مواجع الشتات ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـــ وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية – دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس

كسيراً حسيراً باقر لبانة. كانت ما تزال نائمة. جسدها العاري يفضح خيبته. أرض عطشى بحاجة إلى الري لكنه لم يستطع أن يعطيها شيئاً من ري فانطوى على نفسه يتصبب عرقاً وخجلاً. انتحى ركناً قصياً ثم نام، وها هو ذا في الصباح يلقي نظرة على الجسد العاري يشعر أن كل خلية فيه تقرعه، كل خلية تلعنه، هو الذي خذلها، يطأطئ رأسه ثم يمضي. سعادته وحدها في أن لا تراه عينا لبانة. عيناه مغمضتان ربما على أشواك الخيبة، فمها مطبق ربما على مرارة الخزي، يمسحها باقر بنظرة عجلى ثم يغمغم "أسرع باقر. انسحب قبل أن تفيق، وفي معركة ثانية تهزمك".‏

طوال الطريق إلى دمشق، ظل سؤال واحد يشغله: "لماذا هذا العجز المفاجئ؟ لماذا هذه الهزيمة المنكرة؟". كان باقر ما يزال في الأربعين وكان عازباً يتحرق للمس امرأة، فلماذا يجد نفسه أعزل بلا سلاح؟ كان قد عرف نساء كثيرات من قبل: عشيقات، بائعات هوى، عابرات سبيل ولم يكن قد عرف الخيبة مع أي منهن. صحيح أنه لم يكن فحل الفحول، لكنه رجل. كلهن شهدن له بأنه يرضي المرأة. لبانة نفسها كانت قد شهدت له من قبل، فلماذا يخيب أملها اليوم؟ لماذا يسقط على الفراش متصبباً عرقاً، مهزوماً عاجزاً؟ ألهذا علاقة بما يجري هناك في العراق؟ أله صلة بالهزيمة هناك؟ باقر لا يدري. مشاعره نفسها مختلطة. هو يفكر، يعود بذهنه إلى صدام. في أعماقه لا يشعر بكثير من الأسى، لا يحس بالحزن وحده، ثمة سرور خفي يظهر برأسه بين الحين والحين. "الانسحاب يعني هزيمة صدام. كل هزيمة لصدام فرحة لي.. فرحة لكل رفاقي المشتتين في الأرض". رفاقه كلهم يشعرون هكذا. في الحزب.. في المعارضة.. كلهم يلهجون بذلك، بل أكثر من مرة شعر بالخجل وهو يشير إلى فرحته باقتحام الكويت أو تحويل هذه إلى محافظة من محافظات العراق، وأكثر من مرة هب الرفاق كلهم عليه، وكر دبابير، يوسعونه لسعاً وتقريعاً. "ماذا؟ أجننت؟ انتصار صدام كارثة لنا. صدام يجب أن يهزم. هزيمته نصر لنا" ومرت لحظات اقتنع فيها باقر أن عليه ألا يفرح بضم الكويت ولا باحتجاز الرهائن ولا بضرب إسرائيل بالصواريخ، فكل ما يعزز مكانة صدام يضعف من مكانة الشتات المشرد شرقي الأرض وغربها.‏

مع ذلك ظل باقر موزّعاً بين مشاعره المختلطة: الفرح والحزن، الشماتة والخوف، لكن ما إن وصل إلى مقر الحزب في دمشق حتى رأى الفرح والشماتة خالصين.‏

ـ أرأيتم؟ هذا ما يفعله الغرور.. هذا ما يجره جنون العظمة. كان عزة شيركو وراء طاولته الفخمة وكان يحدث الرفاق حين دخل باقر. حيا الرجل. سلم. سأله القائد سؤالاً مقتضباً ثم تابع: يريد صدام أن يواجه العالم كله.. أن يتحدى الدول. تابع أبو العز القائد الفطحل الذي ساير صداماً فترة ثم ناصبه العداء. مد صدام يده يريد البطش به، لكن أبا العز كان قد أعد العدة من قبل. امتطى متن بغل، كبغل باقر "المارشال" ثم مضى عبر الجبال شمالاً.. شمال.‏

ـ لكن الكارثة، تدخل رجل أشيب الفودين أشيب الشاربين، محني الظهر قليلاً، لم يكن باقر رآه من قبل، أن تكون أقوال إذاعاتهم صحيحة، أن يكون الجيش العراقي بكامله قد دمر: قتلاً أو أسراً.‏

ـ حتى لو كان صحيحاً سيسرني ذلك، رد القائد الفرح الشامت. إنه يعني سقوط صدام.‏

ـ لكنه يعني أيضاً دمار العراق كله. تدخلت صحيفة كان باقر قد رآها ذات مرة، ثم نسي اسمها، بل ربما يعني ذلك احتلال العراق.. عودة الاستعمار إليه من جديد.‏

ـ لا، لا، التحالف لا يريد سوى إسقاط صدام، لا احتلال العراق واستعماره. هذا ما يقولونه جميعاً.‏

ـ وهل تصدق ما يقولون؟ عادت الصحفية الشابة وفي عينيها بريق تحدٍ.‏

ـ لم لا أصدق؟ الرجل هو الغازي المعتدي، هو المصاب بجنون العظمة، وهو الخطر الحقيقي ليس على العراق وحسب بل على العالم كله. إذن لابد من القضاء على ذلك الخطر. و أنا فرح، بل لا أكتمكم أنني فرح غاية الفرح: الآن نجد من يخرج لنا الكستناء من النار دون أن تحترق أصابعنا.‏

بعد ذلك حدث هرج ومرج احتدم فيه الجدال. كانوا خمسة: اثنان أيدا القائد وثلاثة تحفظوا، بل كان الرجل الأشيب الفودين الأشيب الشاربين على طرفي نقيض مع القائد، فند كثيراً من المزاعم وأوضح كثيراً من الحقائق أيدته في جلها الصحافية الشابة، لكن هاتفاً ملحاً قطع ذلك الجدال.‏

ـ نعم. رد القائد الذي يريد إسقاط صدام بأي شكل. الآن؟ حاضر.... حاضر.‏

وما إن أغلق القائد الهاتف حتى اعتذر شبه مغمغم. يريدونني هناك. ضروري، قال وهو يشير إلى الوراء والأعلى، ثم هب من وراء طاولته، فهبوا جميعاً محيين خارجين.‏

على الرصيف وجد باقر نفسه جنباً إلى جنب مع الصحافية الشابة. متحمسة كانت، شاركت في النقاش فيما وجد نفسه هو، باقر التنكجي ابن البصرة، كتلة الصمت، تمثالاً للدهشة والتعجب. "لماذا هذا الفرح كله بتدمير جيش العراق... اقتصاد العراق... مدن العراق؟... أليس هو ابن العراق؟ ألا يعنيه البتة خرابه؟ موت رجاله، قتل نسائه؟". ولمعت في ذهنه فكرة "القصف لا يطول كردستان إذن لم لا يفرح؟ الصواريخ، القنابل، القذائف تنصب كلها على البصرة، تكريت، العمارة، بغداد، الموصل.... وما شأن عزة شيركو بالبصرة وبغداد؟ العمارة والموصل؟ شأنه هو كردستان. ما يهمه هو السليمانية، كركوك... الداهوك.. تلك الجبال في الشمال هي وطنه. الجبال لا يأتيها قصف ولا تقربها صواريخ إذن كيف لا يفرح؟".‏

ـ لم تشارك في النقاش؟ بادرته الصحفية الشابة وقد وجدا نفسيهما رفيقي طريق. أتوافقه الرأي؟‏

ـ لا، ليس تماماً. رد باقر بشيء من تلجلج وعيناها السوداوان الحوراوان تتغلغلان في أعماقه حتى نقي العظام.‏

ـ ليس تماماً.. أنت إذن توافقه على جل آرائه!؟ سألته من جديد وهي تسير بجانبه كأنما هو تحصيل حاصل أن يسيرا معاً.‏

ـ الحقيقة، بعضها صحيح.‏

ـ لا، مستحيل. أنت باقر، ابن البصرة، تتفق بالرأي مع هذا الحاقد على كل ماهو عربي، الكاره حتى لذكر كلمة عروبة؟‏

ـ المسألة ليست مسألة عربي أو عروبة. بدأ باقر وهو يحاول جاهداً تذكر اسم الصحافية الشابة بعد أن أدهشه تذكرها لاسمه، لكنها لم تدعه يكمل.‏

ـ بل هي كذلك، صدقني. لقد رأيت بأم عيني كيف يفيض الحقد من عينيه... رأيت بأم عيني كيف تقوم أحزاب كهذه على الأقليات العرقية والطائفية. ترى، ألم يلفت هذا نظرك؟‏

من جديد تلجلج باقر. كان ذلك قد لفت نظره ذات يوم. كانوا في اجتماع حزبي هناك في بغداد، نظر حوله فلم ير إلا الكردي والآشوري، التركماني والصابئي، لكنه لم يوله اهتماماً يومذاك.‏

ـ لكن، ها أنذا نفسي عربي معهم، رد باقر وقد وجد نفسه فجأة يتخذ موقف الدفاع.‏

ـ هذا لا يعنيني. ما يعنيني ويؤلمني حقاً هو ذلك الفرح بتدمير العراق. تلك الشماتة بإبادة الجيش العراقي. والحجة؟ سألت ثم توقفت متسمرة في مكانها، كأنما تريد الجواب منه. باقر لا يجيب، هو في حيص بيص.. حائر متلجلج. تسمر على الرصيف كما تسمرت ثم سار حين سارت وقد قررت أن تجيب نفسها بنفسها، هازة رأسها ساخرة: الحجة أنهم يريدون رأس صدام.‏

ـ ربما، هذا صحيح. قال باقر بتردد واستحياء.‏

ـ كيف، صحيح؟ هل يختزل الوطن كله برجل واحد؟ هل يدمر الوطن من أجل رجل واحد؟‏

ولم يملك باقر إلا أن يعجب بسؤالها، هي الصحافية الشابة التي ما فتئ يحاول تذكر اسمها.‏

ـ لكنه متعصب شوفيني. وجد باقر نفسه يرد ورغبته الوحيدة أن يجرها للنقاش. العالم كله ضده... العالم كله يكرهه. هل العالم كله على خطأ وهو على صواب؟‏

ـ أنا لا أدافع عنه، ردّت وهي تسرع الخطا فجأة. بل هو لا يعنيني البتة، ما يعنيني هو هذا البلد العظيم الذي يدك فلا يبقى منه حجر على حجر.‏

