عبد الله والعالم ـــ د.خالد محيي الدين البرادعي

شعر ـ العربية للنشر والطباعة دمشق

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:13 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبد الله يضحك

كانَ عبدُ اللهِ يَسْتجدي مَناماً هارِباً من مُقلتيهْ‏

وهو يَضْحَكْ‏

خائِفاً مِنْ أَحَدٍ يسرقُهُ في العَتْمِ فاسْتَلقى‏

و أَخْفى جسمَهُ في ساعِديْهْ وهو يَضْحَكْ‏

و رآهُ الحرسُ السِّرِّيُّ كالخرقَةِ مَطْروحاً ومَغْشِياً عَليهْ‏

وهو يَضْحَكْ‏

فإذا ما دَحْرَجَتْهُ الريحْ‏

يضحَكْ‏

و إذا ما اندثَرَتْ أَسمالُهُ في الريحْ‏

يَضْحَكْ‏

* * *‏

: إنَّ عبدَ اللهِ مَوْلانا‏

يشُدُّ الريحَ في كِلتا يَديهْ‏

نحنُ شاهدناهُ يا مولايَ عبدَ اللهِ هذا‏

يصفعُ الريحَ … ويضحَكْ‏

: أوْدِعوهُ السِّجنَ كَيْ لا يصفَعَ الريحَ ويضحَكْ‏

* * *‏

عادَ عبدُ اللهِ‏

مِنْ نزهتهِ في السجنِ يَطْوي خلفَهُ بضْعَ سِنينْ‏

رأسُهُ في قدمَيهْ‏

وهو يضـحَكْ‏

جاعَ فاسْتَلَّ رغيفاً كانَ في أسمالِهِ‏

و مضى مُبتعداً عن أهلِهِ يمضغُ الخبزَ … ويضحَكْ‏

فإذا ما علقَتْ أَظفارُهُ في سَعَفِ النخلَةِ … يضحَكْ‏

و إذا ما هاجمتْ أَسمالَهُ عاصِفَةٌ يمشي وراءَ العاصِفَهْ‏

شِبْهَ عُريانَ … ويَضْحَكْ‏

* * *‏

إنَ عبدَ اللهِ هذا خَطَرٌ في يقظتِهْ‏

خَطَرٌ في وحدتِهْ‏

خَطَرٌ في ضحكَتِهْ‏

هو في حالاتهِ أَجمعِها مُسْتغرقٌ في الضحكِ يا مَولايَ‏

حتى … وهو يَبْكي‏

إنَّ عبدَ اللهِ مولانا يُخيفُ النخلَ والريحَ‏

يُخيفُ النومَ واليقظَةَ والخُبزَ … ويضحَكْ‏

: أودعوهُ السجنَ كي لا يُقلِقُ الريحَ‏

و لا النخيلَ ولا النومَ ولا الحلمَ … ويضحَكْ‏

شاخَ عبدُ اللهِ في السجنِ‏

و أحْنى ظهرَهُ وَطْءُ السِّنينْ‏

فَعوى كالذئبِ في العتمِ ونادى:‏

: أَخْرجوني‏

لنْ تراني الريحُ بعدَ اليومِ والنخلَةُ … لن تَعرِفَني‏

و رَغيفي … ضاعَ مِنِّي‏

و مَنامي ماتَ في عتمِ السُّجونِ‏

نَبْعَةُ الضحكِ التي تَنْتَابُني جَفَّتْ‏

و ها … شابَتْ جُفوني‏

فأنا غيرُ أَنا إنْ تُطلقِوني‏

زَحْزِحوا عَنِّيَ هذا الليلَ حتَّى تُبْصِروني‏

إنني في حِدَّة الوَعْيِ وقد جاوَزْتُ غاباتِ الجُنونِ‏

عارياً أمسيتُ أوْ أصبحْتُ‏

من ضحكي ومِن دمعي ومن حُلمي‏

و من أيِّ انحرافٍ يَعْتَريني‏

ولقد ألقيتُ أسمالِيَ في الطينِ‏

