|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس "الطريق مفتوحة إلى بغداد"، قال صوت أمريكا فأجفل باقر هاباً ملء طوله عن سريره العسكري الضيق. "دبابات التحالف تشق طريقها كالسهم الخارق إلى البصرة.". وشعر بقشعريرة تمسك جلده فيزبئر إبراً حادة كجلد قنفذ. "قوات الإنزال تحتل عقدة الناصرية وتقطع طريق البصرة ـ بغداد". ولم يشعر إلا ويده تمتد إلى مفتاح المذياع فتكتم الصوت الناعق كصوت البوم.". يا إلهي!! أيّة أخبار مرعبة؟ ما الذي يجري؟ لا، لم أعد أفهم شيئاً، لم أعد أفهم شيئاً". راح يدمدم وهو يذرع الغرفة ـ الملجأ ذهاباً وإياباً. ـ ما الذي لم تعد تفهمه؟ سأله يسار وهو يدخل الملجأ نافثاً دخان سيجارته، بارماً شفته، كأنما يعجب من أمر صاحبه المهموم دائماً، الحائر دائماً. ـ ألم تسمع الأخبار؟ مئات الآلاف من الجند يقتحمون حدود العراق... آلاف الدبابات تشق طريقها إلى بغداد. ـ ولماذا أنت زعلان؟ لو كنت مكانك لفرحت. ـ أفرح؟ تباً لك من وجه قبيح. ـ ماذا إذن؟ أنت، عدوك صدام، وهم عدوهم صدام. إذن، عدو عدوك صديقك. ـ صديقي!؟ جورج بوش صديقي؟ ردد باقر وهو يشعر بأن حجة يسار قوية لا ترد. ـ وحليفك أيضاً. وعليك أن تكون مع حليفك في كل الأحوال، أن تفرح لانتصاراته... تسر لاقتحاماته. ـ لكنه يقتحم الأرض العراقية؟ دخل نمر حاملاً صينية طعام، مبشراً: ـ عشاؤنا الليلة دسم. فاصوليا باللحم. ـ الله على الفاصولياء باللحم!! هتف يسار الذي يحب بطنه كثيراً، فمتعة المتع عنده الطعام، ولذة اللذائذ الأكل. "كلوا من طيبات ما رزقناكم"، كانت الآية التي يرددها دائماً فيضحك الآخرون منه وهم يعلمون أن الأكل والطيبات لديه لا تقتصر على الطعام وحسب بل تشمل المرأة أيضاً. ـ مالك، لا تأكل؟ سأل نمر صاحبه المطرق أرضاً، المتفكر ملياً. ـ يا سيدي، أنا لم أر مثل هذا الرجل، رد يسار مشيراً إلى باقر بشيء من السخرية. هو يريد إسقاط صدام ولا يريد من أحد مس صدام، لكنه لا يعرف ما يريد. ـ كيف لا أعرف؟ تساءل باقر وهو ينتشل نفسه من أفكاره. أرى وطني يقتل... شعبي يذبح... ترابي يطأه المستعمر وتريدني أن أفرح!؟ تصور، نمر، قال وهو يلتفت إلى صاحبه الآخر. يسار يريدني أن أرقص طرباً لاقتحام الجيوش الأجنبية بلادي؟.. ـ هو المعتدي. رد يسار، صدام غزا الكويت والعالم يريد أن يحرر الكويت. هو البادي والبادي أظلم. ـ حسن، إن كان الهدف هو تحرير الكويت، فلماذا الهجوم على العراق الآن والكويت قد تحررت؟.. ـ بيده حق، يسار، قال نمر منتصراً فجأة لباقر. في البداية قالوا نريده فقط أن ينسحب من الكويت. وافق الرجل وانسحب فلماذا الهجوم البري؟... لماذا احتلال أرض العراق؟... ـ ألم تسمعهم؟.. رد يسار بعد تلكؤ وكأنما الحجة مفحمة. يقولون صدام مخادع. يفاوضهم على الانسحاب وقد انسحب وانتهى. يقول لهم تفضلوا خذوا الكويت لكن بعد أن يدمر نفط الكويت، يحرق الآبار، المصافي، ثم يقبع على الحدود خطراً دائماً على الكويت. هدف الأمريكان واضح: يريدون اجتثاث ذلك الخطر مرة واحدة وإلى الأبد. ـ يا عيني!! هتف باقر مغيظاً. يريدون تدمير صدام فيدمرون العراق كله؟ أهذا عدل؟ أفيه ذرة من حق؟ لا يسار، أجاب نمر وهو يزفر بحرقة شديدة، المؤامرة صارت واضحة. هم يريدون رأس العراق نفسه لا رأس صدام، لكن كل... كل، تابع حاثاً باقراً على مد يده، واسمع مني، تفاءل خيراً. ـ أتفاءل خيراً؟، ومن أين الخير؟ رد باقر وهو يهز رأسه. ـ ثمة خبر يدعو للتفاؤل. ـ أي خبر؟ قل، تكلم، حثه باقر متلهفاً. ـ يقولون: معارك طاحنة تدور جنوبي البصرة... معارك دبابات، لا مثيل لها منذ معارك رومل ومونتغمري. ـ حقاً؟ أنا لم أسمع بذلك؟.. ـ أنا سمعته للتو... إحدى الوكالات تؤكد أن الأرض ليست، كما يقول الأمريكان، مفروشة لهم وروداً وزهوراً إلى البصرة، ولا الطريق مفتوحة إلى بغداد، بل الأرض للعراقيين مثلما السماء للأنكلو أمريكان. ودون أن يشعر، وجد باقر نفسه يتنفس الصعداء. كان خوفه على البصرة قد قطع أنفاسه. هو مذ سمع بالهجوم البري ما فتئ يتصور البصرة وهي تتكسر تحت جنازير الدبابات فيمتلكه الفزع. "ماذا سيحل بالبصرة؟ أين تذهب أمي؟ أخوتي؟ الجيران!؟! الأصحاب؟ أيذهبون إلى بغداد؟ لكن حال بغداد أسوأ... شرها لا يقل عن شر البصرة، وآلاف الطلعات الجوية تملأ سماءها اليوم، آلاف القذائف والصواريخ تنفجر فوقها كل يوم... "إيه بغداد!! ذات يوم كنت ملجأ لي. هربت من البصرة إليك، يا ملجأ الهاربين!! يا مغيثة المستغيثين!! أتذكرين؟ كنت فتى يافعاً ما أزال. وعدني أبي أن يشتري لي دراجة، لكنه لم يفعل. سوق التنكجية كان كاسداً. ولم يكن أبي يمتلك ديناراً واحداً يشتري به الدراجة لكنني لم أكن أعلم. كنت أظنه رجلاً واسع الغنى... واسع النفوذ... عظيم المقام... صورة للأب الذي يقول للشيء: كن فيكون، فلماذا لا يفي بوعده؟ إنه التسويف، ولا شيء آخر. أبي يحب أخي الأكبر أكثر مني. أرسله إلى دار المعلمين، لا يطلب منه عملاً، لا يرد له طلباً، فيما يضغط علي أن أشتغل في دكانه صبحاً إن كانت مدرستي عصراً، وعصراً إن كانت مدرستي صبحاً، فلا يدعني أرتاح ولا يدع لي متنفساً. هو يكرهني. لا يلبي طلبي. إذن، سأنتقم منه. سأهرب إلى بغداد. هناك عمتي. زوجها ساعي بريد في بغداد، حالهم ميسورة. فلماذا لا أهرب إليها؟ بالأحضان استقبلتني عمتي. فرشت لي حنانها حشايا دون أن تسألني: كيف جئت أو لماذا جئت؟ حسن الضيافة عند العرب يقتضي أن تضيفني سبعة أيام بسبع ليالٍ لا تسألني كيف أو لماذا؟... وهي عربية قحة... سليلة حاتم الطائي. لم يكن معي نقوداً فأعطتني. لم يكن معي ملابس فألبستني. وكم لم أعرف الدلال من قبل دللتني. يومذاك تعرفت إلى جميلة، تلك السمراء الحوراء التي صارت حبيبتي فيما بعد. كنت أسمع المذياع يغني: "يا جميلة يا جملو... يا عشيرة زماني حسنك دخيل العملو. ملولح يالخيزراني". فأردد لها الأغنية وأضحك. لم يكن يخطر ببالي حينذاك أنها ستصبح حبيبتي. فكنت أردد لها الأغنية ونضحك معاً: صبي في الثالثة عشرة وصبية في الحادية عشرة لم يعرفا المراهقة بعد. لكن أبي جاء. قطع علي أجمل إجازة في حياتي. اعتذر مني أن لم يف بوعده، متعلالاً بالعوز والفقر، معترفاً، لأول مرة ربما، بأن الجيب فارغ، وأن الجيب الفارغ لا يشتري دراجة. ولأول مرة أكتشف أن أبي ليس إلهاً يقول للشيء كن فيكون، بل هو رجل يتعب ويشقى لكي نعيش نحن، فلويت عنقي، وعدت كلي حسرة على جميلة وبغداد!!... فماذا عنك يا جميلة وبغداد؟ ماذا عنك يا أماه!! يا بصرة!! يا عراق!!". ـ البشرى!! البشرى!!! البشرى!!! كان أبو الليل يهتف فرحاً وهو يدخل الغرفة ـ الملجأ. ـ ماذا هناك؟ إجازة؟ زيادة راتب؟ رد يسار وقد وقفت يده باللقمة قرب فمه. ـ بل هي أروع من ذلك بكثير، أكبر من ذلك بكثير. ـ قل ماهي؟ تدخل هذه المرة باقر وقد حدس أن الأمر يعنيه هو بالتحديد. ـ بوش قرر وقف إطلاق النار. ـ ماذا؟ أعد.... أرجوك. قال باقر وهو يمسك بأبي الليل مترجياً، متضرعاً. ـ اللحظة أعلنوا النبأ: وقف إطلاق النار في العراق. ـ يعني لا قصف جوي!؟ لا قصف بحري!؟ لا هجوم بري!؟ ـ وقف إطلاق نار كامل منذ منتصف هذه الليلة. ـ يا إلهي!؟ أية بشرى!! أية فرحة!! وانقض على أبي الليل يوسعه لثماً وتقبيلاً ثم قفز هنا وهناك يريد أن يطير، وقد جعله الفرح قادراً على الطيران. ـ لكن كيف؟ سأل يسار وكأنما صعقه النبأ. معقول؟ أنا لا أصدق. ـ بأذني هذه سمعته، رد أبو الليل وهو لا يقل فرحاً عن باقر. ـ لكن قبل ساعات فقط، تابع يسار بنبرته نفسها، كانوا يقولون طريق بغداد مفتوحة أمامهم، وأنهم لن يتوقفوا حتى الرصافة والكرخ. ـ القول شيء والفعل شيء آخر، قال نمر وقد فرح بدوره، ثم... الم أقل لكم: ثمة معارك دبابات طاحنة؟ وهذه هي النتيجة. ـ الحمد لله!! هتف باقر وقد حط أخيراً على الأرض أوه!! يا إلهي!! كم أنا فرحان؟! لن يحتلوا البصرة، أبا الليل!! لن يحتلوا البصرة!! جورج بوش كان حريصاً كل الحرص أن يحتل لا البصرة وحسب، بل بغداد والموصل.... العراق من أدناه إلى أقصاه. لكن "حساب القرايا لا ينطبق دائماً على حساب السرايا،". فالقوات الهادرة التي اكتسحت السواتر العالية تلك التي تفصل بين العراق وشقيقتها، ثم اندفعت كالسهام الخارقة إلى البصرة لم تستطع الوصول إلى البصرة. قوات الإنزال التي حطت في حقول الناصرية بهدف محدد هو وضع اليد على عقدة الطرق هناك، لم تستطع وضع يدها هي الأخرى على عقدة الطرق. لقد طوقتها قوات وواجهتها كتائب وألوية. التحم الجند بالجند... اللحم البشري يطعن اللحم البشري... الأنياب البشرية تنغرس في الأجساد البشرية. لم تعد هناك طائرات تقصف ولا صواريخ تسرح وتمرح، بل رجل لرجل... جندي لجندي وحربة لحربة والأشجع هو الذي يصمد... الأقوى هو الذي يبقى. وبدا لشوارتزكوف أنه وقع في فخ. كانت تقارير الطيارين واضحة، لم يعد في العراق صاروخ ولا مدفع مضاد، لا دبابة ولا حتى جند. "إذن، اذهبوا في نزهتكم إلى جنائن بابل المعلقة أيها الأنكلو أمريكان!!". وذهب الانكلو أمريكان لكن ليكتشفوا أنها ليست نزهة إلى جنائن بابل المعلقة بل هي مصيدة، راحوا يسقطون فيها زرافات. ـ سيدي، المعارك ضارية. الدبابات تخرج من تحت الأرض... الجند ينبعون من قلب التراب. قال الجنرال البدين الأبيض الأحمر الذي حمل من واشنطن عاصفة هوجاء إلى صحارى العرب وبواديهم دون أن يخطر بباله أن غبار تلك العاصفة سيرتد عليه فيعمي عينيه ويضله سواء السبيل. ـ ما الذي تقوله؟ سأله الامبراطور الذي ما فتئ ينظر إلى العالم من علٍ وبكل ازدراء. صدام يقاتل؟ أظل لديه جند؟ أظلت دبابة واحدة في العراق؟ ـ لقد خدعنا يا سيدي. صدام ما يزال لديه الحرس الجمهوري كله.. ما يزال لديه دبابات وجحافل. ـ اللعنة!! قلت لكم دمروا حرسه الجمهوري... دمروا جحافله... مدرعاته... ـ قد فعلنا يا سيدي!!.. لكنه ثعلب مراوغ هذا الصدام!! هو بارع في الاختفاء كما تعلم، بارع في التمويه. ـ دعك من هذا الهراء، شوارتزكوف. قاطعه امبراطور العالم، وقد طغت عليه نزعة الكاوبوي الذي لا يرى العالم من حوله سوى قطيع أبقار يفعل به ما يشاء. يجب أن نحتل البصرة... يجب أن نحتل بغداد. ـ نحتل البصرة يا سيدي... نحتل بغداد، لكننا سندفع ثمناً باهظاً. ـ ماذا؟!.. ـ كما أقول لك يا سيدي. سنخسر الكثير من دباباتنا ومدفعيتنا، أسلحتنا وعتادنا. ـ لا يهم. لا يهم. دبابات... مدفعية.. هم يدفعون ثمنها، أصحابنا ملوك النفط وأمراؤه. ـ وجندنا؟ أرواح الأمريكان؟ من يدفع ثمنها؟ من يتحمل مسؤوليتها يا سيدي؟ ـ اللعنة!! أين إذن هجومك الصاعق؟ أين حربك الخاطفة؟ ألم تقل لي أننا لن نخسر جندياً واحداً؟... ـ قلت، لكن الواقع شيء آخر يا سيدي. إنهم يقاتلون بضراوة. قواه الضاربة ما تزال قادرة على الضرب، حرسه الجمهوري يقاتل بالسلاح الأبيض... يفجرون أنفسهم بجنودنا. فدائيون. كلهم فدائيون يا سيدي، مصممون على القتال والصمود. ـ فدائيون!!... أتقول فدائيون؟ ـ أجل يا سيدي. تعال انظر مجازر بشرية أمامنا. الكل يموت ولا يتراجع، وجندنا يموتون يا سيدي. ـ أوه!! ماي غود!! شوارتزكوف. ما هذا الذي تقوله؟ ـ الحقيقة يا سيدي!! ثم هناك أهوار العراق... سواد العراق... غابات من ا لنخيل على مد البصر. مئات ومئات الأميال تخفي جيوشاً جرارة يا سيدي. وأخشى أن نغرق في الأهوار.... أن تبتلعنا غابات النخيل. أخشى فيتنام جديدة يا سيدي!! ـ فيتنام جديدة!! ردد امبراطور العالم مذعوراً. لا... لا... كل شيء إلا فيتنام جديدة. ـ هذا ما أقوله يا سيدي. خاصة أن العرب هنا أشرس من أهل فيتنام.... أقوى أجساداً منهم إنهم. يقاتلوننا بأسنانهم.... بأظفارهم... يصنعون جسوراً من الجثث البشرية لكي يعبر رفاقنا إلينا ويقاتلونا. الوضع خطير يا سيدي!!.. ـ إلى هذه الدرجة؟ سأل امبراطور العالم وقد لجمه الذهول أو كاد. ـ وأكثر يا سيدي. تصور قوات الإنزال أبيدت كلها. طائرات الأباتشي لم نستطع تهريبها إلا بالويل... هجومنا على البصرة فشل.... مئات الدبابات احترقت في أماكنها وأخشى أن الضحايا كثر يا سيدي. ـ الضحايا كثر.؟ كلهم أمريكان!؟... ـ لا يا سيدي. ليسوا كلهم. هناك عرب دفعناهم إلى المقدمة. ـ أحسنت!! شوارتزكوف!! أحسنت! غداً انتخابات، وإزهاق أرواح الأمريكان يعني سقوطي في الانتخابات يا شوارتزكوف!.. ـ أعلم... يا سيدي. لهذا قلت أكلمك قبل أن نتورط أكثر.... نغرق في مستنقعات فيتنام جديدة أكثر. ـ عبقري، أنت شوارتزكوف عبقري، فقل لي يا ماذا ترى؟ ـ أرى أن نوقف إطلاق النار. ـ نوقف إطلاق النار!! وقبل أن نكمل المهمة؟ ـ مهمتنا الأساسية اكتملت يا سيدي. أؤكد لك. المهمة اكتملت. ـ دمرت البنى التحتية للعراق كلها!؟ ـ البنى التحتية والفوقية... الاقتصاد... الزراعة.... الصناعة.... كل شيء في العراق صار خراباً. ـ لكن ما يزال هناك صدام؟ ـ صدام نعالجه. ـ وجيشه؟ ـ جيشه صار بلا غطاء جوي... بلا صواريخ. ذئب انتزعت منه مخالبه وأنيابه يا سيدي. ـ ألم أقل لك عبقري؟ أنت عبقري، شوارتزكوف. ـ شكراً لك يا سيدي، رد الجنرال البدين السمين منتفخ الوجنتين والأوداج. ـ إذن بعد دقائق، أعلن وقف إطلاق النار. حسم الرئيس الأمر، وهو يغلق الهاتف. بعد عشر دقائق فقط سمع الأمير المفدى بأذنه ورأى بعينه على شاشة التلفاز امبراطور العالم يعلن عن وقف إطلاق النار وقد اكتملت المهمة: تحرير الكويت، وقصم ظهر صدام. "لقد سحقنا عموده الفقري، ولن تقوم له قائمة بعد اليوم". انتفض الأمير المفدى عجباً وحنقاً، ثم أسرع إلى الهاتف. ـ سيدي الوزير، ماذا أسمع؟ سأل جيمس بيكر، الصديق الذي كان قد وعده بألا تقف جنازير الدبابات إلا على جثة صدام. ـ الرئيس أمر، ولا راد لأمره كما تعلم. ـ لكن لماذا يا سيدي؟ هي فرصة ذهبية، فلماذا نضيعها؟ ـ ذلك هو رأيي لكن، للرئيس رأي آخر. ـ عليك إقناعه من جديد يا سيدي. قل له سأزودكم بالمال. عشرين... خمسين... مائة مليار أعطيكم. فقط. تابعوا الخطة... احتلوا بغداد... احتلوا العراق يا سيدي. ـ سيكلفنا ذلك الكثير من الأرواح البشرية، والأرواح غالية علينا كما تعلم. لا نستطيع التفريط بأمريكي واحد، أيها الأمير. ـ سآتي لكم بمرتزقة، أجند لكم جنوداً... أضع النفط كله بين أيديكم... أرصدتي كلها تحت تصرفكم. فقط خلصوني من صدام. ـ سنخلصك منه، اطمئن... أيها الأمير اطمئن، لكن بوسائل أخرى. لم يعرف الأمير المفدى ما هي الوسائل الأخرى ولم يشف كلام سيده الوزير غله لكن ما ترى يفعل التابع وقد أمر المتبوع؟ حزيناً مضى إلى مخدعه... كسيراً. آسفاً فرأس العراق لم يأته على طبق من فضة. صحيح، رأس العراق لم يأته على طبق من فضة لكن الصحيح أيضاً أن العراق كله كان جروحاً، كل خلية فيه تنزف دماً. عظامه مسحونة، جلده مزرق، شعره منتوف، مع ذلك عمته الفرحة. مع منتصف الليل توقفت صافرات الإنذار... توقفت فرقعة الديناميت... انفجارات القنابل والصواريخ، وبدا العراق ساكناً سكون بحيرة في ليلة صيفية قمراء. ـ أتراها انتهت عاصفة الصحراء؟ ـ هل أوقفوا عدوانهم ؟ أم هي خدعة؟ ـ ماذا في جعبتهم بعد؟ كانت أسئلة الناس تتصاعد مدومة في فضاء بغداد، البصرة، الموصل، الكوت، العمارة... وكانت الجراح ما تزال تنزف لكن القلوب كانت ترقص فرحاً، الألسن تهزج فرحاً، الأرجل تدبك فرحاً. في الميادين... الساحات... الشوارع.... البيوت... كان ثمة فرح وكان الناس يضمدون جراحهم ويرفعون رؤوسهم تيهاً. لقد ارتد كيد الأعداء إلى نحورهم، صدت جحافلهم زنود الأبطال السمر، ولعلع صوت المذيع من بغداد. ـ أيها النشامى!!! يا أبطال القادسية واليرموك تضحياتكم لم تذهب هباء. زنودكم ما زالت قادرة على صنع القادسية واليرموك. حرابكم ما زالت قادرة على صد الفرس والروم. سمع الشيخ المهيب الصوت، فشال برأسه فخاراً. كان شيء ما في داخله يقول: "عبد المحسن أحد أولئك الأبطال... زنده أسهم في صد الأعداء، فافرح يا أبا عبد المحسن!" وفرح كما فرح كل من في العمارة... السماوة... البصرة... الحلة. نسي الناس أوجاعهم... سلوا جراحهم... تساموا على مصائبهم، وأمضوا الليل بطوله يهزجون ويفرحون، فلم يعد ثمة غربان موت ولا طيور أبابيل. فاطمة تود لو تفرح. لكن الجرح العميق في صدرها كان ما يزال شديد الإيلام. بصعوبة شديدة كانت تكبت الآهات، بصعوبة شديدة تكتم الأنين. كلما انفردت في ركن تندفع دموعها إلى عينيها، لكن سرعان ما تتذكر قسمها فتعيدها إلى الوراء... هناك إلى ما وراء الآماق. هي حزينة حتى الموت لكنها فرحة. بل لم تستطيع إلا أن تفرح وهي ترى العراق كله مهرجان أعراس. ـ فقط لو أعلم شيئاً عن محسن!! تمتمت، وكل ظنها أنها تحدث نفسها، لكن رقية بجانبها تسمع أدق ما يدور في نفسها من خلجات. ـ ستعلمين. قريباً، ستعلمين. ـ تظنين أنه ما يزال حياً يرزق؟ ـ بل هو بخير، وبأحسن حال. فافرحي... افرحي يا فاطمة! قد هزمنا الأعداء. ـ أفرح؟ ليت شعري كيف تفرح الثكلى؟ ـ إن ثكلت ولداً فقد أحييت وطناً!!.. ـ أجل... الوطن ما يزال على قيد الحياة!! قلب العراق ما يزال ينبض!! وزفرت زفرة حارقة أعقبتها آهة، ثم التمتمة نفسها. آه!! فقط لو أعلم شيئاً عنك يا محسن!! محسن يخرج من خيمة مستوصف ميداني نصب على عجل... حاملاً على كتفه ضماداً شد على جرح لم يعد ينزف. كانت ثيابه كلها مضرجة بالدم، فالشظية التي أصابت كتفه شطبته شطباً. جرح في السطح لم يتغلغل إلى الأعماق لكنه ظل ينزف. طوال المعركة ظل ينزف لكن من يشعر بالجراح وتراب الوطن يداس؟ محسن يخوض معركة المصير إن حطم دبابات العدو ارتد العدو. وإن تركها تمر وصل العدو إلى البصرة. فهل يدع محسن دبابات العدو تصل إلى البصرة؟ كراً وفراً كانت كانت المعركة. الضربة الأولى كانت مفاجئة للعدو وموجعة... لكن العدو ارتد عليه اختبأ بين النخيل مبتعداً، ثم ظهر من جديد ضارباً. ضربات موجعة سدد لواؤه للمعتدين.... وضربات موجعة تلقى من المعتدين. لكن كان ثمة تصميم، وكان تحد: "لن يمروا" كان الجند... صف الضباط... الضباط كلهم يرددون "حتى على جثثنا لن يمروا. سنصنع من أجسادنا ألغاماً تنفجر بهم، قذائف تمزقهم شظايا، لكن لن يمروا.". واشتعلت دبابات العدو كتلاً من نار تحولت، حارقة كل من يقترب منها، فكيف يقتربون؟ حواجز هائلة في طريقهم صارت فكيف يتقدمون؟ الوقوف في المكان يجعلهم هدفاً سهلاً لعبد المحسن. إذن... ليتحركوا. الطريق أمامهم مغلق، الدبابات المحترقة تسده، القنابل المتساقطة تشكل سداً آخر يمنع التقدم. وحده الطريق إلى الوراء مفتوح. إذن ليتراجعوا. ولم يستطع محسن منع نفسه من أن يصرخ "الله أكبر" وهو يرى بقايا العدو تتراجع مجرجرة وراءها أذيال الخيبة، مختلطة الحابل بالنابل، لا تدري كيف تفر بجلدها. أصوات قادة الكتائب جاءته باللاسلكي "سيدي العقيد، بقايا الأنكلو أمريكان يفرون، أنطاردهم؟" لكن الأوامر العليا جاءت "ابقوا في أماكنكم... حافظوا على مواقعكم، احتموا بسواتركم". وأدرك عبد المحسن أن القيادة تخشى أن يكون الانسحاب خدعة يريدون منها أن يخرجوهم من مخابئهم وينقض الطيران عليهم لا يبقي ولا يذر. وتسمرت الدبابات في مواقعها، يموهها سعف النخيل وتخفيها الحفر والسواتر. لكن ما إن جاءه الخبر بوقف إطلاق النار حتى أدرك أن المعركة التي خاضها كانت حاسمة إلى درجة أرغمت جورج بوش نفسه على إعادة النظر بخططه كلها. فرح الجند بوقف إطلاق النار مثلما فرح الشعب وهزجوا مثلما هزج بل بعضهم حاول إطلاق النار. لكن أوامر صارمة جاءت "نحن بحاجة لكل رصاصة. حافظوا على ذخيرتكم... تمسكوا بمخزوناتكم،"، وحين عاد عبد المحسن من المستوصف الميداني مضمد الكتف، مضرج الثياب بالدماء، كان الجند قد خلدوا للنوم تلفهم سكينة الليل وغياب أشباح الموت لأول مرة منذ خمسة وأربعين يوماً. الصباح ساكن سكون الليل. أفاقت شمسه على هدوء عجيب يلف سواد العراق، مدنه وقراه كلها. مسحت بناظريها أرض المعركة فلم تر إلا بقايا دبابات محترقة ومصفحات معطوبة.. جثث جند حاولوا الفرار فلم يفلحوا، وحفر قنابل وألغام تفجرت قبل ساعات لتترك طريق الدبابات كله وجهاً مجدوراً فقئت عيناه. صوت اللاسلكي وحده هو الذي أيقظ عبد المحسن، فمعركة الأمس وآلام الجرح جعلته عند الفجر يستغرق في سبات عميق. ـ عقيد عبد المحسن!! قال الفريق قائد الجنوب، القيادة في بغداد تستدعيك. عليك أن تكون هناك الساعة الخامسة. ـ حاضر يا سيدي. رد العقيد عبد المحسن، وقد وقف استعداداً للقائد الذي عرف قبل يوم واحد كيف يخطط جيداً لكمين ينزل الهزيمة بقوات الأعداء. سلم عبد المحسن اللواء لنائبه، ومضى إلى بغداد تتعاوره هواجس شتى. "تستدعيني القيادة، لماذا؟". لم يكن الفريق، قائد الجنوب، قد صرح أو لمح بشيء... صوته كان مصمتاً، ليس في نبرته مايدل على رضى أو غضب. ورغم أنه مع انتهاء المعركة كان قد أثنى عليه....هنأه بالنصر وشد على يده بطلاً مغواراً إلا أن صوته في الصباح كان خلواً من أية إشارة، فانتابت عبد المحسن الهواجس "أتراني قصرت؟ هل وصلهم ضدي شيء؟ أيريدون محاسبتي؟ يا إلهي!! لا أطلب إلا اللطف في ما قدرت، إنهم قساة لا يرحمون". الطريق طويلة إلى بغداد. مهشمة، محفرة، مقطوعة الأوصال، فالقصف الطويل كان قد أحالها إلى حفر وخنادق. سيارات معطلة، دبابات محترقة... وعليك أن تخرج عن الطريق هنا، تلف حولها هناك... وقد سدتها ضحايا الصواريخ والطائرات. "من قال إن الطريق إلى بغداد مفتوحة؟ خسئوا. إنهم، لو حاولوا لوجدوا أمامهم ألف حاجز وسد". ولمعت في ذهنه فكرة "لماذا لا يكون الخوف من سدود وحواجز كهذه هو ما غير وجه المعركة؟ أجل الخوف. عبد المحسن يعلم أن القيادة في بغداد تراهن منذ البدء على مسألة الالتحام... جر العدو إلى معركة برية، وكلها يقين أن في المعركة البرية القول الفصل. الطيران... الصواريخ... القصف كله لا يحسم ولا يفصل. لكن ما تراه يفعل إذا ما اصطدم وجهاً لوجه بالخصم؟ ذلك كان الرهان وانطلاقاً منه، مضى جند العراق، رغم قصف الطيران وضربات المدفعية، مضوا إلى الخفجة داخل أراضي الخصم، فقط كي يحققوا الالتحام.. كي يجروا الخصم إلى القتال وجهاً لوجه. معارك أمس حققت ذلك الالتحام وكسب العراق الرهان في تكتيك يبطل التفوق التكنولوجي، يلغي الطيران والصواريخ ليبقى الجندي في مواجهة الجندي.لكن إذا كان الجندي العراقي يذود عن أرضه، فعمَّ يذود الإنكليزي والأمريكي؟ ماذا يقاتل الفرنسي والكندي؟ وارتد الإنكليزي والأمريكي... الفرنسي والكندي أمام المدافعين عن الأرض والوطن. بغداد مهشمة ملأى بالندوب والجروح، بيوتها ما زالت تحترق. جروحها ما زالت تنزف. مع ذلك كانت فرحة، تشيل برأسها عالياً وقد غاب عن سمائها طيور الموت. يمر عبد المحسن في شوارعها فيؤلمه منظر الأبنية المهدمة والجسور المحطمة... الحدائق المخربة والأشجار المقتلعة ولا يملك إلا أن يتساءل "فاطمة! ماذا حل بك؟ ماذا عن الأولاد؟ المنزل؟". لكنه لا يستطيع الذهاب إلى المنزل أو رؤية فاطمة. الساعة تقارب الخامسة وعليه أن يكون هناك في الموعد. أوامر القيادة تنفذ بحذافيرها دون اعتراض أو تردد. قلبه يميل به نحو حي الأعظمية، عله يطمئن على منزله، زوجته، أولاده، لكن انضباطه العسكري يدفعه في الاتجاه المعاكس حيث القيادة التي استدعته ولا يعلم لماذا."أخير أم شر؟ نجاة أم هلاك؟". لكن ما ان قدم اسمه إلى حرس الباب حتى خرج له ضابط الحرس، قرع كعبي حذائه، رافعاً يده بتحية عسكرية شديدة القوة والانضباط ثم قاده إلى مبنى القيادة. شيء من طمأنينة "سرى في أوصاله المعاملة حسنة، إذن، خير". لكن شعوراً بالحيرة داهمه... "عجباً!! ماذا يريدون مني؟ إلى أين يمضون بي؟". عينا محسن أسرع من قدميه هاهما تريان مبنى القيادة... ذاك الذي كان صرحاً شامخاً قبل أيام وقد صار تلة من ركام كتلك التلال التي تدفن بابل ونينوى أعظم مدن التاريخ... الطوابق الأربعة كلها خرت أرضاً، صريعة لقذائف ثقيلة العيار وصواريخ خارقة حارقة وكل ما تفتقت عنه تكنولوجيا الأنكلو أمريكان وأحقادهم. مع ذلك قاده الضابط الشاب برتبة نقيب إلى أن دخل الركام نفسه. هناك كان أخدود. دخل النقيب الأخدود، فدخل العقيد وراءه. الأخدود تحول إلى دهليز يحيط به الركام من يمين ومن شمال، من أعلى ومن أسفل. ثم بدأت العتمة ترخي بظلالها على عيني عبد المحسن. بعدئذٍ جاء باب من صفائح ثقيلة سميكة ربما كانت من الحديد والرصاص... معدة، ربما لرد الأشعة النووية، لصد القنابل الذرية. بعد الباب، كان ثمة درج، ثم مستراح ومصعد. لا... لا... المصعد لكي تصعد به إلى الأعلى لكن ذاك القفص من حديد وخشب إنما كان ليهبط بهم إلى أسفل. "إذن هو مهبط، فأين تهبط يا عبد المحسن؟ إلى الزنازين أم إلى القيادة يا عبد المحسن؟". هو خائف قليلاً لكن ابتسامة من الضابط جعلته يطمئن أنه ذاهب إلى المقر الذي أعيا الأنكلو أمريكان. "كم حاولوا اكتشافه!! كم خربوا من مبان!! كم هدموا من بيوت وكل ظنهم أنها القيادة... والقيادة هنا!! يا إلهي!! ما أذكى من اخترع هذا المكان!! مقر مخفي لا تكشفه عين. وأين؟ تحت القيادة نفسها. نسختان إذن: نسخة في الأعلى ونسخة في الأسفل. أربعة طوابق فوق الأرض ومثلها تحت الأرض. هو ذا الذكاء. تكون حيث لا يتوقع العدو أبداً أن تكون!!" ودخل الضابط بعبد المحسن المهبط. عشرين... ثلاثين... متراً... هبطا. عبد المحسن لا يدري. المهبط سريع إلى درجة خطف معها قلبه. لكن حين خرجا منه، عاد إليه قلبه من جديد وتنفس الصعداء. حوله، كان كل شيء مناراً، حسن التهوية، حسن الترتيب والنظام... دهليز قادهما إلى صالة، فيها أرائك وستائر، سجاد وطنافس وكأنها في أحد قصور الرشيد. "يجب أن يشعر القائد بالراحة والأمان!! كل شيء حوله ينبغي أن يوفر له الهدوء والطمأنينة". ـ تفضل... اجلس. قال ضابط الحرس وهو يشير إلى أريكة بلون السندس الأخضر... لون الخصب والنضار. عكس الأحمر، لون الحرب والدمار. "ترى أليس في اختيار اللون، أيضاً عبقرية؟". نظر محسن إلى الأعلى، السقف واطئ سميك... سميك." أتراه صُمِّم لأن يحمي حتى من القنابل الهيدروجينية.؟". عبد المحسن فرح "ها أنذا في المقر الذي ظل عصياً حتى على أعين القنابل الذكية. لا هي ولا الصواريخ الجهنمية استطاعت أن تكشفه. صحيح أن كل ما فوقه حطام لكن هاهو ذا سليم معافى يقاوم الحدثان.". وهب عبد المحسن ملء طوله، فقد ظهر من باب إلى اليسار لم يكن قد رآه من قبل الزعيم القائد نفسه. واثق الخطا، حاد النظرات، جهم الوجه، كث الشاربين، مزموم الشفتين وصل إليه. وزير الدفاع.... رئيس الأركان، ضابطان آخران لا يعرفهما عبد المحسن كانوا وراءه. رفع عبد المحسن قدمه، دق بها الأرض دقاً، رافعاً يده اليمنى إلى اليمين والأعلى... تحية من القلب، من صميم الروح خرجت كما لم تخرج من قبل. لكن ها هو ذا القائد يمد يده. "يا إلهي!! القائد نفسه يريد أن يصافحني. مد يدك عبد المحسن... مد يدك!!". وخشي عبد المحسن أن تطول مدة اليد، فيغضب القائد. تردد لحظة من الزمن ثم أسرع يمد يده. ـ مرحباً بك عقيد عبد المحسن... قال القائد وهو يشد على يده لقد رفعت رأسنا عالياً. ـ نحن فداء الوطن سيدي القائد!! ـ حييت وبوركت! هكذا كان جند خالد والمثنى!! هكذا يكون جند الوطن!! قال وهو يسحب يده مربِّتاً كتف عبد المحسن، لكن شرارة ألم انطلقت حيث وقعت التربيتة فعبرت عيني عبد المحسن. آسف، الجرح هنا في الكتف؟ تابع القائد متسائلاً، مشيراً إلى حيث الجرح والضماد. ـ نعم... سيدي. ـ هو وسام على كتفك. وهذا وسام آخر نضعه على الكتف الأخرى قال القائد وهو يمد يده إلى حيث رئيس الأركان. مد رئيس الأركان يده بكتافية خضراء تحمل نجوماً أكثر مما تحمل كتف عبد المحسن. ـ مكافأة لك نرفعك إلى رتبة العميد، قال القائد الأعلى للجيش، رئيس الجمهورية، الزعيم الملهم، وهو يضع الرتبة الجديدة على كتفه، ثم مد يده باتجاه وزير الدفاع. أعطاه الفريق المنتصب القامة كنخل البصرة وساماً تتدلى منه نجمة من ذهب. بعدئذٍ تابع: هذا أيضاً وسام شرف نقلدك إياه، وقد أبليت بلاءً حسناً دفاعاً عن شرف الوطن وكرامته!! وأحس عبد المحسن بعينيه