ـ في هذا أنت على حق. أنا نفسي أشعر بالأسى.‏

ـ إذن، لماذا لا تناقش؟ لماذا لا توقفون مثل هؤلاء الحاقدين عند حدهم؟‏

ـ هو قائد، وأنا مجرد فرد من القاعدة؟‏

ـ تخاف منه؟‏

ـ كيف لا، وحياتي كلها رهن جرة قلم منه؟‏

ـ ماذا؟ تساءلت الصحفية الشابة وقد اتسعت عيناها عجباً. حياتك كلها من جرة قلم منه؟‏

ـ أجل.‏

ـ كيف؟‏

ـ هذه قصة طويلة يا عزيزتي، قال وهو يزفر زفرة حارقة.‏

ـ سترويها لي، ردت وهي تمسك بيده ثم تنطلق. تعال إلى منزلي نتغدى ونتحدث.‏

في الطريق إلى المنزل، كان هم باقر الوحيد أن يتذكر اسمها، يتذكر شيئاً عنها. وطوال الطريق ظل يداور، يناور. وهو يقع في مآزق كهذه عادة، يلتقي برجل يأخذه بالأحضان، يقبله، صديقاً حميماً، فيما لا يذكر هو حتى اسمه. وعليه حينذاك أن يعرف الاسم، أن يستعيد معلوماته عنه، ولا سبيل أمامه سوى المداورة، المناورة. المناورة أجدت، وجاء اسمها على لسانها هي، فكاد باقر يثب فرحاً.‏

ـ لورا!! لورا!! راح باقر يكرر، وهما يدخلان المنزل، أنا لا أصدق أنها مجرد صدفة أن نلتقي. قبل عام فقط، ومن جديد هذا العام.‏

ـ ألم يقولوا: رب صدفة خير من ميعاد؟‏

ـ لكنني لا أؤمن بالصدفة، بل أكره أن تكون حياتنا قائمة على الصدفة؟‏

ـ سواء آمنت أم لم تؤمن، كرهت أم أحبت: هكذا هي الحياة جملة من الصدف والمصادفات: لقاء، فراق، حياة، موت، كلها مصادفات، توافقات، لا قوانين حسابية ومعادلات رياضية.‏

ـ أراك تحسمين الأمور كلها، قطع بت.‏

ـ اليقين خير من الشك وأكثر راحة. قالت وهي تشير له أن يجلس على ديوان أشعث، كالح، عتيق، تتناثر عليه صحيفتان أو ثلاث ويتوزع عند قدميه سبعة كتب أو ثمانية، بل غرفة القعود كلها عبارة عن ساحة عراك بين الصحف والكتب، أيها سبق أخذ مكاناً في الرفوف القليلة المنصوبة على الحائط، وما تبقى يسقط صريعاً على أرض المعركة.‏

جلس على الديوان وهو ينتقل بناظريه فيما حوله، تتعاوره رغبتان، الأولى أن ينهض فيلملم بقايا المعركة عن الأرض، يرتبها على هذا الرف أو ذاك والثانية أن يحشم نفسه فلا يتدخل فيما لا يعنيه. الفتاة لا يعرفها إلا بالكاد. نزر يسير من المعلومات عاد إلى ذهنه وهما في الطريق إلى المنزل: أبوها، أخوها قتلا في أحداث فتنة قبل تسع سنوات، بقية الأسرة اضطرت للهجرة إلى دمشق. الأم لم تتحمل طويلاً فلحقت بالزوج والابن، لتبقى لورا وأختها وأخ لم يكن يتجاوز حينذاك العامين.‏

المنزل في أطراف دمشق:غرفة قعود وغرفة نوم على السطح فيما المرافق مشتركة مع الجار في الطابق الأرضي.‏

ـ قهوتك سادة أم سكر زيادة؟ سألته وقد صارت خارج الباب.‏

ـ لا سادة ولا سكر زيادة، رد ضاحكاً وهو يهب من ديوانه متوجهاً نحوها، بل غداء كما وعدتني، أم غيرت رأيك؟‏

ـ لا تقترب... قالت بصوت منخفض مشيرة له بالرجوع، الأحسن أن لا يراك الجيران. وبدا عليها وهي تلتفت إلي اليمين واليسار، الأعلى والأسفل، كأنما هي خائفة.‏

ـ عجيب! تخافين الجيران؟ سأل وهو يتذكر أنها، حين دخلا المنزل، كانت تتلفت يمنة ويسرة أيضاً.‏

ـ هو ذا شرطهم، حين استأجرنا البيت: عدم دخول الرجال.‏

ـ لكن لماذا؟‏

ـ حسب رأيهم نحن ضلعان قاصران: فتاتان بغير رجل، أيسمحون بدخول الرجال إلينا؟‏

وبرم باقر شفته السفلى.‏

ـ حسنَّ كنت أود المساعدة.‏

ـ لا عليك. كل شيء جاهز. فقط أضع الصينية في الفرن.‏

وعاد باقر يجلس على الديوان، جامعاً ما حوله من صحف، مجلات، كتب، مقلباً صفحات بعضها، وكل ما يشتهيه أن يكون قرب ذلك الفرن الذي ستضع فيه لورا الصينية.‏

كانت الغرفة عارية خالية إلا من الصحف والكتب، وكانت المدفأة في الزاوية لكنها مطفأة، وكان شباط بارداً، ريح قارسة كانت تتسرب عبر الأبنية والأزقة لتدخل الباب المشرع فتحيل الجدران إلى صقيع، الأرض أيضاً صقيع، لكنه يتردد: أيبادر فيشعل المدفأة أم يبقى ساكناً؟ " حين تعود لورا، دعها هي تشعل المدفأة" تمر اللحظات، الدقائق، ربع ساعة... لكن لورا لا تعود. حركتها هناك في المطبخ، جلية واضحة وقع خطى أو صوت قعقعة. "وضع الصينية في الفرن، أيستغرق كل هذا الزمن؟"، باقر يشعر أنه أطول من أي زمن. الجرائد قلبها. لم يجد سوى أخبار عن العراق ومعارك العراق باتت قديمة ممجوجة. الكتب، لم يجد فيها ما يثير اهتمامه فألقى بها أرضاً.‏

أخيراً جاءت لورا، في يسراها زجاجة وفي اليمنى كأسان، فيما عيناها تتلفتان إلى الوراء وكأنما هي خائفة أن يراها أحد.‏

ـ لدي زجاجة الخمر هذه، أتشرب الخمر؟‏

ـ ولم لا؟ أجابها فرحاً، وهو يرى بأم عينه طلائع الخلاص من البرد. قليل من الخمر ينعش قلب الإنسان، وضحك فضحكت، فيما بعد مد يده يأخذ الزجاجة والمفتاح، يفتحها على مهل ثم يصب خمراً قانياً كالدم بعدئذ يقدم لها كأسها قائلاً.‏

يقولون: الخمرة دم المسيح... معين الراحة والخلاص، فلم لا نشرب من معين الراحة والخلاص؟.‏

ـ تعلم؟ أحياناً لا أجد سوى الكأس مصدراً للراحة؟ قالت وقد بدا على وجهها مسحة شفافة من حزن.‏

ـ ايه!! كلنا في الهوا سوا!! قال وهو يرفع كأسه، في صحتك!! رفعت كأسها ورشفت فيما لمعت عيناها ببريق حزن دفين، رآه باقر فأدرك كم تخبئ عيناها الحوراوان من أتراح وأحزان!!‏

ـ لماذا؟ سألها باقر فهزت رأسها جهلاً بما قصد. أعني.. تابع بعد لأي، لماذا كل هذا الحزن في عينيك؟‏

ـ وماذا تنتظر من فتاة فقدت بلمحة عين أباها وأخاها، بيتها وأصحابها، أمها وأصدقاءها، لتجد نفسها وحيدة بين مخالب الوحشة والموت.‏

ـ ألهذا الحد؟‏

ـ كيف لا، وقد كنت أنا نفسي مهددة بالموت؟ بل لو كنت في المنزل لما وفروني. أمي.. أخي... أختي لو وجدوا أياً منهم لما وفروه. كانوا يريدون قتلنا جميعاً.‏

ـ لكن لماذا؟‏

ـ كان أبي مناصراً للسلطة، وهم يريدون الانتقام من السلطة.‏

ـ والسلطة، ماذا فعلت؟...‏

ـ ردت عليهم بالمثل. دكت المبنى الذي التجؤوا إليه دكاً. كان مبنى من خمسة طوابق لم يبق منه حجر على حجر.‏

وشرد باقر إلى حيث كانت القنابل تدك بغداد... البصرة... العمارة، الموصل، فلا تبقي حجراً على حجر. "أهي القوة الغاشمة نفسها، حيث توجد تبطش بلا رحمة؟".‏

ـ هه! ماذا؟ جئت تروي لي فرويت لك؟ تحدثني عن نفسك فحدثتك عن نفسي؟..‏

قالت لورا وهي تتحرك إلى المطبخ تلقي نظرة على صينية الفراريج في الفرن ثم تعود.‏

ـ تعلمين؟ بادرها وقد عادت، لم أكن أتصور أن وراء هاتين العينين الجميلتين كل تلك المآسي والأحزان.‏

ـ لا، اطمئن، في بلدنا لا يوجد سوى المآسي والأحزان.‏

"يا إلهي!! فتاة في مثل سنها لا تنطق إلا بالحكمة! الله ما أسرع ما علمتها الحياة، وما أكثر ما علمتها الحياة!!".‏

ـ صحيح. أفلح أخيراً في التخلص من أفكاره، مائلاً نحوها، في العراق يقولون: نحن قوم مجبولون بالحزن. تاريخنا... تراثنا... حكاياتنا... كلها مجبولة بالحزن، بل حتى ألحاننا آهات، أغانينا مواويل وتنهدات.‏

ـ والآن يزداد الطين بله، قالت زافرة زفرة حرى. تعلم أيها الصديق أن قلبي يتمزق على العراق.‏

ـ إلى هذا الحد؟‏

ـ ولم لا؟ ألسنا شعباً واحداً؟ تساءلت ثم بدأت تنشد بنغم شجي:‏

بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا بالرقمتين وبالفسطاط أخواني‏

"يا إلهي!! ما أجمل ما تقول!! يا إلهي!! ما أعذب هذا البيت!! حقَاً... نحن شعب واحد. آلامنا واحدة... آمالنا واحدة... أتراحنا... أفراحنا... بل... هي نفسها لورا، أليست واحدة من صاحبات عيون المها بين الرصافة والجسر، تلك التي تغزل بها شاعر دجلة؟ ألا يذكرني وجهها بجميلة؟ شفتاها اللمياوان بلا حمرة أو اصطناع ألا تماثلان شفتي جميلة؟ تلك البشرة السمراء المحمرة المقمرة، ألا تشبه بشرة جميلة؟". وسرح باقر قليلاً إلى حيث كانت جميلة، في حي الكاظمية في بغداد، وهما شابان صغيران طالعان إلى الحياة من جديد، يمد رأسه من دار عمته في بغداد وتمد رأسها من دار أبيها فتلتقي الأعين ثم يلتقي الرأسان ثم الشفاه وينمو حب يضوع عبقه ملء الحي كله.‏

ـ لا، هذه المرة شردت بعيداً. نخب من جعلوك تشرد، قالت وهي تدق كأسها بكأسه، غامزة بعينها، فلم يملك إلا أن يبتسم ثم يلتفت حوله وقد خطرت بباله فكرة.‏

ـ إذن!! أين أخوك؟ أختك؟..‏

ـ أخي في مدرسة أبناء الشهداء لا يأتي إلا في العطل، وأختي في الجامعة لا تأتي إلا بحلول الظلام.‏

"إذن، جئت هنا كي تنفردي بي!؟". وانكمش شيء في داخله. كانت تجربة مع لبانة طرية كورقة حبق، وكانت ذكراها تنغل داخل جمجمته كدود في جيفة، فأربد وجهه وهو ينكمش أكثر فأكثر على نفسه.‏

ـ ماذا؟ ألا تريد أن تروي لي قصتك الطويلة؟.. سألته ضاحكة مذكرة.‏

ـ أجل، قال هاشّاً وقد وجد المخرج. جئت من أجل ذلك. بدأ وفي صوته نبرة جرح عميق: مذ قامت حركة شباط في بغداد علمت أنها المواجهة. كنت يومذاك في الثالثة عشرة من عمري، وكان أبي، التنكجي، مع عبد الكريم قاسم، بل كان سوق التنكجية كله مع عبد الكريم قاسم، لكن الحزب المعادي له ولنا قام بحركة أطاحت بكل ما شاده الزعيم وكل ما بيننا نحن من أحلام. كنا نعمل لإقامة الدولة التي ترفع راية الماركسية، ترسخ ديكتاتورية البروليتاريا، فلا يبقى أثر لبورجوازية أو أرستقراطية، ملكية أو نبلاء بل عمال وفلاحون، لكن عبد السلام عارف انقلب على صاحبه، وكان وراءه الحزب الآخر. طلب إلينا أن نرفع الأعلام، وننصب الزينات لكننا أبينا. "وزعوا المناشير، حرضوا الناس على المقاومة". وفعلنا ذلك، لكن لينقض علينا الشرطة والجيش فتسيل دماء وتزهق أرواح.‏

ـ لكأن العنف، القتل، الدم، هو قدر العراق عبر التاريخ، تدخلت لورا وكأنما تتحدث من أعماق التاريخ.‏

ـ أجل: لكن منذ ذلك اليوم، علمت أنه لا صلح ولا مهادنة بيننا وبين ذلك النظام. في كل مناسبة نخرج ضده، نتظاهر، نقاتل، نهرب أحياناً، ويلقى القبض علينا أحياناً أخرى. إلى أن جاء يوم زججت فيه بالسجن سنة وثلاثة أشهر لقيت فيها من العذاب ما جعلني أقسم أغلظ الأيمان إن خرجت لا أبقى في العراق يوماً واحداً. وحين خرجت بررت بقسمي، هربت مشياً على الأقدام من الموصل حتى القامشلي، بهوية مزورة، بوجه مستعار، باسم مستعار غادرت الوطن. تلقاني الرفاق في القامشلي. ثم صاروا حبل السرة الوحيد الذي يربطني بالحياة، أنا الذي بلا وطن... بلا اسم... بلا هوية.. كيف أعيش؟ هم تكفلوا بذلك. وفروا لي هوية، بلا ملجأ، راتباً، بل عملاً في إحدى المنظمات، ومضى باقر يروي لها ما فعله مع المنظمات.‏

ـ يا إلهي!!.. أنت مناضل حقيقي. قاطعته وهي ترفع كأسها مقتربة منه: نخب المناضلين الحقيقيين!! أنتم وحدكم من أحب. ثم رشفا كلاهما رشفة طويلة، فيما عيناها الحوروان تتأملانه ويدها اليسرى تمتد إلى كتفه وقد صار كفلها بجانب كفله. "يا إلهي!! هذه بداية الطريق فأين ينتهي؟". وتحرك بكفله مبتعداً قليلاً "لا، يا صديقي!! بالأمس فقط خضت تجربة فاشلة، ولا أريد أن أعيد التجربة اليوم، أرجوك".‏

لكن رائحة واخزة جعلت أفكاره تتوقف. الرائحة وصلت إلى خيشومي لورا نفسها، دافعة بها لأن تنظر عبر الباب، هناك رأت سحابة من دخان فهبت ملء طولها.‏

ـ حريق!! حريق!! صاحت وهي تجري باتجاه المطبخ. هناك، لحق بها باقر ليدخلا في قلب السحاب، وبصعوبة يطفئ باقر الكهرباء... بصعوبة، يخرج صينية الفراريج، وهي تحترق ثم يسكب عليها الماء إلى أن تنطفئ، بعدئذٍ ينظر كل منهما إلى الآخر.‏

ـ ها قد طلعنا بلا غداء، قالت أخيراً وهي تضحك، فيما بدا هو يعطس دامع العينين، وسحابة الدخان ما تزال تملأ المطبخ، تحركا خارجاً ثم بدأا يصعدان الدرج.‏

ـ لحسن الحظ، الجيران لم يرونا. أو كانت فضيحة، قالت وقد كفت عن التلفت يمنة ويسرة، وللتو شعر باقر بانكماش شديد... بخوف أكبر وقد تحول إلى عصفور في شرك. كانا قد طلعا الدرج. فجأة توقف.‏

ـ ادخل. قالت وهي تشير إليه باتجاه الغرفة. لكنه حرن حصاناً تسمر في مكانه، كانت سحابة الدخان قد ذكرته بمكان آخر كله غبار ودخان... نيران وحرائق.. وكان خلو الدار قد ذكره بخلو دار أخرى.‏

ـ لورا. قال وهو يزفر حاسماً أمره. يجب أن اذهب.‏

ـ معقول؟ تذهب دون غداء؟..‏

ـ لا عليك. سأتناول في طريقي أي شيء. شكراً لك لورا. إلى اللقاء لورا.‏

قال على عجل وهو يلوح لها بيده، هابطاً درجات السلم مثنى مثنى وحين فتح الباب الخارجي ا لتفت إلى الوراء. كانت سحابة الدخان ما تزال تتحرك بثقل وبطء، سوداء قاتمة تغطي تحتها كل شيء، "(إيه بغداد!! أهكذا الدخان يغطيك؟ أهكذا الحرائق تلتهمك بيتاً بيتاً، شارعاً شارعاً؟) راح يناجي بغداد وهو يسير في شارع خفت حركة سيره وانزوى أهله في قيلولة عصر تلتهم الناس جميعاً. (أهكذا أنت بغداد أيضاً؟ شوارع مقفرة وطرق خالية، حرائق ودخان... دوي مدافع وانفجارات قنابل؟) وفجأة أحس بأفكار أخرى تنثال على شفتيه كلاماً موزوناً مقفى:‏

الظلمة تعبس في قلبي‏

والجو رصاص‏

والريح تهب على شعبي‏

والريح رصاص‏

أواه لقد هجم التتر‏

فالصبح رصاص‏

والليل رصاص...‏

****‏

العراق كله صبحه رصاص وليله رصاص، وقد هجم التتار ليس بخيول تسابق الريح بل بصواريخ تسابق البرق تنقض على كل شيء فتجعله خراباً يباباً. بغداد تحولت إلى أرض من نار تشتعل هنا وهناك وإلى سماء من سحائب سوداء تحجب الشمس والنجوم فلا ليلها ليل ولا نهارها نهار، كل شيء حول فاطمة فرقعة ودوي... فرقعة ودوي... أزيز وطنين. القذائف تنفجر، الصواريخ تدوي، الرصاص يئز. قصف مجنون يحط بكلكله على بغداد. أسراب طائرات لا تختفي حتى تظهر، أشباح ملء السماء، انفجارات ملء الأرض. منذ ثلاثة أيام لم تغادر فاطمة الملجأ. لم يعد قبو بنايتها يكفي. الخطر هناك أشد. تسقط قنبلة من عيار ثقيل على المبنى فيسقط بكل ما فيه من إسمنت وحديد، حجارة وكساء، ساداً الطرق مغلقاً الأقبية، واخرج من القبو إن كنت شاطراً. لا، كلهم قالوا الملجأ خير. الملجأ تحت الأرض لا شيء منه ظاهر ولا خطر من قنبلة تدخله. جاءت بأولادها الثلاثة وربضت في الملجأ. زاوية منه آمنة لجأت إليها. مئات النساء والأطفال معها. كل أخذ له مكاناً، افترش بطانية أو بساطاً، التحف ببطانية أو لحاف. ثمة ماء بل ثمة كهرباء. للملجأ كهرباؤه الخاصة، مياهه الخاصة، كأنما لا علاقة له بشوارع بغداد الغارقة في العتمة... بيوتها التي يسكن صنابيرها الشح والجفاف. صافرات الإنذار لا تفتأ تسكت كي تصرخ. وأسراب الموت لا تفتأ تنقض وتنقض. فاطمة تعلم حقد الأعداء، تصميمهم على تدمير كل شيء. محسن شرح لها كل شيء، أوصاها آخر مرة، بنبرة الآمر الحاسمة "حافظي على نفسك. حافظي على الأولاد.‏

الحفاظ عليهم مسؤوليتك، ولا تنسي: على الأولاد أن يبقوا لكي يحملوا بعدنا المشعل، يصمدوا، يذودوا عن حياض الوطن".‏

لكن أتحتاج فاطمة لمن يوصيها؟ هم فلذات كبدها، أتفرط أم بفلذات كبدها؟ هي ترعاهم، تفرش جناحيها عليهم، لكن أيستطيع جناحاها حمايتهم؟ صواريخ كروز، القنابل الذكية، قنابل النابالم، القنابل العنقودية، كلها تهزأ من جناحيها، تسخر من لحم البشر كله، من عواطف البشر كلها، هي تخترق الجدران، الإسمنت الحديد، وتقتل، تحرق. وحده الملجأ، مرسى الأمان، وهي في الملجأ. طعامها معها.... شرابها لديها، كهرباؤها، فلماذا لا تظل في مرسى الأمان؟‏

كانوا قد أصبحوا عائلة واحدة: نساء... أطفال... شيوخ... عجز... كلهم كانوا يواجهون مصيراً واحداً، يعانون وجعاً واحداً، الرجال كلهم في ا لخارج... في ميادين القتال وساحات المعارك.. النساء يرعين الأطفال، يشددن أزر بعضهن بعضاً، يتلاحمن عائلة واحدة مرصوصة البنيان. زوادة فاطمة كبيرة. أياماً ثلاثة ظلوا يأكلون منها، لكن كل ما ليس من نبع ينضب.‏

"وماذا في الأمر؟" في المنزل خير كثير خبأته من الأيام البيض للأيام السود وهاهي ذي الأيام السود. "فلأذهب وآت بالمزيد". خرجت فاطمة من الملجأ تصحبها ابنتها الصغرى. كان القصف ما يزال مجنوناً لكن في مكان بعيد، هناك حيث الجنوب والشرق من بغداد، وهي في الشمال والغرب. "سأستغل هذا الهدوء".‏

الشارع مقفر خال كأنما يسكنه الموت ولا تملك فاطمة إلا أن تردد، وهي تسير، أبياتاً من شعر قديمة.. حزينة حزينة..‏

الموت في الشوارع‏

العقم في المزارع‏

وكل ما نحبه يموت‏

الماء قيدوه في البيوت‏

وألهث الجداول الجفاف‏

هم التتار أقبلوا ففي المدى رعاف‏

وشمسنا دم وزادنا دم على الصحاف‏

لكن فجأة انتفضت "خسئوا!!!، لا، لن يكون زادنا دماً على الصحاف. مهما فعل التتار لن يجعلونا نلعق دماءنا، ستظل دماؤنا حرة تنبض بالتحدي والصمود.". ثم مضت وكلها تحدٍ إلى منزلها. ا لابنة الصغرى تركض إلى جانبها فرحة كأنما لا تصدق أنها خرجت من الملجأ، لا تصدق أنها سترى منزلها من جديد.‏

"المنزل سليم". حمدت فاطمة الله، ثم دخلت. ثمة عناكب بدأت تعشش في زوايا البيت "آه!! منك أيتها العناكب!! ما أسرع ما تشمين رائحة الهجران!!". بعصا المكنسة بدأت تضرب بيوت العناكب وكأنما تضرب أعداء يقصفون بغداد.. بعدئذٍ مضت إلى المطبخ. ثمة علب لحم... سردين.. تون... فول.. حمص... الخير كثيرٍ. عبد المحسن كان يأتي بكل شيء إلى المنزل: "من يعلم؟" كان يقول: "قد نخوض حرباً طويلة الأمد وفي الحروب يقل الزاد ويشح الغذاء".‏

ـ ماما!! أريد تفاحة، طالبت خولة أمها وهي تفتح البراد فلا تجد خضاراً ولا فاكهة.‏

ـ تفاحة!! ردت الأم. لا، خولةَ ليس الآن وقت التفاحة ولا الخضار... لكنها لم تكمل. شيء كالزلزال جعلها تبلع بقية الكلمة. المنزل بكل مافيه من جدران، أعمدة، سقوف، اهتز يمنة ويسرة ودوي يصم الآذان اكتسح الفضاء كله. باللا شعور ألقت فاطمة بنفسها أرضاً ساحبة معها خولة.‏

ـ انبطحي أرضاً... خبئي رأسك خولة، صاحت بها وهي تخبئ رأسها تحت طاولة المطبخ... صوت الانفجار الهائل يدوّم ويدوّم مرتفعاً في الفضاء. اهتزاز الأرض، كما لو أنها زلزلت زلزالها، يبعث الرعشة في الأجساد. "يا إلهي!! ما هذا؟!". صاحت فاطمة مخاطبة إلهها لكن الإله لا يكلم البشر ولا يرد على أسئلتهم. لحظات ظلت منبطحة أرضاً، مغمضة نظراً، مغلقة سمعاً، وقد حل محل الدوي طنين هائل كأنما تداول سمع فاطمة أنملها العشر. أخيراً، بدا الدوي وكأنه يبتعد. "لعله وصل إلى الجوزاء.". رفعت فاطمة رأسها، فرأت ابنتها ترتجف قصبة في مهب ريح. دنت منها فسمعتها تنشج باكية.‏

ـ لا تخافي. الانفجار بعيد، راحت تطمئنها وهي تأخذها بين ذراعيها، علها تمنع الريح من إرجاف القصبة، لكن القصبة لم تكف عن الارتجاف ولا عن النشيج. هدهدتها فاطمة بين يديها وهي تجرجر خطاها نحو النافذة التي غدت بلا زجاج. فالزجاج أصبح شظايا تغطي أرض المطبخ كله. لكن من يهتم؟ رعب أسود كان يسكن عيني فاطمة "أتراهم ضربوا الملجأ؟". تمتمت وهي تنظر باتجاه الملجأ. كان الانفجار قد حدث في ذلك الاتجاه وفي ذلك الاتجاه كانت قد خلفت فلذتي كبدها الأخريين. سحابة من غبار بدت تدوّم في اتجاه الملجأ. لم يكن باستطاعتها رؤية أرومتها، ثمة أ بنية تسد الأفق في وجهها، لكن كان بإمكانها أن ترى الاتجاه، أن تحدده بدقة. سحابة من دخان كانت قد بدأت بالتصاعد: "الأغبر والأسود يختلطان لتتشكل سحابة واحدة راحت تغطي حي الأعظمية كله، حاجبة وجه الشمس بعد أن غدا مصفراً سقيماً، ربما حزناً على بغداد. بلمحة عين لمعت في ذهنها الصورة: الملجأ قصف وبلمحة عين امتدت يد إلى قلبها تمرسه بين أصابعها، تفتته، تسحقه.‏

ـ يا إلهي!! ذهب أخوك وأختك!! صاحت بخولة وهي تمسك بيدها وتنطلق فرساً أصابها مس من جن. الشارع الخالي بات مليئاً بالناس والكل يجري: نساء... أطفال... شيوخ... الكل يجري باتجاه سحابة الغبار والدخان. الدوي الذي كان يملأ الكون تلاشى دون أن تتلاشى آخر أمواج السحاب والدخان. أشباح الموت ما زالت تقصف في الجنوب والشرق. المدافع المضادة ما زالت ترسل حممها إلى السماء حمراء لاهبة.. في الشارع تحاول فاطمة أن تعلم أين الانفجار، أحدهم رد مقطوع الأنفاس:‏

ـ ما أدري... ما أدري... أظنه... الملجأ. وانشلع آخر جذر من جذور قلب فاطمة، ودون أن تشعر، شمرت عباءتها، واضعة إياها في فمها، عادية عدو الغبراء.‏

الملجأ تلة من تراب مزروعة عشباً أخضر وشجيرات دفلى ووروداً. لكنه لم يعد تلة من تراب ولا شجيرات دفلى وورود. التلة تحولت إلى سحابة من غبار ما زالت تدوم عالياً في السماء وشجيرات الدفلى والورود صارت نثاراً من خشب محترق، فيما تمزق سقف الإسمنت مزقاً كمزق خرقة بالية ثم سقط على رؤوس من في الملجأ جميعاً، فيما ألسنة لهب مجنونة شبت من هنا وهناك مجهزة على كل من لم يمت، حارقة كل مافي الملجأ ومن فيه، مرسلة سحابة دخان أخرى اختلطت بسحابة الغبار لتحجب الشمس والطائرات.‏

ـ السفاحون!! السفاكون!!‏

ـ القتلة!! المجرمون!!‏

ـ دمروا الملجأ!!‏

ـ قتلوا النساء والأطفال!!‏

كانت الصيحات تتعالى من هنا وهناك، فيما اندفع حشد هائل نحو الملجأ ملء أعينه الرعب والذهول.‏

صيحات أطفال، زعقات نساء، صرخات رجال كانت تختلط من داخل الملجأ وخارجه، فيما اختلطت بها صافرات إنذار وأبواق إطفاء وإسعاف. بعدئذٍ، اختلط الحابل بالنابل، كأنما هو يوم الحشر. فاطمة تسمرت أمام ألسنة اللهب وهي تتصاعد من الملجأ. هي تعلم أن فلذتي كبدها هناك... جيرانها... ناسها... أصحابها هناك. لحظة من الزمن تسمرت. ثم دون أن تدري، وجدت نفسها تندفع... تقتحم اللهب... ثم ترتد... أيد من خلف... ألسنة من أمام كلها جعلتها ترتد.‏

ـ عدنان!! ميس!! بدأت تصرخ. أولادي!! أولادي!!‏

إلى اليمين كان رجلا إطفاء يقتحمان اللهب. لحظات ثم عادا وهما يسحبان من فتحة الملجأ جثة احترقت حتى التفحم. نظرت فاطمة مذهولة. الجثة المحترقة لطفل؟ لطفلة؟ هي لا تدري. لكنها جثة صغيرة الحجم ليست لا امرأة ولا شيخاً.‏

ـ هي ذي جثة عدنان!! عدنان صار فحماً!! صرخت ملء صوتها. وللتو ملء العالم أمامها غبشة سوداء غابت معها الدنيا. فيما تناقلت وكالات الأنباء في العالم خبر ملجأ الأعظمية كما تناقلت خبر ملجأ العامرية من قبل. الأنكلو أمريكان فرحون مزهوون "لقد أصبنا مقر صدام... دمرنا مخبأ صدام". لكن المراسلين المغامرين الذين يضعون أرواحهم على أكفهم ويخوضون ميادين الموت والقتال ذهبوا إلى حي الأعظمية كما ذهبوا إلى ملجأ العامرية من قبل. رؤوا الملجأ بأم أعينهم، شاهدوا جثث الأطفال، النساء، الشيوخ، العجز ورجال الإسعاف يخرجونها متفحمة محترقة. لم يكن ثمة صدام ولا رمضان، لم يكن حرس جمهوري ولا استخبارات، بل كان ابن فاطمة وابنتها، جارات فاطمة وصاحباتها وكانت قنبلة ذكية من تلك القنابل التي تبحث عن هدفها إلى أن تجد منفذاً فيه قد وجهت إلى ملجأ الأطفال والنساء، بحثت فيه عن منفذ، وجدت كوة وحيدة تصله بعالم الشمس والسماء، ضحكت بكل مافي قلوب الأنكلو أمريكان من لؤم وحقد ثم اخترقت الكوة لتحيل تلة الملجأ إلى سحابة من غبار، سقف الملجأ إلى حطام، وكل من في الملجأ إلى طعام للنيران.‏

