|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الأول (يا أنت يا خارطة الفتات يا أمة الشتات) ـ وجدتها!! قلعة الشقيف!! هتف باقر فرحاً وكأنه طفل وجد لعبته الضائعة. ـ مرحى!! أرخميدس!! هتف أبو الليل وقد جحظت عيناه قليلاً، ألم تجد أسهل منها هدفاً إسرائيلياً نضربه؟ ـ ألا يقول المثل؟ علق شوقي هازاً رأسه، من كبّر الحجر ما ضرب، وباقر بارع دائماً في اختيار الحجر الكبير كيلا يضرب. ـ بل سأضرب. رد باقر بمزيج من حماسة وغضب. ـ أجل، ستضرب لكن رأسك بالحائط، قاطعه يسار وهو يقهقه قهقهة مجلجلة كتلك التي اعتاد سماعها منه معسكر الحاصباني. مائة وبضعة عشر فدائياً كانوا في المعسكر. إسرائيل تعرفه جيداً، هو لا يبعد كثيراً عن الشريط الحدودي الذي تحتله، وهي كثيراً ما تقصفه. آثار قصفها أكثر من آثار الجدري في وجه مجدور: هوى، خنادق، تشققات واسعة، أكوام تراب، حجارة... مع ذلك كان معسكر الحاصباني مقيماً لا يتزعزع. ملاجئه في باطن الأرض تنظر بعين السخرية إلى الطائرات الإسرائيلية وهي تشرق وتغرب مرسلة حجارتها التي من سجيل وكل ظنها أنها ستترك كعبة عبد المطلب خراباً يباباً، لكن كعبة عبد المطلب ظلت راسخة الأركان لا تخشى طير الأبابيل ولا تؤثر فيها الحجارة من سجيل، وينفض المعسكر ريشه إثر كل قصف مزيلاً عنه آثار الغبار والحجارة مستعيداً نشاطه وحياته، وكأن شيئاً لم يكن. الملاجئ كهوف في سفح التلة، تتغلغل عميقاً هنا وهناك، فلا تطولها قذيفة ولا صاروخ. حين دخلها يسار أول مرة صاح "ها نحن نعيد سيرة جدنا الأول"، "لكن جدك الأول كان يعيش على الأشجار، ينط من غصن إلى غصن" "علق شوقي ساخراً" ثم ضحك الجميع، وهم يلجون ملجأهم قططاً تتلمس طريقها في الظلمة... الظلمة وصلت إليها الكهرباء بعد ذلك.. والخلية الفدائية نفسها تبحث عن هدف للعدو تضربه. ـ لا، أنت مخطئ، عاد باقر مخاطباً صحبه وقد كفكف قهقهته تحت نظرات اللوم والتقريع، لن أضرب رأسي بالحائط، بل سأضرب رؤوس اليهود في قلعة الشقيف. ـ لكنها قلعة منيعة... تدخل شوقي، ابن لبنان، الخبير بأرض الجنوب وجغرافيته.. من المستحيل الوصول إليها يا عزيزي!! ـ قل من الصعب... لكن ليس من المستحيل، رد باقر وقد بدا أكثر حماسة وإصراراً. ـ لكن لماذا القلعة بالذات؟ تساءل نمر هذه المرة، وهو يكبر في رفيقه أفكاره الألمعية التي يفاجئهم بها من حين إلى حين وكأنها شهب السماء. ـ ها!! هذا سؤال ذكي. هتف باقر، لماذا!! تابع وهو شبه شارد. ـ أجل، انطق. هتف يسار نافد الصبر. ـ لأنك يا عبقري، يجب أن تضرب العدو حيث لا يتوقع وتأتيه من حيث لا يحتسب. ـ في هذا معك حق، صاح أبو الليل مغتبطاً "اظهر حيث لا يتوقعك العدو وحيث يتوقعك لا تظهر". هو ذا لب حرب العصابات، الخلية كلها تعرف ذلك المبدأ. منذ البدء لقنوهم إياه، هم الخمسة، وقد جاؤوا من كل واد عصا: شوقي من لبنان.. باقر من العراق، نمر من الأردن، أبو الليل من فلسطين ويسار من سوريا. مع ذلك هم متجانسون... متناغمون... وهم فرحون بذلك التناغم والانسجام. "الاستعمار فرقنا لكن فلسطين جمعتنا"، كان شوقي يردد وكان فرحاً أن يجد على أرض لبنان أبناء الوطن العربي الكبير، وقد جاؤوا يقاتلون من أجل قضية واحدة. "إن لم يكن للبنان فضل إلا أنه جمع العرب في جنوبه، فحسبه وكفى"!! كان لا يفتأ يقول وكان باقر يستمتع بما يقول، يستمتع بأن يراه تجسيداً حياً لفطرة إنسانية لم تشوهها أدران الحضارة. ـ لكن، أتعلم ما هي القلعة؟ عاد يسار إلى تساؤله شبه مستنكر. ـ هي جدار مصمت من أسمنت، ارتفاعه ألف متر! رد باقر وعيناه تلمعان ببريق التحدي. ـ مع ذلك تفكر بـ .. بدأ يسار ساخراً لكن سرعان ما قاطعه أبو الليل وهو ينظر نظرة خاصة إلى صاحبه. ـ ولم لا؟ إنه باقر خبير تسلق الجبال... فاسمعوه وأطيعوه. ـ أنت تسخر أبا الليل؟ رد باقر بنبرة التحدي ذاتها. ثلاث سنوات في جبال كردستان، أليست تجربة تستحق الاحترام؟ ـ بالتأكيد. رد يسار ضاحكاً مقهقهاً، بعدئذٍ تابع. خاصة، أن أهم شخصية فيكم كانت بغلاً، وأطلق يسار من جديد قهقهة مفرقعة كحبات ذرة في مقلاة. باقر نفسه لم يستطع منع نفسه من الابتسام، فقد تذكر فصيل الرفاق، هناك في كردستان، حيث ذهبوا كي يحاربوا النظام الحاكم في العراق، يحرروا كردستان ثم يمضوا إلى بغداد ليطيحوا بحجاجها الذي لا يحول ولا يزول. في الجبال الوعرة هناك، لم يكن ثمة طرق، ولم تكن قطارات ولا سيارات. فعادوا، رب كما خلقتني. وسيلة نقلهم الوحيدة: البغل. بذيله تتعلق أرواحهم، بحوافره ترتبط مصائرهم، فكيف لا يكون الشخصية الأهم فيهم؟ أحدهم أطلق عليه لقب "المارشال"، وذهب ذلك مثلاً... الكل ينادونه باسم "المارشال"، والويل لمن يرفع صوتاً عليه أو سوطاً فهو أيضاً لديه وسائل زجر وردع. ذات مرة غضب من صاحبه فرفسه رفسة صرعته أرضاً ثم انحدر انحدار جلمود حطه السيل من عل، وصل إلى أقرب واد، سار إلى أن بلغ الحدود التركية، هناك صده الأتراك، فهتف به صاحبه وهو يستقبله متنفساً الصعداء: "الحمد لله! الأتراك لا يستقبلون لاجئين سياسيين مثلك، أيها المارشال"!! كان باقر قد روى لهم قصة "المارشال" أكثر من مرة وأكثر من مرة كانوا قد ضحكوا من مقاتلين، "مارشالهم" بغل. ـ المهم، تدخل نمر وكله رغبة في إعادة الاهتمام إلى خطة العمل، كيف تصل إلى القلعة يا رجل؟ ما تصورك؟ ـ تصوري، رد باقر وهو يشير إلى خارطة للجنوب أفردوها أمامهم، نذهب حتى يسار أرنون، من هناك نتجه إلى النهر، ومن ضفته نتسلق السفح. ـ والسفح شديد الانحدار إلى درجة تنقلب معها بطناً لظهر إلى أن تدق عنقك، علق يسار هازئاً. ـ أو تقع في حقل ألغام تذهب فيه شذر مذر، علق شوقي وهو جاد كل الجد. ـ أو تظل تتسلق حتى مطلع الشمس لتجد نفسك في مصيدة الجنود الإسرائيليين وقد ألقوا فوقك الشباك، تابع نمر وقد بدا على سيماه شيء من خوف. ـ أتعلمون ما هي مشكلتنا، نحن العرب؟ فاجأهم باقر بسؤاله، ففتحوا أعينهم تعجباً كله فحيح: ماذا!! لم ينتظر باقر سماع الكلمة نفسها فقد رأى الفحيح في عيونهم، مشكلتنا هي أننا لا يسمع واحدنا الآخر، بل يسمع نفسه فقط، يحدث نفسه ويسمع نفسه، أما الآخر، أفكاره، آراؤه فسقط متاع لا يعنيه في شيء. ـ حسن!! هات أيها الآخر؟ كلنا آذان صاغية ولسوف نسمعك. عقب شوقي مطرقاً برأسه كأنما شعر بالذنب وقد أدرك صواب الفكرة. ـ أجل، هكذا!! اسمعوا وعوا!! بدأ باقر بصوت عال ثم أخفض نبرته. اليوم جاءني أحدهم بسر. ـ سر؟ ـ ما الذي تقوله؟ ـ أي سر؟ جاءت التعليقات من الرفاق جميعاً في آن معاً، فتابع باقر بنبرة الهمس: ـ ثمة، أسفل الوادي مدخل للقلعة إذا عرفته صعدت إليها مباشرة، ودون أن تراك عين. ـ واليهود، ألا يعرفون ذلك المدخل؟ سأل شوقي باستغراب واستنكار. ـ لا، أهل المنطقة فقط هم الذين يعرفونه. ـ كيف؟ سأل هذه المرة نمر. ـ تحكي الحكايات أن القلعة، مذ بنيت قبل ألف عام، حفروا لها نفقاً يتصل بالنهر حتى إذا ما حوصرت نزل المحاصرون إلى الماء فجاؤوا به إلى قلعتهم. النفق واسع مدرج يمكن لاثنين أن يصعداه معاً. فقط هو مغلق من أعلى ومن أسفل. حدد ذلك الأسفل ثم أزح ما يغلقه تجد نفسك في قلب العدو. تصوروا نحن الخمسة في منتصف مهجع ينام فيه عشرون جندياً إسرائيلياً، نفتح رشاشاتنا: طررررر.. طرررررر.. نبيدهم جميعاً ثم نختفي في الممر من جديد. أليست فكرة عبقرية؟ ـ عبقرية، لكن في عالم الجن والعفاريت. علق يسار وهو غير مصدق. ـ صحيح، باقر. أخشى أن تكون متأثراً بحكايات ألف ليلة وليلة، علق شوقي مازحاً. ـ بل هو على حق. تدخل أبو الليل بنبرة حاسمة، أنا نفسي سمعت شيئاً من هذا القبيل: ممر ودرج... مدخل ومخرج، لكن المشكلة كيف نهتدي إلى ذلك المدخل؟ أين نجده؟ ـ نبحث عنه. بدأ باقر رده، لكن سرعان ما قاطعه يسار: ـ في الظلمة الحالكة أم على ضوء المشاعل؟ خارج مجال النظر أم تحت أنظار الإسرائيليين؟ ولم يستطع باقر الإجابة، فقد دوت فجأة صافرة إنذار. في اللحظة ذاتها حدث عجيج وضجيج. حركة واندفاعات. وبلمحة عين خلا الملجأ. بعضهم ذهب إلى رشاشات الم/ ط بعضهم الآخر إلى الملجأ الكبير، فيما ملأ دوي الطائرات الفضاء وأصم هدير الانفجارات الآذان، واشتعل الليل كله نيراناً وحرائق، فأبصرت النجوم من عليائها صخوراً تتمزق وتراباً يتطاير وأشلاء تتبعثر، بينها أشلاء شوقي وقد تماهت بأشلاء الفولاذ الممزق بين يديه. لم ينم المعسكر تلك الليلة ولم يعرف سكينة أو هدوءاً. كانوا يبحثون عن الأشلاء، وكان باقر يبحث. على ضوء النجوم، ضوء المشاعل كان يبحث، يريد جمع ما تبعثر. شوقي. الطيب... الجميل... صار إرباً، وعليه هو، أن يجمع تلك الإرب. يجمع الشلو للشلو، يضم ما جمع لما جمعه أبو الليل، نمر، يسار، ولا تدمع له عين. قلبه صار من حجر.. مقلتاه من حجر. يحزن على أبي الشوق حتى الموت لكنه لا يستطيع البكاء. يحمل أشلاءه بين يديه لكنه لا يستطيع البكاء، فالمصاب أشد هولاً من أن يقابله بالبكاء. في الصباح حملوا الأشلاء إلى بعلبك. هناك، استقبلتهم أعمدة القلعة بعيون دامعات، حجارة القلعة بالولولات. وبدا صرح التاريخ وكأنه يلعن التاريخ، وهو يسجل انتصار الباطل على الحق دون أن يرف للناس جفن وقد تحولوا كلهم إلى شهود زور. بيده أنزل باقر الأشلاء إلى اللحد. "آه، أبا الشوق ها أنت تلقى الموت!! أنت الذي كنت تتعجل لقياه!! كل دورية إسرائيلية تريد الانقضاض عليها!! كل طائرة تتهيأ للتصدي لها، كل مصفحة تريد أن تكون لغماً ينفجر بها وكنا نكبحك، أتذكر أبا الشوق؟ كم كنا نكبحك!! لكن ها قد جاءت اللحظة التي لم نستطع فيها أن نكبحك، فارقد في لحدك!! انعم بالهدوء والسكينة!! لكن نحن، أنى لنا الهدوء والسكينة يا أبا الشوق!! كيف لباقر أن يهدأ وقد لملم أشلاءك الممزقة بنفسه؟ رأى بعينه دمك أحمر قانياً يسيل على الصخور.. ينسكب نحو الوادي.. يسيل مع الليطاني... ربما حتى مصبه في البحر!! لا، لا هدوء ولا سكينة حتى أنتقم لك أبا الشوق!! ولسوف أنتقم!!" بعد خمسة أيام عاد إلى المعسكر ونصب عينيه هدف واحد: الانتقام. بكاء النساء وهن يودعن الجنازة، وجوه الرجال المدلهمة وهي تأتي للعزاء طوال أيام المأتم، أشلاء الشهيد وقد تحولت إلى كابوس لا يفارقه، كلها كانت تصب الزيت على نار واحدة وهي نار الانتقام. ـ يجب أن نثأر لأبي الشوق، بادر باقر قائد المعسكر وقد التقاه في الطريق. ـ أجل، يجب أن نثأر له. لكن ربما ليس الآن. رد قائد المعسكر ذو اللحية السوداء وهو يمسكه من ذراعه ماضياً به إلى غرفة القيادة. ـ ليس الآن!؟ لماذا وقلعة الشقيف هنا، على مرمى حجر؟ ـ أعلم... أعلم. قاطعه ذو اللحية السوداء وهو يربت كتفه، والسر الذي اطلعت عليه أعلم به، لكن أقول لك ليس الآن. الأوامر هكذا. لا عمليات بعد اليوم. ـ ماذا؟ ـ لم يبلغك الخبر إذن!!؟ كنت في المأتم حين جاءت الأوامر. ـ يوقفون العمل الفدائي؟ كيف؟ لماذا؟ بعينين جاحظتين وشفتين مفتوحتين سأل باقر. ـ ربما هو الوضع الجديد في لبنان، أنت تعلم، اتفاق الطائف والمصالحة الوطنية، الأمن والاستقرار، اتقاء إسرائيل ومبدأ "ابعد عن الشر وغن له". ـ لكن هذا كله لا يبرر إيقاف الكفاح المسلح: تحرير الجنوب وطرد الصهاينة. ـ هم يقولون إن للجنوب من يحرره، أما نحن فما شأننا؟ رد ذو اللحية السوداء والمرارة تقطر من كل حرف يخرج من شفتيه. ـ آ!! الآن فهمت. المقصود إذن المنظمات الـ... ولم يكمل باقر، لكأن غصة وقفت في حلقه فحالت بين الصدر واللسان. لم يستطع تلفظ الكلمة الأخيرة. رغم أن الكل كان يعرفها، بل منذ اجتاح أرييل شارون الجنوب وغاص عميقاً حتى بيروت ملتهماً في طريقه الأخضر واليابس، بات الكل يعلمون أنها المعركة الأخيرة للمنظمات الفلسطينية في لبنان. فكما أخرجت من عمان، كان عليها أن تخرج من لبنان. ناور بعضها وداور، راوغ وتستر، مع ذلك، راحت تخرج واحدة إثر الأخرى من صور الجنوب حتى طرابلس الشمال. وحده كان الشريط الشرقي ما يزال في منأى: عكار، الهرمل، البقاع، كانت ما تزال تفتح أذرعها لبعض تلك المنظمات تقيم معسكرات وتدرب، وتشتبك وتقاتل فهل جاء دورها اليوم؟ وإن جاء دورها أيغلقون القواعد الفدائية؟ وإن لم يغلقوها ماذا يفعل الفدائيون؟ أيقعدون بانتظار غودو؟ الأسئلة لا تدور في ذهن باقر وحسب بل على شفتيه أيضاً، لكن هل كان ذو اللحية السوداء يملك الجواب؟ ـ لا أدري.. هي أوامر وحسب، وما علينا إلا الطاعة. كان جوابه فانسكب برميل من بارد الماء على نار باقر لتتصاعد من شفتيه آهات رماد وحزم دخان، سرعان ما جعلته يغادر ذا اللحية السوداء وقد تحول إلى هزات رأس وإطلاق زفرات. ـ لكن ماذا نفعل؟ هؤلاء المقاتلون كلهم ماذا يفعلون؟ سأل الرفاق ما إن دخل الكهف ـ الملجأ. ـ يريدوننا أن ننتظر حتى التفسخ، أجاب أبو الليل وقد بلغه الأمر من قبل، يريدوننا أن نموت كمداً لمداً، فئراناً محاصرة في جحور. وأطبق صمت ثقيل على الكهف ـ الملجأ. أبو الليل وضع النقاط على الحروف. باقر أحس بذلك. مذ رأى قائد المعسكر وسمع التعليمات الجديدة أحس أن ذلك هو المقصود، ثم لمسه لمس اليد وهو يعود إلى خليته الغارقة في لباس الحداد، الحزينة على الرفيق الذي قتل... على الأوامر الجديدة القاصمة للظهر. ـ حقاً.. ما العمل؟ ردد نمر السؤال تقطر سيماه اكتئاباً ويأساً. ـ لا أدري.. تمتم باقر وكأنما يخاطب نفسه. لكن أنا شخصياً لا أستطيع أن أقعد هكذا مكتوف اليدين... حداداً بلا فحم. ـ ما لك غير أن تعود إلى العراق، تدخل يسار بشيء من خبث. ـ ماذا؟ تريد إلقائي لأنياب الوحش؟ ـ أي وحش؟ رد يسار.. هناك في كردستان، يمكنكم أن تقاتلوا، أم تخليتم عن الكفاح المسلح وتحرير العراق؟ ـ تخلينا؟ لا، لا، لا بد من تحرير العراق، لا بد من إسقاط صدام. ـ إذن، اذهبوا إلى هناك، قاتلوا... أم تظنون أن النظام يسقط من تلقاء نفسه، ورقة في خريف؟ ـ بالعكس، الآن، النظام يعتقد أنه انتصر على إيران، تدخل نمر بنوع من المشاركة، صدام يظن أنه أقوى من أي وقت مضى. ـ خسئ المغرور الطاغية!! بل هو على شفا السقوط ونحن الذين سنسقطه، صاح باقر بحماسة مفاجئة. ـ كيف؟ بالمراسلة؟ سخر يسار من جديد. عد إلى العراق. واجه النظام من داخل، ثم تكلم عن إسقاط صدام. ـ أعود إلى العراق!! أجننت يا رجل؟ أعود إلى الجحيم؟ إلى الموت؟ لا، قسماً لن أعود إلى العراق إلا بسقوط صدام، وأراهن أنه وشيك. وانفجرت ضحكة ساخرة بدت نشازاً على جو الحداد كله. كان يسار يضحك ملوحاً برأسه. لكن على غير توقع، تدخل أبو الليل وهو يتوجه إلى باقر: ـ هذه المرة أنا أؤيدك باقر!! ـ ماذا؟ تساءل نمر باستغراب. أبا الليل... ما الذي تقوله؟ ـ أقول ثمة جيشان بركان تحت الأرض، وربما ينفجر ذلك البركان في أية لحظة، مكتسحاً في طريقه لا صداماً فحسب بل العراق كله. ـ لا، أبا الليل!! احتج يسار وقد عصي عليه الفهم. أنت تتكلم بالمعميات. ـ ربما هي معميات الآن، هيولى لم تتبلور بعد. لكن أؤكد لكم: ثمة أزمة خطيرة. ـ كيف؟ قل لي ماذا سمعت؟ أوضح أبا الليل، رد باقر وقد اشتد فضولاً. وبدأ أبو الليل. تحدث عن أشياء كثيرة كانت قد حدثت خلال الأيام الأخيرة التي غاب فيها باقر، عن تطورات طرأت، كثير منها ينذر بالويل والثبور. ـ القائمة بالأعمال الأمريكية قالت له ذلك؟ سأل باقر وكله استغراب لما قالته غلاديس لصدام. ـ أجل، بالحرف الواحد. قالت له: "الخلافات بينكم وبين الكويت داخلية لا علاقة لنا بها ولن نتدخل فيها". ـ ألم أقل لكم؟ هتف باقر شبه واثب. صدام أمريكي. يأتمر بأمرهم. لا يفعل شيئاً إلا بموافقتهم. أسمعتم بآذانكم؟ هم يطلقون يده ضد الكويت كما أطلقوها من قبل ضد إيران!!! ـ مهلاً مهلاً!! تدخل نمر مقاطعاً. أخشى أن تكون قد أسأت الفهم. ـ كيف!؟ أنا أسيء الفهم!! ـ بالطبع. الأمر غير ذلك، بل هو أخطر بكثير من ذلك. ـ اشرح لي بربك. أنا لم أفهم. ـ ألا يمكن أن يكون بداية مؤامرة؟ ـ مؤامرة!! ردد باقر ساخراً ثم ملتفتاً إلى أبي الليل.... اسمع أبا الليل.. أمريكا تتآمر على أمريكا!! ـ لا، أنا أخالفك. باقر!! قاطعه نمر متحمساً للتدخل. أمريكا تتآمر على صدام. تقدم له طعماً، تنصب له شركاً!! ـ لا تضحكني يا رجل!! طعم. شرك.. ما الذي تقوله، نمر؟ إن أنت إلا غر سياسة، جاهل أبسط بديهياتها، ومن العبث الحديث معك. ـ طول بالك باقر. تدخل أبو الليل مهدئاً. الحوار أخذ وعطاء. ـ لا، لا، ليس لي رغبة في حوار كهذا. قال وهو يتململ في مكانه ثم يلتفت حوله، بل ليس لي رغبة في البقاء هنا. الجو خانق. قاتل. اسمحوا لي. سأذهب إلى بيروت. ـ أذهب معك إذن. أيده يسار وهو يهب على عجل. الطريق إلى بيروت طويلة، تصعد جبالاً، تهبط ودياناً، تمر بمنعطفات حادة وتصطدم بحواجز جند كلها توقف سيارة الجيب شبه العسكرية، تسأل عن الهوية لكن لا أحد يعترض طريق باقر ويسار. أيام الحرب الأهلية ولت، القتل على الهوية مضى وانقضى، لا قناصة ولا حواجز طيارة، هناك آثار حرب: سيارات محترقة، أبنية متهدمة، جدران أشبه بالغرابيل، أشجار مقتلعة، حفر متناثرة هنا وهناك ترفع السيارة عالياً لتحطها واطئاً. شوارع صوفر، عاليه، الحازمية كلها مقفرة معتمة، فظلام الحرب الأهلية كان ما يزال يخيم على بلد النور والإشعاع. ـ تعلم، باقر؟ أنت رجل عبقري. بدأ يسار وقد أمضه صمت السيارة الطويل، لم يجبه باقر بل اكتفى بالنظر طويلاً إليه. حينذاك استأنف وهو يشير إلى رأس صاحبه، دماغك هذا لا يخرج إلا بالأفكار العبقرية. ـ أنسيت أنني مهندس؟ رد باقر ضاحكاً. ـ كيف أنسى والمخترعون كلهم مهندسون؟ هم يهندسون العالم، يهندسون الحياة، يهندسون المستقبل فكيف لا تهندس لنا مخارج من الحزن والسأم؟ ولم يملك باقر إلا أن يبتسم. هو يعلم أن اقتراحه بالذهاب إلى بيروت جاء إلى يسار كما يجيء الفرج بعد الشدة. أكثر من شهر كان قد مضى عليه دون أن يغادر المعسكر. حالة الاستنفار، الاشتباك الدائم مع العدو، التدريب، مهمات الاستطلاع كلها كانت قد شغلت الخلية طويلاً، ولم يكن باقر يشعر بالحاجة إلى مغادرة. لكن يساراً كان يشعر.. أنفاسه في صدره تنكتم والحياة بكل ما فيها تصبح ثقيلة الوطأة إن لم يغادر إلى مرابع حلب أو أعشاش الطرب في دمشق وبيروت، هناك يأخذ قسطاً من الراحة، يزيل بعض ذلك التوتر الذي يشحن جسده كله ثم يعود، لكن أين تراه يذهب باقر؟ منذ تسع سنوات كان العراق كله قد تحول إلى عسكر وهو حرامي، إن وضعوا يدهم عليه ذهب مع الريح، فكيف لا يغادر باقر العراق؟ وهكذا، في ليلة بلا ضياء، لبس اسماً غير اسمه وهوية غير هويته ثم مضى إلى نقطة قريبة من الحدود. هناك ترجل من السيارة، وتحت جنح الظلام بدأ رحلته مشياً على الأقدام، دليله أوصله إلى ثغرة، عبرها شق طريقه إلى بلاد أخرى حيث لا هي عسكر ولا هو حرامي. ودون أن يشعر، ابتسم باقر وقد توقفت السيارة أمام حاجز عسكري، "العسكر في كل مكان، وحيثما تذهب أنت الحرامي..." ـ هه!! أراك تبتسم؟ أين شردت؟ سأله يسار وقد غادرت السيارة الحاجز العسكري. ـ لا، لا شيء. فقط قل لي يسار، لماذا أراك دائماً سئماً قلقاً؟ ـ لا أدري. أجابه يسار وكأنما يتعمد الاقتضاب. ـ كيف لا تدري وقد عرفتك أنموذجاً للحماسة والفداء؟ ـ أجل، كنت كذلك، بل حين انخرطت في العمل الفدائي كنت على استعداد لأن أفجر نفسي، أقوم بأية عملية انتحارية. لكن شيئاً فشيئاً بدأ حماسي يفتر، ربما بسبب ما رأيته خلال هذه السنوات السبع العجاف: تآمر يحيط بك من كل مكان، جشع وطمع، عمالة وخيانة... فكيف لا يفل سيفك ويتثلم؟ ـ آ!! الآن فهمت، لماذا لم تتحمس لاقتراحي حول القلعة؟ ـ وكيف أتحمس وأنا أرى بأم عيني الشعارات تتحول إلى قميص عثمان؟ غاياتنا النبيلة تصبح وسائل لتحقيق المكاسب والمغانم؟ بل الأخطر من ذلك، بعض قياديينا لم يعودوا يرون في الكفاح المسلح إلا ورقة يلعبون بها على طاولة المفاوضات والسياسة. ـ يعني، أنت متشائم؟ ـ متشائم!! قل يائس، يا رجل. ـ كيف تيئس يسار، والانتفاضة تدوِّخ إسرائيل؟ هنيهة من الزمن ظل يسار صامتاً لا يجيب. كان صوت المحرك لا يكاد يسمع وسيارة الجيب شبه العسكرية تنحدر سفح الجبل مع متعرجات الطريق المتلوية تلوي أفعى، وكانت الأشرفية هناك في الأسفل، ترقد ساكنة تلفها العتمة والتوجس. في فلسطين عتمة وتوجس أيضاً. الانتفاضة هناك تستقطب اهتمام العالم كله، في كل صباح تتحول فلسطين أمام عينيه إلى أطفال صغار يخرجون إلى الشوارع وسلاحهم الحجارة، وإلى نساء عزلاوت يواجهن جند إسرائيل، يتحدين جند إسرائيل، أعيناً تقاوم المخارز دون أن يرف لها جفن. ـ حتى هذه الانتفاضة يتآمرون عليها. رد يسار أخيراً وهو يزفر من عمق الألم، أنا يائس، الكفاح المسلح انحرف عن طريقه الأساسي. قادته صاروا مثل حكامنا العرب. كلهم أناني، نرجسي، لا يفكر إلا بنفسه ومصلحته. ـ قف!! صاح جندي بالسائق الذي كان ينوي عبور حاجز فرن الشباك دون أن يتوقف. بالمنعكس الشرطي، كبح السائق سيارته فجأة، فأوشك رأس باقر أن يصطدم بالزجاج. سباب مقذع انطلق من داخله لكنه أوقفه عند شفتيه. كان يريد أن يسب الجند والحواجز، السيارات والسائقين، لكنه كظم غيظه آخر لحظة. هم يمرون دائماً بذلك الحاجز، السائق يعرف الجند والجند يعرفون السائق، فيكتفون بالتبسم والإشارة إليه بالعبور، لكن على حين غرة، يظهر لك جندي يقطب جبينه في وجهك ويصوب بندقيته إلى صدرك ليقول لك "قف. انزل". وأحياناً "ارفع يديك". أهي مسألة مزاج، أم مبدأ؟ باقر يحار دائماً في أمر العسكر ولا يفهمهم. مذ بدأ اشتباكاته معهم في بغداد، يحار فيهم ولا يفهمهم. دخل عسكري الحاجز برأسه داخل سيارة الجيب عابس الوجه قمطريراً، تفحص الراكبين والسائق بنظرة كلها لوم وتقريع وكأنه جنرال يتفحص جنده العائدين بأذيال الهزيمة. طلب الهويات. ثم طلب المهمة، بوجهه القمطرير نفسه ونظرته اللائمة المقرعة نفسها. أخيراً، أشاح بوجهه معطياً بطرف إصبعه إشارة الحركة للسائق. ـ اللعنة على والديك!! غمغم باقر وقد خرجت السيارة من خناق الحاجز، ملتفتاً برأسه إلى الجندي الذي كان قد انشغل بسيارة جديدة. ـ بل ووالد والديه!! تابع يسار هازاً رأسه ضاحكاً ضحكة الكراهية والحقد. ـ بربك، يسار، قل لي. دولنا العربية مع العمل الفدائي أم ضده؟ سأل باقر وهو يشير إلى الوراء، بكثير من الامتعاض. ـ هم معه وضده. أجاب يسار بنبرته الساخرة المعهودة. ـ كيف؟ أنا لا أفهم. ـ على طريقة فيروز: "تعا ولا تجي". أو سائق السيارة الذي يشير إلى اليسار، ويسير إلى اليمين. ـ هذه نكتة، لكنها يبدو أنها أكثر صحة من أية حقيقة جادة. ـ بالطبع. وإلا كيف تجد الشيء وضده؟ هنا في لبنان كلهم مع العمل الفدائي لكن، على أرضهم كلهم ضده. ـ صحيح، الآن فهمت. أنظمة كلها غريبة عجيبة. تقول شيئاً وتفعل شيئاً. باطن وظاهر. سياسة معلنة، وسياسة خفية. ودخ أيها الشعب العربي الأبي!! قال باقر جملته الأخيرة بنوع من الصياح وكأنه يخطب في حشد من الجماهير. لكن الجماهير لم تسمع ولم تصفق فتابع: بل شعبك العربي الأبي دائخ أصلاً. الإنكليز، الفرنسيون، الأمريكان، كلهم دوخوه، فرادى ومجتمعين، بل حتى أصحابنا السوفييت دوخوه، فما بالك بحكامه الأشاوس؟ ـ هل عرفت الآن سبب يأسي؟ ثمة مؤامرة كبيرة. لكن لعلعة رصاص قريبة قطعت كلام يسار، فيما أجفل السائق كابحاً سيارته خافضاً رأسه، وكأنما الرصاص يستهدف رأسه. ـ اللعنة!! بيروت ما تزال خطيرة!! غمغم السائق الفتى وهو يلتفت يمنة ويسرة، متوجساً الشر من اليمين واليسار. ـ خطرة!؟ ماذا إذن لو كنت هنا في الثمانينات؟ رد يسار وهو يهز رأسه استخفافاً بسائقه الغر. اثنتان وسبعون منظمة وجبهة كانت تقاتل في بيروت. ـ تلك أيام حرب، لكن الآن، وقد تمت المصالحة، لماذا هذا الرصاص؟ ـ هو الأثر الباقي، تدخل باقر شبه ضاحك، أم تريد لحريق هائل أن يخمد بطرفة عين؟ الحريق إن أطفأته يبقى له أثر: دخان.. جمر تحت الرماد.. حرارة كامنة تظهر هنا... تظهر هناك وهذا ما يدعونه الأثر الباقي. ـ يا إلهي!! متى يعود الأمن والسلام إلى لبنان؟ سأل السائق الفتى بنبرة كلها كره للعنف وسفك الدماء. ـ حين لا تبقى في الشوارع ميليشيا واحدة ولا بيد أي لبناني بندقية واحدة. ـ أجل، أعلم. غمغم السائق من جديد ملوحاً برأسه إلى الأعلى والأسفل، بعدئذٍ بدا وكأنه يستفسر بعينيه لكن دون أن يسأل. ـ إلى الحمراء. للتو رد يسار الهارب من سأمه ويأسه، وقد أدرك مغزى استفساره. لم تكن المدينة الصاخبة أيام زمان قد عادت إلى صخبها. ملاهيها، مرابعها، لم تكن قد بعثت للحياة من جديد، لكن كانت ثمة خانات، وأوكار لهو تجد طريقها بشكل أو بآخر للحياة، وكان يسار كلما سنحت له الفرصة يؤم واحدة منها، يسمع أغنية، يشهد رقصاً، يجرع خمراً فينسى كل ما ينخر روحه من سأم ويأس. شبه معتمة كانت حانة "اللوتس". الأضواء الحمراء الخافتة، الستائر المسدلة، الجدران المصمتة كلها كانت قد تكيفت مع ظلام الحرب، رعب الحرب. يسار يعرفها جيداً مذ جاء إلى بيروت وبيروت أتون من نار، بحث في ليالي الفراغ عما يسد الفراغ، وكانت حانة "اللوتس" الأقرب إلى موقع الجبهة، والأقربون أولى بالمعروف. في خضم المعارك وتحت أزيز الرصاص كان يجيء إلى الحانة وكانت الحانة تعمل، كأنما هي غير معنية بحروب الناس وجنونهم. في القبو تحت الأرضي كانت تلطأ، وكانت الأبنية من حولها كلها تحمل آثار الرصاص وشظايا الحرب، ما عداها هي. متطامنة، مصمتة الجدران، خافتة الأضواء ظلت تعمل. صاحبها يعرف دائماً كيف يأتي بأصناف المشروبات وأنواع الفتيات. زادها متوفر دائماً وكهرباؤها لا تنقطع أبداً. جسور مودة قامت بين يسار والحانة، ثم بين هذه وباقر، فهما لا يجدان راحتهما إلا فيها. ـ من زمان هذا القمر ما بان، بادرهما أبو جوني ناظراً إلى يسار ثم إلى باقر. يا مرحبا!! يا مرحبا!! تابع ترحيبه وهو يشد على يد كل منهما فيما أسرع نادل يهيئ لهما طاولة قريبة من "الحلبة". ـ مرحباً بك أبا جوني... وألف سلام، رد يسار آخذاً صاحب الحانة بالأحضان متلفتاً حوله. كيف الشغل؟ ـ ألا ترى؟ طاولات معدودات كل ليلة، لكن الشكر للرب، يسوع في الأعالي. وضحك باقر. هذه عبارة أبي جوني، الشكر للرب، يسوع في الأعالي. لا يفتأ يكررها. في السراء... في الضراء، يكررها ويقنع. أليست القناعة كنزاً لا يفنى؟ ـ سيتحسن.. الشغل سيتحسن. مع عودة الأمن والسلام ستخرج الفئران من أوكارها أبا جوني، اطمئن. داعبه يسار ضاحكاً. الحرب الطويلة علمت أبا جوني ألا يطمئن... بل طوال خمسة عشر عاماً كان يحاول ذلك. لكن كل مرة كانت تأتيه ضربة على حين غرة فينقلب على قفاه، أو يغوص في الوحل ولا يخلص نفسه إلا بشق النفس. جزيرة في بحر كانت حانة اللوتس. الأمواج تلطم شطآنها، العواصف تزعزع أركانها، فكيف يطمئن؟ ذات مرة داهمته عصبة مسلحين ناهبة كل ما لديه من مشروبات. في مرة أخرى أخذوا كل ما لديه من نقود وفي مرة ثالثة خطفوا كل من في الحانة من نساء. "الإنسان غريب" قال صاحب الحانة ليسار وذات مرة. "تراه في السلم والطمأنينة فتحسبه ملاكاً، لكن ما إن يحمل السلاح ويدخل حالة الحرب حتى يتحول إلى شيطان بل أسوأ ألف مرة من الشيطان". مقولته تلك هي الناموس الذي لا يحسب حساباً لسواه، وبسببها، هو دائماً حذر، مرتاب. كل من يأتي إلى الحانة متهم حتى يثبت براءته، وأخو أخته من يستطيع لدى أبي جوني إثبات تلك البراءة. كانت حانة الشراب البسيطة قد تحولت إلى ما يشبه الملهى الصغير، ففي غياب الخيول تشد على الكلاب السروج. أبو جوني يعرف المثل جيداً ويعرف ما تريده بيروت رغم كل ما فيها من حرب ودمار هي المرأة المدمنة على الشراب، هل تستطيع العيش بلا شراب؟ المعتادة على اللهو والطرب، هل تطيق العيش بلا لهو وطرب؟.. وهكذا، شيئاً فشيئاً باتت "اللوتس" تحتضن الراقصين والراقصات، المطربين والمطربات. جوقة موسيقية كانت تعزف موسيقى "الواحدة ونص"، فيما كانت راقصة بليدة سمينة العجيزة بارزة البطن ترقص "الواحدة وثلاثة أرباع" فلم يملك يسار إلا أن يضحك، لاكزاً صاحب الحانة في خاصرته: ـ ألم تجد خيراً من هذه البقرة الهولندية ترقص؟ ـ لم أجد أرخص منها، والحال من بعضه كما تعلم، أجاب أبو جوني وهو يشير إلى الحانة شبه الفارغة، شبه المعتمة. ـ يا مسترخص اللحم عند المرق تندم!! رد يسار مغنياً بنبرة شبه بدوية شبه حضرية، لكن أبا جوني صب في كأسه شيئاً من حليب السباع ثم مزجه بالماء حاثاً إياه: ـ اشرب يا سيدي.. اشرب. بعد الكأس الثالثة ستجدها أرشق من غزال. وقهقه يسار. كان يعلم أن أبا جوني على حق، فما يراه وهو صاحٍ غير ما يراه وهو سكران. رفع يسار كأسه داقاً إياه بكأس باقر، ثم هتف وهو يرشق الراقصة بنظرة كالسهم. ـ في صحة الغزلان!! رشف باقر شرابه على مهل. هو هكذا!! يحب دائماً أن يبدأ على مهل. الشراب مزاج والمزاج رواق، ثم لم العجلة؟ السهرة في أولها، والليل كله أمامه. عينا باقر تمسحان الحانة: ثمة رواد يتقاطرون مثنى وثلاثاً. الطاولات تتكاثر، ثديا الراقصة يتكاثران، ذراعها تندلقان لحماً... رقبتها تتورم غلظة، "لك الله من غزالة لا تضاهيها ريم الفلاة!!" أنهت الغزالة وصلتها دون أن يصفق لها أحد. لكن أيثبط ذلك من عزيمتها!؟ لا، لا، هي متعودة!! فقد توجهت مرحة فرحة إلى ما وراء الحلبة، كأنما تحملها أمواج التصفيق والهتاف. ـ اسمع. أنا أكره الصفن فلا تصفن. بدأ يسار مشاكساً وقد غادرهما صاحب الحانة. ـ ومن قال لك إني أصفن؟ ـ لم لا تتكلم إذن؟ وتبسم باقر. "هو ذا يسار. يكره الصمت. يكره التفكير. يكره الشرود. لكأنه يريد أن يعيش الحاضر لحظة بلحظة، يرشفه حتى الثمالة. فلسفته: بما أننا فقدنا الماضي وليس لنا مستقبل فليكن لنا الحاضر على الأقل". ـ هه.. عدت للصفن؟ قل شيئاً. تكلم يا رجل. ـ وماذا أقول؟ يا أهل حلب!! يا أهل اللهو والطرب!! ـ بل قل يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق!! قاطعه يسار وهو يقهقه، فقد وجد الفرصة السانحة لكي يقهقه. الأضواء الحمراء تبدلت بزرقاء وخضراء والجوقة الموسيقية بدأت استعداداتها لجولة أخرى من العزف، فيما كان فتى أمرد يتقدم من مكبر الصوت. ـ أهذا مطرب؟ سأل باقر صاحبه. ـ مطرب ونصف. ـ أرأيته من قبل؟ ـ مرة واحدة. لكن اطمئن. هو يشق طريقه بهمة وعزم. لحظة توقف، ثم بغمزة ذات مغزى تابع ضاحكاً: بعضهم يحبون الغلمان المخلدين. ـ خسئت. في بغداد ربما، لكن في البصرة؟ لا، نحن قوم متطهرون متبتلون. ـ حسبك، باقر، حسبك!! لا بصرة ولا بغداد!! الإنكليز حيثما حلوا أفسدوا!! أم تراهم لم يدخلوا البصرة، أولئك الإنكليز، محبو الغلمان المخلدين!! ـ فوق النخل.. فوق.. يا سليمى!! فوق النخل... فوق.. بدأ الغلام الأمرد بصوت رخيم كأصوات النساء. وللتو انسحب قلب باقر. فيما تحولت كل خلية فيه إلى أذن صاغية. ـ ما أدري خدك لمع. يا سليمى. ما ادري القمر فوق. "إيه يا نخيل البصرة!! أما تزال شامخاً باسقاً كعهدي بك!؟ عراجينك الكهرمان تلوح بأيديها للمشتهين والراغبين. لامعة مشرقة كخد سليمى، كالقمر الساطع بدراً في ليلة صيف!! أوه، يا نخيل العراق!! كم يشدني إليك الشوق والحنين!!" وعلى أنغام الموسيقى، شرد باقر يستعيد ذكريات: وهو صبي يلعب مع مهيجة على ضفاف العشار ثم يمضيان أبعد وأبعد حتى بساتين النخيل. يهزان النخلة فلا يسَّاقط عليهما الرطب الشهي. هما صغيران ضعيفان والنخلة كبيرة باسقة. هزهما لا يجدي نفعاً، فيلتقطان ما ذرته الريح والإنسان. أطراف البصرة كلها نخيل. سواد العرق كله نخيل. حسبك أن تخرج من المدينة لتجد نفسك في واحات لا تنتهي من النخيل. ثمر بعضه أحمر، آخر خمري، ثالث أصفر. قوس قزح من الألوان يصنع النخيل، تنظر إلى أعلى، أعلى، فترى عراجينه مدلاة، مصابيح كهرمان، وأنامل صبايا مضمخة بالحناء. إن ينس باقر لا ينسى مهيجة. رفيقة صباه وحبه الأول. كانا قد شبعا تمراً. التامر نفسه كان قد أشفق عليهما فأطعمهما رطباً شهياً حقاً. إلى نخلة باسقة لجأا يتفيأان ظلها. لكنها حواء. لا تكره كالسكون. "تلعب"؟ قالت له "لكننا لعبنا كثيراً". أجابها "بل لعبنا حتى تعبنا"، "أنا لم أتعب"، ردت عليه. هكذا حواء. لا تتعب أبداً من إغواء آدم. لا تكل أبداً من مداورته ومراوغته. "ماذا نلعب؟" سألها سؤال البريء. "لعبة العريس والعروس"، ردت عليه، دون حياء، دون احمرار خدين، ثم أردفت "هي لعبة لذيذة، لا تتعب". "لكن كيف!؟ أنا لا أعرفها!" وعلمته مهيجة. حواء دائماً تعلم آدم. أصغى لها فشرحت له كيف تكون طقوس الزفاف، كيف يقودها من يدها إلى السرير. ثم كيف يكون عريساً ليلة الدخلة. ورغم أنها كانت أصغر منه سناً إلا أن مهيجة كانت تعرف الكثير مما لا يعرفه. أتراها هكذا الأنثى؟ تسبق الذكر وعياً وفطنة؟ باقر لا يدري. لكنه يتذكر كيف علمته، ثم كيف نفذ ما تعلم. بل هو يستعيد ذلك الشعور الذي سرى في أوصاله كلها، وهو ينبطح فوقها، بطناً لبطن وجلداً لجلد تحضنه ذراعاها وتقبله شفتاها ليحس فجأة بدفء غامر، بشيء كالرعشة ينتفض لها جسده، ببحر من النشوة يغرق فيه. "لك الله يا مهيجة. ما كان أروع تلك النشوة!!". تصفيق حاد قطع عليه رحلة الزمن. قرب أذنه اليمنى كانت راحتا يسار تصفقان وكأنهما تتعمدان لفت سمعه وبصره. كان الفتى الأمرد ينحني للمصفقين ملوحاً بيديه كلتيهما فلم يملك باقر إلا أن يصفق وهو لا يذكر من الأغنية إلا النخيل والخد. ـ اشرب. اشرب. كأسك ما تزال ملأى. حثه يسار وهو يرفع كأس حليب السباع ثم يدلقه دفعة واحدة في جوفه. ـ مهلاً يا رجل. نصحه نصح اللائم. أم تريد أن أحملك على كتفي الليلة؟ ـ ستحملني فتاتي. أما أنت فما لي ومالك؟ اذهب إلى الجحيم. وقهقه يسار فرحاً بنفسه وقد بدأت حميا الراح تدغدغ تلافيف دماغه. ـ وأين فتاتك؟ أنا لا أراها الليلة. رد باقر وهو يتلفت يمنة ويسرة في الحانة خافتة الأضواء. لكن قبل أن يجيبه يسار، ظهرت على الحلبة راقصة كستنائية الشعر بيضاء الوجه كأنما هو معجون بالحليب. ثوب رقصها ينكشف حتى مفترق الفخذين عن لحم أبيض كأنما هو الآخر معجون بالحليب. فيما بدأ صنج نحاسي مرنان يدق تحية الاستقبال، وأصوات هتاف وتصفيق أكف يرتفع من الحانة. ـ أرأيت؟ صفصف لا تخذلني؟ هتف يسار بصاحبه وهو ما زال يصفق، بعدئذٍ استأنف واقفاً ملء طوله محيياً. ـ إزايك صفصف؟ يا هلا صفصف. كورت صفصف قبلة من شفتيها ثم قذفتها باتجاه يسار. ضحك باقر من يسار وهو يحاول أن يتلقى القبلة. بعدئذٍ بدأت الجوقة العزف وبدأت الراقصة الرقص. ـ يا. يا. يقبرني الحلو. يا. يا يا يسلم لي الغزال، راح يسار يهتف بأغلظ ما يعرف من لهجة حلبية فلم يملك باقر إلا أن يضحك. يسار يعود للهجته تلك في لحظة من لحظات الانتشاء والفطرة، حيث لا مجال لتزويق أو مجاملة. ولكم يحبه باقر حين يكون في لحظات الانتشاء والفطرة تلك!! يسار يصفق وهو يتابع كل حركة من ردف وهزة من خصر، ثم يحدج أبا جوني هناك في طرف الملهى وكأنما يقول له "هو ذا الرقص. لا بقرتك الهولندية تلك" فيبتسم صاحب الحانة وتبرق عيناه كأنما يرد عليه "هي ذي الحياة. خد وعين". كان يسار مولعاً بالراقصة كستنائية الشعر بيضاء الوجه. وكان لا يقصد بيروت إلا من أجلها. باقر يعرف ذلك، بل يعرف قصتها جيداً. هو رواها له. لكنه لا يذكر منها إلا اللمام: ابنة المنصورة. زوج الأم. الاغتصاب. الهروب إلى الشارع ومن ثم الضياع. ـ اسمع. هذه الليلة، لن تذهب بها وتتركني وحدي. اشترط عليه باقر وهما يتابعان رقصها الجميل. ـ ماذا تريدين إذن؟ رد مكشراً ساخراً. أقضي الليل بصحبتك، أنت؟ ـ لا أدري. جئنا اثنين نذهب اثنين. ـ بل نذهب أربعة، رد يسار وهو يغمز باتجاه فتاة في طريق الحانة الآخر، لم يكن باقر قد رآها من قبل. هي صديقتها وسنذهب معاً. هز باقر رأسه راضياً فيما كانت صفصف تدور على نفسها وقد حمي وطيس الرقص واشتد دق الدف وخشخشة الصنج وهي تلف وتدور، زوبعة صيف مجنونة ثم تفسح ما بين رجليها لتستقر على الأرض. علت موجات التصفيق والهتاف استحساناً للراقصة البارعة وهب يسار ملء طوله إعجاباً وحماسة. أسرعت صفصف بالنهوض. أرسلت قبلها إلى يسار خاصة والجمهور عامة. ثم جرت باتجاه الكواليس قطاة تدرج نحو غدير. ـ حقاً. نساؤها لعب. قال باقر مشيراً إلى القطاة التي اختفت وراء الغدير. ـ نساء من؟ تساءل يسار وكأنه لم يفهم. ـ مصر. رد باقر يتوقع أن يأتيه ذلك السؤال. ألم تسمع عمرو بن العاص ما قاله فيها حين ذهب يفتحها؟ ـ لا، ماذا قال؟ ـ ترابها ذهب ونساؤها لعب ورجالها عبيد لمن غلب. ـ يا إلهي!! كأس عمرو بن العاص!! هتف يسار وهو يرفع كأسه عالياً ثم يجرع ما فيها دفعة واحدة. ظهرت صفصف من الباب الجانبي بثوب آخر يضاهي ثوب الرقص شفافية وعرياً فعادت الأيدي تحييها، والأفواه تدعوها: ـ صفصف!! أنت ضيفتي الليلة اعترضها أحدهم ملوحاً بيده. ـ صفصف إلى هنا!! اعترضها ثانٍ هابا ملء طوله. ـ بل هنا، قال آخر وقد اقتربت منه فيما امتدت يده تمسك بها ثم تسحبها. رأى يسار الحركة فهب واقفاً. ـ دعها وشأنها أنت!! صاح بالرجل. نظر باقر فرأى قريباً منه رجلاً منتفخ الوجنات والأوداج يمسك بصفية، فيما هي نفسها تحاول التملص منه. ـ لماذا؟ أهي زوجتك؟ أختك؟ رد البدين الأكرش وهو ما يزال متشبثاً بها، مقهقهاً أعلى قهقهة. ـ اخرس أيها الكركدن، صاح يسار وقد قدحت عيناه شرراً. دعها قلت لك، دعها. ـ وإن لم أدعها، ماذا تفعل؟ قال، فيما كانت الراقصة قد تملصت منه. لكنها لم تبتعد خطوة حتى زعق ملء صوته: قفي مكانك، فيما كانت يمناه تشهر مسدساً وتطلق النار. في اللحظة ذاتها انطلقت زعقة فيما شهر يسار مسدسه وأطلق النار. بعدئذٍ اختلطت طلقات من هنا، طلقات من هناك ثم اختلط الحابل بالنابل. زعقات نساء، صياح رجال، ارتطام كراس، سقوط أجسام وقد غدا العالم كله جلبة وظلاماً. حين عاد الهدوء إلى الحانة، وجد باقر نفسه وحيداً في عمق أحشائها. هو مذ شهر يسار سلاحه، حاول إيقافه، لكن كان التيسان يتنافسان على معزاة وكلاهما تعتعه السكر فكيف يمنعهما باقر من النطاح؟ مع حلول الظلمة وجد نفسه يندفع بالغريزة بعيداً عن ساحة المعركة. في البداية فكر بالانبطاح مختبئاً تحت الطاولة، لكن الفكرة أزعجته. "أنا الفدائي المغوار، أخاف من معركة سكارى؟" لكنه عاد وأنب نفسه. "وماذا إن جاءتك رصاصة طائشة، ألا تذهب فرق عملة؟" أحس باقر بسخف الوضع كله، بسخف موته إن مات، فأسرع إلى الكواليس. تعثر في الظلمة عدة مرات، سقط عدة مرات، لكنه كان ينهض كل مرة، إلى أن وجد نفسه يلطأ صامتاً ساكناً خلف جدار لا يئز عليه رصاص ولا ترتطم به كراس. مع اشتعال الأنوار، عرف أنها زاوية المشلح الخلفية، تلفت حوله فلم يجد أحداً. تسلل إلى الحانة من جديد، فلم يجد أحداً أيضاً. كان الكل قد ولوا الأدبار، ففي معركة الخمر خير ما تفعل هو أن تفر. كانت الحانة قد غدت محض خراب. تنين بحري مر بها فاكتسح كل شيء، قالباً مكسراً كل شيء. "يالله!! ما أفظع الإنسان!! ما أشد وحشيته!!" وبكل ذهول راح باقر يتفحص آثار التنين: طاولات مقلوبة، مشروبات مندلقة، أطعمة متناثرة، كؤوساً متشظية، ثم لم يستطع إلا أن يحزن. ـ كله من صاحبك، ذلك اليسار الزفت. جاء صوت أبي جوني وقد ظهر من طرف الحانة القصي، مشعث الشعر، مصفر الوجه، دامع العينين. خرب بيتي!! خرب بيتي!! ثم مضى يردد العبارة إلى أن وصل إلى باقر، تسبقه شهقات كشهقات النساء. ـ طوِّل بالك أبا جوني. بسيطة أبا جوني. حاول باقر أن يهدئه، لكن صاحب الحانة استمر ينشج ويعول. ـ بسيطة!! أطول بالي، كيف، وحانتي خربت؟ بيتي انهدم. ظهري انكسر. الله يخرب بيتك يا يسار!! الله يخرب بيتك!! عاد للترداد ناظراً إلي حيث كان يجلس وكأنه يخاطبه. أدرك باقر أن مصاب الرجل أكبر من أن يستطيع تهدئته فغمغم بشيء من مواساة، واضعاً بضع أوراق نقدية في يد الرجل المنكوب ثم أسرع خارجاً لا يلوي على شيء. شارع الحمراء مقفر إلا من كلب ضال أو قطة جائعة تبحث في أكياس القمامة عن طعام. "إيه!! سقى الله أيامك يا شارع الحمراء!! يوم كنت تصل الليل بالنهار فلا تنام أبداً!!" راح باقر يسير الهوينى وهو يقلب نظره بين يمين الشارع ويساره. كانت آثار الرصاص وشظايا القنابل ما تزال تشم جدران الأبنية، وكانت دوريات الجند اللبنانية السورية تعبر الشارع بين الفينة والفينة، ترصد وفوهات بنادقها مشرعة، ترصد وحراب بنادقها لامعة. "أين الناس؟ الساعة ما تزال الواحدة لكن لا أحد". خمس عشرة سنة من الحرب كانت قد علمت الناس ألا يخرجوا إلى الشوارع في الليل فمأمن الإنسان مسكنه. في الخارج يكمن الخطر، تلطأ المخبآت ولا يدري المرء متى ترفع رأسها من مكمنها إحدى تلك المخبآت. "يسار نفسه أين؟ صفصف؟ رواد الحانة!! بهذه السرعة افرنقعوا؟ ذرات ملح ذابت" ولم يستطع باقر منع شعور بالخيبة من التسلل إلى نفسه. "سنذهب نحن الأربعة" كان يسار قد قال له، لكن هاهو ذا يذهب وحيداً مفرداً كنصل السيف، بارداً مقشعر الجلد رغم حرارة آب وبحر بيروت القريب، وهو يرقد ساكناً دافئاً قطاً أليفاً بجانب موقد. "المنحوس منحوس ولو ركبوا على رأسه فانوس"، ولم يملك باقر إلا أن يبتسم. كانت الليلة قد بدأت ميسرة طيبة وكان الوعد بأن يذهبوا هم الأربعة قد أرخى جملة أعصابه. هو بحاجة إلى المرأة، كل ما فيه متوتر مشدود كأوتار ربابة في ليل كانوني، ولا ترخي الأوتار إلا الشمس والدفء. "أكان على ذلك الكركدن أن يعترض طريق صفصف؟ بيده حق يسار. تحرش مباشر وتعد فاضح، فكيف يقبل به يسار؟ بل كيف أرضى أنا نفسي به؟" صفية صديقة صديقه، بل هي، بشكل من الأشكال صديقته أيضاً ومن الواجب على الصديق أن يهب لنجدة صديقه. يسار لم يخطئ في وصف ذلك الأكرش البدين ذي العنق الغليظ بالكركدن. هو كركدن حقاً. أضاع فرصة من فرص العمر. ربما لولاه لكان الآن في أحضان سوسو أو لولو. هو لا يعرف اسمها، صديقة صفصف تلك. لكنها امرأة على أية حال، وهو يموت شوقاً للمرأة. ثلاثة وأربعون يوماً كانت قد مرت عليه مذ التقى بآخر امرأة، والرجل خلق للمرأة. حاجته هي الأشد لها، لكنه النحس يقف دائماً بالمرصاد. ثلاث مرات حاول الخروج من المعسكر خلال الأيام الثلاثة والأربعين تلك، لكنه لم يستطع. ثمة دائماً قصف إسرائيلي، استنفار، استطلاع، وفكرة قلعة الشقيف التي تمكنت منه وقد سمع حكاية الممر. أراد أن يتعرف بنفسه إلى المنطقة، أن يذهب إلى النهر، يتسلق سفح القلعة، لكنه لم يستطع الاقتراب. وحده، كانت مجازفة والمجازفة خطر، وهو لا يريد أن يعرض نفسه للخطر. ثمة مهمة، ومهمة رائعة إن استطاع تنفيذها ضرب ضربة العمر. طوال سبعة أيام ظل في الهضاب وبين الوديان هناك. عبر أحراش جزين وبساتين مرج عيون، التقى بمقاتلين، تعرف إلى سكان قرى طيبين. سأل، استطلع ونصب عينيه هدف واحد: أن يغير على قلعة الشقيف. لكن هاهي الأوامر العليا تأتي بإيقاف الغارات، بمنع العمليات. وهاهي ذي الكارثة تكتمل بمقتل شوقي. رفيق الدرب والفداء. شارداً كان باقر يمشي، دونما وجهة، دونما هدف. "لكأنني واحد من كلاب الشارع الضالة أو قططه الشاردة". كانت تجربته مع التشرد طويلة، بل هي أطول مما يتذكر. صور كثيرة مرت في ذهنه وهو في بغداد، دمشق، عمان، موسكو، صوفيا، تضج كلها بالتشرد. وحدها البصرة كانت مختلفة. باقر يتذكر جيداً ذلك الشعور. "البصرة لي وأنا لها عاشق ومعشوق، ساكن ومسكون". هو يتذكر كيف كان يسير على أرصفتها بمتعة لا تفوقها متعة، ضربه في طرقها، تنزهه في جنانها لا علاقة له بالتشرد. لكأن كل شارع فيها، كل ذرة تراب، كل قطرة ماء، كل نخلة له هو وحده. "آه!! لك الله يا مسقط الرأس ومرتع الصبا!! وحدك تعطينا الشعور بالأمان!!". هو مذ غادر البصرة تملكه شعور التشرد والشتات. وحيثما ذهب لم يجد إلا المشردين المشتتين. بعضهم مثله، بعضهم أشد سوءاً، بعضهم اقل، لكن شعوراً واحداً كان يجمعهم: التشرد والشتات، وكان باقر لا يفتأ يشفق على نفسه وعليهم!! "مشردون، أبداً، مشتتون". المشرد يسير في شارع الحمراء وحيداً مفرداً كعهده، مذ غادر البصرة. يسار خذله، صفية خذلته، العالم كله خذله. هو ضائع بارد، ذرة ثلج في مهب ريح. "أين أذهب؟" تساءل بصوت عالٍ وكأنما يود أن تسمعه النوافذ، الأبواب، الجدران، فيجيبه أحدها، لكن أحداً لم يجبه. كانت بيروت ساكنةً جمراً تحت رماد، وكانت بيوتها متكومة على نفسها منطوية، تكره الغرباء، وباقر غريب مشرد لا أهل ولا سكن، فأين يذهب؟ ـ من الطارق؟ جاءه صوت أجش خرج لتوه من بحر النوم. ـ أنا باقر. افتح همام. رد الطارق وقد كلَّ من قرع الجرس وطرق الباب، فهمام وحيد ونومه ثقيل. باقر يعرفه، لكنه مضطر وللضرورات أحكام. بيت همام هو الأقرب ومفرشه الأطيب، فتوجه إليه يقرع الجرس حتى كاد يقنط. في تلك اللحظة فقط رد همام. ـ باقر، اللعنة!! أتعرف كم الساعة الآن!؟ قال وهو يفتح الباب. ـ تباً لك وللساعة!؟ رد باقر بنبرة عاتبة مازحة. منذ متى كنت تهتم بالساعة؟ ـ مذ حلت عليك اللعنة وصرت كلباً ضالاً!! رد، وقد صارا كلاهما داخل المنزل وأغلق همام الباب، أجفانه تطرف في محاولة لاتقاء النور الباهر بعد الظلمة وخفاه يسحنان البلاط وهو يجر قدميه جراً. ـ أتسبني يـ... بدأ باقر لاكزاً إياه. ـ وكيف يهنأ لي عيش إن لم أسبك وأشتمك؟ قاطعه همام مازحاً، ملعون الوالدين!! كيف تأتيني في مثل هذا الوقت؟ ـ ويحك!! عربي قح من الحجاز بل من مدينة رسول الله ذاتها وتنهر الأضياف!؟ لا، لقد أفسدتك بيروت. ها أنذا عائد. رد باقر بمزيج من المزاح والجد، وهو يدور على عقبيه مهدداً بالعودة من حيث أتى. تركه همام يسير بضع خطوات، بل تركه يمد يده إلى مقبض الباب ثم بوثبة هر صار بينه وبين الباب. قبلة على هذا الخد ثم قبلة على ذاك وعاد الصديقان إلى غرفة الضيوف. ـ يا مرحبا!! يا مرحبا!! راح لسانه يلهج بترحيب متواصل، حاتماً طائياً يستقبل ضيفاً. باقر في بيتنا. يا مرحبا!! يا مرحبا!! اطفوا نور الكهربا!!،. ـ تعلم؟ لست حلواً إلا هكذا. قال باقر وهو يجلس على أقرب ديوان في غرفة القعود. ـ أكيد. لكن أنت تنسى دائماً أنك في بيروت، وأنها ما تزال تضمد جراحها. أية حركة تنكأ جراحها تلك. أية رصاصة تنخلع لها القلوب. أية رنة جرس في مثل هذا الليل تجعلك ترتجف. ولم يتابعه باقر. كان قد عاد قليلاً إلى الوراء والكركدن يطلق رصاصته الأولى ليرد عليه يسار فيتحول الناس جميعاً إلى إوز مذعور يلوذ بالطيران. بعضهم طار من الباب الأمامي. بعضهم من الباب الخلفي... الشبابيك.. الكوى... بل من يعلم كيف طاروا وقد اختلط الحابل بالنابل ولف الظلام كل شيء!! ـ هه. ماذا؟ أنا أتكلم مع أبي الهول؟ سأله همام لاكزاً إياه على حين غرة، فأجفل مرتداً إلى الوراء حصاناً شم رائحة ضبع. ـ حقك علي، بدأ باقر اعتذاره وقد أحس بآثار رعب تلون صوت صديقه وعينيه. كنت على مقربة من هنا وحسبت أنك ما تزال مستيقظاً. ـ مستيقظ!؟ هكذا، وأنا وحدي بلا زوج؟ بلا صديقة؟ بلا تلفزيون؟ أم تحسب أن الكهرباء تأتينا أربعة وعشرين ساعة في الأربع والعشرين ساعة؟ ـ لا تؤاخذني. رد باقر هازاً رأسه ساخراً. ظننت أن ثرياً مثلك يملك كل وسائل الترفيه. بل ربما لديه محطة كهربائية لحسابه. ـ هذا لو كنت ثرياً، لكنك تعلم أنني لست كذلك. وشرد باقر إلى البعيد. همام، مذ تعرف إليه قبل سنوات أربع، لم يتغير ولم يتبدل. "أنا مشرد مشتت مسلوب منهوب" كان يقول دائماً. "لا يملك إلا غربته وضياعه حتى هويته أضاعها، حتى انتماؤه قضى نحبه، لم لا والانتماء يكون لوطن، لأرض وأنا بلا وطن أو أرض؟" "ذلك صحيح": كان باقر يثني على كلامه. لكن من تراه يسمع الصحيح؟ من يبحث عن الحقيقة، والحقائق تضيع تحت سنابك الباطل والزور؟ همام متمسك بالحقيقة رافض للباطل، ولأنه كذلك غادر مدينة رسول الله دون أن يدري إلى أين. كان همه كله أن يرحل. "لم أعد أستطيع التحمل. كل ما أراه شوك يخز عيني" ورحل إلى عمان، لكن عمان قريبة، آفاقها محدودة وهو يريد الطيران، التحليق عالياً في سماء لا تطوله بها يد، فعاد يشد الرحال: إلى صنعاء فالقاهرة، ثم طرابلس فالجزائر ليحط رحاله أخيراً في بيروت قبل أن تكتسح الحرب الأهلية بيروت. ـ هه، متعشٍ أم تريد أن تتعشى؟ سأله همام بعد أن تفحصه ملياً. ـ أكان حاتم الطائي يسأل ضيفه سؤالاً كهذا؟ رد باقر ضاحكاً. ـ إذن اسمح لي أن أذهب فأذبح لك فرسي، قال وهو ينهض بكل مظاهر الجلد والادعاء، لكن يد باقر امتدت فأمسكته. ـ اجلس. اجلس. أنا أكره لحم الخيل. لو كان لديك لحم غزال أو مهاة لأكلت. لكن.... ـ آسف يا ضيفي العزيز. لم اذهب اليوم للصيد. ـ إذن، أنا فقط أريد أن أنام. ـ تنام؟ حسبتك قلقاً تشغلك الأزمة ولا تستطيع النوم. ـ أزمة؟ أية أزمة؟ تفحصه همام ثم بدأ هازاً رأسه: ـ أبله!! أنت مجرد أبله!! ـ لماذا؟ ماذا هناك؟ ـ النار تشتعل في الخليج وأنت تسأل ماذا هناك؟ ـ أنت تمزح؟ نار الخليج انطفأت منذ عامين. إيران لم تصنع من العراق جمهورية إسلامية تابعة لها والعراق لم يحرر عربستان فعاد كل إلى موقعه، لا غالب ولا مغلوب. ـ لا، لا، أنا أتكلم عن الأزمة الجديدة بين الكويت والعراق!! قال همام، ومسحة من تعجب ما تزال على وجهه. ـ آ! أزمة النفط تقصد؟ طبعاً، هذه سمعت بها، لكن ما هي إلا فقاعات صابون، سرعان ما تتلاشى، قال باقر باستخفاف شديد. ـ لا، هذه المرة أظنك على خطأ. ـ على خطأ؟ رد وهو يهز رأسه، يا رجل، أنت تعلم أن العراق حتى اليوم لم يعترف رسمياً بحدود الكويت ولا أقام علاقات دولة لدولة معها. فكيف تعطي بالاً لأخذ ورد بين الدولتين؟ ـ هذه المرة، للأخذ والرد نبرة أخرى. ـ كيف؟ ـ العراق يطالب بأشياء وأشياء، والكويت تسوف وتماطل. ـ أعلم. أعلم. قاطعه باقر بشيء من غيظ. صدام يريد رفع الأسعار، والكويت تغرق السوق بالنفط كي ينخفض سعره. قالوا لهم لماذا؟ قال الكويتيون: هكذا. ـ لكن أضف إلى معلوماتك أن أمريكا وراء ذلك كله. هي تريد تعبئة خزاناتها النفطية بأبخس الأسعار، والكويت لا تستطيع أن ترد لها طلباً. تابع ومتبوع، وهل للتابع أن يعترض على ما يأمره به متبوعه؟ ـ ولماذا لا نقول: وراء ذلك كله صدام: هو يريد افتعال مشكلة؟ ـ كيف، وثمة ديون: ملياران من الدولارات؟ الكويت تريدها والعراق يطالب بإعفائه منها. ـ ولماذا يعفى؟ ليدفع صدام ديونه؟ ـ كيف وهو يقول: "أنا البوابة الشرقية للوطن، أنا الحارس الذي يدافع عنكم؟ أنتم أخوتي. مدوا لي يد العون"، لكن الكويت لا تأبى مد يد العون وحسب، بل تأبى حتى إعفاءه من الديون. ـ هي على حق طبعاً. على صدام أن يدفع. الدين دين فلماذا المماطلة؟ ـ وجزيرتا دربة وبوبيان. لماذا لا تؤجرهما الكويت للعراق منفذاً بحرياً وقد ضاقت به المنافذ؟ ولم يحر باقر جواباً. كان يعلم أن بريطانيا هي التي رسمت تلك الحدود وضيقت تلك المنافذ. برسي كوكس قطع أوصال العراق على هواه. بسكين شايلوك اقتطع اللحم العراقي وهو يظن أنه الحاكم بأمره، لا راد له ولا معترض، غير واضع في حسبانه أن الملك غازي سيأتي، عبد الكريم قاسم سيأتي، صدام حسين من بطن الغيب سيأتي وكلهم سيطالبون باللحم الذي اقتطع، باسترداد الأوصال التي مزقت. ـ هه، مالك سكت؟ سد همام الثغرة وقد رأى صاحبه يصمت، ثم ما قولك بالحقل الذي يسرق نفطه الكويت؟ بالتحركات الأمريكية البريطانية في مياه الخليج؟ بالتحرشات على الحدود، ألا ينذر هذا كله بالخطر؟ ـ ينذر؟ لا ينذر؟ أنا أعلم أن أس البلاء كله صدام، هو يبحث بالسراج والفتيل عن مشكلة يفتعلها، أزمة يختلقها. ـ أنت حاقد. تكره النظام العراقي. ـ أكرهه فقط؟ قل أريد تمزيقه إرباً... إرباً. قل لو أستطيع أكل صدام حسين بأسناني لفعلت. ـ مع ذلك، يجب ألا يعميك الحقد عن رؤية الحقيقة. ـ أية حقيقة؟ ـ هناك مؤامرة تدبر على العراق، محاولة لتوريطه وقد كانت واضحة في لقاء جدة اليوم. ـ لقاء جدة!!؟ حقاً؟ ماذا جرى في ذلك اللقاء؟ سأل باقر بفضول مفاجئ وهو يلعن الساعة التي ذهب فيها إلى الحانة. ـ النائب طالب وزير خارجية الكويت بمبلغ من المال مساعدة.. ديناً. أي شيء. فهل تعلم بما أجابه؟ ـ لا، قل، أسرع!! ـ لا مال، لا مساعدات، واذهبوا بلطوا البحر. ـ يستاهل، رد باقر فرحاً شامتاً. صدام يستاهل. يريد أن يبتز الناس. أنا أعرفه. دكتاتور متسلط، يجد نفسه قوياً فيفرض "خوّة" على الضعفاء، ينهب أموالهم. ـ لماذا لا تقول إنها الحاجة فعلاً؟ قاطعه همام بنبرة احتجاج واضحة. العراق خارج من حرب وهو بأمس الحاجة للمال، فلماذا لا يساعده إخوانه العرب؟ ـ يساعدونه بالقوة؟ رد باقر ساخراً، يساعدونه رغماً عن أنوفهم؟ لماذا؟ لكي يقوى النظام!! لكي يرسخ صدام قدميه. ـ صدام!! صدام!! فلقتني بصدام!! قاطعه همام بكثير من الحدة. أتدري بمن تذكرني؟ ـ لا. ـ بإيدن، رئيس وزراء بريطانية، يوم أزمة السويس. أتدري ما كان خطابه للعالم؟ ـ لا، لم أكن واعياً يومذاك. ـ كان يقول: معركتنا ليست مع مصر وليست إطلاقاً مع العرب بل هي مع الكولونيل ناصر. تصور. يختزل الأمة كلها بعبد الناصر، وهكذا أنت تختزل العراق كله بصدام، تلغي شعباً بكامله من أجل فرد؟ ـ لكن، ناصر شيء وصدام شيء آخر. هذا هو الذي ألغى الشعب. هو الذي اختزل العراق. جعله ملكه وحده. ـ أنت متجنٍ. باقر. العراق أكبر من أن يختزل. العراق ملك لكل عراقي بل لكل عربي، فلماذا نتأثر بدعاية الاستعمار السوداء؟ ـ هه! لا ينقصك إلا أن تقول أننا عملاء للاستعمار؟ ـ لا، ينقصني أن أقول أننا بحاجة لمراجعة حساباتنا دائماً، للأخذ بالمتغيرات المستجدة دائماً، فلا نتحجر على موقف ولا نتجمد. ـ وأصفق لصدام وأهتف بحياته؟ رد باقر ساخراً سخرية المرارة. ـ بل تعود إلى العراق وتناضل من داخل. ـ سأعود. أجل، سأعود إلى العراق لكن بعد أن يتحرر من صدام، ونهض باقر مشيراً بيده إشارة القطع. ـ أين؟ ـ أريد أن أنام، أم انسحب حاتم الطائي فلم يعد يريد استضافتي؟ ـ بل، على الرحب والسعة. اذهب فنم، ومضى في اتجاه الغرفة الأخرى مترنماً: "ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم"، لكن دون أن يثير شهية باقر لمزيد من النقاش، هو الذي كان كل ما يشتهيه أن يضع رأسه على الوسادة ويغرق في سبات عميق. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |