|
||||||
| Updated: Wednesday, June 29, 2005 02:04 PM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تميّزت ليلى بقوة الإرادة، وصلابتها أمام المواقف الصعبة، فبعد طلاقها من كارل زوجها السابق بسبب الإدمان، قرّرت عدم الزواج. أصبح الزواج بعينيها صفقة يربح فيها الرجل على الدوام، وتصبح المرأة تابعاً تتسقّط أموره وأحلامه وهمومه، ولكي تحيا بكرامتها وتثبت جدارة في الحياة، عليها شقّ الطريق بنفسها دون الاعتماد على الرجل، الذي سيتحوّل بعد الزواج إلى مرشد، وأكثر منها ذكاء وقوة . هذا ما تعلّمته من الزواج الذي لم يتكرّر، أما صديقها ديف الذي ارتبطت معه بعلاقة عمرها عشر سنوات، ما زال يحثّها على الزواج، لكنها ترفض بإصرار، وتلغي كل حديث حول ما له علاقة بالفكرة . امتلكت ليلى مطعماً أيضاً، ولم تنس في يوم ماضيها قبل ذلك. كانت تعمل في المطابخ. تنظّف الأرض والأواني . تساعد صاحبة المطعم. تجهد. تتعب. لم تقف دون عمل، وتعلّق على المتسكعين بمزاح لا يخلو من لوم. أما أهل المنطقة فقد أحبوها لصدقها واستقامتها في العمل. كانت المنطقة مميّزة بشارعها العريض الهادئ، والمتفرّع عبر طرقات معبّدة، بين الأشجار الجميلة، حيث البيوت السكنية، هذا الشارع الذي على السيارات التي تعبره السير ببطء. كان الأهالي هادئين بطباعهم. يحلمون بالهدوء والراحة. يتعارفون ببساطة، وحين يجتمعون يصبحون كأسرة. وأحياناً يشاركون ليلى في همومهم أو مشاكلهم، فلا تبخل بحديث أو نصيحة ، وحين يستولي عليها الملل ترمي أمامهم رغبتها بالرحيل عن المنطقة . يتعالى أكثر من صوت. خاصة العجوز (بابوف) فمن المستحيل أن ترحل، فهو لا يريد بديلاً منها . تضحك وهو يقدم لها الحلوى، لكنها تؤكد أنها ستبحث عن مكان له مواصفات أفضل، في منطقة أجمل. فيعلو أكثر من صوت. سنلحق بك حتماً. كانت تدرك أن أحداً لن يلحق بها، فقد تعوّد سكان هذه المنطقة على الانعزال عن بقية المناطق في توليدو، فبعد أن يعودوا من العمل لا يفارقون المنطقة. كانوا جميلين بعاداتهم، ومع هذا كانت ليلى تحلم بالأفضل والأهم . هكذا علّمها هذا البلد . بينما تراقبنها العاملات بإعجاب . كيف أصبحت تمتلك مطعماً؟ تهمس ليلى. بالتصميم والإرادة وحسن الإدراك . لا شيء يأتي بالتمنيات. سألتها إحدى العاملات وكان اسمها شيري، بينما ساندي تنظر إليهما ساهمة : - لكن . كيف ؟ - رأس المال يا عزيزتي ! - وكيف يأتي ؟ - حين تعملين بنشاط، وتفهمين أن ما تقبضينه هو ثمن أتعابك، وتكفّين عن هدره بالخمرة، أو الرهان، سيكون لديك ذات يوم رأس مال حتماً، ويتكفّل المصرف بالمساعدة . - هذا صعب جداً. أنا أرضى بالقليل. أعمل لأصرف . والمستقبل مضمون بالتقاعد كما تعلمين . - لذلك. أنت تعملين يوماً، وتنفقين أجرك على يوم آخر، وتنامين بعد ذلك يومين آخرين . - هذا صحيح ، ويعجبني . ضحكت ساندي التي كانت معجبة بليلى، غير أن لها طريقتها في الحياة، فزواجها من زاهي هو فرصتها الذهبية التي أتت من دون تعب . تمّت المقايضة بينهما ببساطة. تمنحه الجنسية الأمريكية، ويمنحها المعيشة اليومية مدة عامين دون انقطاع. كان عليهما العيش معاَ. لكنّهما قسّما البيت، لكل غرفته، وله حرية التصرف الخاص. تتحدّث عنه فتقول. إنه جميل الشكل، يحمل ملامح الشرق، صارم وحاد. يعجبها ولا يهتم بها، ولا تبالي لذلك، فما تريده تحصل عليه، الراتب المتّفق عليه، والحرية التي لا تساوم عليها . لم يكن زاهي حاداً أو صارماً، لكنه أراد أن تبقى العلاقة بحدود الجدّية، فهي امرأة مأجورة لغاية ما. وكان باستطاعته أيضاً اختيار الفتيات الأخريات للتسلية، وخارج إطار الزوجية، غير أنه صمّم على الدراسة، فكان يعمل ليساعد نفسه، ونصب عينيه النجاح . أما هي، فقد أتت فرصتها أخيراً، وقررت أن تصبح أماً طالما هي متزوّجة. سيكون لابنها أب ينفق عليه شاء أم أبى. ضحكت وهي تسرّ لميكي التي صرّحت لها بأنها حامل أيضاً. أكثرت ساندي من الغياب عن البيت. لم يعر زاهي لذلك اهتماماً، إلى أن صرّحت له بخبر حملها، لم تلاحظ ذهوله . كانت في سعادة قصوى، فالإنجاب أهم حدث في حياتها، ستعرف معنى الأمومة التي تستيقظ أحياناً في داخلها، أما زاهي فقد انشغل بدور الأب، وما الذي سيترتّب عليه من مسؤوليات خلال العامين القادمين . ضحكت ليلى من أعماقها للخبر. كان لها رأي بأولئك الفتيات، وكيف أضعن ويضعن أنفسهن منذ بداية الحياة، لكنها وبعد حديث قصير مع ساندي التي تبحث عن تحقيق أمومتها، وعن حلمها الذي أتته الفرصة للتحقيق، والذي هو أيضاً من أحلام ليلى الذي ضاع. شعرت بأن لها الحق في ممارسة أمومتها، وتصبح أماً لمرة واحدة، فقد لا تتزوّج أبداً. نظرت إلى ساندي التي توصّلت إلى ما تريد، وشعرت خلال ومضة أنها تكن لها الاحترام، وأنها ند حقيقي للرجل، نهضت قبل التفوّه بكلمة، لتغرق نفسها بالعمل من جديد . لم يستمر زواج جينا بكاظم طويلاً. انتهى بعد حصوله على الجنسية، لكن العلاقة بينهما استمرت، فقد ارتبطا بطفلين خلال الأعوام الثلاثة الأولى، غير أن مشكلتها الأولى لاحقتها، حين رقصت عارية أيام مراهقتها، في ملهى كان كاظم الشاب العربي الذي ينتمي لأسرة محافظة، يعمل مموّلاً سرياً له، على اعتبار أنه الأجنبي الذي لا يحق له العمل . كيف ابتدأت قصّتهما؟ ما تذكره أنها لفت انتباهها منذ اليوم الأول للعمل. كان أسمر اللون، حاد التقاطيع. تصفه بالرجولة والقوة، وتصف ما حدث بينهما ذات ليلة، فبعد حفلة من التعرّي الليلي وإثارة الموجودين. ظهرت عليه بوادر اضطراب شديد فسّرتها بالغيرة، ولشدّة إعجابها به أكثرت من حركات الإثارة، ولم تمض الليلة حتى هبّ إليها بجنون. جرّها إلى خلوته. تذكر جيداً الصفعة الأولى ثم الثانية بين الألم والذهول، وكيف انقض عليها يشبعها ضرباً ولثماً، إلى أن نال منها ما حرّمه على زبائن الملهى . أحبت جينا غيرة كاظم، وانفعالاته. فتحمر وجنتاه أولاً. تجحظ عيناه. راحت تحتال لإثارته بشتى الوسائل، وتترقّب ساعة الاختلاء. تتلمّس مواضع الألم، مستعدة لكل حركة أو فعل. كان هذا أكثر ما ترغب به. تلك الدقائق القليلة قبل المضاجعة. تستفزّه، ثم تتمنّع عنه، أو تتحدّث عن رجال أثاروا إعجابها. يتململ أو يتذمّر أو يضجر، فتعلن عن شوقها لرجل يريدها. يرغب فيها. يضطرب. يصرخ بها. تشيح عنه. يثور. ينظر إليها بشزر. يتذكّرها عارية. يتهيّج. يصفعها بقوة. تلملم نفسها. يهوي عليها ضرباً. تحاول التملّص. يكتّف ذراعيها. تصبح طفلة. يصبح شاباً. تبدأ مرحلة الاغتصاب، وكانت في كل ليلة تحلم أن تتحوّل إلى عذراء، ويقوم كاظم بدور المغتصب المجنون، واكتسبت مع الأيام لذة تصفها بالاختلاف والتميز في المقابل. كانت تكره ما يقوم به في أثناء النهار، كل ما ينم عنه. طريقته في الحوار. تسلّطه. تعامله مع أبنائه الذين تصف أنهم أتوا من القوة. شتمها الكبير ببراءة طفل لا يتعدى الرابعة من عمره. ضحك كاظم من أعماقه، فكيف توصّل إلى حقيقة أمه العاهرة ؟ هاجت جينا ودخلت في نوبة من صراخ. هبّ لإسكاتها. شتمته. صفعها ابن العاهرة. شدّها من شعرها وهو يكم فمها. أفلتت منه بكل ثقلها. شدّها ثانية وخطا بها. انزلقت وراءه. دخل غرفة نومهما. أغلق الباب. وبين صراخ الطفلين، كان يمزق ثيابها، وخلال ثوان رماها عارية فوق السرير، وقد سال خيط رفيع من جرح في شفتها. مسحه على عجل، وبيده مزّق آخر قطعة قماش فوق جسدها، ودخل فيها بصمت . قليلاً ما ضاجعها وهو في حالة من السكينة . يحدث هذا بعد ليلة عامرة من الصخب، ومن تناول الخمور حتى ساعة متأخرة، فتتهدّل عيناه ويداه، وينسى نفسه، وربما تحولت قدراته إلى شيء مختلف. ينسى من هو؟ من أين أتى؟ يبحث عن أي شيء. عن فكرة. عن صورة. عن امرأة يفرغ عندها لذته. كانت جينا تصف تلك الحالة البسيطة بالشذوذ، طالما لم تبلغ فيها النشوة المعتادة . لم تبخل جينا من تصوير ما يحدث بينها وبين كاظم ونقله، تضحك ميكي وساندي وتينا. تقول لهن بأنها تعوّدته، لا تشعر بالحب نحوه، ولا تطيق البعد عنه. كان هو يبادلها الشعور، فيلتقيان أحياناً من أجل ابنيهما، وأحياناً من الشوق، فينزلقان معاً في سرير الحب ويؤكد لها تلك اللحظات أن مبتغاه ما هما به، وأنها أجمل النساء. يصف خصرها، وصدرها ووركيها، فتهرول إليه بين حين وآخر، فهو في نظرها أكثر رجولة، وأكثر من أحب جسدها. قد تكون لا تحبه، لكنها تحب ما يصدر عنه. تريده هو ولا تريد غيره. إنه يحبها بقدر ما يؤلمها. هذا الألم المرتبط باللذة وهذا ما حدث بعد الطلاق. استمرا في علاقتهما. فتتذرّع بمرافقة ابنيهما، كما أقرّ القانون، واكتشفت خلال لقاءاتها به، أن لا امرأة في حياته، فهو ينتظرها، وهي رضيت أن تبقى العشيقة الدائمة، على أن تخرج من حياته للأبد، غير أنها حلمت أن تعود إليه، ربما من أجل ابنيهما، أو الحلم ببيت وأسرة، أو الدفء، أو شعورها كزوجة، لكنها وفي قرارة نفسها تدرك أن غريزتها هي السبب. تصمت، ثم تعود للتفاصيل . لم تتحقّق أحلام جينا بالعودة ، إذ حضرت أم كاظم من بلدها، لتعيش مع ابنها وترعى أموره . استيقظت هند على رنين الهاتف . كانت مصلحة المياه تذكّرها بدين عليها تسديده. هبّت مرتبكة . تذكّرت الرجل الذي يشبه أباها، والفاتورة المخيفة، وخلال ما قبل الظهر كانت تسرع إلى هناك، وفي ذهنها رقم كبير. كانت مستسلمة لفكرة التسديد، فلا مهرب من قضايا تتعلق بالمصالح العامة . فوجئت هناك بأن المبلغ لا يتعدّى مئة دولار، وحين تأكدت كانت في ذهول، فهي قد قرأت الرقم في يد الرجل الذي يشبه أباها ذلك الصباح، أما الموظف المسؤول والذي كان مستغرباً أيضاً، فلسبب أو لآخر ألغي اسمها واسم المكان ورقم العداد من صفحة الكومبيوتر، وكان من الممكن تجاهل ذلك طويلاً، لولا أن المالك الحقيقي للعقار قد أثار الموضوع ثانية . أخرجت من حقيبتها بطاقة الرجل الذي يشبه أباها. ضغطت على الأرقام. أتاها صوت يجيب بكل التأسي أن صاحب البطاقة قد توفي قبل ستة أشهر من الآن . بكت بذهول . كانت تعود من حيث أتت، وصورة ذلك الرجل الذي ربما هو أيضاً قد شبّهها لأحد في الذاكرة، قد عزّ عليه آلامها، وقرّر إزاحة أسباب تلك الدموع التي سقطت يومذاك . هذا الرجل الذي يعرف معنى الألم وأبعاده، ويجهد لإزاحته، لابد أيضاً يعرف معنى الخيانة لعمله الوظيفي، ومع هذا نهض عنده الجانب الإنساني الذي ربما حمله بين عينيه في لحظات الوداع الأخير وهو يبتسم بسعادة . هذا الرجل يشبهها، بل هي تشبهه، لو كانت مكانه لفعلت هذا، بل هي تفعل هذا، ولو أنها في موقع آخر لاختلف نمط حياتها، وأسلوب حياتها، لكانت امرأة مختلفة. لكنها غنية بالآخرين، بالأصدقاء. إنهم حولها من كل الفئات. المثقف والعامل والمتعلم. نساء ورجال. كانوا يتبارون لتقديم المساعدة. اشتغلوا عمالاً. اشتغلوا في كل شيء، ولم تفارق الابتسامة وجوههم، إلى أن جهز المطعم، وانتظروا لحظات الافتتاح، وكان كل منهم ينتظر قدوم الخير، لتنسى عذابات السنوات الماضية . تلك الحادثة أعادتها إلى الوراء، إلى تلك الأيام القاسية، وقبل أن تصل البيت، كانت قد قرّرت . جمعت حوائجها. جمعت العاملات. أسرّت إليهن بأنها تريد بعض الراحة. ستغيب أسبوعا. ألقت نظرة على كل شيء، وخرجت . في الطريق بكت. أخرجت أشرطة تحفل بالغناء العربي، وأخذت تستمع تارة صباح فخري. تارة أم كلثوم. تارة فيروز، ومع الأغنيات تضحك تارة وتبكي أخرى . لا تدري لم تلاحقها تلك الحادثة. حدث ذلك في مرحلة الطلاق. حدّثها جورج على الهاتف. بثّها أسفه الشديد لما آلا إليه، وشدّد على حديث خاص لابد من شرحه، وطلب فسحة للحوار، واتفقا على لقاء في المساء. أشار ببساطة أن تترك الباب مفتوحاً. كان هذا من إحدى العادات السابقة قبل مشاكل الطلاق . كانت جمانا تلك الفترة تقيم مع هند، وقد اطّلعت على تفصيل الطلاق الذي يجري بقسوة وأنانية وأقسمت ألاّ تتزوج بعدها. كانت ذلك المساء تغفو بعمق حين رن الهاتف. أسرعت هند تجيب. كان المتحدّث زوجها الأول جاد الصغير. كان متلهّفاً مفزوعاً. طلب منها إغلاق الباب جيداً، فالمرأة الكورية قادمة ومزمعة على قتلها . أطلّت من النافذة، وجدت المرأة تترجّل من السيارة وبيدها شيء معدني يلمع. أغلقت الباب. كانت جمانا التي استيقظت على صوت الهاتف جزعة، وانهمكتا معاً بالاتصال مع رجال الأمن الذين وصلوا للحال، وأخذوا يحاورون المرأة التي شرحت ظروفها، عن عطل بسيط أصاب السيارة، وهي الآن سترحل، هدّدها الرجل بالابتعاد عن المنطقة، فحصل أن ابتعدت. لكنها عادت بعد قليل، وقفت والتقطت الشيء اللامع من الأرض، ورحلت . حضرت ليلى وجورجي في اليوم الثاني. كانت ليلى ثائرة ومصرّة على لعبة جديدة يقوم بها جورجي للتخلص منها . مستشهدة بحديث سابق له مع إخوته، فهم يفضّلون موت الزوجة على الطلاق منها. بطّن الأصغر رأيه بأسلوب من مزاح. لكن جورج لم يمزح، فإن تختفي الزوجة من الحياة أفضل من أن تكون لرجل من بعده، وتصرّ ليلى فهو من حثّ المرأة الكورية، بطريقة ما، وبأسلوب ما، لتهديد هند أو قتلها، ويخرج هو بريئاً. تشدّد ليلى. لم لا ؟ البلد مليء بالمرضى، وهم خارج المصحّات . بكت هند في الطريق أكثر من مرة، كانت تتّجه نحو البلد القريب، هنالك ستقضي أياماً في الفندق المطل على البحيرة. ستعيش في السكينة والهدوء. ستحاول النسيان لن تتذكّر الآلام. ستفكر بلين وبالأحفاد ستختال بأنها جدة. ستعلمهم لغتها الأم وعاداتها. ستغني أغاني طفولتها، وذكرياتها في بلدتها الجميلة، وبحرها، وقرية جدها، وتتذكر شجرة التين التي زرعت من أجلها، والتي لابد قد كبرت وأثمرت، لكن الذكريات لاحقتها من جديد . كان جورج أغنى إخوته. يجمع المال باستمرار. مقتصداً في أمور حياته. لا يتعاطى الخمرة أو المقامرة، وكان ذكياً يحفظ لعبة الاستمرار. يراعي صحته. غذاءه. الرياضة. المشي، وكانوا يدعونه بالمصرف. يستلفون منه. يلبي، شرط استرجاع حقوقه، فقد أنهكه جمع المال، ولأنه استعمل ذكاءه خرجت هند صفر اليدين. كان في لحظات السكينة يسألها عن الحب، تؤكده له. يسألها. وما أملكه؟ ألا يهمك؟. لا يساوي شيئاً! هل تقصدين الكلمة؟ أقصدها. نجرّب إذن! نجرّب. ستوقعين على بعض الأوراق! أيها المجنون.أحببتك أنت وليس ما تملك، وتوقع ضاحكة، لكنه احتفظ بالأوراق التي استعملها في فترة الطلاق. هتفت لين لها .. قالت : - عمي على حق .. أنت المخطئة . - أنت لا تعرفين ما يحدث ! - أعرف . كانت لين تحب أمها لدرجة الجنون . فتحاول سماع أخبارها عن طريق العم الذي استحوذ على تفكيرها، والذي استطاع التأثير عليها بحجة المحافظة على الأسرة والعائلة، فيتم الإتصال بين العم ولين من جهة، ثم بين لين وأمها التي أيقنت من خطأ سيستمر، طالما تفصلها عن ابنتها مسافة ساعات، فقرّرت مغادرة توليدو . يومذاك لم يبق ما يربطها ببلدها سوى إخوتها، وذلك الارتباط الآخر، مسؤوليتها تجاه الكلبة شيبا والقطة تاشا، وذلك الأمل الأخير، يوم تفرغ عن المطعم الذي سيمنحها بعض المال، وقررت السفر إلى لاس فيغاس حيث تقطن ابنتها مع بيرت، ريثما يحين موعد الإفراغ . تلك الفترة دبّ خلاف بين لين وبيرت الذي كان وسيم الشكل. له مركز جيد في عمله. تلاحقه الفتيات من كل صوب، فيلقي الاتهام على لين التي ترفض الارتباط الكنسي به. أما هي التي رضيت بزواج مدني فلأن ذلك لن يقف عثرة أمام فكرة طارئة، فكانت تخضع علاقتهما للتجربة، فهي قد ذاقت من انفصال أبويها، ولا تريد أن تتكرّر المأساة. غير أن ما لم يكن في الحسبان وقع، فقد اكتشفت أنها حامل في أيامها الأولى . في أيام لاحقة، راودت لين فكرة إسقاط الجنين. غير أن بيرت الذي شعر بالغبن وقف في وجهها جاداً أول مرة، وأقسم أن يشكوها هي والطبيب الذي سيجهضها، إلى جهة معنية، فالطفل سيساعده على إقناع أمه بالارتباط. بدا تلك الأيام قلقاً وسعيداً في آن واحد، أما هند التي حلمت أن تكون جدة فقد وقفت إلى جانب بيرت، بمساعدة أسرته التي شاركتها الحلم، ورضخت لين للجميع، واستعدّت لاستقبال الطفل، الذي كان فالين. مضى شهر على مكوث هند في لاس فيغاس. أيقنت خلاله أنها في عالم لا يمت لها بصلة. وأن ملكيتها للبيت، والسيارة، لم يمنحاها الاستقرار، وضاعفا من مسؤولياتها أمام متطلّبات الحياة. المصرف، والأقساط. شعرت بعجز يحتلها. لم تعد هنداً المتدفقة حباً للحياة. أشارت عليها لين بالراحة والتقاعد، وعاهدتها أن تدير أعمالها. ولسوف يتكفّل المبلغ الذي ستقبضه يوم الإفراغ، ببداية مشروع تشرف عليه هي بمساعدة بيرت . هاهي تنتهي شيئاً فشيئاً، تتحوّل إلى امرأة تنتظر أن تمنّ الحياة عليها. ستستيقظ في الصباح. تتحرّك بين النوافذ. تراقب السماء والعصافير. قد تخرج من البيت أو لا تفعل. تطبخ الطعام. تضجر. تنام. تنهض. تتثاءب. كان أجمل ما تفكر به هو مجيء طفل لين. وسيحوّلها أيضاً إلى مربية. تحب ذلك كثيراً. لكن! لا تريد أن تنتهي. لا تريد أن تقف عن الاستمرار. يجب أن تمارس لين أمومتها كما فعلت هي، وستلبي نداءها كلما احتاجت إليها. ستقف إلى جانبها في كل الظروف. لكن لن تقبل أن تتوقّف عن العطاء . صرّحت للين عن رغبتها في السفر، وعن قرارها الأخير بالعمل في توليدو، وستبتدىء هناك من جديد. كان صاحب الأرض ينتظر قدومها لإتمام معاملة الإفراغ . استقبلها هانك وزوجته. كانا مبتهجين، فقد اطّلعا على بناء مهجور، ويقع في منطقة هامة من البلد، يتألف من بيت صغير، لصقه مطعم يحتاج إلى التجديد، معروض للبيع، وأبديا رأيهما بثمنه المتواضع . ابتهجت. الثمن موجود، وهو ما ستستلمه من مالك الأرض، لكنها انقبضت ثانية، ستصبح صفر اليدين. لن يبقى معها ما ترمّم به البناء. فالمصرف لن يقرضها، فهي ملتزمة بأقساط كثيرة ، وليس لها ضمانة تقيها، لا مدخول. لا وارد. كانت تعاين المكان. كان كبيراً، خرباً. تحيط به حديقة وأرض اسفلتية. شعرت بالكآبة، فالمكان يحتاج لمجهود كبير، وصرف المبالغ لإعادة الحياة إليه. تذكّرت فكرة ابنتها في لاس فيغاس، وكيف سيشرفان هي وبيرت على العمل. تذكّرت وعدها الأخير له بالزواج الكنسي. وشرطها أن يحدث في توليدو بحضور أبيها وعمّيها. لكن هند مازالت تخاف من لين التي صدمتها الأيام - كما تقول - بالكثيرين، ففي أعماقها رغبة عميقة الجذور بتكوين بيت وأسرة سعيدين، فإن لم يلتزم بيرت بذلك، فربما تغادره لين أخيراً إلى غير رجعة، وتغادر لاس فيغاس، وتحط الرحال في توليدو . حين انفردت بنفسها، ألقت نظرة حولها تستكشف معالم البيت الصغير الذي دفعت إيجار الإقامة فيه لشهرين. نادت شيبا وتاشا اللتين استردتهما من صديقتها. شعرت بالوحدة، والخوف، حسبت عمرها والزمن المتبقي لحياة كريمة . تذكّرت جورج الذي يتوقّع لها مزيداً من الفشل والشقاء، وحلمه أن تعلن احتياجها. كانت تائهة التفكير. نهضت تشكو همها لأختها ليلى. كانت ليلى كعادتها هادئة. أشارت لابد من منفذ وطريقة، وريثما يلتقيان ستفكر، ثم يتناقشان في الأمر . سألتها ليلى : - هل استلمت المال ؟ - لا . - هل يكفي المبلغ لشراء العقار بأكمله ؟ - يكفي .. لكنه خرب . - افتحي ذهنك قليلاً. سأساعدك بقدر استطاعتي، وسيساعدك بعض الأصدقاء، وحين يتم العمل تدعين المصرف لمعاينة المكان، وحين تعملين سيقرضك المبلغ المطلوب . ابتهجت هند فجأة . نهضت تعانق ليلى . قالت مستدركة : - ومن تقصدين بالأصدقاء ؟ - ليندا وهانك، أو بيل، أو بعض الأصدقاء في الجالية العربية . لا أعتقد أنهم سيردّون لك مطلباً. شعرت بالراحة والاطمئنان، واكتشفت أن الأمور ستسير على ما يرام. كانت تتحرّك في أرجاء البيت الصغير بسعادة، وفي غمرة الهدوء الذي غمر الأشياء. لاحظت أن شيبا تخطو ببطء. واهنة، متهدّلة الأذنين. أسرعت تمسح فوق رأسها، هيء لها أنها تبكي. داعبتها قليلاً. غير أنها ازدادت ضعفاً. وقبل أن تخلد إلى النوم. كان في ذهنها زيارة طبيب شيبا من مشاريعها الصباحية . استيقظت على صوت الهاتف. كانت لين تتحدّث من لاس فيغاس. والصباح في توليدو يعني الرجوع ثلاث ساعات إلى الوراء. خافت. سألتها على عجل : - ماذا هنالك يا لين ؟ - أماه! متى ستتصرّفين بنضج ؟ تذكّرت مواقف سابقة للين .. سألتها بهدوء : - ماذا عندك؟ قولي . - هل ستنفقين الأموال بشراء مطعم مهجور ؟ تململت هند . قالت : - أنا الآن لا أستوعب ما تقولين. لكن المطعم ليس مهجوراً تماماً . - كيف ؟ عمي وأبي يفهمان المصلحة أكثر منك . - وماذا قالا ؟ - سنخسر المال حتماً . - من قال هذا ؟ - أبي وعمي .. المنطقة فقيرة والحركة قليلة هناك . - هل عمك وأبوك قالا هذا ؟ - ما بك يا أمي ؟ - أنا تعبة يا لين. سأنام الآن .. نتحدّث ثانية في الموضوع . وضعت السماعة . شعرت برغبة في البكاء . ما الذي ينتظرها أيضاً ؟ تذكّرت أياماً مضت . كان جورج يعرف مكانة لين عندها، وعن طريقها يحقق غاياته . استعادت حديثها . تذكّرت ما قالته ليلى ذات مرة . إذا أردت القيام بعمل ما . استمعي إلى نصيحة لين، التي استقتها من عمها، وافعلي عكس ما قالت . في غمرة الأسى الذي أصابها لم تستطع سوى الابتسام . لم تنفع أدوية الطبيب في معالجة شيبا، التي وقعت في النسيان، بل ازدادت سوءاً، ولم ينصح لها بتغيير العلاج. فتبدو حزينة إن مشت أو تحرّكت. كانت القطة تاشا تراقبها في كل خطوة، فقد تعوّدت على اللعب معها. ومع صغر حجمها. كانت تهاجمها، فتلوي شيبا ذيلها وتبتعد، وحين تتجرّأ تهددها بأن ترفع قدمها وتهبط بها أمامها على الأرض . خرجت شيبا من البيت وغابت . هبّت هند للبحث عنها، في المنطقة وأبعد من المنطقة، ثم في شوارع المدينة، والحدائق، وحين لم تجدها، وكعادتها في المواقف الصعبة . انهمرت بالبكاء، معدّدة خصال شيبا، ومزاياها . تصف مرضها قبل سنوات، وكيف لم تستجب إلا لأدوية لها علاقة بأدوية البشر، وكان الطبيب مستغرباً، بعد أن يئس من علاجها . جاء المساء ولم تعد شيبا . كان الطبيب قد شرح لهند تفاصيل مرضها، بدءاً من مرحلة النسيان الذي أصاب ذاكرتها والذي يشبه حالات من انفصام، وانتهاء بمرض لا شفاء منه وهو مايطلقون عليه داء أديسون . أجّلت هند أعمالها، فصورة شيبا في عينيها، مذ رافقتها ذلك اليوم . لم يكن سهلاً أن تنسى، وأن تتجاهل غيابها، فهي صديقة ورفيقة . كانت تفرح إن فرحت، وتحزن إن حزنت، وكم من مرّة شبّهتها بالبشر، والطبيب أيضاً شبّهها بالبشر، وكل من رآها تركت عنده الدهشة، والاستغراب . لكنها لم تعد، وفي لحظات اليأس. اندفعت هند للطرقات ثانية. تقف وتسأل العابرين. إنها شيبا، مريضة بالنسيان. تفهم كالإنسان. من رآها ؟ ضعيفة وهزيلة، وطيبة ! وعرفت حين اقترب الليل أنها قد تاهت إلى مكان ما . حين خطرت لها الفكرة. كانت تهرول نحو مقر التلفاز، وهناك عبر الشاشة الصغيرة، ظهرت هند والدمعة في عينيها. ظهرت ذلك المساء أكثر من مرة، وهي تصف شيبا المريضة، ومرضها، وتناشد من يعثر عليها الاتصال بها، أو بالتلفاز لأنها تستحق الرعاية، فهي في أزمة صحية تستوجب اهتماماً خاصاً ورعاية خاصة . ما حدث تلك الليلة . أن وسائل الإعلام راحت تبحث عن لقاء مطوّل مع هند، للاستفسار عن مرض شيبا، وعن تطورات داء أديسون عند الحيوان، هذا الداء الذي أصاب أحد رؤساء أمريكا السابقين . تسابق الصحفيون إليها . كل يحاول الحصول على سبق صحفي، أعراض المرض وخطواته، ويعقدون المقارنة بين مرض شيبا، ومرض الرئيس الراحل، وفي هذا الجو المشحون ظهرت شيبا . تفرّغت هند ثانية لهمومها. كان هانك وليندا خلال ذلك يتابعان الإجراءات، ويقدمان النصيحة. تشجّعت هند، وخلال أيام قليلة، تمّت عمليتا التنازل عن المطعم الأول، والارتباط بالثاني. لم تكن الأمور صعبة كما تصوّرت، ولم تكن ليلى مخطئة وهي تمتحن الأصدقاء، الذين التفوا حولها وأحاطوا بها كان الجميع يتبارون لتقديم العون، وبدأ العمل في البيت الصغير للسكن، وأخذ العمل صفة الجدّية، وتبلورت معالم المكان، وقدم كثيرون المساعدة . كانت هند وجلة أمام دين جميل ومختلف، إلى جانب ما تراكم عليها من ديون حقيقية، ابتداء من الأقساط المترتبة في لاس فيغاس، لكنها وببساطة استسلمت للآتي وما سيحمله من مفاجآت . ماتت القطة تاشا خلال عملية النقل إلى البيت. كان أول ما ورد إلى ذهن هند، تلك الأرستقراطية التي عاشتها تاشا خلال عمرها، حين تمشي أو تأكل أو تلاعب شيبا. بكتها وهي تفكر بأنها ماتت كما تموت أكثر القطط بين عجلات السيّارات . كانت المفاجأة كبيرة، وقد تلازم موت القطة تاشا مع موت شيبا. تضاعف حزن هند، فنعت الاثنتين بحرقة، ولم ينتشلها من مشاعر الفقدان سوى هاتف لين. تطالبها بالإسراع لاستقبال الحفيدة التي ستطل على حياتها، وتلون لها الأيام . وابتدأت حياة هند من جديد . في طريق عودتها إلى توليدو. شعرت هند بأنها نقية كالثلج، وأن رغبتها في الحياة تزيدها شوقاً لكل شيء، لإخوتها. للين وفالن. لبلدها، ولحبيب في الذاكرة. كانت مبتهجة وهي تستعيد آخر أيام الشقاء. تذكّرت ليلة افتتاح المطعم. كان المرآب يغصّ بالسيارات، والمكان يغصّ بالزوار، وكانت على فرحتها تتحرّك بسرعة، بدهشة. وفي أعماقها يضجّ الفرح. أرادت لو جاء العالم ليشهد. ليرى يومها الجديد، وثمار الجهد والأمل، وكانت ممتنّة عبر الحركة والنظرة للناس. للمحيط. فكّرت بكل جميل. بما نسته. بحب عبر ذات يوم. هاهو وجه الطبيب فريد. بعينيه المشعّتين، وكفّيه الدافئتين. يحضن وجهها. يسألها. هل تتزوجينني يا هند ؟ يخفق قلبها. تخجل. تطرق. يمسح جبينها. يحضن وجهها. يلامس جبينها بشفتيه. يمر فوق الوجه المشتاق. يهمس.. أحبك يا هند، فتنزلق الكلمة.. وأنا أحبك. يحملها ويطير، وتتغير مسارات حياتها. هكذا تتبدّل الحياة. خطوة إثر خطوة. إثر مبادرة. إثر اختيار أو موقف، وتلحق بالحبيب، لتنجب لين وتنجب غيرها، لتأتي فالن وغيرها. قد تمر بأزمات وقد لا تمر. قد تتعب وقد لا تتعب. لكن. وفي كل الأحوال ستسعد برفقة الحبيب الذي يحمل بين جنباته ما تحمله هي من خيرات الوطن . كل شيء تبدّل لأنها قالت لا .. قال هو .. لن أنسى وجهك يا هند ! ما أجمل تلك الذكرى ؟ ألقت نظرة سريعة على الساعة ها قد شارفت على الوصول، وتعود إلى بيتها وعملها. لكن. لماذا تعود إلى تلك الذكريات البعيدة ؟ ولماذا لا تسترسل بها ؟ وكيف ؟ وهي الجدة التي تتوقّف سعادتها على رضا لين، وابتسامة فالن، وهل يحق لها أن تحلم، أو تتذكّر، أو تحب ؟ هاهي تستعذب الفكرة. هذه اللحظات الجميلة من الأفكار حملتها إلى الوطن، إلى الطفولة العذبة. تحمل رغيف خبز، وتتسلّق شجرة التين. تسمع زقزقة العصافير. تسرع إلى التنور. تصعد إلى البيدر. تركض بين السنابل وتعود، وتتذكر أن حب الوطن أهم ما في الحياة، وأنقى . لماذا تفكّر ببلدتها وقرية جدّها؟ هل لأنها اشتاقت إلى تلك الزيارات المتقطّعة، التي كانت تقوم بها بين الحين والحين ؟ حلمت للحال برحلة إلى هناك. ستنتهي مشاكلها المادية قريباً. هاهي تفكر بأبناء العمة، وتستغرب أنهم قريبون منها، ولا تكن لهم العداء. في آخر رحلة إلى الوطن، لحقوا بها إلى المطار. كانوا يبكون. جاد الصغير وجورج والأصغر. هل كانوا يبكونها هي ؟ كانوا يبكون غربتهم عن الوطن. كانت هي التي تشدّهم، ودون أن يدروا إلى هناك. إنها أملهم الذي يضيّعونه بغباء. تلك الدموع تغسل عنها الضغينة. تنقّيها. تحملها إلى الحب، وتحمل الحب إليها . هاهي تقترب من توليدو. تمرّ بين شوارعها. يا الله! منذ زمن لم تر ما تراه! هذا معهد اللغة الذي ثابرت عليه في مجيئها الأول. هنا تلقّت أول عمل في خياطة أثواب الأفراح. هنا تعيش صديقة قديمة. هذه مدرسة لين الابتدائية. هنا تلقّت لين دروس الكاراتية. هنا مدرستها هي التي أعطتها الهايسكول. هذا بيتها الذي عاشت فيه عشرين سنة. من هنا تذهب إلى السوق. هذا الطريق المؤدي إلى مقر عملها. تقترب، وتقترب. ترسل إشارة الوصول. تستقبلها العاملات ببشر. تتذكّر هاتف لين وهي تعبّر عن دهشتها بإقبال الناس ليلة الافتتاح قائلة: - هذا ما لم أتوقعه يا أماه ! وكانت هند تراقب أصابعها المتورمة، وأظافرها المتقصّفة، وتبتسم ابتسامة النجاح. ذلك اليوم، خرجت من الباب الرئيسي. بين الحركة والضجيج، وقرقعة الصحون . دارت حول المبنى. كان الباب مفتوحاً. صعدت الدرجات الأربع. دخلت البيت الصغير. ارتمت فوق المقعد الطويل وأغمضت عينيها . عانقتها ميري وتينا . نظرت إليهما مبتسمة، فابتسمتا . كانت ميري أطيب العاملات وأرقّهن. تعمل بنشاط وهدوء. تبدو فوق وجهها ملامح الاطمئنان. أنجبت حتى الآن أربعة أبناء. أصغرهم زنجي اللون. له عينان واسعتان ونظرات سريعة متقافزة. تعانقه جدّته التي تحبه بطريقة لافتة. تداعبه. تعلّمه الخطوة والحرف. يكون هو في رحلة عبر وجوه الناس. يبتسم أو يضحك، أو يدغدغ الكلمات . مازالت ميري في الرابعة والعشرين من عمرها. لم تتزوّج أبداً. أنجبت أبناءها من الزمن. منحتها السنوات مشاعر الأمومة. فغرقت في المسؤوليات والعمل. تساندها أمها التي تفرّغت للأحفاد . فتبدو منذ الصباح جادّة. صبورة. ببنطالها الطويل وقميصها المتدلّي. لم تظهر مرة مكشوفة الصدر أو الساقين، وكانت راضية باستمرار . أحبت ميري هنداً كثيراً، وتفانت في العمل معها، فتجهد لعمل إضافي، أو لتنوب عن عاملة ما . كان حب العمل في طبعها، أو أن مسؤولياتها أمام مصاريف البيت والأطفال تتفاقم مع الأيام، فهي الممولة الوحيدة للأسرة التي تضمها مع الجدة والأطفال، وهي التي يترتب عليها إعالة الأبناء الذين لا تعرف شيئاً عن آبائهم، وحين تسترجع السنوات العشر الأخيرة من عمرها. لا تأسف على شيء، ولا تلوم نفسها. كانت تعتقد بحبها الأول، والثاني، والثالث. حلمت بشاب يحبها. يمشي معها خطوات العمر. لم تجده أبداً. كانوا يغادرونها إلى غير رجعة، بعد أن يزرعوا في أحشائها ثمن الخطأ والخطيئة معاً. لم تكن ميري جميلة بقدر ما كانت رقيقة ، ببشرتها البيضاء وعينيها الزرقاوين، وملامحها الدقيقة. وجهها نظيف على الدوام. لا تعرف الأصباغ أو الألوان. صادقة. لا تعرف الكذب أو اللف والدوران، وكأن الوقت لا يسمح لها بصغائر الأمور. جادّة صامتة، وفي كل الأحوال تصقل ملامحها ابتسامة طيبة. تضفي على وجهها الأمل والنقاء . لم يمنع هذا النقيض بينها وبين تينا من توثيق العلاقة التي بقيت في حدود العمل. لم تحمل إحداهن على الأخرى، فلكل منهما شخصيتها الخاصة التي تميّزها. كانت ميري تضحك لحركة تقوم بها تينا، وتنتظر منها المزيد. في حين تحترم تينا أمور ميري، وتعلّق معجبة بأسلوبها ومثابرتها في العمل، وتقول إن الشعب الأمريكي بكل سلبياته وإبجابياته. يشبه وجهها المستسلم للأيام. تبتسم ميري للملاحظة . أهم ما جمع تينا وميري حبّهما للعمل عند هند، وإخلاصهما لها. كانتا في لحظات الفراغ تستعيدان أحداثاً من حياتها، وتستغربان أن تجابه امرأة الحياة كما فعلت، وأن تنهض بعد شديد المعاناة، وأن تعوّد نفسها ومن حولها على الغفران. كانت فلسفتها في الحياة. أننا ولدنا في زمن واحد . لقد أتاح لنا الزمن فرصة اللقاء والوجود، وعلينا أن نجهد لتحويل هذا اللقاء إلى جمال، وأن ننسى ما هو مؤلم، لنجلب إلى ما حولنا الطمأنينة والراحة . تهمس لين : - ليتني كنت ابنتها ! إني أحسد لين ! أما تينا التي تحاول الإلمام بكل الأخبار من حولها. فتضحك وتقول: - في هذه الحالة. عليك أن تحسدي أكثر الفتيات العربيات. تندهش ميري. تتابع تينا : - هنالك يرعى الآباء أبناءهم حتى الرمق الأخير. وبالمقابل يرعى الأبناء آباءهم في مراحل أعمارهم الأخيرة. تابعت بعد قليل : - بالنسبة لي. لا أحب أن أسأل عن أبنائي طويلاً .. سيأتي يوم أتحرر منهم بالتأكيد . - لأنهم سيطالبون بحريتهم. كما فعلنا نحن . وتابعت معلّقة، وهي التي لاحظت اختلافاً واضحاً بتلك العلاقات. قالت : - هنالك فرق، فأمي تحبني كما تحب هند ابنتها . غير أن حياتهما لا تشبه حياتينا أنا وأمي مطلقاً. حضرت جمانا فجأة، بوجهها الأبيض وعينيها الواسعتين . جميلة ومشرقة. عذبة الابتسامة. تلاطف الجميع، تستمع إليهم، فيهيأ أن لا مشكلة لديها، وحين تخلو بنفسها تكون في رحلة إلى الوطن. تتذكر أهلها الذين فارقتهم قبل أعوام. تتذكر أمها التي توفيت في غيابها وأباها الذي دب المرض إليه، وأخوتها. تشعر بالحنين، بالشوق. تعودت أن تشتاق بصمت، وأن