باقر سمع النبأ فارتعش كل مافيه. "الأعظمية حي فاطمة فهل كانت فاطمة فيه؟ أختي التي أحب هل ذهبت مزقّاً وأشلاء؟". لم يكن باقر يعلم، بل لم تكن الإذاعات تذكر أسماء... الأرقام فقط هي التي تتكلم في القرن العشرين، "مئتان وست وثلاثون جثة وجدت في الملجأ"، قالت الإذاعات. "في العامرية كانوا أربعمائة وأربع عشرة جثة"، تقارن الإذاعات ويفكر باقر. "ترى من يعلم لمن تلك الجثث؟ من يدري إن كانت فاطمة بينها؟ أولادها: عدنان، ميس، خولة هل كانوا يلتجئون إليه؟". وبدا قلب باقر يتفتت، يد هائلة تمسك به، تمرسه، ولا يستطيع إلا أن يفكر بفاطمة، أخته التي أحب حتى العبادة. وهو يذكر طفولتهما معاً، أيام البصرة وأعياد النيروز والكسلة والكركيعان!! "إيه فاطمة!! كم كنت بارعة في احتفالات الكركيعان، تلك الخلطة العجيبة من السكريات والموالح، أتذكرين؟ حين نبدأ بالطواف في الأزقة والدروب بعيد الغروب وكل منا يحمل كيساً من القماش معلقاً في عنقه، كنت أنت تحرصين دائماً أن تأخذي الكيس الأكبر، كي تزهي بما تحصلين عليه من كركيعان البيوت التي نهزج أمام أبوابها:‏

كركيعان، وكَركَيعان‏

كل السنة... والليعان‏

انطونا... الله ينطيكم‏

بيت مكة يوديكم‏

يا مكة المعمورة‏

بيها الذهب والنورة.‏

كريكشون... كريكشون‏

الله يخلي هالزغيرون...‏

وكان صوتك يطغى على كل الأصوات الأخرى، رغم صغرك كان صوتك يعلو، زقاء فأرة بارعة في الزقاء فتنالين أكبر قدر من الكَركَيعان أتذكرين يا فاطمة؟ ترى ما مصيرك الآن؟ ماذا حل بك يا أختاه"؟‏

فاطمة نفسها لم تكن تعلم مصيرها. أفاقت وقد انجلت الغبشة عن عينيها، انقشعت الغيوم عن دنياها لتجد نفسها ممددة على بطانية في قبو، هو الآخر يعج بالنساء والأطفال، الشيوخ والعجز. "أتراه كان مجرد كابوس؟ أما زلت يا ترى في الملجأ نفسه؟". لكن نظرة واحدة من عينيها جعلتها تكتشف أنه لم يكن ملجأ الأعظمية، بل مستشفى ميداني أعد على عجل. النزلاء كلهم جرحى أو محروقون، ملائكة الرحمة تلف وتدور هنا وهناك. أنابيب سيروم، زعقات ألم، أنات توجع، كلها أكدت لها الحقيقة، ثم عادت بها الذكرى شيئاً فشيئاً، إلى الملجأ الذي حولته قنبلة ذكية إلى قبر جماعي، محيلة البشر فيه إلى وقود للنيران... قلوبهم.... وجوههم... عظامهم بل كل ما فيهم إلى فحم أسود.‏

نهضت بجذعها عن البطانية، مجيلة رأسها إلى اليمين واليسار وقد عاودها الذعر، هناك في ركن قريب كانت خولة، متكومة على نفسها، داخلة في قوقعتها كسلحفاة مذعورة ترصد وترقب. رأت أمها تنهض فأسرعت إليها.‏

ـ يما!! يما!! صاحت الابنة المذعورة المتكومة.‏

ـ خولة!! ابنتي!! أنت هنا!؟.. وانهمرت الدموع مدراراً من عينيها كما لم تنهمر من قبل. فاطمة تدرك أن ما مر بها ليس كابوساً بل هو حقيقة واقعة، ربما أشد وقعاً من الكابوس. طويلاً ضمت بين ذراعيها خولة، وطويلاً نشجت الفتاة على كتف الأم، وطويلاً كانتا ستظلان هكذا لولا أن جاء ملاك الرحمة.‏

ـ تبكين؟ لماذا يا أخت؟ قال ملاك الرحمة، احمدي ربك، أنت بخير لا جرح، لا كسر، سليمة أنت معافاة وابنتك سليمة معافاة.‏

ـ صحيح، أجل، أنت على حق. ردت فاطمة وهي تتأمل ملاك الرحمة ذات الثوب الأبيض، البشرة البيضاء، الأنامل البيضاء كأنها نزلت لتوها من السماء فلم تعرف دنس الأرض، وقذارتها. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، ثم طافت بعينيها في وجه الملاك كأنما تستمد منه الأمان والاطمئنان. فقط قولي لي أين أنا؟‏

ـ أنت في مستشفى. ألا ترين ضحايا القصف من حولك؟‏

ـ وابني؟ ابنتي؟ قاطعتها وكأنما تذكرت ولديها فجأة.‏

ـ واأسفاه! كل من كان في الملجأ انطمر في التراب. الجثث القليلة التي أخرجت كانت فحماً أسود لا يمكن تمييزها.‏

ـ آه!! ليتني كنت معهم!! ليتني مت معهم!! راحت فاطمة تندب داقة صدرها معولة.‏

ـ لا، لا تقولي ذلك. شرعت ملاك الرحمة تهدئها. الأولاد يعوضون. المهم ابنتك بخير، أنت بخير، لست حتى بحاجة للعلاج.‏

ـ لست بحاجة للعلاج؟ سألت وهي تتلمس نفسها. كانت أطرافها بخير، جمجمتها بخير، صدرها ، بطنها... فقط كان هناك بين الضلوع قلب ينزف دماً، لكن من يرى القلوب التي تنزف دماً؟ من يستطيع اختراق الضلوع وتضميد القلوب؟‏

ـ لا، لا، الحمد لله، لا إصابة فيك ولا جرح. فقد جاؤوا بك وأنت في حالة إغماء.‏

فاطمة تعلم انهم جاءوا بها وهي في حالة إغماء. هي تذكر كيف ملأت الغبشة ناظريها، كيف غامت الدنيا أمام عينيها، كيف، بعد ذاك، حملتها أجنحة إلى مكان بعيد.. زمان بعيد.. ربما إلى جزيرة سرنديب، حيث هي حواء تهبط من الجنة ليلقاها ما يشبه الجنة: سندس من عشب أخضر... جداول من ماء رقراق... أشجار باسقة من جوز الهند والنخيل... وفي كل مكان بلابل زاهية الألوان رائعة الألحان، تشدو وتغني. تلك البقعة الصفراء في ذيل البلبل تلفت نظرها. تتساءل لماذا تلك البقعة الصفراء؟ وتذكر يوم كانت طفلة في البصرة حكاية أمها عن البلبل الأصفر، ذاك الطائر الغادر الذي سرق منديل الرسول الكريم فدعا عليه الرسول الكريم دعوة جعلت منديله الأصفر يلتصق بذيله إلى الأبد، لكن فاطمة لا تملك إلا أن تحب البلبل. هو زاهي الألوان، رائع الألحان والسماء في سرنديب صافية، زرقاء كالبحر، رقراقة كماء الغدير تهبط على قمة جبل، برفق تهبط، ملؤها الحبور والسعادة. "سأنفرد بآدم. ستكون لنا جنتنا الخاصة، مملكتنا المستقلة" لكنها تبحث عن آدم، يميناً، شمالاً، أماماً، خلفاً، لا تدع نقطة من قمة الجبل، في بطن الوادي إلا وتفحصها، لكن ليس هناك آدم، ويتملكها الذعر: "آدم!! أين أنت يا آدم!؟". ويخيل إليها أن الوديان كلها تردد الأصداء: "محسن!! أين أنت يا محسن؟" لكن لا محسن هناك ولا آدم. ويشتد الهلع في نفسها، يشتد صراخها إلى درجة يخيل إليها أن العالم كله يسمع صراخها.... يخيل إليها أن حنجرتها ستنشق. وتفتح فاطمة عينيها لتجد نفسها في قبو تحول بقدرة قادر إلى مستشفى ميداني.‏

ـ أمي!! دعينا نخرج من هنا، قالت خولة بنبرة التوسل ممسكة بيد أمها حاثة إياها على النهوض.‏

ـ نخرج من هنا؟ كررت الأم وهي تتلفت حولها دون كثير من الاستيعاب. امرأة إلى يسراها كانت تزعق زعقات تصم الآذان. ثلاثة كانوا يشدون ساقها العارية إلا من علق الدماء، ربما يريدون تسوية عظامها معاً بغية تجبيرها. كانت العظام تطقطق والمرأة تزعق، فيما كانت رائحة الدم تزكم الأنوف.... رائحة الصديد والقيح تصيب بالغثيان... ومن بعيد تجيء روائح أبغض: بول... براز.... قيء.... كما تجيء آهات وأنين، بكاء وعويل.‏

وفجأت بدت خولة على حق. "أجل يجب أن نخرج من هنا. لكن إلى أين؟". تساءلت وهي مأخوذة اللب مذهولة كما لو أنها رأت الصاعقة تسقط عند قدميها.‏

ـ أمي.. دعينا نذهب إلى البيت.‏

ـ حقاً!؟ نذهب إلى البيت!؟ كررت الأم وكأنما صارت ببغاء لا تحسن سوى التكرار. لكن هل ظل لنا بيت؟ تابعت بعد توقف.‏

ـ بيتنا هناك!! ما زال في مكانه، أنسيت أمي؟‏

لا، فاطمة لم تنس، لكن يخيل إليها لحظة من الزمن أن القنبلة الذكية أو صاروخ الكروز المرعب الذي نسف الملجأ قالباً عاليه سافله قد قلب بيتها معه جاعلاً عاليه سافله.‏

ـ أمي!! سأتقيأ!! أريد أن أتقيأ!! وبدا لفاطمة أن الفتاة تفتح فمها واسعاً مطلقة موجة من هواء وأصواتاً للقيء طالما كرهت سماعها.‏

وكأنها على نابض أفلت، انتفضت فاطمة هابة ملء طولها. هي تكره القيء. طوال عمرها تكره رائحته، تخشى تشنجاته. يخيل إليها أنه سيقتلع جوفها إن جاء.‏

ـ هلمي!! هيا!! صاحت بخولة وهي تمسك يدها خارجة بها من الملجأ دون أن تلتفت إلى الوراء ودون أن تسمع صوت ملاك الرحمة وهو يناديها، ربما رغبة في الاطمئنان.‏

مع حلول الظلام، وصلت إلى المنزل. كانت الشوارع كلها معتمة وقد تقطعت أسلاك الكهرباء، كما كانت خاوية وأشباح الموت ما فتئت تجوب سماء بغداد، صواريخ الموت ما زالت تخترق سماء بغداد تضرب هنا، تضرب هناك لتشتعل نيران وتشب حرائق وتتفحم جثث أطفال ونساء. المنزل بلا ماء لكن في صنابيره، ثمة دماء غسلت وجهها ويديها، وجه خولة ويديها. هو معتم أيضاً لكن ثمة ذبالة شمعة أشعلتها، لكن الخبز، الطعام من أين تأتي بهما، وقد أخذت كل شيء إلى الملجأ؟ خولة تتضور جوعاً. بحثت في الخزانة، في البراد، وعاء الخبز، ثمة كسر من الخبز تعفنت مكتسية ثوباً من بياض.‏

ـ لا، لن تأكليها، صاحت الأم رادة يد الابنة وقد امتدت تريد الإمساك بها.‏

ـ لكنني جائعة. أنا أموت جوعاً... يما!!‏

فاطمة تعلم أن ابنتها تكاد تموت جوعاً. في الملجأ كان إفطارهما، ذلك اليوم، كسرة من خبز وقطعة من جبن، الآن، لا جبن.. لا خبز... لا معلبات، "لكن أين ذهب كل ما أخذته ياترى؟ ألقيته في الطريق؟ وصل معي إلى المستشفى الميداني؟ هي لا تدري. كل ما تدريه أن ابنتها جائعة وأنها هي نفسها تشعر بمخالب الجوع تنهش أحشاءها.‏

ـ علبة فول!! هتفت بشيء يشبه الفرح وهي تضع يدها على علبة ربما سقطت منها وهي تندفع خارجة ثم تدحرجت حتى المجلى. لكن قبل أن تفتحها، سمعت طرقاً على الباب.‏

ـ من تراه؟ تساءلت وهي تتسمر مكانها، في عينيها ذعر وفي ركبتيها ارتعاش.‏

ـ لا تفتحي، يما!! أسرعت الفتاة الخائفة تتوسل ممسكة بساقي أمها... إنهم الأمريكان. لكن صوتاً من وراء الباب جاء يمسح الذعر ويزيل الارتعاش:‏

ـ افتحي، فاطمة! أنا أختك رقية!!‏

ـ أختي رقية!! صاحت شاهقة، وهي تطير إلى الباب عصفورة تطير إلى إلفها.‏

ـ أأنت بخير؟ أحقاً هذه أنت!؟ أختي فاطمة!؟ راحت رقية تغمغم وهي تنشج داخلة المنزل متلمسة كتفي أختها، ظهرها، متفحصة بعينيها كل شيء.‏

ـ حمداً على سلامتك!! قال رئبال، زوج الأخت، وهو يدخل بدوره متنفساً الصعداء. سمعنا خبر الملجأ. حسبناك كنت فيه!! تابع زوج الأخت وهو يتفحصها بدوره كأنما يريد التأكد مما ترى عيناه.‏

ـ كنت... بل كنا، لكن حسن الحظ... وفجأة توقفت، كأنما توبخ نفسها. اللعنة!! بل قل سوء الحظ هو الذي جعلني أجيء إلى المنزل... لو ظللت هناك لذهبنا كلنا معاً رقية!! لم أكن سأفقد عدنان. لم تكن ستضيع مني ميس. كنت سأذهب معهما.‏

وانهمرت دموع سخية من جديد، اختلطت للتو بدموع رقية مثلما اختلطت أسئلة هذه بأسئلة رئبال، أجوبة فاطمة بأجوبة خولة. كانت ثمة حرب ضروس، وكانت ألسنة لهبها تكوي كل من حولها بشواظ النار.‏

ـ فاطمة!! اسمعي مني. في منزله، وبعد العشاء فقط اقترح رئبال: اذهبي أنت ورقية إلى العمارة.‏

ـ العمارة!! رددت فاطمة وكأنما الاسم جديد عليها كل الجدة.‏

ـ أجل، هناك أقل خطراً وقصف الطيران أخف وطأة!! تابعت هذه المرة رقية، كأنما ثمة اتفاق عقدته مع زوجها من قبل.‏

ـ لكن، كيف نصل؟ سألت فاطمة وهي تنظر إلى الأعلى حيث السقف يحجب السماء.‏

ـ لا تخافي. في الليل، الطيران أعمى.‏

ـ حقاً!! لن يرانا الطيران!؟‏

ـ ولن يقصف سيارة تسير على طريق، صدقيني، هناك أكثر أمناً وسلاماً.‏

ـ أجل، هيا!! فاطمة!! قالت رقية راجية متوسلة: هناك الأهل، الأقرباء...‏

ـ لكن لماذا لا نذهب إلى البصرة وهناك أخي... أمي...؟‏

ـ البصرة!؟ أخوك؟ أمك؟ ردت رقية زافرة ملوحة برأسها. إذن، أنت لم تسمعي؟ البصرة خراب!؟ هي أسوأ حالاً من بغداد، ومن يدري ما حل بأخي وأمي؟ هلمي فاطمة!! هيا!! أسرعي، نستغل ظلمة الليل.‏

لجة الظلمة، خاضت السيارة وئيدة بطيئة، إنارة الأضواء ممنوعة، على السائق أن يسير دون أضواء. عيون الطير الأبابيل ترصد الطرق من أعلى... تمسح الشوارع... تفحص الجسور. كل ضوء تراه تقصفه... كل حركة توقفها.. كل نأمة تسكنها. ضوءاً خافتاً فقط، مدهوناً بالزرقة والطين، أشعل السائق فلا تراه طائرة من فوق ولا يرى هو أبعد من أ نفه بكثير. ست ساعات... ثماني... عشر ساعات لا تدري فاطمة كم دامت الرحلة. لكنهم مع خيوط الفجر الأولى وصلوا. كان الخوف أن يتأخروا حتى شروق الشمس فتمسك بهم الطائرات على الطريق وتنهمر عليهم وابلاً من مطر يدعونه الموت.‏

مناحة استقبلتهم في بيت العم.‏

ـ أين عدنان؟ أين ميس؟ صاحت أم عبد المحسن، وهي تتفقد الأولاد، لم تجد فاطمة جواباً سوى الندب والعويل ولم تعد الجدة بحاجة إلى جواب، بل انخرطت للتو في مناحة لم تقف إلا بمجيء العم:‏

ـ ما هذا؟ صاح بالنسوة وقد عرف من السائق كل شيء. تنحن؟ تندبن؟ أيعيد الندب والنواح الأولاد؟ أيعيد آلاف الضحايا التي تسقط كل يوم؟ كان صوته أجش قوياً يبعث الرهبة في النفوس، فهدأ النواح والندب، ووقفن جميعاً احتراماً لصاحب الصوت.‏

كان أبو عبد المحسن شيخاً في الخامسة والسبعين، أبيض اللحية، أبيض البشرة، مشرب الخدين بالحمرة، كأنما حول رأسه هالة من نور: صورة أشبه ما تكون بصورة قديس نازل من السماء. كان عائداً لتوه من صلاة الفجر وكان الهدوء والسكينة يرينان على نفسه. رأى السيارة، عرف ما حدث.... لكن رمشاً واحداً منه لم يهتز. ماهزه هو صوت النواح والندب.‏

ـ لكنهما عدنان وميس يا عماه!! حاولت فاطمة أن تبرر نواحها وقد أخذ بيدها العم مسلماً، مصافحاً، فيما انحنت على يده تقبلها.‏

ـ هذه هي إرادة الله، وهل من رادٍ لإرادة الله؟‏

السؤال أفحم النسوة، وإن لم يوقف دموعهن.‏

ـ لكنهم أبرياء يا عمي!! بدأت فاطمة الرد لكن سرعان ما قاطعها:‏

ـ شعبنا كله بريء، فاطمة! بل ما تراه فعل، كي يصب أولئك الأعداء الحاقدون جام غضبهم عليه؟ ما الذنب الذي ارتكبه حتى تتحول السماء نفسها إلى فوهة جحيم تقذفه نيراناً وحمماً؟ بالأمس فقط دمروا هنا خمسين منزلاً، ثلاث مدارس، مستشفى بأربعة طوابق، وجسرين.... ولا يعلم إلا الله كم سقط من ضحايا لا ذنب لهم ولا جريرة.‏

وسكت الشيخ المهيب أبيض اللحية، أبيض البشرة، فران صمت كانت العمارة هادئة كأنما طير الأبابيل لم تمر في سمائها ولا عرفت أرضها قط. خيل لفاطمة وهي تصل إليها أن رئبالاً كان على حق: العمارة ساكنة لا قصف ولا دوي... لا أزيز رصاص ولا فرقعة انفجارات، لكن هاهو الشيخ المهيب يبعث في نفسها الذعر من جديد فالعمارة كسواها من مدن العراق، تنال ما تناله من قصف ودمار وموت.‏

ـ لكن لماذا نحن فقط؟ سألت رقية بصوت راعش كله حسرة، لماذا وحدنا المستهدفون؟‏

ـ يا بنتي!! رد الشيخ وهو يتنهد. الصدر دائماً هو الذي يتلقى الحراب، ولعلنا نحن الصدر لهذه الأمة، يا بنيتي... العراق هو بوابة هذا الوطن ولابد لكل من يريد دخول هذا الوطن أن يقصد بوابته. العراق هو التاريخ يا بنتي... هو النفط، الثروات.... هو التراث فكيف لا يطمع به الطامعون؟... الفرس.... المغول.... الترك... التتار... كلهم جاؤوا طامعين، أرادوه لقمة سائغة، لكنه ظل شوكة في الحلق. موساً في الفم لا يستطيع ابتلاعها أحد.‏

ـ لكنهم يدمرونه يا عماه!! يذبحوننا يا عماه!! قاطعته فاطمة بحرقة ولوعة.‏

ـ أعلم. هم يريدونه أن يركع. يريدوننا أن نستسلم، لكن عراقنا لن يركع. ونحن لن نستسلم فلا تبكين... صاح وهو يتلفت بالنسوة جميعاً. بربكن لا تبكين... بكاء النساء يزعزع أركان الرجال. وشعرت فاطمة بدموعها ترقأ، بقلبها يستعيد تماسكه، ذلك الفتات الذي تحول إليه راح يتجمع، يترابط، يعود إلى الحياة من جديد. (إيه أيها العم!! كم أنت قوي!! كم أنت معجبة بصلابتك!! بشجاعتك!! مذ كنت صغيرة وأنا معجبة بك!! أحبك كما تحبني!! أتذكر؟ كنا نجيء من البصرة، أبي وأخوتي جميعاً. كنا لا نحب العيد إلا في العمارة، مسقط رأس أخيك ومنبت العائلة كلها. بالأحضان كنت تستقبلنا. بالهلا... الهلا ترحب بنا.. تقبلنا جميعاً... تحضننا جميعاً وأنت تدخلنا إلى بيت العائلة القديم الواسع، لكن وحدي كنت المدللة لديك. تحضنني أكثر... تقبلني أكثر، وتكون عيديتي فلوساً أكثر. أتذكر؟ السكاكر، الحلويات... النقود كنت تحشرها خفية في جيبي وكان جبار أخي يحسدني... يغار من تدليلك لي... يحاول سلبي ما أعطيتني. لكن، كان ناصر يحميني، كنا نهرب معاً إلى المراجيح. أنا وناصر!! بعدئذٍ نمضي إلى ساحة الألعاب حيث المراجيح والدواخات!! الدراجات والدوامات. هناك نلعب، ننفق النقود يمنة ويسرة ولا نعود إلى البيت إلا وقد صرنا خاليي الوفاض!!).‏

ـ فاطمة!! صاحت رقية قاطعة عليها شرودها. انظري من هناك!! وأشارت إلى الطرف الآخر من باحة الدار.‏

ـ أمي!! هتفت فاطمة وهي ترى أمها تعبر الباحة متوكئة على عصا منحنية بطيئة الخطا. وحده صوتها كان راعشاً أبح ربما من كثرة البكاء:‏

ـ فاطمة!! رقية!! كانت الأم تنادي، فلم تجد فاطمة نفسها إلا وهي تندفع نحوها تقبل رأسها، تقبل يديها، تأخذها طويلاً بين ذراعيها، فقد ظنت وهي تسمع عن خراب البصرة أنه لم يعد ثمة أم.‏

في باحة الدار جلسن. فاطمة إلى اليمين ورقية إلى اليسار، يسألن، يجبن، يتبادلن الأخبار ويذرفن الدموع. (ترى على ماذا تذرفين الدموع يا فاطمة؟ أعلى أخيك كاظم؟ أم على ابنك عدنان؟ على ابنتك ميس أم على منزل البصرة؟ كل شيء دمار يا فاطمة، كل شيء هلاك... فعلام تبكين... بكاء النساء يزعزع أركان الرجال!! لا... لاتبكي يا فاطمة!!لا تبكي بعد اليوم يا فاطمة!!). وانحبست دموعها كأنما بقدرة قادرة على تنحبس الدموع. الشيء الوحيد السار كان خبر عبد المحسن، رجلها الذي تعبد. في البداية لم تصدقه فاطمة.‏

ـ أحقاً رأيته أماه؟‏

ـ أجل، يا بنيتي؟‏

ـ عبد المحسن بذاته؟‏

ـ عبد المحسن بلحمه وشحمه، وهو الذي أرسلني إلى هنا. قالت الأم التي كانت قد وصلت إلى العمارة قبل أيام فقط مهدودة، مكسورة، كل أبيض في عينيها أسود، وكل نهار في ناظريها ظلام.‏

ـ وكيف هو؟ أخبريني أماه!! تابعت فاطمة بلهفة تصل حد الجنون: شكله... لباسه... وجهه.... عيناه....‏

وأخبرتها الأم بكل شيء.‏

ـ إذن، ما يزال سليماً معافى!؟ غمغمت فاطمة وهي تتنفس الصعداء. ما يزال حياً يرزق؟ لواؤه في البصرة.‏

ـ بل هناك في الجنوب والغرب، على حدود العراق...‏

وتوقفت الأم فجأة. تتمة العبارة علقت بين شفتيها. صافرات الإنذار انطلقت تلعلع في فضاء العمارة. النسوة اضطربن في الدار. الأطفال صاحوا خائفين، وأوزات في الحظيرة رحن يزعقن.‏

ـ إلى الملجأ!! صاحت رقية وهي تحسب نفسها في بغداد.‏

ـ لا، إلى المغارة!! صاح الشيخ المهيب، وأسرعت النسوة إلى منتصف الباحة. باب المغارة هناك، يختبئ عن كل عين. فاطمة تعرف المغارة. تذكر أيام كانت تلعب الاستغماية فتتسلل إليها. مع ناصر، محسن، خديجة، رقية تتسلل، تختبئ هناك فلا يراها أحد.‏

المغارة منذ الأزل هي مخبأ العائلة. آل وضاح منذ الأزل يخبئون فيها حنطتهم وشعيرهم... عدسهم وذرتهم... ثم يغلقون الباب فتعجز أعين "العصملي" عن اكتشافه. الرجال أنفسهم كانوا يختبئون هناك، فلا تظل سوى النسوة... يخبئن الرجال ويغطين الأبواب بأكوام الحطب، تضليلاً لعيون الأعداء: فرساً جاؤوا من الشرق أم تركاً جاؤوا من الغرب، وكل منهم يبحث عن طائفة معينة من أهل العراق يصفون حساباتهم مع رجالها، كأنما ليس في العالم سوى رجال العراق. فاطمة تذكر قصصاً كثيرة روتها لهم الجدة عن فضل المغارة تلك، "فهل فضلك مستمر يا مغارة آل وضاح؟".‏

النسوة، الأطفال، الأولاد كلهم أسرعوا إلى المغارة، صافرات الإنذار ما تزال تدوي فيما بدا عواء الذئاب في المدينة يملأ الفضاء. وحده الشيخ المهيب لم ينزل إلى المغارة.‏

ـ انزل عماه!! صاحت به فاطمة لكن يداً أطبقت على فمها.‏

ـ لا، لا تقولي له ذلك. سيغضب منك!!...‏

وكان ذلك صوت أم محسن ثم يدها تدفعها إلى الصمت والمغارة.‏

مذ بدأ ذلك القصف المجنون أبى الشيخ أن يلتجئ إلى مغارة أو يلطأ في كهف. "أنا أهرب؟ " أنا أختبئ؟ لا، الاختباء للنساء، أما الرجال فيواجهون، دون أن يخشوا الموت.". ولم يكن باستطاعة أحد أن يقنعه بغير ذلك، كان يكتفي بالجلوس تحت شجرة التوت الوارفة في باحة الدار، يرفع ناظريه إلى السماء يراقب الصواريخ وهي تعبر الفضاء فوق رأسه، يسمع أزيز الرصاص وهو يخترق ورق التوت، يرصد الطائرات التي ترمي بحجارتها التي هي من سجيل. وفي سره يود لو يطولها بيده فيحطم تلك الطائرات ويصد تلك الحجارة فلا تسقط على طفل بريء ولا امرأة عزلاء. تحت شجرة التوت جلس الشيخ يسبّح بسبحته ويتمتم بشفتيه رافعاً رأسه إلى السماء:‏

ـ رباه!! ألا ترى ما يفعله أعداء محمد بأمة محمد؟ يهود خيبر عادوا يا رباه!! ينتقمون من علي وشيعة علي!! اللهم رد كيدهم إلى نحرهم!! اللهم فرق كلمتهم!! شتت شملهم!! ابسط جناحك على أمة محمد وعلي... أنت يا أرحم الراحمين يا رب العالمـ.... ولم يستطع الشيخ إكمال العالمين، فقد دوى انفجار هائل أحس به يرفعه ذراعاً عن الأرض ثم يعيده إلى حيث كان. هب ملء طوله. نظر من وراء سور المنزل إلى حيث الانفجار لكنه لم ير غباراً ولا دخاناً. "لابد أنه بعيد إذن!! لكن كم هو قوي يا ترى!!"، وأسرع إلى المذياع داخل الغرفة. كانت انفجارات أخرى قد بدأت تفرقع بعيداً، قريباً، لا يدري الشيخ مكانها، ولا جدوى من رصدها، كما لا جدوى من الجلوس تحت شجرة التوت.‏

"سأسمع الأخبار علني أعرف شيئاً". فتح المذياع فلطمه صوت حاقد يهدد ويتوعد: "قد حان حينك يا صدام. يوم حسابك قد جاء، وكتابك في شمالك، فإلى جهنم وبئس المصير!!"، ولم يستطع الشيخ احتمال المزيد فانتقل بإبرة المذياع إلى اليمين. وجاء صوت بغداد راعشاً قليلاً واجماً كثيراً "قوات التحالف الآثم تبدأ هجومها البري على العراق،" وأجفل الشيخ: "فعلها الحاقدون!! يا إلهي!! إلى أي حد يصل حقدهم على العراق؟ يا إلهي ماذا يريدون من العراق؟".‏

لكن عبد المحسن لم يجفل حين جاء الخبر. كان يعلم ماذا يريدون، وإلى أين يصل بهم الحقد. لواؤه جاء قبل ثلاثة أيام استعداداً للمعركة. المعلومات واضحة "يريد الأنكلو أمريكان احتلال العراق... يريدون قطع الطريق على القوات المنسحبة من الكويت، تطويقها، ومن ثم إبادتها تمهيداً لاحتلال العراق". الأوامر واضحة أيضاً: "أسرعوا بالتحرك. احتلوا مواقع متقدمة جنوبي وغربي البصرة، دمروا العدو، امنعوا التقدم. بأي شكل عليكم أن تمنعوا تقدم العدو".‏

وأسرع لواء عبد المحسن إلى الجنوب والغرب. عبر البصرة مضى. بستان النخيل كان قد استطلعه من قبل. لواؤه يتربص فيه. دباباته خاضت آخر معارك القتال مع الغزاة هناك في الفاو ودحرتهم، فهل تعجز عن دحر الغزاة الجدد، أعداء الله والوطن؟ كان عبد المحسن لا يفتأ يتحدث مع ضباطه، جنوده، يرفع من معنوياتهم، يشد من أزرهم، وهم يحفرون الخنادق، يهيئون مواقع الدبابات، يصنعون سواتر لها. النخيل الباسق يرتفع عالياً في السماء فوقها والسواتر تظللها فلا تراها أعين الأنكلو أمريكان، أقمارهم الصناعية بعيدة في السماء، طائرات استكشافهم لا تجرؤ على الطيران إلا عالياً عالياً والنخيل الباسق يفرش سعفه فوق الدبابات والجند، السواتر تغطي الدبابات، سعف النخيل يموه كل شيء فيعجز الأنكلو أمريكان عن رؤيته ما تخبئه واحات النخيل.‏

مع الفجر جاءت إشارة اللاسلكي "طائرات حوامة تحلق فوق الناصرية. قوات إنزال تحط إلى الغرب من الناصرية"، وأدركت قيادة الجنوب أن هدف التحالف هو احتلال الناصرية بغية قطع الطريق بين البصرة وبغداد... البصرة والعمارة، بل بين الجنوب كله والوسط والشمال كله، فأسرعت تواجه الإنزال.‏

ـ هل أتحرك إلى الناصرية سيدي الفريق؟ سأل العقيد عبد المحسن الفريق الركن قائد الجنوب.‏

ـ لا، للوائك مهمة أصعب، أبقِ عليه مموهاً لا تراه عين. رد الفريق الركن، فيما كانت إشارة لاسلكي أخرى تأتي من هنا، من هناك، وكان أركانه يتوزعون المكالمات ويتولون الردود.‏

ـ كتيبة الحرس السابعة!! توجهي إلى الهدف!!‏

ـ الجحفل العاشر ابدأ القصف المدفعي.‏

ـ اللواء التاسع عشر، طوِّق الإنزال.‏

وتوجهت الكتيبة ثم الجحفل ثم اللواء. رغم القصف رغم الطيران، كانت القوات تنطلق بسرعة الريح. طائرات الأباتشي العملاقة كانت قد وصلت إلى سماء الناصرية، بعضها بدأ يحط على الأرض، لتنفتح بطونها في الحال عن مصفحات ومدرعات... سيارات ومدافع، فالجند الأنكلو أمريكان ليسوا بحاجة لأن يقذفوا بأنفسهم في السماء. ليسوا بحاجة لأن يستخدموا المظلات أو يعرضوا أنفسهم لطلقات المدافع أو رصاص البنادق. الحوامات العملاقة تتسع لكل شيء. تحمل في جوفها كل شيء ثم تبصق كالتنين حمولتها لهباً وناراً، ولا يجد الجندي نفسه إلا وهو على الأرض تحميه الدروع وتسحق أعداءها الجنازير.‏

قبل أن يصعدوا إلى الحوامات، كان الجنرال شوارتزكوف قد اجتمع بهم مطمئناً قائلاً: "ستذهبون في نزهة... نزهة في حدائق بابل. ألم تسمعوا بحدائق بابل المعلقة، إحدى عجائب الدنيا السبع؟ الآن جاء اليوم الذي تذهبون فيه إلى هناك فلا يرفع في وجهكم وجه ولا تنطلق طلقة. طائرات مسحت كل شيء ستجدون كل من في العراق أذلاء صاغرين يركعون عند أقدامكم، لا ترحموهم.‏

ابطشوا بهم... اسحقوهم تحت أحذيتكم كالصراصير.". وامتطى الجند ا لمصفحات ثم امتطت المصفحات طائرات الأباتشي وكل ظنها أنها ستستعيد أمجاد الغزاة ا لأمريكان الأوائل ضد الأباتشي ومن لف لفهم من قبائل الهنود الحمر.‏

أسراب هائلة من أشباح الموت: الميراج، السكاي هوك، الجاغوار، الهاريير... سبقت الأباتشي. اكتسحت نيرانها منطقة الإنزال. حرقت الأخضر واليابس ثم مضت مفسحة في الطريق للأباتشي العملاقة وهي تتهادى تحلم بالنصر المبين على عراق لم يعد فيه جند، وأرض لم يعد فيها شعب. أنساقاً أنساقاً اقتربت طائرات الأباتشي، وأنساقاً أنساقاً بدأت تحط على الأرض، مثيرة من حولها الغبار... مثيرة الجلبة، حتى بدت سماء الناصرية وكأنها سماء جراد، أرض الناصرية وكأنها أرض أعاصير. لكن ما إن بدأت أرحام الطائرات طلقها دافعة بأجنتها إلى الخارج حتى انفتحت من كل صوب فوهات مجنونة تبصق اللهب والنار. مئات... آلاف القنابل انسكبت وابلاً من مطر على الجند الذين جاؤوا يتنزهون في حدائق بابل المعلقة، وأسرعت طائرات الأباتشي تقذف مافي أرحامها، بعضها أفرغ مافيه، بعضها احترق بما فيه، فيما معظمها ولت الأدبار.‏

إلى بعضهم بعضاً، حدق الجند الذين جاؤوا يتنزهون، تكاد عيونهم تخرج من محاجرها:‏

ـ لقد خدعونا.‏

ـ هذه ليست نزهة.‏

ـ القنابل كزخ المطر فأين نذهب؟ راحوا يتساءلون لكن دون أن يكون هناك من مجيب. كانوا قد أصبحوا في أرض المعركة. البحر من ورائهم والعدو أمامهم، فماذا يفعلون؟...‏

ـ أخلوا المصفحات. توزعوا على الأرض. انبطحوا. لا يرفع أحدكم رأسه، ولا يطلق طلقة.‏

لكن اللواء التاسع عشر وكتيبة الحرس الجمهوري السابعة كانا بالانتظار، يعرفان أين هم حتى وإن تحولوا إلى حجارة، حتى وإن لم يطلقوا طلقة. جند العراق كلهم كانوا يحلمون بفرصة التحام، فكيف هؤلاء، هم الذين يحملون في صدورهم غلاً كالجبال، في نفوسهم ضغينة كالبحار على عدو يحارب من بعيد يرسل طائراته وصواريخه لكن دون أن يسمح بالتحام. خمسة وأربعين يوماً ظل يقصف... يدمر... يقتل من عل ومن بعيد. لا يقارب فيقاتلونه ولا يماسك فيباطحونه. هي ذي الفرصة جاءت. لم يعد باستطاعة الطيران التدخل. قنابله ستقصف العدو والصديق. صواريخه لن تستطيع التفريق بين العدو والصديق.‏

"قواتنا تلتحم بقوات العدو". سمع العقيد عبد المحسن إشارة اللاسلكي، فغلا المرجل في صدره "هنيئاً لكم!! الآن يمكنكم أن تنتقموا للأطفال الأبرياء.... للمدنيين العزل... لكل من ذهب ضحية القصف والعدوان"، وتلمظ بشفتيه، ثم فتح يديه بالدعاء "رباه!! متى تأتيني فرصة التحام؟". وكأنما استجاب ربه لدعائه جاءت إشارة لاسلكي في الحال.‏

ـ عبد المحسن، استعد. قوات العدو تندفع باتجاهك.‏

وانطلقت الإيعازات إلى اللواء المدرع المختبئ تحت شجر النخيل الباسق في حفر عميقة يموهها سعف النخيل، فيما كانت دبابات العدو تهدر مندفعة نحو الشمال والشرق. كانت، هي أيضاً، قد وعدت بوليمة من أطايب المأكولات: لحم بشري من شتى الألوان والأصناف يقدمونه لها فتهرسه بجنازيرها وتسحق عظامه.كان ديك تشيني نفسه قد جاء إليها... ربت ظهور جنرالاتها وخطب بجندها خطبة عصماء "العراق مباح لكم. دمه هدر... نساؤه سبايا... كنوزه غنائم... فاسرحوا وامرحوا فيه." بعضهم احتج على خطابه، فالمدينة... قوانين الحرب.... شريعة الحضارة كلها تمنع سبي النساء وهدر الدماء. "لم نعد في القرون الوسطى يا سيدي، ولا نحن في غابات أفريقيا. نحن في العراق مهد الحضارات ومنبع القوانين أم نسيت قوانين حمورابي؟" لكن "الديك هدر وزمجر، أرغى وأزبد: "لا حضارة مع صدام، لا مدنية في التعامل مع متوحشين.". ذلك أن "الديك" كان قبل ساعة واحدة فقط قد أقام احتفالاً مسبقاً للنصر مع أتباعه الحلفاء... الفريق الأمير والأمير المفدى والشيخ الخطير، وكانوا كلهم قد شدوا على يديه مباركين... طالبين إليه ألا يدع في العراق زرعاً ولا ضرعاً... طفلاً ولا رجلاً، إلى أن يصل إلى رأس صدام فيأتيهم به على طبق من فضة.‏

لم يكونوا يعلمون أن هناك من استبق خططهم بخطط مضادة، أن العراق سحب قواته من الكويت، وأن حدوده صارت كلها مدججة بالجند والسلاح. كانوا يظنون أن حدوده في الغرب خالية... خاوية، فرسم شوارتزكوف سهاماً زرقاء وحمراء حيث النقطة الأقرب للبصرة، ثم أرسل مئات الآلاف من الجند... المدفعية... الدبابات. الخطة واضحة: تندفع القوات شاقة خاصرة العراق، مقتحمة السواتر، مدمرة حقول الألغام إلى أن تصل إلى البصرة، فيما تنزل قوات مظلية على عقدة الناصرية، وهكذا ينعزل الجنوب كله وتحاصر قوات العراق، نصف المليون، تلك التي انسحبت من الكويت.‏

اندفعت سهام شوارتزكوف الزرقاء باتجاه الشمال والشرق، الطيران يقصف أمامها، والمدافع تمهد الطريق لها، لكن عبد المحسن لم يحرك ساكناً. الأوامر لديه واضحة: افتح النار فقط بعد أن تعبر قوات العدو بستان النخيل وتصبح كلها في مرمى نيرانك. عبد المحسن سعيد. سعادته تصل درجة النشوة... أخيراً جاءت الفرصة. سيشتبك وجهاً لوجه مع العدو، سيلتحم صدراً لصدر. "الآن نرى من منا الأصلب حقاً، من هو الصنديد حقاً؟". المنظار بيده، النخيل فوقه، والطيران توقف. لم يعد في السماء غربان سوداء ولا ذئاب من معدن. لم تعد حمم المدفعية تنصب على الطريق يمنة ويسرة. "إذن دبابات العدو تقترب" وزحف مسرعاً إلى أقرب دبابة. كانت ما تزال في الحفرة تنغرس عميقاً في أحشاء التراب، مموهة بسعف النخيل. هدير الجنازير... دوي المحركات... لجب العجلات، كلها تملأ الفضاء، وهاهي ذي الطلائع تظهر. دبابة... اثنتان... ثلاث... عشر... مائة دبابة مرت هادرة مزمجرة دون أن يفتح عبد المحسن النار. كانت دباباته موزعة على طول الطريق، داخل الحفر وتحت أشجار النخيل، وكان عليه أن يظل صابراً ساكناً إلى أن يصبح أكبر عدد من قوات العدو تحت مرمى النيران.‏

ـ سيدي، علينا أن نفتح النار، همس المقدم، رئيس أركانه، في أذنه.‏

ـ ليس بعد. عزيزي المقدم، ليس بعد.‏

وكانت الدبابات ما تزال تهدر، مسرعة نحو البصرة وكل ظنها أنه لم يعد من أحد في العراق كله يرفع رأسه أو يطلق طلقة، كل ظنها أن الطيران مسح أمامها كل شيء، الصواريخ، المدافع أبادت كل شيء، لكن فجأة ابتسم عبد المحسن. كان قد عد مائتي دبابة مرت على الطريق.‏

ـ نار!! انطلق الإيعاز عبر اللاسلكي إلى كل نخلة، إلى كل ذرة تراب. سمع النخيل الإيعاز فانفجر قذائف وصواريخ، سمعه التراب فتحول قنابل ورصاصاً، صارت إثره الدبابات المسرعة إلى البصرة أ كوام قش تشتعل، علب ديناميت تتفجر، أشلاء جند تتناثر، وفي كل مكان من الأرض مشاعل تضيء ظلمة الليل، حرائق تشعل حلكة الليل، ودخان يهزأ من سواد الليل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244