لكي لا تُقلقَ الريحَ فهيَّا … دّحْرِجوني‏

أَخبروا مَوْلايَ إني حجرٌ إن تَتْرُكوني‏

فاتْرُكوني‏

* * *‏

هامَ عبدُ اللهِ في الصَّحراءِ مثلَ الدودةِ العمياءِ‏

حيناً يمتطي الريحَ‏

و حيناً يمتطي الرَّمْلَ‏

و حيناً يتفيَّأ ظِلَّ أوراقِ الخُزامى‏

لم يعد يَحْتَمِلُ الرحلَةَ فاستلقى على الرَّمْلَ‏

و زارَتْهُ حَمَامَهْ‏

هدلَتْ بينَ يديهْ‏

ثم ألقَتْ فوقَهُ حبَّة قَمحٍ‏

قالَ عبدُ اللهِ -: لو أَزْرَعُها‏

فلقد تُنبِتُ لي سُنْبُلَةً أطحَنُها‏

و رآهُ الحرسُ السريُّ مَطْروحاً على الرَّملِ‏

يُناجي السُّنبلةْ‏

و ينمِّي مَوْسِماً في حلمهِ للسِّنين الممحلهْ‏

و يُنادي غيمةً هارِبةً‏

كانَ عبدُ اللهِ قد غازَلَها قبل سنينَ السِّجنِ‏

بالمَوَّالِ والدَّمْعَةِ والنَّايِ ولم تَسْتَقْبِلَهْ‏

* * *‏

: أنتَ عبدَ اللهِ مقبوضٌ عليكْ‏

تَحفرُ الأَرضَ بلا إذنٍ منَ السُّلطانْ‏

كَيْ تَكْشِفَ أسْرارَ السنينَ المُقبِلَةْ‏

تَتَخَفَّى نحنُ شاهَدْناك في ظلِّ الخُزامَى‏

و تُنادي الغيمةَ المرتَحِلَةْ!!‏

* * *‏

عندما اقْتادوهُ للسلطانِ ظَمآنَ وعُريانَ وجائِعْ‏

داهمتْهُ حالَةُ الضِّحكِ‏

فألقى رأسَهُ بينَ يديهْ‏

و هو يضحَكْ‏

* * *‏

حَدَّثوا السلطانَ كيفَ اخترقَتْ تلكَ الأصابِعْ‏

حُرْمةَ الصَّحْراءِ والغيمِ‏

و كيفَ انتزعَ الحبَّةَ من ثَغْرِ الحمَامَهْ‏

ظَلَّ عبدٌ اللهِ يَضْحكْ‏

* * *‏

نَهَرَ السلطانُ عَبْدَ اللهِ كَيْ يَصْمُتَ‏

لكن … ظَلَّ عبدُ اللهِ يَضْحكْ‏

* * *‏

يُزعجُ السلطانَ عبدُ اللهِ هذا مِنْ ثلاثينَ سَنَةْ‏

فهو آناً يَخْدشُ الغيمَ‏

و آناً يطعنُ الريحَ‏

و حيناً يجرحُ الأرضَ‏

و أحْياناً مَعَ الصمتِ و… يَضَحكْ‏

كيفَ؟ بَلْ… من أَضْحكَهْ؟‏

ما الذي نفعلُهُ كَيْ تستريحَ المملكَهْ‏

و أرى مُلْكِيَ مَعْصُوماً وخُلْواً‏

مِنْ بقايا الكائِناتِ المُضحِكَهْ؟‏

ظَلَّ عبدُ اللهِ يضحكْ –‏

صرخَ السلطانُ :‏

لا‏

ليسَ في مَمْلَكتي غيْرُ الهُدوءْ‏

ليسَ في مَمْلكتي حُرْمَةٌ مُنْتَهَكَهْ‏

ظَلَّ عبدُ اللهِ يَضْحَكْ –‏

صرخَ السلطانُ: لا‏

لِيَكُنْ عَبْدِيَ عَبْدُ اللهِ هذا‏

راقِداً لا ضِحْكَةٌ لا حَرَكَهْ‏

* * *‏

شاهَدَ الحُرَّاسُ عبدَ اللهِ‏

مَشْنوقاً على السُّورِ صَباحاً‏

و بُكاءُ الريحِ يُخْفي ضَحِكَهْ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244