|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:15 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الرابع "أصيح بالخليج: يا خليج يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى فيرجع الصدى كأنه نشيج: يا خليج يا واهب المحار والردى" كان باقر يردد، بل كل ما في داخله يردد بصوت مكتوم، في عينيه ضباب كضباب الدموع، وفي قلبه رماد كرماد الانطفاء... فيما صوت أمريكا يبشر العالم ببدء تحرير الكويت: قوات التحالف تندفع الآن مكتسحة المواقع العراقية مدمرة القوات العراقية كأنها السيل الهادر يجرف أمامه كل شيء" الرفاق يسمعون مثله صوت أمريكا فيهتف يسار: -افرح باقر، يومين أو ثلاثة ويسقط صاحبك. -افرح!؟ وجد نفسه يتساءل بصوت كله رعشة وحيرة. -طبعاً!! أجابه يسار بكثير من اللا مبالاة والاستهتار، ألا تريد الخلاص من صدام؟ ألا تريد إسقاط النظام. ها هم الأمريكان يندفعون... يقضون على جيش صدام في الكويت فيسقط صدام في بغداد. ـ مستحيل. تدخل أبو الليل بانزعاج شديد. بهذه السهولة تسقط المواقع العراقية في الكويت؟ بهذه السهولة يدمر جيش قوي قاتل ثماني سنوات جيش إيران؟ أنا لا أصدق... لا أصدق. ـ بل صدق. قال نمر من جانبه وهو يستند بخده إلى يده، جيوش إيران لم تظل أربعين يوماً تقصف العراق، تدمر كل ما فيه، ألم تسمع يا رجل؟ لم يدعوا جسراً، لم يتركوا طريقاً. مصانع الغذاء والألبسة دمروها... المحطات الكهربائية، مستودعات الحبوب... بل حتى مصنع حليب الأطفال في "أبو غريب" سووه بالتراب. ـ ربما. رد أبو الليل وهو ما يزال غير مصدق. لكن القوات العراقية كلها تدمر؟ هكذا بجرة قلم!؟ ـ لم لا؟ أجاب يسار الكاره لصدام، وثمة تفسير. في الأيام الأخيرة لم يعد يصل إلى القوات العراقية أية إمدادات ولم يعد لديها أية حماية. ومع القصف الهائل المستمر دمرت تلك القوات، إما قتلاً وجرحاً أو جوعاً وعطشاً. ووجد باقر نفسه يطرق ملياً. كانت إذاعات الغرب تصور الوضع على هذه الشاكلة: "آلاف الطلعات كل يوم على العراق". "القصف المدمر يطول كل شيء" "الصواريخ تدمر العراق". "لا أحد يستطيع رفع رأسه من الحدود الكويتية حتى الحدود التركية". وحسب إذاعات الغرب نفسها، كانت الخطة تقضي بتوجيه ضربة جوية صاروخية قاصمة لا تبقي في العراق ولا تذر، حتى إذا ما تدخلت القوات البرية لم يجد أمامها من يقاوم، فتخرج أمريكا بلا أية خسائر. أمريكا تعرف جيداً كيف تخطط وما تخطط له. غارات الطائرات، قصف المدفعية، إطلاق الصواريخ كلها لا يعنيها. ما يعنيها فقط هو أن لا تخسر جندياً واحداً من جنودها. "وصلت قواتنا البرية إلى خنادق العراقيين دون أن تطلق طلقة واحدة"، كانت أخبار الهجوم البري قد بدأت بالانتشار، وكانت إذاعة لندن تتباهى "القصف حقق أهدافه. لم تجد قوات التحالف عراقياً واحداً قادراً على إطلاق النار". ـ يا إلهي!! معقول هذا الكلام؟ صاح أبو الليل محنقاً تكاد الدموع تطفر من عينيه. أين إذن تخطيط القيادة العراقية؟ أين احتياطاتها؟ أتترك قواتها بغير إمدادات؟ بغير دفاع جوي حتى يبيدها القصف الجوي؟ ـ ولم لا؟ رد يسار بنبرته نفسها. صدقوني هو لا يفكر إلا بنفسه، كيف يحمي قصوره ومقراته. أما قواته هناك، في الكويت، فماذا تعنيه؟ هلكت أم نجت ماذا يهم؟ ـ كيف لا تهمه وهي درعه؟ صاح أبو الليل بانفعال شديد: إن دخل الأمريكان من يحميه؟ ـ حرسه الجمهوري. هو يظن أن الحرس الجمهوري كاف لحمايته هو وبغداد، وأن بغداد تكفيه. "ذات يوم جاء إلى المستعصم بالله من ينذره بأن المغول وصلوا إلى خراسان، فقال "ليأخذوا خراسان" صاروا في الري، "الري بعيدة"، وصلوا إلى أطراف العراق "ومالي ولأطراف العراق"؟ قال المستعصم "بغداد تكفيني": فكر باقر وهو يستمع إلى الحوار غير قادر على المشاركة فيه، وغصة في حلقه، مثلما كان يستمع إلى الإذاعات ومشاعر شتى في نفسه. "أأفرح، كما يقول يسار، لتدمير القوات العراقية على حدود الكويت؟ أأسر لهدم العراق كله حجراً... حجراً؟" إذاعات الغرب كلها تقول: "هي سياسة الأرض المحروقة تطبقها قوات التحالف، فلا تدخل منطقة فيها حياة لإنسان أو حيوان... شجر أو نبات". "في الجزائر فعلت ذلك فرنسا ذات يوم" عادت أفكار باقر تشرد به بعيداً وهو يحاول التخلص من صوت الإذاعة الأشبه بنعيق بوم لا ينذر إلا بالخراب. "حرقت مناطق الثوار كلها... البساتين، الحقول، الغابات كلها حرقتها فرنسا كي تكشف عبد القادر الجزائري فيسهل عليها قصفه بالمدفعية ومحاصرته بالجند" ـ من شان الله، ابحثوا لنا عن إذاعة مثل العالم والخلق، صاح أبو الليل وقد أثارت غضبه إذاعة لندن بما راحت تتبجح به. "وكالات الأنباء تنشر صوراً لجند عراقيين شبه أموات في الخنادق وهم يركعون عند أقدام الجند الأمريكان يقبلون أحذيتهم." الخبر نفسه أصاب باقر بالغثيان "معقول هذا التبجح!!؟ ينشرون صوراً لجند غير قادرين على المقاومة فيتمادون في تمريغهم بالتراب!! يرغمونهم على تقبيل أحذيتهم؟ لكن البحث لم يجد نفعاً، أخبار الإذاعات منقولة عن الاسوشيتد برس، الفرانس برس، اليونايتد برس... العالم كله ببغاء يردد ما تريد له "بريسات" الغرب أن يردد ويمتنع عما تريد له أن يمتنع. حاول نمر أن يجد إذاعة بغداد، لكن كل ما ينطق بلسان بغداد كان أخرس. مبانيه كانت من أهداف القصف الأولى، لتصمت بعد ذلك بغداد. صحيح، ظلت هناك محطات صغيرة متنقلة تبث للشعب أخبارها، تنقل له وقائع الحرب وتعليمات الحرب ساعة بساعة، لكن الصحيح أن مثل تلك المحطات لا تصل إلى معسكر الحاصباني في البقاع اللبناني ويخيب أمل أبي الليل كما يخيب أمل باقر في أن يسمع إلا ما تريده لندن وواشنطن. "أربعمائة وخمسون ألف جندي في الكويت خسرهم صدام"، بشرت إذاعة لندن العالم "قوة صدام الأساسية كلها تنهار... مئات الآلاف قتلى، مئات الآلاف أسرى، فابشروا يا أعداء صدام!! قد ابدنا القوة الضاربة لصدام". ـ اللعنة!! صاح أبو الليل من جديد.. إنها كارثة ولا كارثة حزيران!! نصف مليون جندي يبادون!! الويل لنا!! الويل لكم أيها العرب!! ـ بل الويل لصدام فقط!! رد عليه يسار، رجل يركب رأسه ولا يسمع إلا صوته. ناس يتوسطون لديه... دول تتدخل عليه "انسحب من الكويت. انسحب من الكويت" فلا ينسحب. الناس كلهم يرجونه، حتى رئيسنا أرسل له رسالة وضح له المخاطر، شرح، نصح... لكنه أذن من طين وأذن من عجين. آه!! كم يسرني أن يلقى صدام العاقبة الوخيمة لعناده، فيسقط ويدخل باقر منتصراً مكللاً بالغار. ولم يشعر باقر إلا وهو ينكمش على نفسه، نافضاً رأسه "منتصراً مكللاً بالغار؟ أي غار سيكلل رأسي إذا خرب العراق؟" ـ هه!! أتأخذنا معك باقر؟ سأله يسار. بالتأكيد ستكون ذا منصب كبير حين تعود إلى بغداد مظفراً منتصراً. أفلا تأخذنا معك نحن رفاقك؟ ـ آخذكم معي؟ غمغم باقر بكثير من التلعثم والضيق سرعان ما وجد نفسه بعدها يغادر الغرفة ـ الملجأ إلى الخارج، صدره ضيق، أنفاسه مكوّمة وكأنه لا يجد هواء في الملجأ. كان بحاجة إلى فسحة، إلى أن يشم الهواء، لكن ليل شباط قارس البرد وجبال لبنان على مرمى حجر منه. ـ وجبال لبنان وكيف بقطعها وهو الشتاء وصيفهن شتاء؟ للتو، راح باقر يكور نفسه في معطفه متفحصاً في العتمة ما حوله، منطلقاً على ضوء قمر في ربعه الأول نحو قمم جبال مكللة بالثلج، ثم يتجه نحو الشرق. ينظر إلى البعيد البعيد وكل ما فيه يردد بصوت لم يعد مكتوماً: أصيح بالخليج... يا خليج!! يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى فيرجع الصدى كأنه نشيج" وشعر بصوت نشيج يخرج من شفتيه. شعر بالنشيج في كل خلية من خلاياه. كان كل ما في باقر ينشج: "أحقاً دمروا العراق؟ أحقاً خربوا البصرة!؟ إذن ماذا حدث لأمي؟ أخي!؟ أهلي!؟ جيراني!؟ أوه يا إلهي!! أنا لا أصدق.. ربما سقطت على رأس أمي قنبلة فمزقتها شظايا!! لا، لا، أمي!! ينبغي ألا تموتي. أنت زينة البصرة!! أنت الطيبة، البراءة، حبل السرة الذي تغذيت من نسغه، ينبوع الحب الذي شربت من مائه. أتذكرين؟ كنت تدللينني دائماً. بحضنك الدافئ كنت تأخذينني، كلما عدت من المدرسة، تغسلين يدي، وجهي، تطعمينني بيديك. آه يا لدجاجك المحمر المحمص مع التمن المصفر المضمخ بالتوابل والكشكش. من سيطعمني إياه إن مت؟ لا، ينبغي أن تظلي على قيد الحياة، أماه!! ينبغي أن أراك!! أماه!!" كان البرد يلسعه، مع ذلك لم يكن يشعر به. كانت أفكاره هناك بعيدة حيث البصرة التي يعشق، أحياء، شوارع، بيوتاً، أزقة، ولا يجد نفسه إلا وهو يعود إلى هناك "ساحة أسد بابل هل صارت مجرد هاوية؟ أسد بابل الفريد هل تهشم فتاتاً وشظايا؟ وكالة سنجر بلوحتها المتلألئة ليلاً؟ صيدلية المختار ببقرتها الضاحكة المميزة، هل غدا ذلك كله حطاماً؟" واشتد النشيج في داخله وهو يعود بذاكرته إلى منزل العائلة في حي الخندق. تلك الفيلا الجميلة التي اشتراها والده أيام العز. هو يذكر كل صغيرة وكبيرة فيها: واجهتها الجميلة، شبابيكها الواسعة، شناشيلها، حديقتها الممرعة خضرة وأشجاراً. "آه!! كم تسلقت أغصانك يا شجرة التوت!؟ كم تلذذت بكرزك يا شجرة الكرز!؟ أتراها حرقتك القذائف؟ قتلتك القنابل؟ وأنت أيها المنزل!! هل غدوت كومة من ركام؟ مجنون يسار هذا!! كيف يتصورني أفرح لدمار العراق؟ لخراب البصرة؟ لهدم منزلي؟ لقتل أمي!؟ لا، لا، المسألة أخطر من ذلك بكثير يا يسار!! الخلاص من صدام؟ سحق صدام!؟ أريده، صحيح، لكن سحق العراق!؟ الخلاص من العراق كيف يمكن أن أريده يا يسار؟ وعاد باقر يتكور على نفسه من لسعات البرد. القمر هلال، غيمات تحجبه وتكشفه، الثلج الأبيض على القمم القريبة يظهر ويختفي. "العراق كريات دمي يا يسار!! البصرة أنفاس روحي، خلايا جسدي يا يسار!! البصرة!؟ وما أدراك ما البصرة، ألم أستنشق هواءها سنين طويلة؟ ألم أشرب ماءها؟ ألم أتغذّ من تمرها ولبنها، قمحها وذرتها؟ آه!! يا للبصرة!! يا لأمسيات السطوح أيام الحر اللاهب، نخرج إلى السماء والنجوم فتنعشنا بنسيماتها السماء والنجوم!! جيراننا في الشمال، في الجنوب، في الشرق، في الغرب، كلهم من حولنا نتحدث إليهم ويتحدثون إلينا، يفتح أحدهم المذياع فنسمع "حياك... بابا حياك.. ألف رحمة على بياك... هذول العذبوني... هذول المرمروني... وعلى جسر المسيب سيبوني.." وتمدين قطعة النايلون المشجر يا أماه!!، تبسطين فوقها صحائف عشائك، نتعشى لبناً وتمراً، ونحمد الله على نعمة سابغة، البصرة في دمي يا يسار!! شارع العشار العريض كم تسكعت فيه، معي الأخوة والرفقة، نتبادل مع الصبايا النظرات، ونتحين منهن رفة جفن أو حركة يد فنفرح ونهلل، على أمل أن يأتي يوم فنخرج في نزهة من نزهات العشاق في "الأبلام" العشارى، ذلك الزورق الطويل النحيل وقد زينه صاحبه بسعف النخيل وأوراق الزينة!! ونمر بسينما الحمراء الجديدة!! آه منك يا سينما الحمراء!! كم كنت حلماً جميلاً يصعب تحقيقه!! الدخول إليك بفلسين لكن أين نجد الفلسين؟ عبد الوهاب التنكجي ينهزم في الدومين. إذن لا فلوس!؟ بل نهرة في الوجه كما ينهر الكلب أو ركلة على القفا كما يركل الحمار. لكن إن انتصر، أبشر يا جبار، وأنت يا باقر!! ونذهب إلى سينما الحمراء الجديدة ليستقبلنا تومان بصوته الهادر. "تعال شوف... شلخ... ملخ... تعال شوف. عركات... بوكسات"، ثم يسكت تومان فجأة فتنشد أنظارنا إليه، كما تنشد أنظار الفتيات وهن يعبرن على الرصيف، الفتيات يعرفن تومان جيداً، يعرفن حركاته وشيطناته، يتوقعن منه دائماً مفاجآت. يسود السوق المزدحم هدوء غريب، صمت مترقب. يتفحص تومان لحظة من الزمان الساكنين المندهشين ثم يعاود الصياح بلسانهم متسائلاً "وين بويا؟ قل لي وين... بويا؟ آغاتي.. قل لي وين؟" بعدئذٍ يجيب نفسه بنغمته المتميزة الممطوطة "بسينما الحمراء الجديدة... بويا لحق حالك بويا.. لحق حالك آغاتي... لا يفوتك الفيلم يا بنية!" ولا نملك إلا أن نصدقه فنعجل إلى السينما كي لا يفوتنا الفيلم. تومان علم في رأسه نار، كل من في البصرة يأنسون به، يلاطفونه. ونحن نهابه ونصدقه، بل هو يسحرنا ببشرته السمراء القاتمة، بجسده الرشيق إلى حد الإذهال، بنظراته الشامخة أبداً إلى الأعلى، فعيناه لا تطرقان أرضاً ولا تنظران إلى أفق، بل هما إلى أعلى دائماً. "أنا أحب ذرى النخيل.. أعشق زرقة السماء" يفسر ذلك وينظر إلى الأعلى مكوراً جسده دافعاً صدره إلى الأمام ومؤخرته إلى الخلف على نحو مبالغ فيه إلى درجة تثير الضحك، لكن ما إن يمسك بنايه القصبي ويضعه على أنفه ثم يبدأ العزف حتى تفتننا ألحانه. تومان لا يعزف الناي بفمه بل بأنفه، خاصة لم تعرف عن أحد سوى تومان، فكيف لا نصدق تومان ونحترمه؟" وتوقفت سلسلة الذكريات، وقد خطرت ببال باقر خاطرة "ترى، ما حل بك يا صديقي تومان؟ هل أصابتك شظية في رأسك؟ هل خرقت رصاصة صدرك ذاك المتكور عالياً المندفع أماماً؟ وسينماك!؟ سينما الحمراء، هل تهدمت على رؤوس روادها؟ أم تراها صارت بلا رواد، وسكان البصرة يواجهون بوارج الأنكلو أمريكان ومدمراتهم، طائراتهم وصواريخهم؟" ومن جديد سمع باقر النشيج في داخله ينطلق من كل خلية من خلاياه، بكاء صامتاً طفرت معه دمعة من عينه اليسرى انحدرت ساخنة على خده رغم قرس لبنان وثلوج لبنان. حاول حبسها فلحقت بها دمعة أخرى من العين اليمنى، وسمع من بعيد في عمق الفيافي شاعراً قديماً يغني: بكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً كما سمع من جديد ناي تومان وهو يعزف أغنيته المفضلة، أغنية فريد الأطرش "يا عواذل فلفلوا"، فيما انطلق صوت شجي من ضفة العشار يغني وطيور الغاق تحط على غصون النبق والبمبر، النخيل والتوت، ثم تطير منادية بعضها بعضاً بأصواتها المتميزة وصوت مغن يغني من بعيد: ويتناغك الغاك... يتناغك الغاك... حدك عشيري... يتناغك الغاك.. ومالك نظيري.. مالك نظيري... ولا بواق الواق مالك نظيري... وأنت يالعراق.. انت يا العراق!! روحي وضميري... انت يا العراق!!". لكن صوت أبي الليل، وهو يلعلع فرحاً، قطع عليه شروده وأغنيته فقد خرج من الملجأ مسرعاً هاتفاً: ـ باقر!! باقر!! أين أنت؟ لم يكن باستطاعة أبي الليل أن يرى باقراً وقد انتحى ركناً تحت شجرة قريبة مطلقاً لذكرياته العنان. ـ أنا هنا. ماذا وراءك أبا الليل؟ ـ تعال اسمع... تعال... إذاعة عمان تقول قوات العراق لم تدمر في الكويت!! ـ ماذا؟ انفجر السؤال من قلب اللهفة واللوعة وهو يسرع إلى أبي الليل. ـ أجل... أجل... القوات انسحبت من الكويت، انسحبت من الكويت!! تابع إخباره فرحاً سعيداً حد النشوة. ـ حمداً لك يا رب!! وجد باقر نفسه فجأة يستخدم عبارة لم يستخدمها منذ زمن طويل. ثم تنفس الصعداء وقد استرخت أعصاب فيه كانت قبل قليل قد توترت إلى حد راحت تنشج باكية وتئن حزينة. لكن كيف؟ متى؟ ماذا قالوا؟ أخبرني. *** ـ مائة مرة قلت لك، لا تسمعي إذاعات العدو. قال عبد المحسن لزوجته بنبرة ونظرة كلها لوم وعتاب. ـ أنا لا أسمعها، بل هي جارتي. ردت فاطمة بكل ما في الكون من لطف، فهي لا تريد إزعاجه... قبل قليل فقط جاء ولعله سيذهب بعد قليل. الثانية معه غالية الثمن ينبغي استغلالها حتى الثمالة، راحة وإسعاداً. ـ قولي لجارتك، تابع عبد المحسن وقد زال من نظرته العتاب واللوم. هذه الإذاعات مضللة.. تريد تحطيم معنوياتكم. نحن ما زلنا بخير... سالمين معافين... لم ننهزم أمام التتار، بل انسحبنا. ـ انسحبتم؟ حقاً!؟ كيف؟ متى؟ صاحت فاطمة وهي لا تكاد تصدق فرحاً. ـ منذ خمسة عشر يوماً جاء الأمر سرياً مكتوماً "انسحبوا تحت جنح الظلام فلا تراكم حتى الأشباح"، وتحت جنح الظلام بدأ المشاة، المدفعية، المدرعات.. الآليات كلها تسير قوافل.. قوافل.. ساحبة القوات المتمركزة داخل الكويت إلى داخل العراق حتى إذا ما بدأوا هجومهم البري لم يجدوا أحداً. كنا قد تركنا بعضاً من الجنود فقط بأوامر واضحة "لا تواجهوا... لا تقاتلوا.... فقط إن جاءكم العدو ارفعوا الراية البيضاء". كنا قد أدركنا أن المعركة غير متكافئة وليس من صالحنا أن نزج أنفسنا في معركة غير متكافئة، إذن ننسحب. تكتيك عسكري رائع وفر قواتنا وخدع أعداءنا. ـ يا إلهي!! ما أبرعه من تكتيك!! ما أذكاها من خدعة!! علقت فاطمة وكل ما فيها يطير فرحاً... هاهي الأخبار تعيد إليها الروح بعد أن كادت تزهق، وهاهو الزوج يحمل الأنعاش والسعادة ليس لها وحسب، بل للبيت كله. الأولاد كلهم متعلقون به، عنقاً، ذراعاً، كتفاً... يقبلونه ولا يشبعون، يقبلهم ولا يشبع، الإجازة الماضية قطعت على عجل، استدعي قبل أن يأخذهم إلى السينما ثم بدأ القصف الهائل فلم يسمح لأحد بالحركة ثم استنفار مطلق فلم يتح لأي عسكري مبيتاً أو إجازة. لكن مع مرور الأيام أدركت القيادة أن على الحياة أن تسير. تحت القصف... فوق القصف عليها أن تسير، الجند بحاجة لأن يطمئنوا على أهلهم، الرجال بحاجة إلى النساء الآباء يشتاقون إلى الأبناء، والأبناء إلى الأمهات والآباء، فكيف يحولون دون ذلك؟ وعاد المبيت اثنتي عشر ساعة: ست ساعات سفر وست ساعات في البيت، يأتي الجندي، يرى بعينه، يسمع بأذنه ويطمئن، فثمة من يسمع إذاعات العدو وثمة من يعطي أذناً لشائعات العدو. الشائعات تنتشر، المعنويات تنخفض، والقيادة حريصة على المعنويات. الجيوش بروحها المعنوية. ترتفع، ترتفع سوية صمودها وقتالها، تنخفض تنخفض. عبد المحسن انطلق مع أذان الظهر، وهاهو مع المغيب في البيت، سيارته العسكرية مموهة... سائقه يطير به فإذا ما أحس بهدير طيران أو دوي انفجار، اتخذ يمين الطريق ليخرج عبد المحسن إلى أقرب خندق وينبطح. على الطريق جثث كثيرة لسيارات عسكرية محترقة وحافلات معطلة، لكن حركة التنظيف ناشطة. ثمة دائماً رافعات تعزل الحطام وقوى أمن توفر الأمن. في شوارع بغداد سر عبد المحسن لمرأى شاحنات توزع الخبز، السكر، الشاي، الأرز، وأخرى توزع الغاز، الكاز، الزيت، والناس من حولها تحتشد، تأخذ حاجتها وتذهب، دون وجل أو خوف. كما سر أكثر حين مر في منطقة السعدون فرأى كثيراً من المحلات والمقاهي فتحت أبوابها، بعض القصابين يشوون لزبائنهم التكة والكباب، بل إن بعض المقاهي مليئة بالرواد يشربون الشاي ويدخنون النارجيلة. وفي أحد صالونات الحلاقة رأى عدداً من الزبائن جالسين على الكراسي بانتظار دورهم. روى عبد المحسن ذلك كله لفاطمة، فقالت له: ـ لا ادري. نحن لم نغادر بنايتنا إلا إلى الملجأ. ـ أحسن، قال عبد المحسن مبتسماً، لكن تصوري، رأينا فرق أطفال يلعبون كرة القدم في الشوارع ورجالاً يمشون على الأرصفة ويتسامرون. بل لقد رأينا حي الثورة مليئاً بزبائنه وباعته وقد عرضوا في محلاتهم الطماطم، الخيار، البطاطا، البرتقال. ـ لا، من هذه الناحية اطمئن. كل شيء متوفر والحمد لله. داعب عبد المحسن طفلته الصغيرة، فيما لثم خد الكبيرة وأخذ بين ذراعيه ابنه، لكن عينيه كانتا معلقتين بفاطمة. ـ معي ساعات قليلة فقط!! وعلي أن أعود!! ـ تريد الحمام إذن؟ ردت مبتسمة وهي تسرع إلى الحمام. كانت الأنثى بحاجة إلى الذكر كما كان الذكر بحاجة إلى الأنثى. شوق عارم كان يشعل جسدها كما يشعل جسده وتوق هائل يدفع واحدهما باتجاه الآخر!! أهي الطبيعة تريدهما أن يلتحما فلقتي حبة؟ الغريزة تريد أن تجمع الشطرين فيصبحا كلاً واحداً لا انشطار فيه؟ عبد المحسن يشعر بالنار في كل قطرة من دمه، يشعر بذلك التوق في داخله أحمر متوهجاً إلى حد الابيضاض، فماذا يحيله برداً وسلاماً؟ نصفه الآخر!! المرأة التي لا حياة لرجل بغيرها. هو بحاجة إلى الهواء والماء، أو أكلته النار من داخل كما تأكل اللحاء من خارج. وهكذا، حين غادر عبد المحسن منزله عند منتصف الليل، كان إعجاب فاطمة به رجلاً لا يقل عن إعجابها بقيادته التي تحسن تكتيك الاقتحام والانسحاب. ـ انسحب العراقيون؟ كيف؟ متى؟ أين؟ انهمرت الأسئلة الغاضبة على رأس شوارتزكوف كوابل القنابل التي كان يأمر بانهمارها على بغداد. ـ آسف!! سيدي الرئيس! هي الأسئلة نفسها التي لا نعرف جواباً لها. أجاب شوارتزكوف رئيسه وقد أخفق حتى حينه في حل اللغز الذي حير لبه. ـ إذن، أين مخابراتكم، جواسيسكم، أقماركم الصناعية، طائراتكم الأواكس؟ ـ لقد ضللنا يا سيدي. ضلل المخابرات، الجواسيس، الأواكس بعمليات تمويه بارعة. تصور يا سيدي.. آلاف المدافع الخشبية نصبها محل المدافع الحقيقية، مئات الدبابات الخلبية كانت تظهر لأقمارنا وطائرات استطلاعنا وكأنها دبابات حقيقية. جند دمى، مواقع تبادلية للرادارات، للصواريخ... كل ذلك صنعه صدام لكي يوهمنا بما يريد. خدعنا خدعة لم تحدث في حرب. ـ يا للعنة!! إذن أين التقدم العلمي؟ أين التكنولوجيا؟ كيف يفعل ذلك دون أن تكشفوه؟ كيف يتحرك على الطرق دون أن تروه؟ ـ التستر بالظلام. مثلما أفلح في التمويه أفلح في التستر بالظلام، حين تخفق الأقمار والأواكس في الرؤية ويعجز الجواسيس والمخابرات عن الاقتراب. ـ وأين إذن الأشعة الحمراء.. الصفراء..؟ صرخ إمبراطور العالم غاضباً. ـ للأسف يا سيدي!! كلها لم تجد نفعاً، رد القائد وفرائصه ترتعد. ـ إذن لا بد من عقابه أكثر. شوارتزكوف!! هذا عدو شخصي لي، ولا بد من الانتقام منه. حياً أو ميتاً أريد رأسه. ـ يأتيك رأسه يا سيدي. ـ شوارتزكوف!! ركز غاراتك الجوية على قصوره، مقراته. ـ لكنه ثعلب مراوغ يا سيدي. لجحره مائة باب، كلما جئته من باب اتجه إلى آخر. ـ ثعلب!! جحر!! باب!! رد إمبراطور العالم غاضباً. ما هذا يا شوارتزكوف؟ حدثني بالعلم بالتكنولوجيا... لا بالثعالب والجحور. ـ أحدثك يا سيدي، بدأ شوارتزكوف وقد أخافته نبرة الكاوبوي في جواب سيده، لقد أفلح صدام في تمويه نفسه وحركته، كما أفلح في استغلال الظلام أثناء سحب قواته... ـ عجباً! كيف؟ ـ هو يتحرك بسرية، بسرعة وعلى نحو مفاجئ لا يتوقعه أحد يا سيدي، كما يظهر في الأحياء الشعبية أحياناً... في خنادق القتال، إضافة إلى ذلك، يستخدم بدائل يا سيدي.. تصور... يقولون لديه عشرة رجال يشبهونه كل الشبه وكل منهم يمكن أن يكون بديلاً له. ـ اللعنة!! هو حقاً ثعلب مراوغ.. لكن أين يفلت مني؟ سألاحقه حتى آخر رمق... سأحشره بالزاوية، أحاصره إلى أن أخنقه بيدي. ـ ماذا تريدني أن أفعل يا سيدي؟ بالتحديد مرني... يا سيدي. ـ جيمس بيكر يصل إليك اليوم. خذ منه التعليمات بالتحديد. وأغلق إمبراطور العالم السماعة وهو يوشك أن ينفلق غيظاً. وصلت طائرة جيمس بيكر إلى الكويت فوجدت تحتها سحاباً أسود كثيفاً يحجب عنها البصر. "عجيب!! لكنهم قالوا سماء الكويت صافية، لا غيوم فيها... يا للأرصاد الخائبة!!" وعاود الطيار تدقيق النظر في السماء ثم نزولاً إلى الأرض عله يرى المطار الذي سيستقبل وزير خارجية العالم استقبال الفاتحين، لكن السحاب الأسود الكثيف بدا وكأنه سيعرقل حركة الهبوط. ـ سيدي!! قد نضطر للمناورة قبل أن نهبط، بأدب جم خاطب الطيار وزير خارجية العالم. ـ ماذا؟ تريدنا أن نتأخر؟ لا، لا، الناس بانتظاري، ثمة احتفال للتحرير وعليك احترام المواعيد. ـ لكنه السحاب يا سيدي. انظر. لم أر سحاباً بكثافته في حياتي. ونظر جيمس بيكر إلى الأسفل. كانت سماء الكويت تمور بسحاب ركامي لا مطر فيه. وكانت تظهر في الفجوات التي تتخلله ألسنة لهب تتصاعد وكأنها تتسابق للوصول إلى الجوزاء. ـ الكويت تحترق!! صرخ وزير خارجية العالم والرعب في عينيه. ـ صحيح!! يا سيدي!! قاعدتنا تقول.. اسمع يا سيدي. وأصاخ جيمس الخباز سمعه. كان لاسلكي الطائرة يعطي توجيهاته للطائرة "ابتعدوا عن مناطق الآبار المشتعلة.. المصافي.... مستودعات المحروقات. كلها معرضة للانفجار وكلها تهدد الطائرة بالخطر. كابتن جون! خذ الإحداثيات. عرض... طول... وابتعد عن ألسنة اللهب." من السماء، كان باستطاعة الوزير القادم للاحتفال بتحرير الكويت أن يرى الكويت ناراً ودخاناً. أوامر بغداد لقواتها كانت واضحة: "قبل إكمال الانسحاب عليكم أن لا تدعوا قطرة نفط للأعداء!! أشعلوا النار في الآبار... المصافي... في كل مكان يحتوي نفطاً. يريدون أرض العراق محروقة، إذن ليأخذوا الكويت أيضاً محروقة أرضاً وسماء. العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم". جن جنون الوزير العتيد وهو يرى بأم عينه ألسنة اللهب المتصاعدة والسحاب الذي بلا مطر، ثم خلع معطفه وقبعته ما إن حطّ طائرته على أرض القاعدة الجوية التي صنعها الإنكليز ذات يوم وتخلى عنها العراقيون، ربما قبل يومين أو يوم، لكن دون أن يعلم أحد كيف. كان الجو حاراً كأنه تموز لا شباط، وكان النفط المشتعل يحيل الكويت كلها إلى أتون من نار، وكان ذلك كله ينعكس تجهماً على وجه الوزير القادم للفرح والبهجة، انكماشاً وذعراً على محيا الأمير الذي كان على موعد معه للاحتفال. ـ أرأيت ما فعلوا بي؟ حرقوا نفطي!! خربوا بيتي!! كان الأمير العائد إلى بلاده على مصفحة أنكلو أمريكانية يصيح وقد اغرورقت عيناه بالدموع وانحنى ظهره انحناء المفجوع. ـ لا عليك. كله على الحساب، ولسوف يدفع صدام ثمن فعلته هذه باهظاً. ـ المجرم! السفاح! هذا النفط كله، كيف سأسترد ثمنه؟ من يعوض لي خسارته؟ ـ هو... هو... طمأنه الوزير بقامته الممشوقة وأنفه الشامخ وهو ينظر إلى الأمير القصير الحزين محني الظهر. أؤكد لك. سيدفع كل شيء مضروباً بثلاثة أضعاف. أترضى؟ ـ لن يرضيني إلا رأسه. أريد رأسه سيدي الوزير... أريد رأس العراق نفسه. ولم يستطع الوزير الشائل برأسه، المعجب بنفسه إلا أن يبتسم. الكلام نفسه كان قد سمعه من سيده إمبراطور العالم... هو الذي لا يرضى أيضاً بأقل من رأس العراق. ـ سيكون لك ذلك، أمير!! سيكون لك ذلك. نحن متفقون: لا أقل من رأس العراق. لكن دع هذا سراً بيننا. لا تتحدث عنه لأحد. قل فقط: نريد رأس صدام، الكل يوافق، لكن إن تقل رأس العراق الكل يعترض ويحتج. ـ هو ذاك سيدي الوزير! رأس صدام!! أجل أريده مقطوفاً... مدمى.. معفراً فألعب به بعصاي، كما لعب يزيد بن معاوية يوماً برأس الحسين، فيشفي غلي. رأسه وحده يشفي غلي سيدي الوزير. في اللحظة نفسها، كانت إذاعات الأنكلو أمريكان كلها تعلن عن جائزة قيمتها خمسة ملايين دولار لمن يأتي برأس صدام إلى واشنطن أو لندن حياً أو ميتاً، فيما كانت ملصقات كبيرة تلصق على الجدران في شوارع أمريكا، أوروبا، آسيا، تتصدرها كلها صور صدام وكلمة كبيرة كتب عليها بأحرف سوداء عريضة " Wanted" مطلوب حياً أو ميتاً ورقم الدولارات المغري، بخمسته وأصفاره الستة، يتلامع تحت الأحرف السوداء. قوات المارينز، مصفحات الأمريكان، هجانة الفريق العتلّ، حرس شرف الكويت، كلها كانت في استقبال الأمير العائد على رأس حربة أمريكية. السفن في البحر أطلقت إحدى وعشرين طلقة وأضافت لسحب النفط سحب دخان جديدة، مدافع الأمريكان الذين احتلوا المطارات، القواعد البحرية، الثكنات، الساحات، أطلقت هي الأخرى طلقاتها ابتهاجاً بعودة الأمير المفدى مكللاً بالغار الأمريكاني، فيما أسرع المحتفلون إلى دخول القصر، وكلهم فضول لمعرفة ما فعله العراقيون في ذلك الصرح الأسطوري الذي أنفق عليه الأمر نصف واردات النفط لسنة كاملة قبل عقد من السنين. قلوبهم ترتجف خشية أن يكون جند العراق قد عاثوا فساداً في القصر، نهبوا أثاثه، خلعوا أبوابه، بل ربما خلعوا رخامه ومرمره ذاك الذي كان يحيل القصر إلى غابة من المرايا ومهرجان من الألوان. لكن لشدة عجبهم بدا وكأن القصر لم يمس. كل شيء ما يزال في مكانه: الستائر، الأثاث، الرياش، بل حتى كرسي العرش المذهب كان ما يزال في مكانه، ولم يستطع الأمير العائد على حراب أمريكا إلا أن ينكب على كرسي العرش لاثماً ضاماً، متلمساً متحسساً وقد طغى شوقه وتوقه على كل ما في العالم من لياقة و "إتيكيت". ـ باسم الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا ورأس الكومنولث كله، خاطب جون ميجور ممثل سيدة بريطانيا الحديدية، الأمير العائد، وباسم كاوبوي العالم وحلفاء الأنكلو أمريكان السميعين المطيعين أعيدك سيدي الأمير إلى عرشك، كما أعيد هذا الخاتم إلى إصبعي، وفيما كان جون ميجور، ممثل السيدة الحديدية، يعيد خاتماً من البلاتين إلى إصبعه، كان جيمس بيكر، ممثل كاوبوي العالم، يأخذ بإبطي الأمير رافعاً إياه من انكبابه على الكرسي ليعيد تنصيبه أميراً في الكويت للمؤمنين، وخانقاناً للبرين والبحرين. ـ شوارتزكوف!! خاطب الوزير العتيد الشائل برأسه دائماً، المعجب بنفسه دائماً قائد قواته. ـ نعم، سيدي، رد الجنرال المنتفخ الصدر وهو يقف وقفة الاستعداد أمام سيده. ـ قد خيبت أملنا وجعلت صداماً يفلت منا، فهل تعوض الآن تلك الخيبة؟ ـ أمر سيدي!!! أنا رهن أمرك سيدي!! أنا بانتظار التعليمات المحددة سيدي. ـ نريد رأس صدام!! ـ نحن نقصفه سيدي. بغداد غابة من حرائق. الطائرات، الصواريخ، القاذفات كلها تعمل على إسقاط بغداد فوق رأسه. ـ لا، لا، ما هذا قصدي. إسقاط بغداد على رأسه لا يكفي، لا بد من رأسه نفسه. ألم تر الملصقات إذن؟ ـ بلى، رأيتها سيدي. وبصراحة... صراحة، أنا أطمع بالخمسة ملايين دولار بل أخطط لكي آتيكم برأسه، بنفسي. ـ أنت، مهمتك أكبر من ذلك. ـ أية مهمة يا سيدي؟ ـ تأتينا برأس العراق نفسه، لكن دون أن يأتي ذلك على رأس لسانك. ـ أبشر سيدي. المهمة على وشك الإنجاز. الغارات لم تبق ولم تذر. والعراق مدمر حجراً على حجر. ـ لا يكفي. نريد احتلال العراق... إعادة هيكلته من جديد، قال الوزير لقائد قواته وقد جلسا وحيدين في مكتب قابع تحت الأرض ترتعد فرائصه خوفاً من صواريخ سكود. ـ لم أفهم، رد شوارتزكوف وقد فاجأه الطرح الجديد. كانت مهمته، حين غادر واشنطن واضحة: ضربة سريعة صاعقة تدمر جيش العراق، اقتصاد العراق، البنى التحتية للعراق، ثم تحرير الكويت وإعادة العائلة الحاكمة إلى مكانها. لكن هاهو الآن يفاجأ بعبارات جديدة: احتلال العراق، إعادة هيكلته... ـ سأفهِّمك، رد الوزير بنبرة الهمس وكأنما يخشى آذان الحيطان، كي نحصل على رأس صدام لا بد من غزوه في عقر داره نحاصره ثم نمسك به إمساكة القط بالفأر. ـ لكن دخول العراق يا سيدي!؟ الوصول إلى بغداد يا سيدي!؟ بدأ الجنرال الذي فوجئ بتكتيك الثعلب العراقي وبراعته في المراوغة إلى حد سحب قواته تحت جنح الظلام دون أن تستطيع حتى الأشعة تحت الحمراء كشفه، لكن نهرة غاضبة انطلقت فجأة فأسكتته. كان الوزير المعجب بنفسه قد التقى في طريقه إلى لندن بالليدي البريطانية ذات القبضة الحديدية، وفي خلوة لم تقطعها حتى رنات الهاتف، أعطته التعليمات النهائية التي اتفقت عليها مع العزيز جورج "بصراحة، عزيزي جيمي، نحن نادمون هنا في لندن، آسفون على الخطأ التاريخي الذي ارتكبه أسلافنا. لو قسم تشرشل العراق إلى ثلاثة أقسام كما فعل سايكس بيكو في بلاد الشام، إذن لكان قد أراح واستراح. أخطأ تشرشل ومن جاؤوا بعده فأبقوا العراق وحدة جغرافية واسعة وعدد سكان كبيراً بحيث بات يشكل خطراً جسيماً على دول الجوار." "بيدك حق، هذا صحيح" رد جيمس الذي كان يحسن فن الإصغاء جيداً، خاصة حين يكون المتحدث سيدة من حديد. "لو فعلوا بالعراق ما فعلوا بالخليج نفسه لكانوا قد فعلوا عين العقل: كل قبيلة دولة، كل عشيرة دولة. محميات سبع، إمارات ومشيخات لا تعد ولا تحصى فأي خطر يمكن أن تشكله وهي خارطة من فتات... لوحة من شتات؟" "صح. ستكون بلا خطر، قطة بلا مخالب أو أنياب، فمن أين يأتي الخطر؟" رد الوزير العابر لندن وقد بدأ يمسك برأس الخيط. "لهذا فكرنا،. عزيزي جيمي. أقصد، نفكر الآن في أن نصلح ذلك الخطأ التاريخي في أن نعيد هيكلة العراق... أقصد تقسيمه إلى وسط، شمال، وجنوب." "عين الصواب، سيدتي العبقرية!!" هتف جيمس فرحاً، هو الذي خطرت بباله الفكرة لكن دون أن يجرؤ على طرحها، فالسيدة الحديدية لا تكره كأن يملى عليها شيء إملاء. "الرأي رأينا والقرار قرارنا، ما نصنعه لا يلغيه أحد، وما نميته لا يحييه أحد"، كانت ترد على أي اقتراح يخرج عن الأفكار البريطانية والمصنوعات البريطانية، لكن هاهو ذا الاقتراح يأتي منها فليطرق الحديد وهو حامٍ. "أجل سيدي!! تقسيم العراق إلى وسط وشمال وجنوب يحل لنا مشاكلنا كلها. يبقى العراق بلا حول أو طول. يلغيه من خارطة الأقوياء إلى الأبد، "قال مسترسلاً مع أفكاره محلقاً مع أحلامه، فرحاً فرح طفل بلقيا جديدة. بعدئذٍ لم يغادر الذئب الذئب حتى اتفقا على كل شيء. ـ صه!! بدأ الوزير نهرته للجنرال. ماذا تعني بالدخول... الوصول... وأنت تتأتئ وتمأمئ. هل أنت خائف؟ ـ لا، يا سيدي! معاذ الله!! لكن الأمر صعب. ـ ليس على الأمريكان صعب، أم لسنا يا ترى سادة العالم؟ أغنياء العالم؟ أقوياء العالم؟ ـ بلى يا سيدي الوزير، لكن أخشى أن نجد أنفسنا في ورطة أشد سوءاً من ورطة فيتنام!! ـ شوارتزكوف!! قاطعه الوزير وقد صمم أن يكون طويل بال. في فيتنام كنا وحدنا، أما هنا، فالعالم كله معنا. ثلاثون دولة يا رجل!! في الحرب العالمية الثانية، لم تستطع بريطانيا العظمى إيجاد مثل هذا الحلف!! نحن نملك العالم. بيدنا هذه نمسك العالم كله، وإذا ما أردنا شيئاً نقول له: كن فيكون. ـ هذا صحيح، والمسألة مسألة تحرير الكويت، لكن احتلال العراق!؟ قال بشيء من خوف وحذر وكأنه يخشى غضبة مضرية من جيمس المعتد بنفسه دائماً، المعجب بنفسه دائماً. ـ ماله احتلال العراق؟ ما الفرق؟ ـ الفرق كبير يا سيدي، فهؤلاء العرب قوم متعصبون. مقولتهم المفضلة: أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب. ـ هراء!! شوارتزكوف! هذا هراء شوارتزكوف. ـ لا، سيدي. ليس هراء، بل صدقني يا سيدي، معظمهم جاؤوا على مضض، أنا أعرفهم سمعت هتافاتهم ورصاصهم حين ضرب صواريخ صدام إسرائيل والسعودية. فكيف يقاتلونه؟ لا. لا. الجندي العربي لا يقاتل الجندي العربي. ـ لكنه قاتله، هنا على حدود الكويت. ـ أبداً... يا سيدي. اشترطوا علينا أن يظلوا في الخلف وأن يكون وجودهم رمزياً. وهم هنا لتحرير الكويت، فكيف يمكننا الاعتماد عليهم في مقاتلة العراقيين؟ في دخول العراق نفسه؟ ـ دعهم جانباً هؤلاء العرب البدو. رد جيمس بيكر بكثير من القرف والاشمئزاز أصلاً، نحن لا نعتمد عليهم. نريدهم فقط كغطاء. ما رأيك ببقية القوات؟ الأنغلو ساكسون بفروعهم كلها؟ الأوروبيون!؟ ألا نستطيع بهم اختراق الجبهة؟ ألا نستطيع إحداث إنزالات هنا وهناك؟ ـ بلى، نستطيع يا سيدي. ـ حسن، هو ذا بيت القصيد. العراق الآن حمل وعلينا أن نذبح الحمل.. نسلخ جلده ثم نوزعه أشلاء!! تلك الليلة جاءت الأوامر إلى المقدم عبد المحسن وقد صار عقيداً قبل أيام: "تحرك بسرعة الطير إلى غربي البصرة، حيث الأهوار من ورائك والحدود السعودية من أمامك. بلا أنوار تحرك، بلا ضجيج، وبكل سرية، فلا يعلم بوجودك أحد." وكانت تلك جزءاً من التحذيرات المشددة التي باتت خبز القوات العراقية وشرابها. فوج عبد المحسن دبابات روسية حديثة الصنع يدعونها /ت82/. هي من أقوى الدبابات في العالم وأشدها مناعة، مع ذلك أضاف إليها العراقيون أشياء وأشياء جعلتها أكثر تحملاً للحر والقر وأسرع حركة وأكثر قدرة على المناورة. في الجيش العراقي خبراء ومهندسون يحسنون ويطورون، يغيرون ويبدلون. هم يعلمون أن ما يصلح لصقيع روسيا لا يصلح للهيب العراق، وكان عبد المحسن فخوراً بفوجه، فخوراً بدباباته، مذ خاض بها معارك المحمرة والأهواز، شق بها الطرق والمسالك يحدوه الأمل في استعادة عربستان، أرض تميم المسلوبة إلى الوطن الأم. "الأنكلو أمريكان جبناء" قال لمعاونه المقدم ناظم، استغرب المقدم ناظم القول فتابع العقيد شرح فكرته "بالطبع، هم جبناء، يغيرون عليك بالطيران من ارتفاعات عالية بحيث لا تصلهم مدافعك المضادة. لينزلوا إلى الأرض وليقاتلوا وجهاً لوجه، حين ذاك نرى من يصمد ومن يهزم؟ من الشجاع ومن الجبان؟" وكان ذلك هو ما يردده العراق كله "إن كانوا شجعاناً فلينازلونا جندياً لجندي". ظلت الحسرة تملأ صدر عبد المحسن طوال كانون الثاني وشباط، وهو يرى أسراب الطيران التي تغطي وجه الشمس وكأنها أسراب الجراد تغير على العراق.... تزرعه حرائق وقنابل وتعود. لم يكن باستطاعته أن يضرب ذلك الجراد ولا أن يوجه له حتى شتيمة، فالتعليمات أن يلبث في موقعه في الفاو مموهاً تمويهاً تاماً لا يراه أحد ولا يسمع له نأمة أحد. دباباته في ملاجئها مخفية مموهة، تمر فوقها الطائرات فلا تراها، تعبر طوربيدات البحر، الزوارق الاستطلاعية، قريباً منها فلا تكشفها. هي تنتظر لحظة الحسم والحسم لا يكون في الجو أو البحر. بل هناك على الأرض حيث يصدم الكبش الكبش وأيهما أقوى يصرع الآخر مضرجاً بدمائه التراب. سار الرتل تحت جنح الظلام، بلا أنوار. الدبابات العراقية نمور رقطاء ترى جيداً في الظلام، عبد المحسن بسيارته السريعة، يسبق الرتل. في ذهنه هاجس. مذ عرف أنه سيمر بالبصرة، لم يستطع التخلص من ذلك الهاجس: أم فاطمة، امرأة عمه... المرأة التي أحبها كثيراً مذ وعي الدنيا، ما حل بها يا ترى؟ وهو يقترب من البصرة بدا الهاجس يشتد. كان عليه أن يسبق الفوج فيستطلع الموقع الجديد ويوزع قواته، لكن هاجس امرأة عمه لم يسمح له بعبور البصرة دون أن يطمئن. وأسرع بسيارته. سائقه ماهر. هو يعرفه جيداً عمل ذات مرة سائقاً لسيارة إسعاف. باستطاعته أن يسوق بسرعة البرق. فليسرع ولن يضيع وقتاً أبداً. البصرة مظلمة. الشوارع بلا أنوار. شط العرب، نهر العشار، الطرق، الأبنية، البيوت، كلها صامتة معتمة إلا من مشاعل القصف والحرائق. بسرعة اجتاز محسن شارع الوطن متجهاً إلى حي الخندق، هو يعرف بيت عمه جيداً لكن الحفر الهائلة في الشوارع، البيوت المهدمة، الأبنية المتكومة على نفسها وقد صارت أنقاضاً، الأشجار المقتلعة والملقاة أرضاً معترضة الطريق هنا، معترضة إياه هناك، كل ذلك جعله ينحرف عن طريقه مائة مرة ويلعن الأنكلو أمريكان ألف مرة. كان خراباً هائلاً بالبصرة، فحيثما تنظر ترى الوجه المشوه للبصرة، الجلد المحروق، الأشلاء المبعثرة، الأوصال الممزقة... مع ذلك كان عليه أن يعبرها كلها، يلف يدور فالهاجس مسيطر عليه ولا خلاص له منه. "هو ذا المنزل" أشار العقيد لسائقه الماهر باتجاه اليمين. هناك، في منتصف الشارع كانت الفيلا التي يعرفها بشناشيلها وشبابيكها المزخرفة قد غدت تلة من حطام. الجدار الخارجي، السياج، كانا ما يزالان سالمين لكن السطح الواسع الذي دكته القنابل كان قد ركع على أربعة وساحقاً الأعمدة، محطماً الجدران، طامراً المنافذ والشبابيك. وقفت السيارة صامتة صمت الحزن، فيما أسرع عبد المحسن يفتح الباب ويندفع خارجاً، متفحصاً، متلمساً وكأنه لا يصدق عينيه. "يا دار فاطمة التي أحببتها قد صرت بعد العز أطلالاً دوارس" وأوشكت عيناه أن تغرورقا بالدموع لكنه عض على لسانه فتراجعت الدموع في عينيه. "لا يجدر بالرجال البكاء. البكاء للنساء." ومضى يطوف حول البيت. ممر الحديقة كله ركام، قصوف أغصان، مزق جذوع، أشلاء جذور وقد اقتلعت القنابل الأشجار من جذورها. الباب؟ لا باب. وأدرك أن كارثة حقيقية حلت. "أتراك تحت الأنقاض، أنت أيتها الأم الحنون؟ يا أم فاطمة ورقية، كاظم وناصر!! أقضيت نحبك دون أن تجدي من يرفع عنك الأنقاض؟" كان يدور حول تلة الحطام وقد أعياه أن يجد منفذاً فيها، أصاخ السمع فلم يسمع شيئاً، تفحص بناظريه ودقق فلم ير شيئاً، لكن ناراً اشتعلت هناك حيث القلب. "يجب أن أسأل، أعرف شيئاً عنها"، وأسرع إلى المنزل المجاور. كان البيت مزعزعاً مصدعاً، لكنه لم يكن قد تهدم. بابه مغلق.. شبابيكه موصدة، لكن بصيص ضوء كان يتسرب منه. قرع الجرس ثم ارتد هازاً رأسه لائماً نفسه "وأين الكهرباء كي تقرع الجرس؟" فالأنكلو أمريكان، أرباب الحضارة والمدنية، كانوا أحرص ما يكون على إطفاء نور الحضارة والمدنية، قطع ماء الشرب، تخريب كل ما يصل الإنسان بالعالم، بالحياة. وطرق بيده الباب. لحظات ثم جاء صوت وفتح باب وظهرت امرأة. ـ عفواً!! بكل لطف وأسى، بدأ العقيد الذي ركبه هاجس يقض المضجع. أتعرفون شيئاً عما حدث لسكان هذا المنزل؟ ـ أم جبار حية ترزق هي هنا، لكن ابنها كاظم.. امرأته... ولم تكمل المرأة التي بدت وكأنها تمرست بنقل الأخبار دون أخبار. ـ رحمك الله يا كاظم، رحمك الله يا امرأته!! لكن، امرأة عمي، أأستطيع رؤيتها؟ أفسحت المرأة الممر للعقيد المستعجل، سابقة إياه إلى غرفة في مؤخرة المنزل تبدو وكأنها أدارت ظهرها للخليج، واهب المحار والردى، فكل ما في الخليج كان قد تحول إلى موت زؤام. سفنه، طائرات، مياهه، نفطه، كل ما في الخليج، عدوان وأعداء، لهب ونار، فكيف لا تدار له الظهور؟ على ضوء الشمعة رأته أم فاطمة بهامته العالية وقامته الضافية. ـ محسن!! ـ امرأة عمي!! ثم أخذ كل منهما الآخر بالأحضان، فيما ارتفع نشيجهما كأنه صدى لنشيج الخليج، بكل ما فيه من كره وضغينة، موت ودمار. لحظات ظل واحدهما في حضن الآخر. هو صهرها وابن عم أبنائها. ابن حقيقي وقد غاب عنها أبناؤها: جبار ثم باقر، أخيراً كاظم وقد غيبه الثرى. قنبلة من وزن طن ونصف أو طنين ربما، بصقتها إحدى الغولات الحاقدات القابعات في غابة الخليج فجعلت ابنها رماداً وبيتها خراباً. هي نفسها نجت بأعجوبة كانت قد ذهبت إلى جارتها تطلب خبزاً، وجاءها الدوي بدل الخبز... دوي يصم الآذان ويقصم الظهور. أم جبار قصم ظهرها الانفجار أو كاد. إذ ما إن سمعته حتى هوت أرضاً وكأنما غدت بلا رجلين، بلا ظهر. بالحدس عرفت أنه بيتها، وبالحدس أدركت أن كاظماً غاب... امرأته غابت. غيبهما الحديد والأسمنت، الأخشاب والحجارة، ثم اللهب والنار وقد اشتعلت في كل ما يشتعل. ـ سننتقم منهم!! المجرمون!! السفاحون!! يقتلون المدنيين العزل، النساء والأطفال!؟ سننتقم. صدقيني عمتي سننتقم، فاصبري قال لها مربتاً كتفها، رافعاً من معنوياتها. ـ صبرنا وسنصبر. ـ عمة.. لم لا تذهبين إلى فاطمة!؟ هناك رقية أيضاً. ـ أذهب إلى بغداد؟ ـ لم لا ؟ هناك تتعاونّ، تتآزرن. ـ وهم؟ سألت وهي تشير إلى الوراء، حيث مياه الخليج وبوارج الأعداء، ألا يريدون تدمير بغداد؟ ألا يجري لبغداد ما يجري لأختها التوأم البصرة؟ السؤال وجيه ومحسن لا يملك جواباً، فيغير: ـ إذن، اذهبي إلى العمارة. هناك بعد أكثر وأمان أكثر، وهناك الأهل. ـ أجل. فكرت في ذلك، ردت الأم المفجوعة بولدها، بكنتها، ببيتها، ذاك الذي بنته بدموع عينيها، بعرق جبينها، وهي توفر الفلس فوق الفلس ويقترض أبو جبار القرض بعد القرض إلى أن جاء أرباب الحضارة والمدنية بكل حقدهم وبغضائهم ليهدموا البيوت على رؤوس أصحابها، فتلتغي الحضارة ويعود الناس كما كانوا بداة في الخيام. ـ لا تترددي. غداً ارحلي. هاك، وأخرج من جيبه حفنة من دنانير وضعها في كفها ثم أخذها بالأحضان من جديد، عمة، أنا آسف، علي أن أكون الآن في مكان ما على الحدود. ـ لا عليك يا ولدي! اذهب برعاية الله! انتبه لنفسك محسن!! وقبلته قبلات الأم المفجوعة التي تخشى أن تفجع من جديد. ـ سلمي لي على العمارة.. على الأهل. وإن رأيت فاطمة... الأولاد... قبليهم لي. طمئنيهم عني. ـ الله معك يا ولدي!! الملائكة تحرسك يا بني!! ـ تحرسنا الملائكة يا عمة، فلا تخافي. لا تخافوا جميعاً. نحن ما زلنا أقوياء ولسوف ندافع عنكم، سنقاتل عن هذا الوطن حتى آخر رمق. وغيبت عبد المحسن العتمة فيما كانت دموع نساء خلفه تنهمر مدراراً. لقد ظهر كالنيزك وغاب كالنيزك. لكن النيازك ضياء يشق ظلمة الليل، فتجد العيون طريقها رغم حلكة الظلام. *** باقر يشعر أنه في حلكة الظلام. كل شيء حوله غامض، مبهم يحير الألباب. "أتراها الهزيمة النكراء للعراق؟ هل مسحت قواته مسحاً فغدا بلا قوات؟ هل القصف المستمر دمر العراق فعلاً؟ لم يترك حجراً على حجر، كما تقول إذاعات الغرب كلها؟ أم تراه العكس، كما تقول إذاعات أخرى". هو لا يفتأ ينتقل بإبرة المذياع من محطة إلى أخرى. لم يعد لديه، بل لدى معسكر الحاصباني كله من شغل، سوى حرب الخليج، أخبار العراق والعراق وعل أحاطت به ضباع. أيجديه نفعاً قرناه؟ أم تخور عزيمته بعد حين؟ قلبه على العراق، شفتاه لا تفتآن تصيحان "يا خليج!! يا عراق!!" ويقشعر بدنه وينكمش كل ما في داخله كلما سمع أخبار الإذاعات المعادية الفرحة بتحرير الكويت... بطرد العراقيين أذلاء صاغرين. هاهو ذا الأمير العائد على حراب الأمريكان يخطب متحدياً العراق، ساخراً من العراق فلا يملك باقر إلا أن يحتدم غيظاً "إن البغاث بأرضنا يستنسر". ويتبجح من رواءه "سيذعن العراق... لا بد من الإذعان" وينفض باقر رأسه "تباً لهم!! كانوا يتحدثون عن صدام، سحق صدام وإسقاط صدام، فما لهم اليوم يتحدثون عن العراق، إركاع العراق وإذعان العراق. ترى، المقصود صدام أم العراق!؟" باقر لا يعلم بل بات عاجزاً عن التمييز. الأنكلو أمريكان يخلطون بين العراق وصدام. وهو، باقر بن عبد الوهاب التنكجي، المهندس الهارب من العراق، منذ سنين طوال، يميز كل التمييز. صدام رجل.. فرد... يعيش ويموت أما العراق فأرض... وطن كبير خالد. منذ دهور كان مهداً للحضارة والمدنية، وسيظل مهداً للحضارة والمدنية، حياً خالداً لا يموت. مع الغموض يزداد القلق، ومع الإبهام يشتد الخوف، فيرتعش قلب الشجاع في الليل وقد صار كل ما حوله مغلفاً بالغموض. شيء ما يدفعه لأن يبحث عن قبس من ضوء ينير الظلمة ويزيل الغموض فمضى وحيداً إلى بيروت. لم تعد رفقة يسار تسره، هو الذي لا يفتأ يسخر، يشمت ويبدو كأنه فرح باندحار العراق، بهزيمة جيش العراق، بل ربما ليس لديه مانع أن تحتل أمريكا العراق. هو يحسب أن ذلك لصالح باقر. "ألا تريد سقوط صدام؟" "ألا تريد التخلص من النظام؟" لا يفتأ يسأله "إذن، ها قد جاء من يخرج لك الكستناء من النار"، لكن، كل ما يراه باقر، كل ما يسمعه بات يقول له شيئاً آخر. كل ما حوله يجعله يشعر بالانكماش والحزن. الحاضر غامض، المستقبل غامض، ولم يكن في المعسكر كله من يشفي غل باقر، فمضى إلى همام. ـ همام!! أفهمني بحق الله، ما الذي يجري؟ ـ كارثة.. ما يجري كارثة. رد همام الحزين حتى نقي العظم، الزافر زفرات الحسرة واحدة تلو الأخرى. ـ صرت على يقين أنها كارثة، لكن كيف؟ ـ لقد قلت لك من قبل، الأنكلو أمريكان يخوضون حرباً بالوكالة عن أنفسهم وعن إسرائيل أهدافهم كثيرة في رأسها: تدمير العراق وإزالة خطره عن إسرائيل. لذلك أشعلوا الحرب العراقية الإيرانية على أمل أن يتحقق هذا الهدف لكنه لم يتحقق، فلم يكن أمامهم إلا أن يفتعلوا أزمة الكويت لبلوغ غايتهم. ـ لكنك كنت فرحاً بدخول العراق إلى الكويت. ـ أنت نفسك فرحت. إنه رد الفعل الغريزي. إنه حب الوحدة. أجل، أنا فرحت أملاً بأن يتابع العراق ضرباته الخاطفة السريعة فيخلصنا من حكام جائرين وعائلات ظالمة مستبدة لكن واأسفاه!! ذهب كل أمل... ضاع الحلم أدراج الرياح. ـ ما أريد أن أفهمه، لماذا لا يوقفون قصف العراق؟ وشعر باقر بالغصة. كانت كلمة قصف وحدها تجعله يصاب بالاكتئاب وهو لا يملك إلا أن يتصور البصرة تتهدم وبيوتها تشتعل. ـ لم يتحقق هدفهم بعد. ـ لكنهم كانوا يقولون: هدفنا تحرير الكويت، وها قد حرروا الكويت، فما ذريعتهم اليوم؟ ـ لا تخف.. كل يوم يصنعون لك ذريعة جديدة. المهم بلوغ غايتهم البعيدة. ـ إسقاط صدام؟ قاطعه باقر وقد بات غير واثق من شيء. ـ لا، لا، صدام ورأس صدام وإسقاط نظامه.. كلها قميص عثمان يتباكون عليه ويلوحون به، تغطية وتعمية. غايتهم الحقيقية هي أن لا يبقى في العراق منشأة أو مرفق، مصنع أو معمل يشير إلى أن له علاقة بالحضارة... علاقة بالقرن العشرين، يريدون إرجاعه إلى العصور الحجرية فيحفظون إسرائيل من خطره خمسين عاماً على الأقل. ـ صحيح. كانوا يقولون لا نريد إلا انسحاب صدام... تحرير الكويت... لكن شيئاً واحداً لم يتغير بعد انسحاب صدام وتحرير الكويت. ـ أرأيت؟ الآن ذريعتهم: أفلت جيش صدام... آلته العسكرية ما تزال قوية، خطرة، ولا بد من تحطيم تلك الآلة العسكرية. وتوقف لحظة زافراً ثم تابع، وإذا تحطمت آلة العراق العسكرية، ماذا يمنع من احتلال أراضيه احتلالاً مباشراً؟ وضع يدهم على نفطه وضعاً مباشراً؟ ـ يعني,,, يريدون إلحاق العراق بالخليج؟ إعادة الاستعمار المباشر إليه كأيام الإنكليز؟ ـ بالطبع، يدمرون العراق، جيشاً واقتصاداً، تقدماً وصناعة، ثم يستعمرونه ويقسمونه. ـ يقسمونه؟ قاطعه باقر مجفلاً منفعلاً. ـ بالتأكيد، هو ذا مخطط إسرائيل. بن غوريون، موشي دايان، موشي شاريت، كلهم وضعوا منذ بداية الخمسينات مخططاً متكاملاً تصبح بموجبه المنطقة كلها دويلات طائفية، شراذم دول، كدول الخليج تماماً، تكون إسرائيل الأقوى فيها جميعاً فتسيطر عليها جميعاً. ـ هذا في لبنان: أرادوا تقسيمه إلى أربع دويلات. ـ وهو في سوريا أيضاً... في الأردن... في العراق... أم تظن أن حرب الأكراد لا تدخل في صلب هذا المخطط؟. وسرعان ما عاد باقر بذاكرته إلى الوراء. "صحيح. حين كنت في الشمال بأم عيني رأيت الضباط الإسرائيليين يعملون مستشارين وخبراء. بأم عيني رأيت الأسلحة تأتي من إسرائيل". ـ تعلم؟ قال وقد تخلص من شروده، كنت أظن أنها مجرد عمليات إزعاج تقوم بها إسرائيل للنظام في بغداد. ـ بل هو التقسيم يا صاحبي، واليوم يتكلمون عنه علناً. دولة أكراد في الشمال، دولة شيعة في الجنوب، والسنة في الوسط، ومت أيها العراق كمداً لمداً!! ـ مستحيل، كيف سيحققون ذلك؟ ـ تدخل قوات الأنكلو أمريكان إلى العراق. ـ ماذا؟ يدخلون إلى العراق؟ قاطعه باقر مستنكراً وهو يعلم ما يعني العراق بأهواره، ومستنقعاته، نخيله وأنهاره. ـ بالتأكيد، وإلا كيف سيحصلون على رأس صدام؟ ـ لا، لا، أنت متشائم... متشائم كثيراً. قال باقر، تكاد الدموع تطفر من عينيه، وقد ازدادت الدنيا قتاماً على قتام. تأمله همام طويلاً، متفكراً فأدرك ما يعانيه في الداخل. وكي لا يظل رهن المعاناة اقترح عليه: ـ اسمع باقر، دعنا من السياسة، ولنخرج إلى مكان ما. كانت بيروت قد استعادت بعضاً من أمنها وطمأنينتها: الميليشيات نزعت أسلحتها، الجيش بدأ يأخذ مواقعه، الحواجز خفت، وبدأ الناس يخرجون من قواقعهم في الأماسي وأطراف الليل... مطعم هنا، حانة هناك، كازينو هنالك، بدأت تفتح أبوابها فيؤمها الناس يستعيدون عز بيروت ويمارسون حياتهم المألوفة في بيروت. ذهبا إلى أقرب كازينو، مطرب من الدرجة السادسة كان يغني، فيخرج صوته نشازاً يخرش أذني باقر. باقر لا يتحمل المزيد فيفر بجلده يفكر بصفية.. بالحانة، ويمضي الصديقان إلى الحانة. تستقبلهما صفية برقصة العصا التي تتقنها جيداً. مع ذلك لا يطرب باقر... لا يشعر بالمتعة. هوة كبيرة يشعر بها تفصل بينه وبين المتعة والطرب، الموسيقى نشاز، الرقص نشاز، الغناء نشاز، يقول لصاحبه ذلك فيضحك صاحبه ثم ينشد: ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا ويكبس باقر ملحاً على الجرح ويصمت. هو كبالع موس بحدين إن بلعها جرحته وإن أخرجها جرحته. وحين تأتي صفية إليه، تمازحه، تدق كأسها بكأسه بل تغريه بأن تدعو صديقتها له، لا يشعر إلا بمزيد من النفور والضيق. ومن جديد يحمل صديقه زوادة تحت إبطه ويمضي. ـ إلى أين؟ سأله همام صباح اليوم التالي وقد رآه يحضر حقيبته: بالأمس فقط جئت من المعسكر... هل اشتقت إليه؟ ـ المعسكر؟ رد باقر ملوحاً برأسه، لا، بت أختنق فيه، وقد توقفت عمليات المقاومة. حتى التدريب لا يجد واحدنا قدرة على تحمله. ـ أين تذهب إذن؟ ـ لا أدري، قال وسمات الحيرة تبدو على محياه. ربما إلى عمان.. ربما إلى دمشق. لكن ما إن وصلت السيارة إلى دمشق، حتى حزم باقر أمره. كان هناك رفاق وكان يريد أن يراهم. فارون عراقيون كثر هو بأمس الحاجة للتواصل معهم، التعرف إلى مواقفهم. وكان مكتب الحزب محطته التالية: ـ مبروك!! بادره أبو العز، القائد الكبير الذي يطلق التصريحات الصحفية يميناً وشمالاً وكلها تعج بالفرح والمرح. ـ على ماذا؟ سأله باقر وهو ما يزال يشعر بأنه بالع موس. ـ قرُبَ يوم التحرير!! دنا موعد العودة! رد القائد الكبير وهو يخرج من وراء طاولته الفاخرة في مكتبه الفاخر في أحد أحياء دمشق الفاخرة ليجلس إلى جانبه. علاقة معقدة كانت تربط الرفيقين معاً، باقر، قد رأى قائده أول مرة لم يشعر بالراحة. كان في وجهه الأسمر المكمد شيء منفر، لا يدري ماهيته، لكنه ينفر منه. مذ كانا معاً في الشمال، كانا يلتقيان وكانا يتفقان حيناً ليختلفا أكثر الأحيان لكن القائد قائد، كلامه مطاع وسيفه قطاع، وكان على باقر أن يحني له الرأس، وأن ينفذ التعليمات. ـ كيف؟ سأله باقر وقد أراد أن يعرف المزيد. ـ بسيطة!! الأنشوطة تضيق حول عنقه، قال وهو يشير إلى الأعلى والبعيد، شدة أخرى ويلفظ صدام أنفاسه فنعود منتصرين. ـ أخشى أن نكون واهمين... بادر باقر وكله رغبة في أن يناور. ـ كيف وصدام تتلاشى قواه!؟ جيشه ينهزم من الكويت، يفر إلى الداخل، بل إن بعضهم يقولون: الفوضى تعم الجيش، تعم البلاد كلها... ـ لكن بعضهم يقولون، قاطعه باقر بشيء من حذر، كان انسحاباً دقيقاً، حتى الأعداء لم يشعروا به. ـ وتصدق؟ سأله القائد الكبير وهو يلوح برأسه ساخراً، الجيوش العربية لا تعرف الانسحاب الدقيق المنظم... بل الفرار. أم نسيت سيناء في حرب السبعة والستين؟ حتى الأحذية تخلى عنها الجندي كي تفر الأرانب بسرعة أكبر. وضحك القائد الكبير ضحك السخرية والشماتة فأحس باقر بنفور أشد وحيرة أكبر. "ما تراني أقول له؟ كيف أرد؟ هو قائد كبير وأنا مجرد عضو في حزبه؟ أأخالفه؟ إذن، قد يفصلني ملقياً بي في الشارع، فلا يتعرف علي أحد". وسكت باقر متململاً في مكانه مطرقاً أرضاً وكله حرص على أن لا يرى أبو العز عينيه فيكشف ما في داخله. ـ لا أدري. تمتم باقر بعد تفكير، أشعر هذه المرة أن الأمر مختلف... الجيش العراقي مختلف، ثماني سنوات وهو يقاتل جيوش إيران... زحوف كالجراد تلبس الأكفان البيضاء أملاً في الشهادة والذهاب إلى الجنة، مع ذلك صمد وقاتل تلك الزحوف بل كاد أن ينتصر. ـ إيران شيء وهذا التحالف شيء آخر. هناك الجهل وهنا العلم، هناك الإيمان الأعمى وهنا التكنولوجيا المتطورة: صواريخ، حواسيب، نظم، طيران... فكيف يصمد جيش صدام؟ بل أين يفلت صدام؟ ـ البعض يقولون: صدام بارع في المراوغة، قادر دائماً على الإفلات... ولكي يضعوا يدهم عليه، لا بد من وضع يدهم على العراق كله. ـ ليضعوا يدهم على العراق كله، هتف القائد الكبير فرحاً، ليخلصونا من هؤلاء القرميين الشوفينيين الذين يحلمون بوحدة العرب ومجد العرب. ولم يستطع باقر متابعة القائد الكبير. كان ذهنه قد شرد بعيداً إلى أيام لقائهم في كردستان، أحاديثهم في كردستان. يومذاك لم يكن أبو العز قد صار قائداً كبيراً. كان يصعد درجات السلم ببطء وتأنٍ، لكنه كان يصعد. مذ ترك الحزب القومي الكردستاني وانتسب إلى الحزب بدأ يصعد... كان من الواضح أن له مستقبلاً ما، مستقبلاً يبشر بالخير. هو دائماً مندفع مشتعل الحماسة، في الحزب القومي الكردستاني كان متحمساً مندفعاً... يخطب... يحاور... يناقش... وكله إيمان بقوميته الكردية متعصب لأهدافها في بناء الدولة الكردية الواحدة التي تمتد من أذربيجان وبحر الخزر شرقاً حتى اسكندرون والبحر المتوسط غرباً مروراً بإيران، العراق، تركيا، سورية. كان ذلك الحلم قد تملكه عشر سنوات كاملات ونذر حياته له عشر سنوات كاملات. فجأة تخلى عن قوميته الكردية ليعتنق الأممية داعياً إلى ديكتاتورية البروليتاريا وسلطة السوفييت. لكن لم يكن يفوت باقراً في أي لقاء معه تعصبه الأعمى لقوميته، حقده الشديد على كل ما هو عربي. "ألهذا السبب يتمنى أن يدخلوا العراق؟ يقضوا على الحزب الذي يدعوا لوحدة العرب ومجد العرب؟" وبدا لباقر، وهو يعود إلى محدثه، أنهما يقفان على طرفي نقيض، لكنه لم يرغب في الجدال وهموم الدنيا تحط على كتفيه، أحزان الدنيا تتغلغل في رئتيه، فلم ير نفسه إلا وهو يسرع بالخروج كأنه يولي الأدبار. في دمشق بحث باقر عن عراقيين آخرين أقل تعصباً وحقداً، عراقيين جاؤوا حديثاً من العراق عله يشم فيهم رائحة الوطن، يعرف منهم أخبار الوطن، لكن دمشق مصمتة الجدران، أسوارها عالية كأسوار الصين. أياماً أربعة ظل باقر يبحث، يفتش، يسأل. ثمة رفاق آخرون التقى بهم، سألهم، ثمة لاجئون من اتجاهات سياسية أخرى وأحزاب أخرى. ناقش بعضهم، دخل في عراك مع بعضهم لكن دون أن تفوته ملاحظة بدت واضحة كل الوضوح: الكل تضللهم دعاية الغرب. حين جعلوا من صدام العراق كله، حين ألغوا الوطن كله ليحل محله فرد واحد أحد هو صدام. ومن جديد وجد نفسه يهرب إلى عمان "أهذا هو الهروب إلى أمام؟ آه، ليتني أظل هارباً إلى أمام إلى أن أجد نفسي في البصرة، فألقي بنفسي في أحضان أمي، ألثم يديها، أقبل قدميها، أطمئن فقط أنها على قيد الحياة، أخلص من هذا القلق الذي يقتلني، أقضي على هذا الغموض الذي يلفني كظلام ليلة شتائية كثيفة الغيوم، غزيرة الأمطار". سماء عمان كثيفة الغيوم غزيرة الأمطار، فلم يشعر إلا وهو يفتح يديه بالدعاء للسماء "اللهم، اجعل سماء العراق كلها هكذا كثيفة الغيوم غزيرة الأمطار، فتعمى أعين الطائرات، وتضل الصواريخ طريقها فلا تجد سبيلاً إلى طفل أو شيخ، امرأة أو رجل". في عمان الأجواء مختلفة، الأبواب مفتوحة وليس ثمة جدران أو أسوار. مع ذلك شوارع عمان خالية، لا سيارات عراقية ولا متبضعين عراقيين. "أين الفارون بمئات الآلاف الذين تتحدث عنهم واشنطن؟ أين أرتال القوافل التي تهجر العراق طلباً للنجاة في عمان؟" وبدا لباقر أن الكذب أضحى ملح العالم وماءه. "اكذب... اكذب... اكذب... فلا بد أن يصدقك الناس"، تلك كانت مقولة غوبلز، فهل يقتنع بأقل منها كاوبوي العالم وامرأة لندن الحديدية؟ "قبل الحرب كان العراقيون زرافات زرافات يقصدون الأردن، يأتون ببضائع ويأخذون بضائع، يتفسحون، يتاجرون، يتواصلون مع العالم." باقر التقى بالكثيرين منهم في المرة الماضية، تواصل، سأل، بل فرح كل الفرح بذلك البصراوي الذي تبين أنه يعرف أباه، بل ربما يعرفه هو نفسه وهو صغير. لكن ما لها هذه المرة عمان خاوية؟ لا تجار، لا طلاب، لا عسكر، لا مسكر. وازدادت حيرة باقر وهو يقف أمام جبل من غموض لا يفتأ يكبر ويكبر... واحدة من محطات التلفاز العربية أطلقت شهاباً في ظلمة الليل والغموض فأضاءت لباقر الحقيقة: طائرات الشبح تقصف الطريق، تدمر الجسور، تلاحق السيارات بقنابلها ورصاصها، فتحرق السيارات وتبعثر القنابل القوافل، ويتمزق ركابها أشلاء أشلاء. "هكذا إذن؟ لا يسمحون لسيارة أن تسير على طريق؟ يقطعون الطرق التي تصل العراق بالعالم؟ هو ذا الحصار الحقيقي إذن، من داخل كما هو من خارج فيختنق الناس ويموتون". وفي وحشة غرفته وظلمتها، وقد أطفأ التلفاز والأنوار، سمع باقر صوتاً كالنشيج يردد: "أصيح بالخليج.. يا خليج". انتفض باقر باحثاً فيما حوله عن مصدر الصوت وكأنه بجانب خده، لكن لا أحد.شعر باقر بشيء من خوف. "لا، لا، الوحدة مخيفة... الوحشة قاتلة" ومضى إلى الهاتف يدق رقمّاً لم يفكر بدقه من قبل. بعد لأي جاءه صوت لبانة، لكن من مسجلة: "أنا خارج المنزل.. من فضلك.. اترك رسالة". وترك باقر رسالة: "أنا باقر.. أنزل في الفندق.. رقم الغرفة.. رقم الهاتف..". ثم عاد يلقي بنفسه من جديد على فراش يفترض أنه وثير، لكنه تلك الليلة كان من قتاد. مساء اليوم التالي فقط رن هاتفه، وجاءه صوت لبانة: ـ باقر، مرحباً!! كيف أنت؟ متى جئت؟ ـ منذ أيام... أين كنت؟ رد باقر بشيء من فرح وقد أخرجه صوتها من لجة الوحشة. ـ كنت في البتراء.. رحلة سياحية.. تصور.. أنا ابنة الأردن لا أعرف أهم معالم الأردن بل أهم آثار العالم.. ـ حقاً؟ أهم آثار العالم؟ رد بنبرة احتجاج وهو يستعيد إلى ذهنه صوراً عن مدينة عظيمة ملأت الدنيا وشغلت الناس... مدينة هناك في العراق تدعى بابل لم تشتهر مدينة في الدنيا كما اشتهرت ولا ضاهى عظمة آثارها في العالم عظمة آثار. ـ أجل، أنت لا تعرف البتراء "المدينة الوردية"، تصور، كلها محفورة في الصخر: بيوتها، قصورها، شوارعها، أقنيتها.. يا إلهي!! ما أروع البتراء!! وتوقفت لحظة ثم أردفت ضاحكة. لكن، لماذا الكلام على الهاتف؟. تعال. هيا، أم آتي فآخذك بسيارتي؟ ـ لا، لا، لن أتعبك، أذهب بسيارة أجرة. فتحت لبانة الباب فامتلأ خيشوماه فجأة برائحة الصابون وعطر الشامبو وقد خرجت لتوها من الحمام. كان المنزل كله يعبق برائحة الصابون وعطور أخرى غير عطر الشامبو. أخذته لبانة بالأحضان، قطة باردة تبحث عن دفء. أخذها باقر بين ذراعيه وهو يتصور أن فوهة بركان من شوق ستنفتح ما إن يراها... مقذوفات حمم ستنطلق ما ان يلامسها. لكن ماله؟ دمه فاتر، لا حار ولا بارد، ويسوع يقول: "أحبك حاراً أو بارداً، ولا أحبك فاتراً" هي تشتعل حرارة، شفتاها تتوقدان جمراً... وتشد بذراعيها حوله ضمة محكمة الشوق ثم تسحبه، كما هي عادتها كل مرة، إلى المخدع بأضوائه الخافتة الحمراء ودفئه المتوهج يشع من الأرض، من الجدران بل حتى من السقف. ثوبها الشفاف الهفهاف يسقط من تلقاء نفسه قبل أن تصل إلى السرير لتبدو في عريها متوهجة كالنار، تلقي بنفسها على السرير فترقص نوابضه فرحاً باللعبة الجميلة التي تمارسها صاحبته عليه دائماً، وينتظر حركة للموج تأخذ بتلابيبه فترفعه وتخفضه بين مدٍ وجزر، لكن الحركة لا تبدأ. لبانة تشد الرجل إليها، تأخذه بذراعيها، برجليها، تحكم حوله أطواقاً من كل جانب، ترسل إليه أمواجاً من أشعة الرغبة والشهوة، لكن، هو مجرد ماء فاتر، لا بارد ولا حار وهي تكره كل فاتر. تنقلب عليه، تجرده من ثيابه، عاصفة تمزق شراع زورق، تعتليه، فارسة تعتلي متن حصان: تتحسس عنقه، تلكز خاصرتيه، تسوط كفليه، وكلها أمل أن ينبت له وتد، أن تنمو فسلة، ترتفع وتعلو لتصبح نخلة تتسلقها لتقطف الرطب الشهي، لكن السرج يظل بلا وتد وفسلة النخيل لا تكبر. هي هناك، تحتها تماماً. صغيرة كحبة فول، ضامرة كقشة. وتتحرك الأنثى. التحدي قاتل. تبعث في القشة الحياة أم لا؟ تنتش حبة الفول وتكبر أم لا؟ تلك هي المسألة. وترفض لبانة الهزيمة. بفمها، بيديها، تحاول أن تبعث في حصانها الحياة لكن عبثاً. الحصان ضعيف.. لا حراك فيه ولا حياة، كل مافيه منكمش منهزم مع ذلك ينقلب من جديد. يأخذ دور الفارس، ومن جديد يحاول.. ضاماً.. لاثماً.. مقبلاً.. لكن عبثاً.. حبة الفول لا تكبر والحياة لا تعود إلى القشة. "أبشع هزائم الرجل هزيمته في الفراش"، يتذكر باقر قول إحداهن ثم، ملء قلبه الأسى، ملء عينيه الدموع، لا يملك إلا أن يقر بالهزيمة، لا يملك إلا أن ينسحب، وكل مافيه يشعر أنه العراق ذاته ينسحب أمام الأعداء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |