُ عبدَ اللَّهِ‏

فاستلقى على خاصرة اللَّيلِ..وغابْ‏

ـ عبد الله.يروي قصة فاطمة‏

يوم جاء القَتَلَة‏

ما بكت فاطمةُ أَحبْابَها‏

-قال عبدُ اللَّهِ-‏

لكن نَسَجت مِنْ دَمْعها شالاً‏

فأيَّام الشِّتاءْ‏

مقبلهْ‏

ثم حاكت صمتها باقاتِ شعرٍ وغِناءْ‏

وامتطت أَجْفانها مُهْراً لأَِعْلى الجُلْجُلَهْ‏

لم يَحِنْ عَصْرُ الرِّثاءْ‏

-هكذا قالت فإنَّ الأنبياءْ-‏

صُلبوا، أو قُتلوا، حولَ الرُّؤى المُشتعلهْ‏

ما كنتُ ما فاطمةٌ إلاَّ طريقٌ لمرورِ الأنبياءْ‏

لتظلَّ الشُّعل الخضرُ بأعماقِ المَدى مُتَّصلهْ‏

ما بكت فاطمةٌ‏

-قال عبدُ اللَّهِ–‏

لكن شاهدت عصراً هوى بين الخرائب‏

وزمنا فرَّ بين ذاكرته‏

ضَلَّ في التِّيهِ فأهوى تَحْتَ وجهِ المقصلهْ‏

ورأتْ فاطمةٌ‏

كيف يسير الجامع المكتظُّ بالأحلامِ مِنْ غيرحُداءْ‏

لم يجِدْ حتى ولا آيةً تُتلى لِتَحْمي القَتَلَهْ‏

يومها فرَّت من الغيظِ قبابةُ‏

نسيت كيف تُغطِّي ساعةَ الحَرِّ وجوهَ القَتَلَهْ‏

وانْحَنَتْ مئذنةٌ في الرَّملِ واستَلقَتْ ومن غير غطاءْ‏

عانقت طائفةً من أسئلهْ‏

قال عبدُ اللَّهِ: لم تؤذِ الذي هدَّمها‏

أو تشيلُ النَّعَسَ الراكِض مِنْ فوق جُفونِ القتلهْ‏

والمُصلُّونَ يلوكون الغُبارْ‏

كيف؟ قالوا: كيف .. يا‏

يَتْرُكُ اللَّهُ مُحبِّيهِ وفي ضوءِ النَّهارْ‏

وهُمُ في ركعةِ الظُّهرِ الأخيرةْ؟ .‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ:‏

ومشتْ فاطمةُ في ظلِّ تلك المئذنةْ‏

تتحرَّى الرملْ والأَطلالَ‏

عن بيتً هنا كانَ وكان وكانَ الأهلُ فيهِ‏

زرعوا أحلامهم في موسم الحرِّ‏

وفي نزوةِ الريحِ‏

وَمِنْ أوَّلِ البَدءِ إلى يومِ مَجيء القَتَلهْ‏

سَمِعَتْ صوتاً‏

من الأطلالِ ناداها وَوارى صَمْتها‏

-هاجَروا أو قُتِلوا‏

فاترُكي أستارهم منُسدله‏

قال عبدُ اللَّه: لا‏

تمتمت فاطمةٌ: لا‏

ردَّ الصَّدى: لا‏

حتى ولو غَطُّوا سَماءَ الجُلْجُلَهْ‏

أو حاولوا الجُلْجُلَهْ‏

غابةً من خشبِ الصَّلبِ ليرقى البُسَطاءْ‏

سمعتْ فاطمةُ صوتاً من الأُفقِ يَجيءْ‏

-عرفتْ صاحبهُ-‏

-: إنَّ السيوفْ‏

أكلت في الحرب أحداقَ الصِّغارْ‏

ورؤوس الفقراءْ‏

* * *‏

تابعت فاطمةُ رحلتها في الصمتِ‏

لا الرَّملُ لـه صوتٌ ولا البَحرُ يجيبْ‏

تزرعُ الأهدابَ في الحُزنِ وقد عَشَشَ في الأطلالِ‏

لا الليل يناديه ولا الصبح قريب‏

قال عبدُ اللَّهِ-:في عمقِ الدُّجى‏

شاهدتْ فاطِمةٌ قطرة دمْ‏

لم تزل ساخنةً ترعفُ مِنْ ثَغْرِ حَمامَة‏

ساءلتها: أنتِ؟ أقلقت إذَن راحتهم‏

فاستسلمي للموتِ في ظلِّ الخَرابْ‏

واجمُدي في مُقلةِ الطاغي إلى يومِ القيامهْ‏

إنْ يَكُنْ مُنقِذَ هذا الكونِ في عَصْرِ اليَبابْ‏

رأسُ طفلٍ‏

أو هديلٌ لِحمامهْ‏

* * *‏

قبلَ أن تُغْمَضَ عَيْنا فاطمهْ‏

حاولت أن تسأل ناقوساً أخافوه‏

فأخفى وجهه تحت الرُّكامْ‏

-: أَوَلنْ تقرعَ بعدَ اليومِ‏

أم تبقى هنا بين الحُطامْ؟‏

قال: من يرفع عنِّي الكُتلَ السُّود لأدعو للسَّلامْ‏

أُنظري فاطمةٌ‏

مَرْيَمُ.. لم تُبصِر لِعيسى أثراً فوق الصَّليبْ‏

وأنا أُتركيني …. لأِنَامْ‏

قال عبدُ اللَّهِ مِنْ خَلْفِ خُطى فاطِمةٍ‏

-: أوهن السير قواها فارتمت في حزنها‏

واعتنقتْ أحلامها المُعْتَقَلَةْ‏

مَرَّ طفلٌ مِنْ هنا‏

وانحنى‏

مُبتسماً‏

ينظر عَيْنَيَّ فاطمهْ‏

لم تَجِدْ أُما ولا والداً يسألهْ :‏

كيف تبكي النائمهْ؟‏

قال عبدُ اللَّهِ- أيضاً-‏

كيف تبكي النائمهْ؟؟‏

ـ رؤيا … لعبد الله‏

ما نفوني –قالَ عبدُ اللَّهِ-‏

لكنِّي تسلَّلتُ إلى منفىً‏

أنا أنشأتُهُ بينَ جُفوني وجفوني‏

لم أجدْ غير سبيلٍ واحدٍ‏

هوَ ما اخترتُ لأبقى بعضَ طيفٍ أَوْ شبحْ‏

أتخفَّى في شقوقِ العشقِ أوْ زهرِ الفَرَحْ‏

قال عبدُ اللَّهِ :‏

مَنْ أَحْبَبْتُهُمْ قد خادَعوني‏

وقفوامنِّي على بُعدِ صَحارى‏

وجبالٍ منْ سِنينِ‏

وغدوتُ اثنينِ‏

-عبدُ اللَّهِ قال-‏

أنا أتلو والذي يكتبُ رُؤْيايَ قَريني‏

و مَشينا لم أَعُدْ أذكرُ في أيِّ اتِّجاهْ‏

وإذا شاهدتُ ماأعشقُهُ وتبسمتُ منَ الوَجْدِ استجابْ‏

أشرَقَتْ بالَّلذَّةِ عينا صباحي‏

واعْتَلى صهْوةَ إِشراقي وغابْ‏

وأنا‏

كلما لامستُ للنَّشوة كأساً رحلتْ ذاكرتي‏

خَلفَ مَطايا من سرابْ‏

ودَنَت مِنْ كونِ عبدِ اللَّهِ مَن كانت على بُعدِ ثلاثين سَنَهْ‏

تنسجُ اللَّذَّةَ في مبسَمِها‏

دَوْرَقَ خَمرٍ وبساطاً من صورْ‏

قال عبد اللَّهِ: في المنفى التَقَيْنا‏

بعد ما ضاقت بنا الدنيا؟‏

فَغَشَّاها وِشَاحٌ مِنْ خَفَرْ‏

همس الصاحبُ: كيف؟‏

يُخلق الكَوْنُ على هَيْئَةِ سيفْ‏

ومَرايا للطُّغاةِ القَتَلَهْ؟‏

ثم ضاقت سعةُ الدنيا بِعُصْفورَيْنِ لَمْ يرتَحِلا‏

إلاَّ بظلِّ السُّنبلهْ‏

* * *‏

ومشتْ قافلةٌ مِنْ شجَر النخل أمامَ الضائعْينْ‏

نخلةٌ تلثمُ نخلهْ‏

هَتَفَا:‏

عِشقٌ؟ وما كانَ حِوارْ‏

غيرَ ما ترويهِ قُبلة‏

كيف لا تحتضِنُ النخلةُ تحت الضوءِ نَخْلَهْ‏

والحرائقْ‏

أُشْعِلَتْ… كي تَبلَع النَّخلَ وأهْلَهْ؟‏

شاهَدا سِربَ عَذارى يَرْتَدينَ العُريّ أَبرادا‏

ويَمشينَ على وجْهِ الغَمامْ‏

ويلامِسْنَ شِفاهَ الغَيثِ أَسرابَ يَمامْ‏

يتحَوَّلنَ فَراشاتٍ مِنَ الوَرْدِ عصافيرَ تُغنِّي‏

فوقَ ما يحملُ مَعناهُ الكَلامْ‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ: عُرِيٌ … ها هنا؟‏

تلبسه الدنيا أمِ الكونُ منامٌ في المنام؟‏

* * *‏

لم يعد يذكُرُ عبد اللَّهِ مَنْ نادى‏

-: إذا غسَّلت الدنيا البراءهْ‏

ما الذي يستُرهُ الثَّوبُ؟ وما معنى الكلامْ؟‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ: تابَعنَا الرَّحيلْ‏

واحدٌ يخترق الآتي ويجتاز الفضاءْ‏

وقريني مُبحرٌ نحو الوراءْ‏

لم يكن إلاَّ قريني ناظراً للخلفِ‏

والباقونَ .. أرتالٌ على ثوبِ الضِّياءْ‏

لِصغار الطَّيْرِ للأطفالِ للطير.. إتِّجاهٌ واحدٌ‏

هُوَ.. ما يأتي. فكيف؟‏

لا تَلْتَفِتُ الأَعينُ نحوَ الخلفِ والدنيا أمامٌ..وَوَراءْ؟‏

قال من يُشبه عبدَ اللَّهِ: إنَّ الخَوْفَ ماتْ‏

والسيوفَ انتحرتْ في هيكل الأمنِ‏

ولم يَبق شرودٌ أو شتاتْ‏

ما الذي تبصره العينُ إذا ما التفتَتْ غيْرَ المُواتْ‏

وحُطامِ الذِّكرياتْ؟‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ: اخلَقْ يا نديمي‏

بَلْ شَبيهي‏

بعضَ ما كفَّنَهُ الحِرمانُ حياً‏

وتلاشيتُ بلا مَوْتٍ أمامَهْ‏

قالَ: إنسَ المشهدَ الأخضرَ واغرق في الصَّلاةْ‏

واحضنِ الحُزنَ فإنَّ الحُزْنَ ناموسُ الحياةْ‏

* * *‏

قال عبدُ اللَّهِ:‏

إنَّ الدَّربَ نحوَ الخلفِ مَسدودٌ‏

و ما يأتي عصيُّ‏

وأنا غَادَرني هذا النَّجِيُّ‏

أيُّ شِقٍّ يَحْتويني في رُكامِ الظُّلماتْ؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244