تتأثر بصمت. تحب بلدها الذي فارقته قبل أعوام بغية العمل، وحطّت الرحال عند خالة لها في فلوريدا، ثم انتقلت إلى توليدو واستقرت عند هند التي تمتّ لها بصلة القرابة . كان مجيئها حلماً من أحلام جورجي، ومفاجأة تشارك هنداً فرحتها بافتتاح المطعم، ومع شوق هند إليها، فقد شعرت بالتميز أمام أخيها، وبذكاء جمانا التي تحافظ على موقفها، أمام فكرة الزواج المؤجّلة، والتي تخضع حتى الآن للتجربة . قرّر جورجي مقاطعة المراهنة، طالما جمانا في توليدو. لم يفكر بالكذب إن سئل عن علاقته بتلك الصالات. سيعدها بأن تنتهي يوم يتم الزواج بينهما، واحتراماً لوعد قطعه لها، سيثبت أن باستطاعته ذلك، وما عليها سوى البقاء قربه، لتكون البديل الذي لا شريك له في قلبه وحياته، كانت جمانا تبتسم بهدوئها المعهود، فيفهم أن لشرطها أولوية القرار، وأنها لن تتراجع عن رأي قطعته أمام الجميع، وهو مقاطعة تلك الصالات، قبل مرحلة الزواج . كان المكان يعجّ بالزوار ليلاً، وكان جورجي الذي شغله مجيء جمانا يحلم بالسهر قربها، ذلك الحلم الذي أرقه طويلاً. ربما يحدث الاتفاق الأخير. ربما يتزوجان. كان يستعد لذاك اللقاء. أشياء تدغدغ أحلامه، ومشاعره، وتدفعه ليطير إليها حاملاً الحب، والأمل، والتفاؤل . جلسا متقابلين. ابتسمت لهما ميري مرحّبة. كانت هند تروح وتجيء منشرحة الصدر. أقصى أحلامها أن يتزوج أخوها، خاصة بعد دخول جمانا حياته، بتميزها وحضورها، ورصيدها الذي تحمله في جنباتها من كنوز الوطن . أتت ميري حاملة قدحاً من البيرة. وضعته أمام جمانا. كان جورجي ينقّل النظر بينهما وبين الكأس التي وضعت على الطاولة. أشارت ميري قبل أن تذهب، إلى أن الشاب الذي يجلس على البار، قد اشتراه إلى جمانا، وما عليها هي سوى تقديمه. ومن خلال الصمت الذي حلّ على الجلسة سألها ببساطة إن كانت تعرف الشاب. أجابت بالنفي . هذه عادة في أمريكا. يتبادل الأصدقاء فيها كؤوس الضيافة. للتقرب أحياناً، أو للتحبب، أو رداً على مبادرة ما، وكان من الطبيعي أن يرد جورجي بفعل مماثل، أو يترك لجمانا حرية التصرف، فباستطاعتها تجاهل ما حدث، فالشاب الأمريكي لا يتطاول على غيره، ويعرف الحدود المسموحة له . بدا جورجي خلال الجلسة منكمشاً بعض الشيء، إلى أن خلا المكان من الزوار، وراح مع هند وجمانا في حوار طويل. كان له بعض الآراء في مواقف كهذه. كأن ترفض جمانا ما قدم لها، فتعود به ميري إلى الشاب شاكرة. أما جمانا التي لم يحدث معها حادثة مشابهة. دافعت عن الفكرة، ولها رأي أمام هذه المواقف، فالتجاهل أهم من كل تصرف آخر. كانت هند تستمع وتخاف من ردود فعل الاثنين، لكنها أيّدت جمانا، وأشارت إلى أن الشاب سيفهم، دون أن تمس مشاعره بأذى . انتهى الحوار على أبشع صورة. لم يكتف بأن ترفض جمانا قدح البيرة. كان له آراء أخرى، كأن تغادر المكان، أو تبدّل مقعدها. كانت جمانا تضحك، وهند تلومه، ولسبب من الأسباب. نهض عن كرسيه. التقطه بيده. رماه في الفراغ. صرخت هند به. نعتته بالمتخلف. التقط كرسياً آخر. رماه. شتم أمريكا، وبقدمه رمى الطاولة بعيداً. رمى الأخرى. هجم على البار وما وراء البار، وهو ينعت كل شيء، وبذراعه القوية أزاح زجاجات الكحول لتتساقط واحدة إثر الأخرى على الأرض، وخلال دقائق تحوّل المكان إلى حاوية ملأى بالقاذورات. كل ذلك بين ذهول هند ورعب جمانا، ثم غادرهما وهو يصفق الباب وراءه . بكت هند ثم جمانا، وخلال الليل الطويل، كانت كل منهما تندب حظّها بطريقة، وتجمعان شظايا الزجاج، وتلملمان السوائل المتسرّبة فوق الأرض الخشبية . غادرت جمانا توليدو. وخلال رحلتها الطويلة لم تستطع نسيان تلك الصورة، فقد اكتشفت ذلك الجانب الغافي عند جورجي، والذي ينتظر حدثاً للاشتعال. أصبح له أكثر من صورة في ذاكرتها. الديون. المقامرة. الرهان. أم ؟ . أما جورجي الذي خرج لا يلوي على شيء، والذي لم يتراجع عن رأيه، فكان خلال أيام يستعيد علاقاته مع المحيط. مع الناس. لم يتعوّد على البلد وعاداته. يرفض ما يراه. ينتقد. لا يحب شيئاً. لا يريد شيئاً. عادت به الذكرى إلى يوم مجيئه للدراسة، ولم تسنح له الظروف. توقّفت طموحاته آنذاك، ولجأ للعمل، ومنذ ذلك اليوم لم يفارق شركة الجيب التي يعمل بها، إلا نحو صالات اللهو والمقامرة، وحين يأوي إلى البيت لأن جسده يطلب الراحة والسكينة . أمضى بقية الأسبوع بالسهر بين الأحصنة والرهان. غاب عن هند. كانت أخباره تأتيها عن طريق شيري التي تعمل عند ليلى، وتدمن على نوادي الأحصنة والرهانات . |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |