|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني ـ باقر. باقر. انهض. جاءه صوت بعيد ربما من الشاطئ الآخر للبحر، لكنه عاد يتكرر بإلحاح لم يملك معه إلا أن يفتح عينيه مغمغماً: ـ ما... ماذا همام؟ ـ انهض. جماعتك احتلوا الكويت. ـ احتلوا الكويت!؟ جماعتي؟ ماذا تقصد؟ ـ العراقيون دخلوا الكويت، أجابه وهو يشير إلى المذياع. ـ يا إلهي!! معقول!! صاح باقر هذه المرة. وهو يهب ملء طوله: دخلوا الكويت!! ماذا قلت؟ ضموا الكويت!!؟ ثم أمسك بهمام من كتفيه وهو يثب إلى الأعلى والأسفل، طفلاً يطير فرحاً. ـ الوثبة نفسها وثبها أبي، والفرح نفسه طغى على أبي، قال باقر رداً على استفسار همام واستغرابه. ـ حقاً؟ كيف؟ سأل همام. وقد فاجأه فرح باقر باحتلال العراق للكويت، هو الذي يكره النظام في العراق حتى الموت. ـ ما أزال أذكر جيداً تلك اللحظة: لكأني أعيشها الآن. ـ أية لحظة؟ سأل همام وقد أثير فضوله أكثر فأكثر. ـ حين لعلع صوت جارنا فجأة وهو ينادي: أبا جبار! أبا جبار! الزعيم ضم الكويت. ثم أتبعها بصرخة فرح عالية: ضم الكويت!! وللتو رأيت والدي يلقي بكل شيء من يده ويثب. فرحاً فرح الأطفال هاتفاً ملء صوته: "حياك الله يا زعيم! حياك الله يا كريم! أعدت الأرض لأصحابها". لم أكن في تلك اللحظة أعي جيداً ما يعني ضم الكويت ولا أعادتها لأصحابها. لكنني كنت أعلم أن الزعيم هو عبد الكريم قاسم، الرجل الذي بات أبي يحبه كثيراً بعد أن ألغى الملكية، وأعلن الجمهورية. قضى على نوري السعيد وطرد الإنكليز، فلم تبق بعده لا قواعد جوية ولا بحرية لاستعمار بغيض جثم طويلاً على صدر العراق. ـ التاريخ يعيد نفسه، تعني؟ ـ صحيح، ربما هذا صحيح همام. وعاد باقر بذاكرته إلى تلك الأيام. حينذاك كان في الحادية عشرة من عمره يساعد أباه في دكانه هناك، حيث سوق "التنكجية" والطرق والدق ينصب عليك من كل حدب وصوب. باقر يذكر جيداً تلك السوق، يتذكر سوق النحاسين القريبة، والضجيج الذي يصم الآذان. مع ذلك كان عليه أن يساعد أباه كلما خرج من المدرسة. أبوه "تنكجي" بارع، وعليه هو أن يتعلم صنعة أبيه فالصنعة في اليد أمان من الفقر. أبوه يصنع المزاريب، المواقد، المدافئ، الصاجات التي يخبز عليها البدو الرحل. أصله من العمارة. ترك مسقط رأسه وغادر إلى البصرة. أحدهم قال له "هناك المدينة أكبر وباب رزقها أوسع" لكن سرعان ما خاب فأله. فالبصرة أخت العمارة وباب الرزق كان يضيق حتى ليصبح كخرم الإبرة أحياناً فكيف تعبر أسرة من سبعة أفواه خرم الإبرة؟ مع ذلك كانوا يعرفون أن الأب يعمل. الأبناء يساعدونه وما يبيعون به من نقود يأخذونه للتو إلى الأم تشتري به طعام ذلك النهار. جيرانهم كلهم مثلهم من اليد إلى الفم. يعملون ليل نهار، كي يوفروا لقمة العيش. لكن فجأة لمع أمل. قامت ثورة تموز. رقص الناس فرحاً. هزجوا لأحلام العدالة والمساواة. صفقوا للحرية وتوزيع الثروات، ثم جاءت الفرحة الكبرى: ضم الكويت. وثب الأب فرحاً. رقص السوق كله. هزجت بغداد ورقص العراق. لكن سرعان ما هاجت بريطانيا وماجت، أرسلت البوارج وحركت الطائرات. ألبت العرب وحرضت الغرب، أقامت الدنيا على رأس عبد الكريم قاسم ولم تقعدها إلى أن اضطر إلى التراجع وألغى إعلان الضم. "لكن ماذا يا ترى عن إعلان التحرير؟ هذه المرة الأمر مختلف". يفكر باقر، فصدام حسين لم ينتظر رد فعل بريطانيا ولم يحسب حساب بوارجها وطائراتها، بل أرسل في غفلة من بريطانيا، أمريكا، العالم كله، مدرعات كمدرعات غادريان لا يقف في وجهها حاجز، حرك مصفحات وسيارات تسابق الريح، من البحر أرسل السفن الحربية والزوارق الطوربيدية، من الجو بعث الطيران، وفي غمضة عين كان كل شيء قد انتهى. "المفاجأة نصف النصر"، هكذا تقول القاعدة العسكرية، لكن في عملية الانقضاض على الكويت، كانت المفاجأة كل النصر، فالذعر الذي انتشر في القصر، الرصاص الذي انطلق على حين غرة كان قد أهلك سعيداً، فلماذا لا ينجو سعد؟ عشرات السيارات الفارهة انطلقت من القصور الأميرية صواريخ عابرة للقارات، تريد فقط أن تعبر الحدود إلى نجد، حيث الأمن والأمان. الحياة غالية، أغلى من أن يقدرها جند أجلاف يلجون القصر الفخم المهيب ببساطيرهم القذرة، وأسلحتهم التي تتقن زرع الموت وحرابهم المشرعة التي تتعطش لولوج الأحشاء، فلا يميزون بين أمير وحقير، غني وفقير. هو غال ثمنه باهظ. في السوق العالمية يساوي آلاف ملايين البراميل من النفط، وهل يستطيع جندي جاهل أن يحسب ما تساويه آلاف ملايين البراميل تلك؟ حليفه لن يخذله. حلف قديم قدم الدهر يجمع بينهما. مذ انهزم أمير نجد أمام إبراهيم باشا القادم من مصر لم يجد أمامه ملاذاً سوى شيخ القبيلة البعيدة على شاطئ الخليج. ومذ ذبح شيخ القبيلة أخويه ذبح النعاج، لم يجد غير حليفه في نجد من يدافع عن فعلته الشنعاء وينافح عنه. ثمة حلفاء آخرون سيهبون لنجدته، حلفاء كثر أقوياء. المهم أن ينجو . "أسرع. أسرع. بل امض بأقصى سرعة" ومضى السائق بأقصى سرعة يحلق به سرب كبير من السائقين الآخرين قبل أن يدرك جند بغداد أن الطيور أطلقت أجنحتها للريح. همام مذهول. مذ سمع الخبر ذلك الصباح وهو أشبه بلوحة للذهول: فم فاغر وعينان مفتوحتان على سعتهما ولسان يتلجج بما يقول وكأنه غير مصدق. أسرعا حينذاك إلى المذياع يبحثان فيه يميناً شمالاً عن محطات تتحدث عن الخبر. وأية محطة لا تتحدث؟ الحدث جلل. هز العالم، أصابه كله بالذهول وهو من شرقه... إلى غربه، من عربه إلى عجمه مذهول. "أية سرعة! أية سرية! أية مفاجأة!" كان الكل يقولون وكانوا يتابعون: "الحرب الصاعقة، تكتيك رومل، مفاجأة الخصم، هي ذي الأسس التي انطلقت منها عملية الكويت!!" همام حزين فقط لأن الطريدة أفلتت. ـ آه!! لو أمسكوا به فقط، قال وهو يتنهد. إذن لكان درساً هائلاً، عبرة عظيمة يرتجف لها حلفاؤه أنفسهم، أولئك الذين يحسبون أنفسهم أنصاف آلهة، يحتقرون الشعب، يدوسون رقاب الرعية وينهبون ثروات الوطن. آه!! لو يتابع طريقه فيلحق بهم إلى هناك يسحقهم هم وحلفاءهم، فلا يترك من العائلتين صافر نار!؟ ـ يحتل نجداً أيضاً؟ سأل باقر وهو يلوك الفكرة الجديدة ولا يستطيع بلعها. ـ ولم لا؟ إن كان حزب البعث يريد وحده العرب فماذا يفعل؟ ـ ماذا يفعل؟ يسلك طريق القوة؟ رد باقر وقد تشنج فجأة، حزب البعث الفكر القومي، الوحدة العربية كلها كانت تصيبه بالتشنج. تاريخ طويل من العداء والكراهية لذلك الحزب وأفكاره كان يحمله باقر. فقد نشأ أممياً يكره كل ما هو قومي، ترعرع على الصدام مع القوميين، العراك معهم، رفض أفكارهم فكيف يقبل بها الآن؟ ـ أتقول لي؟ رد همام بكل اندفاع، بسمارك كيف وحد ألمانيا؟ غاريبالدي كيف جمع شتات إيطاليا؟ بل إبراهيم لنكولن، كيف أعاد اللحمة لأمريكا يوم أراد الجنوب الانفصال؟ أبالهمس واللمس؟ بالغزل والملاطفة؟ أم بحد السيف ورصاص البنادق؟ ورغم أن الحجة مفحمة، وما يقوله التاريخ من دروس وعبر صحيح إلا أن لسانه أبى إلا أن يحتج. ـ لا، لا، إن أفلح صدام في ضم الكويت ماذا يخلصنا منه حينذاك؟ ـ ولماذا نتخلص منه؟ إن قضى على كل هذه الكيانات المصطنعة، ألا يكون قد حقق الحلم الكبير الذي يحلم به كل عربي؟ ـ لكن أنا أكرهه. نظام بغداد أكرهه. حاكم بغداد أحقد عليه حقداً لو أتيح لي أن أمسك به لأكلت كبده. ـ تصبح هنداً أخرى إذن!؟ سأل همام ضاحكاً. ـ أجل، أصبح آكل أكباد كامرأة أبي سفيان، ولا أقبل شيئاً يفعله. ـ لكن قبل قليل فقط كنت فرحاً؟ وثبت كالقط حين سمعت باستعادة الكويت؟ وأرتج على باقر. رد فعله الغريزي كان الفرح الشديد، شأنه شأن أبيه قبل ثلاثين عاماً. لكن ما إن طرح همام أفكاره حتى تملكه شيء من خوف. الإذاعات بعد ذلك زادت من ذلك الخوف. فبريطانيا التي هاجت وماجت تلك المرة، عادت فهاجت وماجت هذه المرة أيضاً. "لقد رسمنا حدوداً كي تبقى، وأقمنا دولاً كي تدوم". راحت مارغريت تاتشر تصرخ وإذاعاتها تهدد وتتوعد. "الكويت في حمايتنا، فمن يتجرأ على انتهاك ما نحميه؟" مع صوت بريطانيا لعلع صوت أمريكا، قطب العالم الأوحد، والاتحاد السوفييتي يحتضر. غورباتشوف كان قد قاده إلى فراش الموت. هيبته، نفوذه، قواه، كلها كان قد وضعها غورباتشوف في سلة البرسترويكا وألقاها في نهر الفولغا دون أن يعلم أحد أين ستستقر؟ باقر يسمع الإذاعة، يشاهد التلفزيون، يتتبع الأخبار يوماً بيوم وساعة بساعة، ويوقن يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة أن الأمر أخطر بكثير مما تصور. في بيروت، في المعسكر، هو لا يفتأ يلاحق نشرات الأخبار، يتتبع التطورات، فالعالم الذي أصيب بالذهول حين جاءه الخبر الصاعق، بدأ يفيق من ذهوله. أغلق فمه، وضيّق حدقتي عينيه وهو يصغي إلى السيدة الحديدية في لندن وهي تزمجر وتزأر. "اليد التي امتدت إلى الكويت سنقطعها". "قوانين الأمم المتحدة تقتضي من كل دولة احترام سيادة الدولة الأخرى وعدم الاعتداء على أراضيها". "لكن هل استعادة العراق للكويت عدوان واعتداء؟" باقر يتساءل ويتذكر حزب البعث وأهدافه في تحقيق الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج. ترى إن فعل ذلك ما عساها تفعل الأمم المتحدة؟ (السؤال قديم، كثيراً ما كنا نتجادل حوله وأنا في البصرة، في العمارة، في بغداد، السؤال قديم مثلما الصراع بيننا وبين ذلك الحزب قديم. لم يكن في الشوارع، في المدارس، في المعامل فحسب، بل في البيوت أيضاً. ابن عمي محسن كان ينتسب لذلك الحزب، وكان شديد الإيمان بمبادئه، شديد التعلق بأفكاره محسن شاب جميل، يقرأ ويطالع، يزورنا دائماً ونزوره. أو بالأحرى لم تكن تمر مناسبة إلا ونذهب إلى العمارة، إلى أهلنا هناك أو يأتون هم إلينا. أذكر، مذ كنا صغاراً، كنا في العيد نذهب أنا ومحسن إلى أقربائنا الآخرين، ندور عليهم بيتاً بيتاً نعايدهم ونأخذ العيدية فلوساً صفراء رنانة نجمعها بفرح شديد ثم نمضي إلى المراجيح نلعب حتى غروب الشمس. وكان ذلك يشد الروابط بيننا، حتى غدونا صديقين حميمين أحبه أشد الحب ويحبني أشد الحب. لكن حين كبرنا وجدنا أنفسنا وكل منا في خندق. وهو في الخندق القومي وأنا في الخندق الأممي. أبي، أخي الكبير، بل بيتنا كله في الخندق نفسه، لكنني لم أستطع يوماً إلا أن أحب أبا الإحسان كما كنت أسميه. الله كم كنا نتجادل!! "أفكاركم طوباوية! لن يرضى الغرب بتحقيق فكرة واحدة منها. لن ترضى بريطانيا أبداً بإقامة وحدة عربية". كنت أقول له فيهز رأسه "وهل تحسبنا سنأخذ إذناً من بريطانيا!؟ بالطبع. هي لن ترضى، أليس برسي كوكس هو الذي قسم الخليج إمارات ومشيخات!! أليس بلفور هو الذي أعطى فلسطين لليهود؟ سايكس هو الذي قسم بلاد الشام؟ أجل هي عدوتنا اللدود وهي عدوة وحدتنا، فكيف ترضى أن نصنع أية وحدة؟ نحن سنقاتل من أجل هذه الوحدة. باللين بالقوة سنصنع الوحدة لأننا نؤمن أن لا خلاص لهذه الأمة إلا بوحدتها". كان محسن بارعاً في النقاش وكان يفحمني حيناً وأفحمه حيناً آخر لكن ذلك كله لم يفسد للود قضية بيننا. ربما هو الدم. ربما هي صداقة الطفولة والصبا، وربما هو ارتباطه بفاطمة، أختي التي أحببت أكثر من كل من في العالم. لقد أحب كلاهما الآخر، ورغم معارضتي لزواج الأقارب وكرهي لتلك العادة البغيضة، لم يسعني إلا أن أوافق وقد تعلق كل منهما بالآخر إلى درجة بدا فك ارتباطهما من المحال!! كان محسن قد ذهب إلى الكلية الحربية وكان قد غدا ضابطاً بنجمة ذهبية لامعة حين بنى بفاطمة وذهب إلى بغداد. محسن تنقل وتحرك، وحدته العسكرية كانت تكلف بالمهمات الصعبة بل أيام الحرب مع إيران، خاض محسن، كما روى لي القادمون من البصرة، معارك طاحنة. جرح في بعضها ونال أوسمة على بعضها الآخر، كما حصل رتباً إلى أن صار مقدماً في الحرس الجمهوري. تصوروا ابن عمي يحرس عدوي!! مع ذلك لم يكن باستطاعتي أن أكرهه، هو ابن عمي وزوج أختي فاطمة التي أحبها اكثر من كل شيء في العالم، فكيف أنت اليوم يا فاطمة؟). *** فاطمة فرحة سعيدة إلى درجة النشوة، بل العراق كله فرح سعيد إلى درجة النشوة. لقد عادت الكويت إلى الوطن الأم. مدن العراق، قراه، كلها تهزج فرحاً بعودة الكويت. بغداد تتلألأ أنواراً وزينات بهجة برجوع الغائب إلى أهله. أبو نواس، الرشيد، الكاظمية، المنصور، العامرية، شوارع بغداد كلها ترقص طرباً وغبطة. مقاهيها لا تنام. رجالها، نساؤها، أطفالها كلهم يهزجون، بل في كثير من الساحات تعقد الدبكات ويرقص الرجال بالسيوف. محسن بنجومه المذهبة وأوسمته اللامعة يرقص، أولادها الثلاثة يرقصون، ومكبرات الصوت تملأ ساحات بغداد أهازيج فرح وأناشيد حماسة. ـ أتسمعين؟ كم هو رائع أن نلم شتات هذا الوطن، فيصبح دولة واحدة بعلم واحد وجيش واحد من بغداد إلى تطوان؟ ـ نلمه بإذن الله. طالما هناك رجال، الرجال يصنعون المعجزات. ردت فاطمة وهي تقوده إلى الديوان، يجلسان جنباً إلى جنب يظللهما جناحا الحب والرغد. ـ والنساء أيضاً. نحن نؤمن أن الرجال بلا نساء لا يصنعون شيئاً. ـ حقاً، ابن عمي!! أتؤمنون بذلك؟ ـ وهل تشكين؟ ـ لا أدري. أحياناً أجد أناساً بينكم لا تقل أفكارهم تخلفاً عن الحاج صويلح. أتذكر الحاج صويلح؟ محسن يتذكر الحاج صويلح جيداً، لقد كان أعتى عتاة المتمسكين بالملكية في البصرة، المدافعين عن فيصل وحاشيته حتى أنه حزن كل الحزن يوم سحلوا نوري السعيد في الشوارع، وأعلن عليه الحداد. ـ ربما، بيننا أناس كالحاج صويلح. رد محسن وقد عاد بذاكرته بعيداً إلى الوراء، لكن الأغلبية في الحزب ثوريون يريدون قلب المجتمع رأساً على عقب، تغييره تغييراً جذرياً، يقضون على هذا الموات فيه ويبعثونه للحياة. ـ آه! محسن!! كم أحلم أن نخلص من هذا التخلف!! ـ سنخلص، صدقيني. نحن أعلنا حرباً على الجهل والأمية، والجهل والأمية ساقا التخلف اللتان يسير عليهما. اكسريهما يقعد التخلف عاجزاً كسيحاً. وضحكت فاطمة ضحكة السعادة فقد كان محسن دائماً مغرماً بالصور البلاغية. وكانت فاطمة تعبده لصوره البلاغية تلك. أول مرة لفت انتباهها كانت في السادسة عشرة من العمر وكان هو في العشرين. انتهز فرصة وجودها على السطح وحيدة، تجهز قعدة المساء والبدر أول طلوعه من الشرق. صعد الدرج لكن دون أن يصل إلى السطح. هناك، في أعلى السلم وقف يترنم ببيتين لا تنساهما فاطمة أبداً. كان يريدها أن تسمعه، وكان في الوقت نفسه يرعى حرمة البيت والقربى، فراح يترنم. نشرت ثلاث ذوائب من شعرها في ليلة فأرت ليالي أربعاً واستقبلت قمر المساء بوجهها فأرتني القمرين في وقت معاً منذ تلك اللحظة هوى قلبها مرتمياً بين راحتي محسن وسرعان ما أمسك به ثم لم يفلته بعد ذلك قط. ـ يعني، لديكم في القيادة يؤمنون حقاً بمساواة المرأة بالرجل؟ سألته فاطمة بكثير من الحب. ـ كيف لا؟ نحن كلنا نؤمن أن المجتمع يقوم على ساقين هما الرجل والمرأة. ـ الله!! هو ذا الكلام الجميل!! ساقا المجتمع أختان توأمان فكيف يريدونه أن يمشي بساق واحدة؟ ـ ها، هو ذا ما يقوله حزبنا: حين انقسم المجتمع إلى حرملك وسلملك أصبح الحرملك عبئاً على السلملك وعدواً له: نصفين متضادين متناقضين، فماذا حصل؟ أصيب المجتمع بالفصام. ـ ما الفصام هذا؟ سألته فاطمة التي قصم الزواج المبكر ظهر دراستها فلم تتجاوز الصف العاشر. ـ الفصام أن يكون للشخص الواحد شخصيتان مختلفتان، كلتاهما تناقض الأخرى وتعمل ما يعاكسها فتلغي الأولى ما تفعله الثانية والعكس بالعكس. ـ تعني العطالة؟ ـ بالضبط، وعطالة المجتمع تعني توقفه عن الحركة والتقدم. ـ يا إلهي!! كم علينا أن نتقدم!! كم ينبغي أن نكافح التخلف! ـ وهذا ما نطرحه. ألم تسمعي؟ نريد محو الأمية، إزالة الفوارق الطبقية، تحقيق المساواة، العدالة الاجتماعية من أجل هدف واحد بعيد. ـ صنع دولة حديثة وعراق صناعي متقدم؟ تابعت فكرته وقد توقف لحظة من الزمن ربما شارداً مع أحلام زاهية لا تفتأ تلوح له. ـ صحيح، صنع عراق مصنّع متقدم. يحرق المراحل ويقفز فوق حاجز التخلف لاحقاً بركب الحضارة. حينذاك فقط يمكنه بسهولة أن يحقق الوحدة!؟ ـ الوحدة!! يا إلهي!! ما أجمل أن يتحقق هذا الحلم!! ـ سيتحقق. رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وقد بدأنا هذه الخطوة. ترى ألم تصبح الكويت المحافظة التاسعة عشرة؟. مارغريت تاتشر تسمع السؤال فترد بعصبية شديدة وغضب أشد. ـ لا، لن تصبح الكويت المحافظة التاسعة عشرة. هذا الغزو جريمة نكراء يجب أن ننزل بمرتكبها أشد العقاب. ويرتجف مجلس العموم أمام قبضة المرأة الحديدية وهي تهزها في وجهه مثيرة محفزة، فيهب المجلس كله وهو ينتفض غضباً، وبصوت واحد يرد: ـ أنزلي به أشد العقاب. نحن معك قلباً وقالباً. سيري ونحن من ورائك. وتنداح أمواج الصوت مشحونة بالحنق والغيظ تبلغ كاوبوي واشنطن فيرغي بدوره ويزبد. ـ أولئك في الكويت حلفاؤنا، مرافئهم قواعد لنا، نفطهم يصب في خلجاننا، فكيف نتخلى عنهم؟ وهب جيمس بيكر لنجدة الحلفاء. لندن، باريس، القاهرة، الرياض؟ طائرته لا تحط إلا لكي تطير. رأى اللاجئ المشرد في الرياض فبكى عليه دموعاً لا أغزر ولا أسخن. ـ بعد ذلك العز، تصبح مجرد منفي لاجئ!؟ وبكى معه الأمير اللاجئ وقد حنى الدهر ظهره فلم يعد يستطيع رفع رأسه، شيّب شعره وكأنما لم يعد في العالم صباغ. ـ أرأيت؟ أنا حليفكم المخلص يفعلون بي ذلك، فماذا سيفعلون بالآخرين؟ ماذا سيحل بسمعتكم وهيبتكم!؟ أنا واثق أن أحداً بعد اليوم لن يثق بكم، لن تبقى لكم مصداقية فيبتعد عنكم العالم، ولا يظل لكم حليف. ـ خسئوا! سنفعل المستحيل لإثبات مصداقيتنا. اطمئن، أنت حليفنا وفي عهدتنا، وإعادتك إلى الكويت مسؤوليتنا. ـ حقاً ستعيدونني!؟ ـ أو تشك في ذلك؟ سأله بعد طول تمعن. ـ ما أدري. والله ما أدري. الأيام تمر وأنا أسمع جعجعة ولا أرى طحناً. ـ سترى الطحن. لقد دبرنا كل شيء وفكرنا بكل شيء. الفخ نصبناه بأيدينا وقد وقع فيه. لوحنا له بالطعم فالتهمه. لم يعلم أنه مجرد طعم. الآن نحن سعداء بل أنت نفسك يجب أن تكون سعيداً. ـ كيف أكون سعيداً وقد فقدت إمارتي؟ رد اللاجئ المشرد وقد توقف دماغه عن استيعاب ما يقوله الوزير الأمريكي شديد الصلف والغطرسة. ـ أوه!! بودي أن تكون أسرع فهماً!! نحن أردنا من صدام أن يخطئ، أن يغريه الطعم فيلتهمه. حينذاك ننقض عليه ونقصم ظهره. ـ حقاً، ستقصمون ظهره!؟ ـ لماذا إذن نخطط ونتعذب؟ الجيش العراقي صار جيشاً قوياً يهدد أمن إسرائيل، يخل بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة. غايتنا أن نقضي على هذا الجيش. ـ ويصبح العراق ضعيفاً بلا جيش، مثلنا مثله؟ ـ بالطبع. حرب إيران كلها كانت من أجل هذه الغاية. حرضنا طهران على بغداد وبغداد على طهران وقلنا "ناب كلب بجلد خنزير، ليصفِّ واحدهما الآخر نرتح منهما كليهما"، لكن المخطط أخفق، بل خرج الجيش العراقي أقوى من ذي قبل، فكيف نسكت عنه؟ كيف لا نخطط لإبادته؟ ـ يا إلهي!! هي ذي فكرة عبقرية! فكرة عبقرية!! راح الأمير الهارب يهتف فاركاً يديه الواحدة بالأخرى. ـ ثم هو يريد رفع أسعار النفط، يريد خمسة وعشرين دولاراً ثمن البرميل الواحد. وقح هذا الرجل!! جشع! طماع! لكأن النفط ملك أبيه. يرفع الأسعار ويجعل أبناء الغرب يعانون. قلنا لك أغرق الأسواق بالنفط، خفض الأسعار، ألا تذكر؟ ـ كيف لا، وقد أغرقت الأسواق وخفضت الأسعار حتى صار البرميل بعشرة دولارات؟ وقهقه اللاجئ الشريد وقد نسي تشرده ولجوءه. ـ بهذه الضربة سنحرم ابن أنثى من التفكير برفع الأسعار. نحن نريد نفطاً رخيصاً. المستهلك لدينا يريده كالماء متوفراً رخيصاً، وكل من يهدد ما يريده مستهلكنا يمسح عن وجه الأرض. ـ حياكم الله يا أصدقائي!! حياكم الله يا حلفائي!! هذا البعبع المخيف أريحوني منه!! هذا السفاح المجرم اقضوا عليه!! ـ لماذا إذن جررناه إلى الشرك؟ هز رأسه وزير الخارجية الماكر هزة مكر ثم ضحك. لا، لا، كل شيء بحسبان. ـ يا إلهي!! لو قلتم لي ذلك فقط ما كنت قد خفت كل ذلك الخوف. صدقني، عزيزي جيمس، كنت وأنا في قصري أرقص خوفاً منه في بغداد. ـ هو ذا ما كنا نبغيه: نرخي له الحبل إلى أن يتمادى. ـ يتمادى وحسب؟ تصور يريدني أن أعفيه من الديون؛ عشرة مليارات دولار، تصور، وفوق ذلك يريد مليارين آخرين، كأنه يريد أن يقاسمني إمارتي، يريد أن ينهبني. لا، والأنكى من ذلك يريد حقل نفط بكامله وجزيرتين يجعل منهما قواعد بحرية، هنا، تحت أنفي. وفجأة توقف ثم تفحص الوزير القادم من واشنطن. بعدئذٍ تابع: ما أريد أن أعلمه فقط لماذا تركتموني وحدي في مواجهته طوال تلك المدة؟ ـ هي ذي أصول اللعب. ـ أصول اللعب أن تسمعوا تهديداته وتسكتوا؟ أن تذهب سفيرتكم في بغداد فتقول له: "نحن نعتبر ما بينكم وبين الكويت شأناً داخلياً ونحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول؟" ـ أجل... أجل!! ـ لا، أنا لا أفهم. تميتونني خوفاً وتقولون أصول اللعب؟ ـ يا صديقي الذكي! لو لم نفعل ذلك كيف كان سيغزو الكويت؟ لو لم نتظاهر بالتخلي عنك كيف كان سيجرؤ على التهام الطعم؟ ـ آ! الطعم!! قلت لك الطعم!! راح يردد بلهجته البدوية وأكره ما يكرهه أن يتحول هو وإمارته إلى طعم. ـ أجل. القرش تصيده بطعم، الحوت تصيده بطعم، بل حتى الليث الضرغام تصيده بطعم. ـ صح. في هذا تقول الصح!! ـ الآن أمسكت السنارة بالقرش فأين يفلت؟ سنمزقه إرباً إرباً!! ـ يا إلهي!! كم سأكون سعيداً!! ـ ألم أقل لك الآن يجب أن تكون سعيداً؟ في ذهننا خطة كبيرة، قال وهو يشير إلى رأسه. خطة جهنمية تقضي على العراق: جيشاً، صناعة، اقتصاداً، طرقاً، جسوراً، مياهاً، كهرباء، بل حتى بشرا وإلى الأبد. ـ الله!! هو ذا الحلم! عراق ضعيف لا يشكل خطراً ولا تهديداً. ـ ولسوف نحقق لك هذا الحلم!! تأكد، سوف نحققه. الكاوبوي بارع دائماً في سوق الثور إلى حيث يريد، في حصاره، ثم إسقاطه وذبحه. بالأنشوطة يوقع الثور، يلفها حول عنقه ثم يسقطه وحين يسقط الثور يسهل عمل السكاكين!! ـ وسكيني أولاً!! أجل، سأغرز سكيني في عنقه!! ثم أشرب من دمه. أجل، سأشرب من دمه!! ورقص شيء ما في صدر الوزير القادم من واشنطن وهو يرى شرر الحقد يتطاير من عيني اللاجئ الشريد. ـ فقط نريد المال، انتهز الوزير الفرصة للتو. ـ المال؟ ملعون أبو المال!! صاح الأمير المنفي وقد التهبت نخوته العربية وفارت أريحيته. أموالي كلها، إمارتي كلها تحت تصرفكم. اطلب وتمنَّ عزيزي جيمس!! ـ لا، نحن لا نريد الكثير الآن. فقط عشرة مليارات. ـ عشرة وحبة مسك، فقط أعد لي إمارتي. خلصني من ذلك الوحش المرعب. وبالسرعة التي كان ينطق بها لسانه الكلمات، كانت يده تخط على شيك أرقاماً وحروفاً تتيح للعزيز جيمس أن يقبض من مصارف نيويورك عشرة مليارات من الدولارات. طوى جيمس الشيك على مهل وهو يبتسم ثم همس في أذن الأمير. ـ الآن، ضع يديك ورجليك في ماء بارد. الخطة منذ اللحظة قيد التنفيذ. باقر لم يخطر بباله أن هناك مثل تلك الخطة. لكن نمراً وأبا الليل بل جماعة المعسكر كلهم كانوا في حالة توجس. ـ أنا خائف، خائف. قال أبو الليل ذات مساء وهم يرشفون كؤوس الشاي. ـ على من؟ سأل يسار الذي كان قد عاد من حادثة الحانة بجرح في خده وخدوش في صدره وذراعيه لما تشف بعد. ـ على العراق، أجاب أبو الليل، هو الذي لم يخفِ فرحته يوم سمع بضم العراق للكويت. ـ لا، لا تخف على العراق، إن كانت مؤامرة فهي على صدام، وكم أرجو أن تنجح فتخلصنا منه. تدخل باقر وهو يكز على أسنانه حقداً على حاكم بغداد. ـ لا، لا، المسألة تتعدى الفرد. المؤامرة على العراق كله، شرح نمر وهو يحدق إلى باقر تحديقة العتب واللوم، والعراق بلدك، شعبه شعبك وجيشه جيشك. ـ أياً كان، ليس أحب على قلبي من إسقاط ذلك النظام في بغداد، نظام الدكتاتورية والبغي، الجور والعدوان. ـ يا سلام!! لو استلمتم أنتم ستكونون أحسن!! علق أبو الليل بكثير من السخرية. ـ لم لا؟ رد باقر باندفاع غريزي. ـ رأيناكم أيام عبد الكريم قاسم!! الزعيم الأوحد، الفرد الصمد!؟ تابع تعليقه وهو يعلم أن ذلك قد يجره إلى معركة حامية الوطيس مع باقر. ـ عبد الكريم قاسم خير من صدام. بدأ باقر رده لكن سرعان ما قاطعه أبو الليل. ـ أنا لا أقول صدام خير من قاسم أو قاسم خير من صدام. بل أقول: هنا حكم الفرد الواحد الأحد، وهناك حكم الفرد الواحد الأحد. ما عدا ذلك لا يعنيني. ـ كيف لا يعنيك وهناك ملايين الفارين من ظلمه؟ ملايين المشردين في أصقاع الأرض كافة!؟ حاكم باغ طاغية يقتل بكل دم بارد حتى أقرب المقربين إليه. ـ لكنه صنع عراقاً قوياً. جيشه وقف في وجه إيران ثماني سنوات. صناعته تطورت. اقتصاده ازدهر. وهو الآن قوة حقيقية يحسب لها ألف حساب. ـ وماذا يهم إن ربحت الدنيا وخسرت نفسك؟ سأل باقر بكثير من الحدة. ـ أنت لا يهمك إلا نفسك. كلكم لا تفكرون إلا بأنفسكم. أنا أعرفكم. مصلحتكم وحسب. أما الوطن، المصلحة العامة... ـ ماذا تقول يا رجل؟ قاطعه باقر بحدة أشد. رجل يبغي ويطغي وتدافع عنه؟ يقتل، يسجن، ينفي، يشرد وتدافع عنه؟ ـ كلهم كذلك، في الوطن العربي كله الحكام كذلك، أم هناك حكم ديمقراطي يوفر الحرية والكرامة للمواطن في أي بلد من بلدانه؟ الفرق هو أن نظام الحكم في بغداد يبني لا يهدم، يحافظ على ثروات وطنه لا ينهبها. ـ يا جماعة!! يا جماعة!! صاح يسار وقد أنهى كأس شايه وسيجارته. تريدون أن نمضي السهرة كلها في هذا النقاش العقيم؟ لكن صفارة الإنذار وحدها هي التي أوقفت ذلك النقاش العقيم، فقد انطلقت فجأة مدوية منذرة، فيما ملأ الليل كله هدير طائرات ودوي انفجارات. أسرع الرفاق جميعاً إلى الملجأ الكبير الغائص في عمق التلة. هناك راحوا يستمعون للدوي والهدير، كانت المعركة تدور في الجنوب والغرب، وكان الإسرائيليون يردون على عملية جريئة قام بها الفدائيون قرب قلعة الشقيف. ساعتين ظل الدوي والهدير، وساعتين ظل الترقب والخوف، فمن يعلم متى تمتد العصا الإسرائيلية إليهم، هي التي لا توفر فرصة لضرب الفدائيين؟ كان باقر يعلم أن العمل الفدائي دخل عنق الزجاجة منذ زمن طويل وأن الضربات التي تلقاها واحدة إثر الأخرى كانت أكثر من قاصمة للظهر إذ كان لا يفتأ يردد "إيه يا أيام العز!! ما أروع العمل الفدائي والدهر مقبل عليه!!" فحين غادر العراق هارباً من النظام، كان العالم كله ما يزال ميدان قتال للفدائيين، العالم كله يفتح عينيه إعجاباً بهم وكان رجال المقاومة يصولون ويجولون: في الداخل، في الخارج، في لبنان، في الغور، بل حتى في ملاعب زيوريخ وسماوات الدنيا السبع. إسرائيليون يقتلون في ملاعب أوروبا، إسرائيليون يسقطون صرعى وهم في مزارعهم، مدنهم، قراهم، طائرات تخطف ليدب الهلع في أوصال إسرائيل كلها وتنطلق الصرخات والزعقات من رجالها ونسائها. لقد كانوا يتوقعون كل شيء إلا أن يفيق مارد علاء الدين ويحطم القمقم الذي أحكموا سده. كان بحر المقاومة في حالة مد، والناس لا يحبون كالمد. من اليابان، أوروبا، أمريكا، إفريقيا، المقاومة تستقطب أنصار الحرية، المدافعين عن استقلال الشعوب وكرامتها، فكيف لا تستقطب باقراً نفسه؟ جاء إلى قيادة الجبهة، وضع نفسه تحت تصرفها، فدربوه. أشهراً ستة ظل في ميادين التدريب، على السلاح، على القتال القريب، القتال البعيد، أساليب الكر والفر، حرب العصابات، كلها تدرب عليها ثم بدأ التنفيذ. خمس عمليات شارك فيها، من غور الأردن وحتى الناقورة. كان مسرح العمليات واسعاً. في العرقوب نفسه قام بعملية يفخر بها. ثلاثة جند صهاينة قتل يومذاك وتناقلت إذاعات العالم كلها خبر العملية الجريئة لكن دون أن يعلم أحد أنه هو باقر عبد الوهاب التنكجي القادم من عراق العرب قد قام بتنفيذها. منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان حل الجزر الشديد. أرائيل شارون سدد ضربة قاتلة للمقاومة، حسرها عن الجنوب، أبعدها عن الحدود حيث كانت ضربات المقاومة توجعه، بل حاصر حتى بيروت ولم يفك الحصار إلا وقد حزمت المقاومة أمتعتها راحلة إلى الغرب منفية من جديد إلى حيث يحرم عليها القتال والمقاومة. جبهة باقر ظلت في الشرق. منظمتان أو ثلاث أخريات ظلت في الشرق، حيث أيضاً كان الخناق يضيق، فأين يذهب باقر؟ أيعود إلى بغداد؟ إذن، فوهة الجحيم بانتظاره!! إلى موسكو؟ موسكو نفسها تغوص في الوحل. يوماً بعد يوم تغوص في الوحل. استونيا، ليتوانيا، لاتفيا، ألمانيا كلها تنفصل عنها، تتفرج عليها من بعيد ملوحة لها تلويحة الوداع وهي تغوص في الوحل، معسكرها الاشتراكي كله يتفكك جزءاً بعد جزء وقطعة بعد أخرى وهي تغوص في الوحل. بيرسترويكا غورباتشوف تتكشف يوماً بعد يوم عن أنها مؤامرة خطيرة: باسم الثورة على الخراب يحل الخراب، باسم إعادة البناء يمارس الهدم، فماذا يفعل باقر؟ يدخل فلسطين؟ يلحق بالانتفاضة والانتفاضة للأطفال، لمن هم في الداخل؟ باقر ليس طفلاً وليس هو في الداخل. باقر عراقي، جاء إلى المقاومة ذات يوم بهدف العودة إلى العراق لتحريره من دكتاتوره. نصب عيني باقر دائماً ذلك الدكتاتور، يشدد قبضته على العراق ويخنق كل من فيه. تلك هي المشكلة: كيف الخلاص من ذلك الطاغية؟ لكن استرداده للكويت لم يضع باقراً وحسب بل العرب كلهم في حيص بيص: تكره التجزئة وتؤيد الوحدة؟ إذن ستفرح لما فعل وتجد نفسك في صفه شئت أم أبيت. تقف ضده؟ إذن أنت في صف الإمبريالية والصهيونية، فأي مأزق أنت فيه؟ لقد غدت الكويت فجأة محط أنظار العالم. الأنكلو أمريكان يصرخون طلباً لنجدتها والعرب يفضلون ترك المسألة لجامعتهم تحلها. أولئك يريدون تدويلها، وهؤلاء يريدون إبقاءها عربية صرفة. إعلام الأنكلو أمريكان نشط: صحفه، إذاعاته، تلفزيوناته، كلها سخرت للبكاء على الحمل الذي ذبحه الدكتاتور المستبد، لرثاء البلد الآمن الذي غدر به هتلر العصر الحديث، لمهاجمة حاكم بغداد المستبد ذلك الذي بات يشكل خطراً على العالم أشد من خطر الذرة والهدروجين. "يا حلفاءنا وأتباعنا، احظروا نفط العراق" صدرت أوامر الأنكلو أمريكان فتوقفت شركات النفط، المستوردون، المصدرون عن شراء نفط العراق. ناقلات النفط العملاقة تلك التي كانت متوجهة إلى البصرة والفاو حولت مسارها عن البصرة والفاو. أنابيب النفط التي كانت تضخ النفط إلى الغرب أغلقت بسدادات محكمة فلم تعد تصل قطرة واحدة إلى الغرب. "يا أصدقاءنا وأصحابنا حاصروا العراق. أوقفوا البيع والشراء معه". انطلقت أبواق الأنكلو أمريكان في شرقي الأرض وغربيها فوجدت الأرض نفسها تتوقف عن الدوران في العراق. جبالها، وديانها، أنهارها، أهوارها، كلها توقفت عن الحركة، تجمدت في مكانها كجبال الجليد. منافذ الحدود كلها أغلقت، حركة الطيران توقفت، وغدا العراق كله جزيرة في بحر لا يربطها بالعالم جسر ولا تصل إليها سفينة. "يا أنصار الأنكلو أمريكان اتحدوا" حملت موجات الأثير إلى كل مكان نداءات لندن وواشنطن فهب الأنصار من كل مكان وقد باتوا أتباعاً وحواشي في بلاط إمبراطور العالم، الحاكم بأمره جلت قدرته، جورج بوش العظيم. أليس الناس كلهم، لا رجال مصر فقط، عبيداً لمن غلب؟ جورج بوش غلب، بل كان قد سجل أعظم انتصارات الأنكلو أمريكان: هزيمة الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي. كيف إذن لا يسارع الممالئون، المنافقون لتمسيح جوخ بذلته؟ كيف لا يصفقون لكل ما يقول؟ يباركون كل ما يفعل؟ "هو إمبراطور العالم، إذن أمره مطاع وسيفه قطاع. يدين غزو العراق؟ إذن الكل يدينه. يقول إنه عدوان وبغي إذن هو عدوان وبغي. يريد عودة كل شيء كما كان، إذن، ليعد كل شيء كما كان. لكن حاكم بغداد يبتسم من بغداده، قلعة الصمود، تبسم الساخر. "لا شيء يعود كما كان. ثمة أمر واقع ولا بد من احترام الأمر الواقع، متغيرات جذرية حدثت ولا بد من التعامل طبقاً لتلك المتغيرات" جواب صدام على رأس لسانه. ثم تأتي ردود فعله من جنس فعل الآخر. مقابل كل حركة حركة. "نرفض احتلال الكويت" تصرخ أبواق الأنكلو أمريكان فيعين صدام علاء الدين حسين، ابن الكويت، حاكماً للكويت. "لا نقبل إلا بالانسحاب الفوري" فيعلن صدام الكويت محافظة من محافظات العراق. تماماً كما كانت أيام الاستعمار العثماني تابعة لولاية البصرة. يحركون الأساطيل، الجند، الطائرات إلى الخليج، يحرك هو الدبابات والمصفحات إلى حدود الكويت الأخرى، يضربون الحصار على العراق، تضع بغداد يدها على الأمريكان، الإنكليز، الفرنسيين، البلجيك الهولنديين... ممن تجدهم على أرض العراق. "هم رهائن، محتجزون هنا إلى أن ترفعوا حصاركم عن العراق وتوقفوا ارتهانه". باقر يتابع الأحداث بلهفة وتوجس. معسكر الحاصباني، العالم كله يتابع الأحداث بلهفة وتوجس، وهي تترى سريعة متلاحقة مثلما الأيام تترى سريعة متلاحقة. فلا يفيق باقر على ما نام عليه ولا ينام على ما أفاق. المعسكر، مثلما العراق تجمد، لم يعد ثمة من يفكر بعملية، تدريب، مهمات. كانوا كلهم يرصدون ما يجري هناك في الشرق عند بوابة الوطن، والأزمة تكبر. أمام أعينهم تكبر ككرة من ثلج تتدحرج على سفح جبل. نمر متشائم، بل يزداد تشاؤمه يوماً بعد يوم: يسار شكاك ساخر لا يفتأ يوجه الاتهامات للنظام في بغداد. أبو الليل بين بين. أحياناً يجده باقر متحمساً فرحاً سعيداً وأحياناً أخرى منكمشاً حذراً خائفاً. باقر نفسه خائف. موجة الفرح الأولى انحسرت لتترك أثرها مزيجاً من خوف وشك، لا تزيده نقاشات الرفاق إلا سوءاً. ـ ورطة، ما أظنها إلا ورطة، قال نمر ذات مساء وقد استمعوا لمارغريت تاتشر تهاجم صدام حسين. "يحتمي بالأطفال والنساء!! يحتجز مواطنينا رهائن، شأنه شأن أي إرهابي قذر!؟ إذن سنلقنه درساً لن ينساه أبد الدهر". ـ لا ورطة ولا ما يحزنون، رد أبو الليل محتجاً. احتجاز الغربيين كرهائن هو عين الصواب، فليبارك الله صداماً!! ـ ماذا تقول يا رجل؟ تدخل باقر بكثير من الضيق. صدام يغوص بالوحل أكثر وأكثر ونحن نغوص معه. ألم تسمع ما قالته المرأة الحديدية؟ ـ وهل تصدقها؟ سأل يسار ساخراً. إن هي إلا لعبة، مؤامرة، الكل شركاء فيها. ـ ماذا تعني؟ تدخل أبو الليل، هو الذي يكره لغة التشكيك كل الكره. مؤامرة!؟ كيف؟ ـ منذ البداية، هي مؤامرة مدبرة، اتفاق على كل شيء. بوش أوعز لصدام: احتل الكويت، احتل الكويت. ضمها للعراق، ضمها. احتجز الرهائن، احتجزهم. أم تظن أن هناك حاكماً واحداً في وطنك العربي يتصرف من تلقاء نفسه؟ هي أوامر تأتيهم فينفذونها. ـ وهذا العجيج والضجيج، لماذا إن كان مؤامرة هم فيها شركاء متفقون على كل شيء؟ سارع أبو الليل للرد في عينيه مزيج من استغراب وغضب. ـ هذا ما يسمونه في الأفلام والمسلسلات: الموسيقى التصويرية. ـ لا، لا، مستحيل، قال نمر. ـ يسار، أنت تخلط الهزل بالجد. تهرف بما لا تعرف، تابع أبو الليل، وقد وجد فكرة يسار بالغة السخف. ـ بل أنا جاد كل الجد، رد يسار بحماسة أكثر، واثق من صحة كل ما أقول، وإلا كيف تفسرون عنتريات صدام وبهلوانياته؟ تحديه لأمريكا وبريطانيا بل العالم كله، وهو وحيد أوحد؟ وبدا السؤال بالغ الأهمية لباقر. ـ حقاً؟ تابع الفكرة متسائلاً، كيف يمكن أن يفعل ذلك؟ بل من في العالم يستطيع اليوم أن يتحدى سيدة العالم ذات الهيمنة والسيطرة؟ غورباتشوف نفسه يطأطئ رأسه صاغراً أمام بوش، يسير وراءه إن التقيا كأي تابع من أتباعه. ـ لا، لا، ليس الأمر هكذا. بدأ أبو الليل مستنكراً لكن سرعان ما قاطعه يسار. ـ ماذا، إذن؟ ملاكم من وزن الريشة يواجه محمد علي كلاي. يتحداه، كيف؟ من أين جاءته تلك القوة؟ تلك الجرأة إن لم يكن قد اتفق معه من قبل على اللعبة وتمثيل الأدوار. ـ أنا مع يسار، سارع باقر لتأييده، صدام يفعلها. أنا أعرفه. هو من الأساس متفق مع الأمريكان. لا يفعل شيئاً إلا بأمرهم. نحن نعلم ذلك. على يقين كامل منه وإلا لماذا يحارب الشرفاء؟ لماذا يشرد المناضلين؟ لماذا ملايين العراقيين باتوا خارج العراق؟ ـ هذه مسألة أخرى، باقر، أجاب نمر، علاقة صدام بالقوى والأحزاب في العراق شيء ودخوله إلى الكويت شيء آخر. ـ لا، هما شيء واحد، رد باقر مؤكداً على كل كلمة. ـ كيف، وقد فرحت فرح الأطفال بما فعل؟ وتلجلج باقر حائراً لا يدري ما يقول. ـ كلنا فرحنا، سارع أبو الليل لنجدة باقر. من المحيط إلى الخليج، الإنسان العربي يفرح بإزالة أي حدود. هو بحسه الفطري ضد التجزئة، يبارك كل شكل من أشكال الوحدة. أتذكرون يوم الوحدة بين سورية ومصر؟ بين هذين البلدين واليمن؟ أنا أذكرها جيداً. أعراس حقيقية قامت في شرقي الوطن وغربيه، فمن لا يفرح بالوحدة؟ من لا يسعده إنهاء هذا التمزق؟ ذلك الشتات؟ ـ بالقوة؟ سأله يسار. ـ وهل هناك وسيلة أخرى؟ رد أبو الليل. صدقوني ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. وحدتنا أخذت بالقوة، إذن ينبغي أن تسترد بالقوة. فلسطيننا أخذت بالقوة، أنستردها بغير القوة؟ ـ الغرب لا يوافق. ـ ليذهب الغرب فليبلط البحر. صاح أبو الليل ملء صوته. ـ أخشى أننا نحن الذين سنبلط البحر، رد يسار هازاً رأسه ساخراً. ـ كيف!؟ هاهو ذا صدام ضم الكويت، فماذا فعل الغرب سوى البعبعة والجعجعة؟ ـ صحيح، هو يبعبع ويجعجع الآن. تدخل نمر بنبرته التشاؤمية، لكن سيأتي يوم يفعل فيه شيئاً. يضرب ضربته الساحقة الماحقة. ـ لن يستطيع، قال أبو الليل. ـ وهذه القوى التي يحشدها في السعودية، الإمارات؟ هذه البوارج، المدمرات، حاملات الطائرات التي يوجهها إلى الخليج؟ ـ لا قيمة لها. أمريكا لا تجرؤ على دخول الحرب. فيتنام... ـ لا، أنا هنا أخالفك. سرعان ما قاطعه باقر، بأذني هذه سمعت نيكسون يقول "نحن لسنا على استعداد لدخول الحرب من أجل أية منطقة في العالم، ما عدا منطقة الخليج. إننا مستعدون لأن ندخل من أجلها حرباً عالمية ثالثة". ـ لهذا أنشؤوا قوات التدخل السريع، عاد نمر للتدخل. أقاموا القواعد في البحرين والكويت، قطر والسعودية، حتى إذا ما ظهر أي خطر على النفط ضربوا سريعاً مصدر الخطر. ـ أعرفتم إذن لماذا قلت هي مؤامرة؟ هتف يسار فرحاً وقد جرت الريح بما تشتهي سفينته. لعبة دخلها صدام وأمريكا معاً لغاية. ـ أية غاية؟ سأل أبو الليل باحتجاج شديد. ـ ها! أنا أقول لك. تدخل باقر وقد رأى صاحبه يتلجلج حائراً، الغرب يريد إعادة الاستعمار الكولونيالي إلى منطقة الخليج. أنا نفسي قرأت تحقيقاً قديماً عن هذه القضية. ـ ما الذي تقوله؟ سأل أبو الليل، فتابع باقر: ـ أجل، جنرال بريطاني عجوز جاء قبل عشر سنوات إلى منطقة الخليج. رآه أحد الصحفيين اللامعين فحاوره... توقف باقر لحظة، فحثه الكل بأعينهم وأيديهم لهفة وفضولاً. عندئذٍ تابع: "أتدرون ما قاله ذلك الجنرال العجوز؟" ـ ما قال؟ سأله نمر هذه المرة. ـ الاستعمار غير المباشر لم يعد كافياً لضمان نفط الخليج. لهذا السبب أبحث هنا عن كيفية إعادة الاستعمار المباشر: قواعد وجند، طائرات وبوارج، ويصبح بيدنا كل شيء فلا يهددوننا بقطع النفط أو زيادة أسعاره. ـ صحيح، صاح أبو الليل مثنياً، أحد أقربائي كان مهندساً يعمل في الإحساء وقد شارك في بناء مدينة حديثة لا تصلح إلا لسكنى الأجانب: مسابح ومنتزهات، بارات وسينمات. ـ لهذا، لم يتستر الجنرال البريطاني العجوز على مهمته. هناك مدن تقام في الخليج، مطارات ومرافئ، استعداداً للحظة الحاسمة، وهاهي اللحظة الحاسمة قد جاءت كما خطط لها الجنرال العجوز وكما صرح بذلك علناً لذلك الصحفي البارع اللامع. ـ إذن، كل شيء بخطة وترتيب، سأل نمر وقد فاجأته معلومات باقر. ـ بالطبع، بل إن الجنرال العجوز قال بوضوح حينذاك، سندفع الأمور دفعاً بالاتجاه الذي نريد وسنجعل حكام الخليج بأنفسهم يطالبون بعودتنا. نختلق الذريعة التي تجعل وجودنا عندهم ضرورة حتمية لا غنى عنها. ـ قد فعلوها إذن. وهاهم الحكام يطالبون اليوم بهم، يريدون حمايتهم. ـ هي ذي المؤامرة، هتف يسار فجأة، الذريعة التي قصدها الجنرال العجوز. صدام يصبح بعبعاً مخيفاً، فيتذرع به الملوك والأمراء ويطالبون الأنكلو أمريكان بإرسال أساطيل وطائرات كي تبعد عنهم شبح البعبع وخطر البعبع. ـ لكن، ماذا يستفيد صدام؟ ما تراها غايته؟ وجه أبو الليل سؤاله إلى يسار لكن باقراً هو الذي أجاب: ـ ها! صدام يصبح بطلاً قومياً يصفق له العرب جميعاً. فرح يسار وصفق لفكرة كان يؤمن بها لكنه لا يستطيع التعبير عنها، فيما بدا نمر أقرب للتصديق منه للشك، فالحكام العرب في نظره مدانون جميعاً إلى أن يثبتوا براءتهم، لكن أبا الليل ظل يلوح برأسه يمنه ويسرة: ـ لا، لا، الأمر أخطر بكثير وأعقد بكثير من أن تنظروا إليه بهذه السذاجة. وكان الخليج بركاناً يجيش دون أن يدري أحد متى ينفجر، كما كان العالم كله يغلي ويفور. بعضه مع الأنكلو أمريكان، بعضه مع بغداد وبعضه الآخر في حيرة وتردد. القوات تتحرك، الأساطيل تمخر عباب المحيطات، حاملات الطائرات تسرع مهرولة وكلها تتجه إلى الخليج. "انسحب من الكويت أو دمرنا العراق كله". راحت التهديدات تشتد، وأسرع فاعلو الخير يدلون بدلائهم: الجامعة العربية، فرنسا، الاتحاد السوفييتي والكل يريد نزع فتيل القنبلة. ـ سيدي الرئيس، انسحب من الكويت. أرجوك يا سيدي الرئيس، قال رئيس الجامعة، عصمت عبد المجيد، لصدام حسين وهما يلتقيان للمرة الثالثة. ـ كيف؟ الكويت أرض عراقية، أينسحب المرء من أرضه؟ ـ لكنك تعلم، سيدي الرئيس. هناك أمر واقع في الوطن العربي لا بد من احترامه. ـ أمر واقع فرضه علينا الاستعمار ونحن ضعفاء، اليوم نلغيه ونحن أقوياء. ـ الأمريكان يستعدون العالم كله عليكم، يقيمون التحالفات، يحرضون الدول كلها على محاربتكم!! ـ لن يخيفنا الأمريكان!! فيتنام هزمتهم بالأمس والعراق ليس أقل قوة ومضاء من فيتنام. ـ الظروف اختلفت سيدي الرئيس. يومذاك كانت أمريكا دولة واحدة تعتدي وكان هناك قطب ثان في العالم. أما اليوم فهناك ثلاثون دولة تساند أمريكا وليس هناك قطب ثان في العالم. ـ أنت فقط قل للعرب: ابتعدوا، لا تحالفوا الأعداء وأنا كفيل بالتصدي للأمريكان. ـ العرب أنفسهم يريدونك أن تنسحب. ـ هم أتباع لأمريكا، يرددون ما تقوله لهم، وإلا كيف يقلبون مقولة العرب "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". ـ لست أنا من يملك الجواب يا سيدي. لكن أرجوك. لا تعطِ ذريعة للأمريكان يدمرون بها العراق؟ يهدمون كل ما بنيت فيه؟ ـ الأمريكان يريدون تدمير العراق بذريعة أو بغير ذريعة. أتذكر ما فعلت إسرائيل بمفاعلنا النووي ما إن نشبت الحرب بيننا وبين إيران؟ أتذكر ما قاله إسحق رابين ما إن انتهت الحرب بيننا وبين إيران؟ رئيس الجامعة العربية يذكر، فرئيس الوزراء الإسرائيلي يومذاك كان واضحاً وضوح الشمس "الجيش العراقي اليوم قوي يهدد التوازن الاستراتيجي ويشكل خطراً علينا، إذن لا بد من القضاء عليه. مع ذلك، يقول عصمت عبد المجيد: ـ سيدي الرئيس، نحن نعلم أن ذلك ما تهدف له إسرائيل وما تخطط له أمريكا: ضرب الجيش العراقي، تدمير الصناعة العراقية، إيقاف قطار التقدم العراقي، لهذا ينبغي أن نفوت عليهم ا لفرصة، أن نضحي بالجزء من أجل الكل، نقدم الكويت قرباناً لسلامة العراق. ـ لينسحبوا من الخليج، أنسحب من الكويت. ليرفعوا أيديهم عن المنطقة، أرفع يدي عن الكويت. واعتبر رئيس الجامعة ذلك بشرى سارة نقلها لزعماء العرب، لجورج بوش، لمارغريت تاتشر. ـ وافق صدام على الانسحاب من الكويت، فقط انسحبوا أنتم. لكن ماغي كشرت عن أنيابها تكشيرة صفراء: ـ نصدقه؟ كيف وهو ما يزال يحتجز رهائننا الأطفال الأبرياء والمدنيين العزل؟ فيما صرخ كاوبوي واشنطن غاضباً: ـ بلا شروط، عليه أن يحرر الرهائن وينسحب من الكويت بلا شروط. صاغراً ذليلاً عليه أن يفعل ذلك. وجاء دور الفرنسيين. الفرنسيون معنيون: ثمة فرنسيون وفرنسيات في الأسر، رهائن لدى صدام فلماذا لا تتوسط؟ حركة فرنسا أسهل وقدرتها على الإقناع أكبر. وأوشكت وساطة ميتران أن تفلح. بل جاءت لحظة أوعز فيها لطائرته بالاستعداد للطيران إلى بغداد، لكن الكاوبوي زأر وهدر: ـ قف. حركة واحدة وأطلق النار. وتسمر ميتران مذهولاً في البدء، أخيراً نطق: ـ لكن، لماذا سيدي الرئيس. الرجل وافق على الانسحاب من الكويت وتحرير الرهائن. فقط نرفع الحصار عنه وننسحب من الخليج. ـ اسكت، ولك حصتك من "الطرطة". رد إمبراطور العالم بقدر غير قليل من الغطرسة. وسكت ميتران وقد سال لعابه لذكر "الطرطة". لكن غورباتشوف لم يسكت. "مطلب بغداد عادل: ينسحبون ينسحب، يفكون الحصار يفك الحصار". ومضى غورباتشوف بنفسه إلى كاوبوي العالم. هو يريد أن يحفظ ماء وجهه، فلا يبدو مجرد كم مهمل في العالم. السوفييت ما زالوا يحلمون بالحد من هيمنة أمريكا، بالتخفيف من قبضة الغرب على الخليج، تلك الجزيرة العائمة على بحر من النفط. ـ أسفي عليك يا صديقي، رد بوش على اقتراح غورباتشوف. طاغية باغية معتد آثم ونذعن لشروطه؟ لا، لا، هو الذي ينبغي أن ينفذ أوامرنا، هو الذي ينبغي أن يذعن. ـ لكن تصعيد الأزمة قد يوصل العالم إلى حرب والحرب، كما تعلم، مدمرة سيدي الرئيس. الحرب كلها ويلات وأهوال. ـ تنوي أنت أن تحاربنا، صديقي غورباتشوف؟ ـ معاذ الله، سيدي الرئيس. نحن معاً، حليفان ما عشت. ـ ها! هاّ إذن لا تخش الحرب. الحرب ويلات وأهوال حين تكون بين كبار أقوياء، لكن حين تكون بين كبير عملاق وصغير ضعيف، فما الخطر منها؟ ظل أنت بعيداً وانظر كيف سأنزل عقاباً لا نظير له بصدام. قسماً لأسحقنه سحق القملة!! ـ لكن لماذا يا سيدي، إن كان قد وافق على تحرير الرهائن؟ وافق على الانسحاب؟ ـ دون قيد أو شرط. قل له: ينسحب، يحرر الرهائن دون أن يطالبنا بشيء دون أن يفتح فمه بكلمة. خانعاً، خاضعاً، لكل ما نفعله في الخليج. وطلع الصباح، فسكتت شهرزاد عن الكلام المباح. وقت جورج بوش ضيق لا يسمح له بمزيد من النقاش، لكن وقت الروس يسمح. وساطتهم يجب أن تسفر عن شيء. العراق حليف وعليهم أن يدافعوا عن الحليف، فليضغطوا عليه طالما لا يستطيعون الضغط على الأمريكان. ـ لن نستطيع مساعدتكم!! قال بريماكوف المبعوث الروسي الذي يحب بغداد ويتعاطف مع مطالب بغداد. لن نستطيع الوقوف في وجه الأنكلو أمريكان. وضعنا لا يسمح بالتدخل، وأمريكا تجند العالم كله ضدكم. ـ هي تريد إذعاننا، تركيعنا، رد طارق عزيز، الناطق باسم بغداد، ونحن لن نذعن، لن نركع. ـ الإذعان خير من الإبادة. إنه أهون الشرين. ـ بل نموت ولا نذعن. إنها معركة وجود: نكون أو لا نكون، ومن مصلحتكم أنتم أن نكون. ـ صحيح، لكن.. ـ لا، لا تقل لكن. بغداد تريد إنهاء الوجود الاستعماري في الخليج تريد تحرير المنطقة من قبضة الأنكلو أمريكان، تخليص النفط من ربقة عبوديتهم، ألا يصب هذا كله في مصلحتكم؟ ـ أجل صحيح لكنها معركة خاسرة. قال بريماكوف، المفاوض العنيد، أمريكا تزج بقوى العالم كلها ضدكم وأنتم وحيدون. ـ لا، لا تخطئ. نحن لسنا وحيدين. الشارع العربي معنا. الأمة العربية كلها من ورائنا، ونحن نراهن على هذه الأمة: نحيا بها أو نموت. ولم تتزحزح بغداد قيد أنملة، فعاد بريماكوف عله يلين من موقف الأنكلو أمريكان، فيما كان الشارع العربي يتربص ويرقب. أبو الليل مع بغداد يراهن على الشارع العربي، لكن يساراً يضحك: ـ وماذا باستطاعته أن يفعل، الشارع العربي؟ تساءل وقد جلسوا ثلاثتهم إلى طاولة الغداء. ـ الكثير، الكثير، رد أبو الليل، لكن باقراً هز رأسه. ـ لا، يا صاحبي! الشارع العربي مغيَّب، كم مهمل من كل حساب. ما يدخل في الحساب فقط هو الجيوش، الأنظمة العربية، والأنظمة العربية كلها مع الأمريكان، بل إن قواتها بدأت تزحف مع الزاحفين لنهش العراق. ـ مستحيل، أنا لا أصدق، رد أبو الليل ملوحاً برأسه نافياً. هذا حلف إمبريالي صهيوني. فكيف يكون معه العرب؟ ـ صدق أو لا تصدق، رد يسار، لكن اعلم أن التابع لا يناقش متبوعه في ما يأمره، بل هو ينفذ وحسب. ـ وهل سيسكت الشارع إن جد الجد؟ هو يغلي الآن فماذا يجري إن وقعت الواقعة ورأى حراب العرب تسدد إلى صدور العرب، ألن ينتفض؟ ألن يزلزل الأرض؟ ـ أنت متفائل كثيراً يا صديقي. الشارع مغلوب على أمره. هو قد يطلق الزفرات، يئن، يبكي، لكنه لن يفعل أكثر من ذلك، ففي كل بلد عربي قبضة من حديد تعرف جيداً كيف تكتم الأنفاس. ولم يعلق باقر. كان قد أصبح في حالة من الحيرة لا يحسد عليها. يريد إسقاط النظام في العراق لكنه يموت خوفاً على العراق. لا يرغب بشيء في الدنيا كالانتقام من صدام وفي الوقت نفسه يرى الخطر المحدق بالوطن. فماذا يقول؟ المأزق صعب والخيار أصعب. يسمع إذاعات الأنكلو أمريكان فيميل باتجاه الأنكلو أمريكان، تتملكه الحماسة لسحق صدام ونظام صدام. لكن ما أن يعود إلى نفسه حتى يتصور البصرة وهي خراب، خرابها أيام الزنج، فيرتد كسيراً حسيراً، خائفاً مذعوراً. احتجاز الرهائن أفرحه. إحساس بالطمأنينة سرى في نفسه. "طالما الرهائن في العراق لن يجرؤوا على ضربه!، الأمر الذي أكده له نمر وقد عاد لتوه من الأردن، ناقلاً لهم أخباراً مفرحة عن الشارع هناك، عن الشارع الفلسطيني، وهو يقف صفاً واحداً خلف العراق. ـ ضربة معلم: احتجاز الرهائن. فكرة عبقرية!! ثنى أبو ا لليل المعجب كل الإعجاب بحركة الرهائن. ـ بل، فكرة مجنونة، رد يسار بكل سخرية، لا تخرج إلا من رأس مجنون. ـ يا رجل!! يا رجل!! مالك، لا يعجبك العجب ولا الصيام في رجب؟ ـ وكيف يعجبني، وصدام يسيء لسمعة العرب؟ يشوه صورتهم. ـ أتشويه صورة أن يحاول المرء حماية وطنه؟ ـ بالبشر؟ ـ وهل يوفر العدو شيئاً؟ هل يدع وسيلة لا يستخدمها لذبحك وسلخ جلدك؟ إذن. لماذا لا ترد عليه بالمثل؟ لماذا لا تستخدم كل وسيلة يمكنها أن تحميك؟ ـ الغاية لا تبرر الوسيلة. ـ كيف إذن تبرر لهم حصار العراق؟ حظر نفطه؟ قطع موارد رزقه؟ تجويع نسائه؟ قتل أطفاله؟ ـ مع ذلك لا أستخدم النساء والأطفال درعاً بشرياً أحتمي به. كان الجدل بين يسار وأبي الليل لا ينتهي. وكانت قضية العراق والكويت هي الشغل الشاغل ليس للخلية الفدائية وحسب، بل للعالم أجمع. ستة آلاف أجنبي كانت بغداد قد وضعت يدها عليهم: نساء، أطفال، رجال، ومن بلدان عدتها بغداد دول بغي وعدوان. ضربة مفاجئة ذهل لها الغرب كله. كما ذهل حين بسط العراق سيطرته على الكويت بأربع ساعات. أياماً عدة ظل العالم كله مذهولاً وأياماً وأسابيع ظل يرسل الوسطاء والموفدين، لكن بغداد تعرف ما تريد: "ارفعوا أيديكم عن العراق نرفع أيدينا عن الرهائن". تاتشر يجن جنونها، تهدد، تتوعد لكن بغداد لا ترد. ما تقوله فقط "نحن نحترم حياة كل إنسان، لا نريد إيذاء أحد، لكننا نريد حماية أنفسنا". ووزعت بغداد الآلاف الستة على القواعد والمطارات، المواقع المستهدفة والمقرات الهامة، بل حتى على المدن والقرى، "لتضرب أمريكا الآن، إذن ستضرب رعاياها". وصعقت أمريكا. "من أين يأتي حكام بغداد بأفكار كهذه؟ الشياطين وحدها تأتي بمثل تلك الأفكار". وتضحك بغداد وهي تشعر بالطمأنينة. الأنكلو أمريكان لن يعرضوا أبناء جلدتهم للخطر، لن يضحوا بإنسانهم، أياً كان، أو انقلبت الدنيا على رؤوسهم مظاهرات واحتجاجات. جورج بوش حائر، قلق، يريد أن يتحرك لكنه لا يستطيع. القيود في يديه، في رجليه، فماذا يفعل؟ أمراء الخليج، ملوكه كلهم يضغطون. "اضرب سيدي الرئيس، حرر الكويت سيدي الرئيس". السيد الرئيس لا يضرب ولا يحرر. خطته اكتملت، قواته صارت في الخليج، بوارجه في مياهه، طائراته، صواريخه، كلها جاهزة للضرب، مع ذلك يشعر أنه مكبل اليدين والرجلين، فقط هو يصرخ من غربي المحيط: ـ عزيزتي ماغي! أشيري علي، أوجدي لي المخرج. وترد العجوز الشمطاء من شرقي المحيط حائرة مثله، تبحث عن مخرج لكن دون أن تجد المخرج. ـ المرحلة الثانية يجب أن تبدأ، يلح الكاوبوي الحائر مكبل اليدين والرجلين. ـ أعلم، أعلم، لكن كيف نضرب ورعايانا هناك؟ ـ هي ذي المشكلة. رعيتنا غالية. أمريكي واحد بشعب العراق كله، بل بالعرب جميعاً. ـ وجدتها! وجدتها! صرخت المرأة الحديدية كما صرخ أرخميدس قبلها بقرون وقرون. ـ ماذا؟ قولي، ما الذي وجدته؟ ـ النخوة والمروءة. ـ لم أفهم. ماذا تقصدين؟ سأل الكاوبوي الذي لم تدخل مصطلحات كهذه قاموسه قط. ـ العرب مشهورون بالنخوة والمروءة وصدام عربي، إذن لماذا لا نحرك نخوته؟ لماذا لا نستثير مروءته؟ ـ أجل، هي ذي الفكرة، هو ذا الحل. ومع تباشير الفجر كانت طائرة بوينغ تنقل كارتر إلى بغداد، مجرد وسيط خير، لم يكن يوماً رأس أمريكا ولا رأس الشيطان، بل إنسان وديع ودود لا يسعى إلا من أجل الخير. عزف كارتر على وتر النخوة، أثار الحمية وحرض المروءة: ـ "أيعقل؟ رجل عظيم مثلك. إنسان فذ على غرارك. عربي كله نخوة ومروءة يتدرع بالنساء والأطفال؟". وبدافع النخوة والمروءة أطلق صدام النساء من الرهائن والأطفال، فصفقت تاتشر ورقص بوش، لكن باقراً أجفل. قدر كبير من الخوف تملكه "ما الذي فعله صدام؟ كيف يلقي بدرعه البشري أرضاً؟ ألم تستطع بغداد حماية نفسها بذلك الدرع؟ إذن كيف تتخلى عنه؟ ذلك الخوف تحول إلى هاجس "ترى كيف يعيش العراق؟ أهلي، أمي، أخوتي، كيف يعيشون الآن. ماذا سيحدث لهم؟" كان الشتاء قد جاء، والشتاء ليس كالصيف، بساطه ضيق، فكيف إن كان هناك حصار؟ وشد باقر الرحال، "سأكلم أحداً منهم. أريد أن أطمئن. بأي شكل أريد أن أطفئ النار هنا". ودق على صدره وهو يودع صحبه في المعسكر إلى عمان. باقر يعرف عمان جيداً. مذ فر إلى دمشق أول مرة بعثته الجبهة إلى عمان. هو العراقي الذي لا يضع عليه النظام الملكي إشارة حمراء. على ظهور الفلسطينيين كلهم إشارة حمراء، تمنع دخول هذا، تهدد بالخطر ذاك، تسجن، تنفي، تعذب، تضرب. أما العراقيون فلا إشارات ولا محظورات. طوال سنوات ظل باقر يدخل، يخرج، يأخذ تعليمات، يأتي بأخبار، يعقد صلات ويقيم صداقات. لبانة أعز تلك الصداقات، جاذبيتها هي الأقوى فمضى إليها باقر وفي يده وردة حمراء. ـ باقر! ـ لبانة! تبادل الصديقان الهتاف وقد فتحت له الباب. منذ سنة ونيف لم تكن لبانة قد رأته. ـ أنا مشوق إليك. ـ أنا مشوقة أكثر، تحدثا وهما يسيران إلى غرفة الجلوس، تلك التي يعرفها باقر جيداً. هي هي مذ عرف باقر لبانة قبل سنين. في أحد المهرجانات تعرف إليها. هي مناصرة للمقاومة، تشارك في جمع التبرعات لها، توزيع بياناتها، نشر طروحاتها وأفكارها. وأعجب بها باقر: فتاة سمراء، وجه عربي، عينان عربيتان، كأنهما من نخيل العراق. شعر أسود منسدل كأنه سعف النخيل في العراق. متوسطة القامة، ممتلئة الجسم. كذلك النموذج الذي يحبه رجال العراق. تحدثت إليه فأعجبته أكثر وتحدث إليها فأنتش إعجابها به وتبرعم. كانت لبانة قد تزوجت ذات يوم لكن دون أن تجد في برميل زواجها لحسة من عسل. برميلاً خالصاً من الزفت كان زواجها فألقت به في القمامة لتنطلق حرة كشعاع الشمس. هي تؤمن بالحرية، كل ما يشغلها أن تعيش تلك الحرية. قيود المجتمع، تقاليده، أعرافه، كلها في منأى عنها. أخوها الوحيد في الخليج يسعى هناك في مناكبها، أختاها في أمريكا تزوجاتا مذ جاءهما اثنان من مواطنيهما أغرتهما حضارة الكاوبوي فظلا هناك يستمتعان بلذائذ الكاوبوي: الكوكاكولا والهامبرغر والهوت دوغ. أمها كانت معها لكن منذ سنتين فقط قضت العجوز نحبها فظلت لبانة وحيدة إلا من نفسها، حرة إلا من جلدها ذاك الذي تود أن تخلعه. لبانة واضحة، تعرف ما تريد ولا تتردد في نيل ما تريد. هي تعمل في أحد مصارف عمان. دخلها يسمح لها بالاستقلال، ليست بحاجة لأخ ولا أخت، فلماذا لا تعيش حياتها كما تشتهي؟ ذات مرة بلغ بها حبها للمقاومة أن تركت كل شيء خلفها ومضت إلى أحد المخيمات تتدرب على فنون القتال، لكن ممارسات هناك نفرتها. المسؤول عن القاعدة يتقرب، المدرب يتودد. الزميل يعرض نفسه، بل لقد حاول أحدهم اغتصابها عنوة فتركت كل شيء وعادت إلى مصرفها سالمة. "أنا بحاجة إلى الرجل أقضي وطري منه، إذن أنا أختار الرجل"، قالت لباقر ذات يوم "لا الرجل يختارني، أو بالأحرى يفرض نفسه علي. أنا أكره القسر، الإرغام. احب الحرية، الحرية". ولأنها تكره القسر والإرغام وتحب الحرية الحرية، نشأت صداقة حميمة بينهما. فكلما جاء إلى عمان جاء إلى لبانة. يمضيان أياماً ثم يمضي كل في سبيله. لا التزام ولا فروض. هو يرغب بها. هي ترغب به. إذن لم لا يستمتعان؟ ولم تمهله لبانة، وهو يتجه إلى غرفة الجلوس، أن يجلس. بل دفعته إلى العمق، وفي العمق مخدع النوم. كانت تلبس ثوباً قصيراً يكشف عن الصدر حتى الثديين وعن الرجلين حتى أعلى الفخذين، وكان الثوب شفافاً، فضفاضاً، مجرد علاقتين واهيتين تربطانه بالكتف. احتضنها بكل الشوق الذي يحمله للمرأة، هو البعيد عن النساء، آخذاً شفتيها بشفتيه بكل العنف والقوة اللذين يحملهما رجال العراق، شاداً إياها إليه حتى العظم. انشدت لبانة، وحرارة جسده تذيبها، قوة ذراعيه ترخي علاقتي الثوب فيتحلل عن الكتفين ثم يسقط على الركبتين فالأرض لتبدو حواء بغير ورقة توت. حملها بذراعيه، شفتاها في شفتيه وذراعاها حول كتفيه، ثم أسرع بها إلى الفراش وحتى الصباح ظلا آدم وحواء وقد التقيا أول مرة عند جبل عرفات: هو آت من بلاد إرم وهي من جزيرة سرنديب. في الصباح فقط، أبصر باقر الهاتف بجانب السرير فأدرك أنه نسي الهاجس الذي جاء من أجله. كانت لبانة ما تزال نائمة، فحمل جهاز الاتصال ومضى إلى الغرفة الأخرى يدق رقماً في بغداد. جاء صوت الأخت منادياً بالاسم الذي كان يحبه كثيراً ثم خلفه وراءه كما خلف كل شيء في العراق يوم فر إلا من جلده. ـ أختي فاطمة. ـ أخي ناصر!! كم أنا فرحة بك!! كم أنا سعيدة لسماع صوتك. بعدئذٍ تبادلا التحيات، الأشواق، ثم بدأت السين والجيم. عشرات الأسئلة سألت. رشاً ودراكاً سأل لكن لشد ما صدم حين قالت له: ـ ناصر أنا خائفة، نحن خائفون. ـ خائفون؟ لماذا؟ ـ ألم تسمع إذن؟ ـ أسمع؟ ماذا؟ ـ الرهائن ذهبوا. ـ متى؟ كيف؟ سألها باقر وقد فاجأه الخبر كل المفاجأة. ـ الليلة وافقوا على إطلاق سراحهم جميعاً، ولا يعلم أحد ما الذي ينتظرنا ناصر، لا يعلم أحد ما الذي سيحدث. وللتو أحس باقر برعشة تسري من جهاز الاتصال عابرة أصابعه فذراعه بالغة حتى القلب، محطمة حاجز الأمام معكرة بحيرة الطمأنينة، وفي أذنه رنين صوت راعش لأخت حبيبة غالية تردد: لا يعلم أحد ما الذي ينتظرنا، لا يعلم أحد ما الذي سيحدث. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |