|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس كسيراً حسيراً باقر لبانة. كانت ما تزال نائمة. جسدها العاري يفضح خيبته. أرض عطشى بحاجة إلى الري لكنه لم يستطع أن يعطيها شيئاً من ري فانطوى على نفسه يتصبب عرقاً وخجلاً. انتحى ركناً قصياً ثم نام، وها هو ذا في الصباح يلقي نظرة على الجسد العاري يشعر أن كل خلية فيه تقرعه، كل خلية تلعنه، هو الذي خذلها، يطأطئ رأسه ثم يمضي. سعادته وحدها في أن لا تراه عينا لبانة. عيناه مغمضتان ربما على أشواك الخيبة، فمها مطبق ربما على مرارة الخزي، يمسحها باقر بنظرة عجلى ثم يغمغم "أسرع باقر. انسحب قبل أن تفيق، وفي معركة ثانية تهزمك". طوال الطريق إلى دمشق، ظل سؤال واحد يشغله: "لماذا هذا العجز المفاجئ؟ لماذا هذه الهزيمة المنكرة؟". كان باقر ما يزال في الأربعين وكان عازباً يتحرق للمس امرأة، فلماذا يجد نفسه أعزل بلا سلاح؟ كان قد عرف نساء كثيرات من قبل: عشيقات، بائعات هوى، عابرات سبيل ولم يكن قد عرف الخيبة مع أي منهن. صحيح أنه لم يكن فحل الفحول، لكنه رجل. كلهن شهدن له بأنه يرضي المرأة. لبانة نفسها كانت قد شهدت له من قبل، فلماذا يخيب أملها اليوم؟ لماذا يسقط على الفراش متصبباً عرقاً، مهزوماً عاجزاً؟ ألهذا علاقة بما يجري هناك في العراق؟ أله صلة بالهزيمة هناك؟ باقر لا يدري. مشاعره نفسها مختلطة. هو يفكر، يعود بذهنه إلى صدام. في أعماقه لا يشعر بكثير من الأسى، لا يحس بالحزن وحده، ثمة سرور خفي يظهر برأسه بين الحين والحين. "الانسحاب يعني هزيمة صدام. كل هزيمة لصدام فرحة لي.. فرحة لكل رفاقي المشتتين في الأرض". رفاقه كلهم يشعرون هكذا. في الحزب.. في المعارضة.. كلهم يلهجون بذلك، بل أكثر من مرة شعر بالخجل وهو يشير إلى فرحته باقتحام الكويت أو تحويل هذه إلى محافظة من محافظات العراق، وأكثر من مرة هب الرفاق كلهم عليه، وكر دبابير، يوسعونه لسعاً وتقريعاً. "ماذا؟ أجننت؟ انتصار صدام كارثة لنا. صدام يجب أن يهزم. هزيمته نصر لنا" ومرت لحظات اقتنع فيها باقر أن عليه ألا يفرح بضم الكويت ولا باحتجاز الرهائن ولا بضرب إسرائيل بالصواريخ، فكل ما يعزز مكانة صدام يضعف من مكانة الشتات المشرد شرقي الأرض وغربها. مع ذلك ظل باقر موزّعاً بين مشاعره المختلطة: الفرح والحزن، الشماتة والخوف، لكن ما إن وصل إلى مقر الحزب في دمشق حتى رأى الفرح والشماتة خالصين. ـ أرأيتم؟ هذا ما يفعله الغرور.. هذا ما يجره جنون العظمة. كان عزة شيركو وراء طاولته الفخمة وكان يحدث الرفاق حين دخل باقر. حيا الرجل. سلم. سأله القائد سؤالاً مقتضباً ثم تابع: يريد صدام أن يواجه العالم كله.. أن يتحدى الدول. تابع أبو العز القائد الفطحل الذي ساير صداماً فترة ثم ناصبه العداء. مد صدام يده يريد البطش به، لكن أبا العز كان قد أعد العدة من قبل. امتطى متن بغل، كبغل باقر "المارشال" ثم مضى عبر الجبال شمالاً.. شمال. ـ لكن الكارثة، تدخل رجل أشيب الفودين أشيب الشاربين، محني الظهر قليلاً، لم يكن باقر رآه من قبل، أن تكون أقوال إذاعاتهم صحيحة، أن يكون الجيش العراقي بكامله قد دمر: قتلاً أو أسراً. ـ حتى لو كان صحيحاً سيسرني ذلك، رد القائد الفرح الشامت. إنه يعني سقوط صدام. ـ لكنه يعني أيضاً دمار العراق كله. تدخلت صحيفة كان باقر قد رآها ذات مرة، ثم نسي اسمها، بل ربما يعني ذلك احتلال العراق.. عودة الاستعمار إليه من جديد. ـ لا، لا، التحالف لا يريد سوى إسقاط صدام، لا احتلال العراق واستعماره. هذا ما يقولونه جميعاً. ـ وهل تصدق ما يقولون؟ عادت الصحفية الشابة وفي عينيها بريق تحدٍ. ـ لم لا أصدق؟ الرجل هو الغازي المعتدي، هو المصاب بجنون العظمة، وهو الخطر الحقيقي ليس على العراق وحسب بل على العالم كله. إذن لابد من القضاء على ذلك الخطر. و أنا فرح، بل لا أكتمكم أنني فرح غاية الفرح: الآن نجد من يخرج لنا الكستناء من النار دون أن تحترق أصابعنا. بعد ذلك حدث هرج ومرج احتدم فيه الجدال. كانوا خمسة: اثنان أيدا القائد وثلاثة تحفظوا، بل كان الرجل الأشيب الفودين الأشيب الشاربين على طرفي نقيض مع القائد، فند كثيراً من المزاعم وأوضح كثيراً من الحقائق أيدته في جلها الصحافية الشابة، لكن هاتفاً ملحاً قطع ذلك الجدال. ـ نعم. رد القائد الذي يريد إسقاط صدام بأي شكل. الآن؟ حاضر.... حاضر. وما إن أغلق القائد الهاتف حتى اعتذر شبه مغمغم. يريدونني هناك. ضروري، قال وهو يشير إلى الوراء والأعلى، ثم هب من وراء طاولته، فهبوا جميعاً محيين خارجين. على الرصيف وجد باقر نفسه جنباً إلى جنب مع الصحافية الشابة. متحمسة كانت، شاركت في النقاش فيما وجد نفسه هو، باقر التنكجي ابن البصرة، كتلة الصمت، تمثالاً للدهشة والتعجب. "لماذا هذا الفرح كله بتدمير جيش العراق... اقتصاد العراق... مدن العراق؟... أليس هو ابن العراق؟ ألا يعنيه البتة خرابه؟ موت رجاله، قتل نسائه؟". ولمعت في ذهنه فكرة "القصف لا يطول كردستان إذن لم لا يفرح؟ الصواريخ، القنابل، القذائف تنصب كلها على البصرة، تكريت، العمارة، بغداد، الموصل.... وما شأن عزة شيركو بالبصرة وبغداد؟ العمارة والموصل؟ شأنه هو كردستان. ما يهمه هو السليمانية، كركوك... الداهوك.. تلك الجبال في الشمال هي وطنه. الجبال لا يأتيها قصف ولا تقربها صواريخ إذن كيف لا يفرح؟". ـ لم تشارك في النقاش؟ بادرته الصحفية الشابة وقد وجدا نفسيهما رفيقي طريق. أتوافقه الرأي؟ ـ لا، ليس تماماً. رد باقر بشيء من تلجلج وعيناها السوداوان الحوراوان تتغلغلان في أعماقه حتى نقي العظام. ـ ليس تماماً.. أنت إذن توافقه على جل آرائه!؟ سألته من جديد وهي تسير بجانبه كأنما هو تحصيل حاصل أن يسيرا معاً. ـ الحقيقة، بعضها صحيح. ـ لا، مستحيل. أنت باقر، ابن البصرة، تتفق بالرأي مع هذا الحاقد على كل ماهو عربي، الكاره حتى لذكر كلمة عروبة؟ ـ المسألة ليست مسألة عربي أو عروبة. بدأ باقر وهو يحاول جاهداً تذكر اسم الصحافية الشابة بعد أن أدهشه تذكرها لاسمه، لكنها لم تدعه يكمل. ـ بل هي كذلك، صدقني. لقد رأيت بأم عيني كيف يفيض الحقد من عينيه... رأيت بأم عيني كيف تقوم أحزاب كهذه على الأقليات العرقية والطائفية. ترى، ألم يلفت هذا نظرك؟ من جديد تلجلج باقر. كان ذلك قد لفت نظره ذات يوم. كانوا في اجتماع حزبي هناك في بغداد، نظر حوله فلم ير إلا الكردي والآشوري، التركماني والصابئي، لكنه لم يوله اهتماماً يومذاك. ـ لكن، ها أنذا نفسي عربي معهم، رد باقر وقد وجد نفسه فجأة يتخذ موقف الدفاع. ـ هذا لا يعنيني. ما يعنيني ويؤلمني حقاً هو ذلك الفرح بتدمير العراق. تلك الشماتة بإبادة الجيش العراقي. والحجة؟ سألت ثم توقفت متسمرة في مكانها، كأنما تريد الجواب منه. باقر لا يجيب، هو في حيص بيص.. حائر متلجلج. تسمر على الرصيف كما تسمرت ثم سار حين سارت وقد قررت أن تجيب نفسها بنفسها، هازة رأسها ساخرة: الحجة أنهم يريدون رأس صدام. ـ ربما، هذا صحيح. قال باقر بتردد واستحياء. ـ كيف، صحيح؟ هل يختزل الوطن كله برجل واحد؟ هل يدمر الوطن من أجل رجل واحد؟ ولم يملك باقر إلا أن يعجب بسؤالها، هي الصحافية الشابة التي ما فتئ يحاول تذكر اسمها. ـ لكنه متعصب شوفيني. وجد باقر نفسه يرد ورغبته الوحيدة أن يجرها للنقاش. العالم كله ضده... العالم كله يكرهه. هل العالم كله على خطأ وهو على صواب؟ |