تغرورقان بالدموع!! ذهب ألم الجرح، ذهب عناء المعركة، ذهب الجوع، العطش، التعب... كل شيء غاب ليبقى الشعور بالعزة والفخار.... الشعور بالنصر، الفرح بالنصر!! "إيه يا دموع الفرح!! كم ترقئين من جراح!!". ـ أنا فخور بك عبد المحسن!! بل كلنا فخورين بك، قال القائد بنبرته المتميزة وهو يشدد على كل حرف مشيراً بيده إلى كل من حوله. ـ شكراً سيدي القائد!! بل أنا عاجز عن الشكر!! قد أكرمتموني فوق ما أ ستحق. ربّت القائد من جديد، لكن هذه المرة كتفه اليسرى. ـ وحدهم الأبطال يستحقون الإكرام... وحدهم من يضحون في سبيل الوطن يستحقون المجد، طوبى لمن يدون أسماءهم الوطن في سجل البطولات والتضحيات. ومن جديد شعر عبد المحسن بعينيه تغرورقان. كلام القائد يهز الوجدان، نبرته تبعث جيشاناً في المشاعر والأحاسيس ربما لا تجد طريقاً لها سوى الدموع. مال وزير الدفاع نحو القائد الأعلى ثم همس بشيء، تبسم إثره القائد تبسم العجب والسرور وهو يتفحص عبد المحسن جيداً. بعدئذٍ سمعه يتمتم مخاطباً وزيره. ـ حقاً!! أترى ذلك؟ ـ أجل يا سيدي، رد الوزير بصوت أعلى من الهمس استطاعت أذنا عبد المحسن أن تلتقطاه لكن ليعود بعد ذلك إلى الهمس فلا يسمع محسن إلا شيئاً من غمغمة خيل إليه أنه ميز منها كلمة "شبيه". هز القائد رأسه هزة الموافقة ثم تابع مخاطباً عبد المحسن: ـ الآن من حقك أن تستريح استراحة المحارب كما يسمونها. فاذهب سبعة أيام. اطمئن على أسرتك وأهلك. ثم شد على يده من جديد ملتفتاً إلى لواء وراءه قائلاً: لواء شاهر انظر حاجته... لب له كل ما يطلب. لكن ما حاجة عبد المحسن؟ وماذا يطلب؟ ثمة حاجة وحيدة كان يطلبها: أن يصل إلى فاطمة... يطمئن على الأولاد... الأهل... في بغداد... العمارة.... البصرة. وما أسهل على اللواء شاعر أن يلبي له ذلك المطلب. على عجل مضى محسن، على كتفيه رتبة العميد، وعلى صدره وسام الشرف، وفي قلبه فرح يحلق به عالياً كما النسر. "آه!! يا إلهي!! كم سأفرح برؤيتك يا فاطمة!! كم سأترك نفسي لحضنك يهبني الدفء والحنان... لذراعيك تسقيانني الراحة والأمان!!". وصل إلى المنزل فاستبشر خيراً. المبنى سليم. بل الشارع، حتى المنعطف، سليم لا دمار فيه ولا خراب. صعد الدرج مسرعاً. المنزل في الطابق الثاني... فرحه، ذو الأجنحة كأجنحة النسر، يجعله يقفز الدرج مثنى وثلاث وعند الباب فقط يقف دون حتى أن يلهث. رن الجرس، لكنه ابتسم فقد نسي أن بغداد صارت بلا كهرباء. طرق الباب بجمع يده مرة... مرتين... ثلاثاً... لكن لا صوت، لا جواب، "ليسوا هنا!؟ أين هم إذن؟". وسرت في أوصاله رعشة من خوف. فتح الباب، سد من عتمة واجهه. هو يعرف منزله... شبراً شبراً يعرفه. إذن، ما عليه إلا أن يجوس فيه. غرفة القعود، غرفة النوم، المطبخ... المرافق... كل شيء في مكانه لكن لا أحد."الدار قفرٌ والرسوم كما... رقش في ظهر الأديم قلمْ". عاد إلى ذهنه بيت الشعر القديم. "ترى أي ألم كان ينتابهم وهم يأتون إلى ديار الحبيب فيجدونها قفراء خالية؟ أية مشاعر وقادة مضطرمة كانت تجيش في صدورهم والخلاء والوحشة يصدمانهم!؟ ايه يا منازل الحبيب، أنت حقاً، كما قال الشاعر، لك يا منازل في القلوب منازل.. أقفرت أنت وهن منك أواهل.". لكنه لم يستطع التحمل كثيراً. أسرع إلى الهاتف وكل أمله أن يتصل برئبال. "عديلي رئبال سيجيب على أسئلتي كلها"، لكن صواريخ الأعداء وقذائفهم كانت قد أودت الهاتف منذ زمن طويل، نبشته طائراتهم من تحت التراب لتصلبه على جسر السنك في بغداد، فماذا يفعل محسن؟ تخيلات وأوهام انتابته في الحال. "أتراهم قضوا نحبهم جميعاً؟ هل قتلت فاطمة وهي في الشارع؟ سقطت قنبلة على الأولاد وهم في الطريق؟". أسئلة كثيرة راحت تنتابه، غادر إثرها المنزل، وقد غدا المنزل أضيق من خرم الإبرة. قرع باب المنزل المقابل، لكن أيضاً لا أحد، "أهم أيضاً قد ماتوا؟ هاجروا؟ خلت بغداد من سكانها!؟ ربما فروا جميعاً هرباً من خيول التتار، فهولاكو ما يزال حياً يرزق... يجوب شوارع بغداد. يتوعد بسبي نسائها جميعاً... بذبح أطفالها كلهم، بالتمثيل بكل رجل من رجالها. حقد التتار أسود، انتقامهم مريع فكيف لا يهرب أهل بغداد؟ ـ رئبال!! ـ محسن!! هتف واحدهما بالآخر وقد دخل محسن مكتب عديله. طويلاً أخذ واحدهما الآخر بالأحضان، شاداً على ظهره مربّتاً كتفه... مقبلاً، لاثماً فهما لم يكونا عديلين وقريبين وحسب بل صديقين حميمين. ـ حمداً على سلامتك!! قال رئبال أخيراً وهو يجلس بجانب محسن. ـ حمداً على سلامتك أنت!! رد محسن وهو يتفحصه جيداً. ـ نحن هنا في بغداد... لكن أنت في جبهة القتال في الخندق الأول. ـ العراق كله جبهة قتال!! العراق كله خندق أول!! ـ صحيح!! هؤلاء الامبرياليون شوهوا حتى الحروب. ايه!! ياللأيام الحروب النبيلة! حين كانت تنشب بين الجند والجند... في ميادين خاصة للمعارك ولا تشن على مدنيين عزل وأطفال أبرياء!! ـ صحيح... تلك كانت حروباً نبيلة، لكن هذه حرب قذرة. الأنكلو أمريكان فيها لا يجرؤون على الاقتراب، لا يجرؤون على مواجهة الرجال!!. وتوقف محسن لحظة ثم تابع ملهوفاً: لكن قبل كل شيء قل لي... أين فاطمة؟ ـ في العمارة!!.. ـ حقاً!! هتف وقد ردت إليه الروح. أسئلته، تخيلاته كلها ذهبت فجأة مع الريح. إذن، لم تسقط قنبلة على رأسها!! ما تزال حية ترزق!! والأولاد؟ هل هم بخير؟ رقية؟ الكل بخير؟ تابع أسئلته رشاً وقد أحس بكثير من الراحة. ـ الـ... كل... ب... خير.... بدأ رئبال بشيء من تلعثم وحيرة "أأخبره؟ هو فرح فلماذا أقتل فرحه؟". ـ هه... ماذا؟ أراك تتلعثم؟ "لا... يجب أن أخبره الحقيقة. هو رجل والرجل ينبغي أن يواجه الحقيقة الكذب لن يجدي. سيذهب إلى العمارة وتصدمه الحقيقة فيحقد علي وينقم على كذبي" وتململ رئبال حاكاً رأسه. ـ ماذا، رئبال؟ تكلم... بالله عليك... تكلم!! حثه محسن وقد بدأ قلق غامض ينفث فقاعات فقاعات في رأسه. ـ للأسف... محسن... عدنان وميس... حياتك الدائمة قال رئبال بشيء من تردد لكن بكثير من الوضوح. ـ كيف؟ أين! متى؟ أسرع محسن يسأل وقد غدا وجهه لوحة للألم والفاجعة. ـ في ملجأ الأعظمية. كانا هناك، واكمدّ كل شيء في محيا محسن. غام كل شيء أمام عينيه... لكن لحظة من الزمن، ثم سرعان ما انتفض. ـ وفاطمة؟ خولة؟ سأل بمزيج من الدهشة والاستغراب. ـ لحسن الحظ كانتا في المنزل.... ـ الحمد الله على كل حال!! تمتم ثم رفع صوته كأنما يخاطبهما أمامه، عدنان... ميس... فلذتي كبدي!! عليكما الرحمة أنتما يا فداء هذا الوطن!! ثم أسرع إلى العمارة كأنما يسابق الريح. بالزغاريد استقبلته الأم، بالزغاريد استقبلته فاطمة... رقية... الأخوات... الجارات ورتبة العميد تلمع نجوماً على كتفيه. الشيخ المهيب أخذه بالأحضان. خولة تسلّقت ساقيه إلى أن وصلت إلى ذراعيه وهو في حميا السلام والتحيات. فرحة اللقاء كبيرة طغت حتى على الأحزان الدفينة هناك في صدر فاطمة... في صدر الشيخ المهيب، الأم، النسوة جميعاً. لقد عاد سالماً من حرب ضارية، من يدخلها مفقود ومن يخرج منها مولود. كانوا جميعاً، بالأمس، لا يشغلهم غير الاطمئنان على محسن... معرفة خبر عنه. وهاهو ذا محسن بشحمه ولحمه بينهم، فأية فرحة!! الأم لا تفتأ تأخذه بين أحضانها وتقبله. خولة تلتحم به ممسكة بعنقه وكأنها تخشى هروبه. فاطمة قبالته. عيناها لا تفارقانه فيهما حزن عميق، لكن فيهما أيضاً فرح عميق، "يا الله!! كيف يمتزج الفرح بالحزن؟ كيف يلتقي الصيف و الشتاء على سطح واحد؟ صحيح!! عجيب ابن آدم... فيه تجتمع المفارقات، تلتقي المتناقضات وكأنما هو خارج عن الطبيعة، جامع لكل مافي الطبيعة!!". حتى مطلع الفجر!! ألم يقل سبحانه؟" ليلة القدر... حتى مطلع الفجر؟ هكذا كانت ليلة آل وضاح. فثمة قصص كثيرة يجب أن تقص، حكايا خطيرة يجب أن تحكى. ومن يستطيع النوم والروح تلتقي بالروح؟ فلقة الحبة تلتحم بفلقة الحبة؟ كان عليهم أن يرووا له كل ما جرى في العمارة، البصرة، بغداد، وما أكثر ما جرى في العمارة البصرة، بغداد... كان عليه هو الآخر أن يروي لهم ما جرى في الفاو... الناصرية، جنوب البصرة، غربيها، حيث الحدود التي اخترقت، الموت الزؤام الذي هجم... وروى لهم محسن. أدق التفاصيل روى لهم حتى ما جرى في بغداد... كانت المفاجأة كبيرة، الآلام كثيرة. لكن كان ثمة ما يعوض الشرف... الكرامة... وقفة التحدي. فلا ركوع ولا استسلام. لا نصر، لكن لا هزيمة. وحسب بلد كالعراق أن يقف في وجه الطغيان الثلاثيني كله، وقفة تحدٍ ثم يخرج لا نصر ولا هزيمة. بدأ الفجر ينشر ضياءه، فبدأ آل وضاح يطوون أجنحتهم وقد استبد بأجفانهم النعاس. المنزل مليء بالناس. من البصرة، العمارة، بغداد، كلهم تجمعوا طلباً للأمان فصار المنزل حشداً من الناس كأنه يوم الحشر. خلال الغارات، كانت المغارة تغص بالناس، وبعد الغارات كانت الغرف تغص هي الأخرى بالناس، وكان الشيخ المهيب سعيداً حتى درجة النشوة... أليس هو عوذ الجاني وغوث الطريد؟ ألا يؤمه الأهل، الأقارب أنى كانوا وحيثما كانوا هرباً من العوز، الحاجة والموت؟ لكن في يوم الحشر ينام الناس كلهم أنساقاً أنساقاً، وعلى الأرض، جنباً إلى جنب، لا يطمعون بسرير ولا أرائك. حسبهم فراش ولحاف.... بساط أو لباد يمد على الأرض فيلتحف المرء بطانية جديدة أو عتيقة لا يهم. في الحروب ينتفي الدلال، ينتفي الترف... تنتفي الفوارق جميعاً ليصبح الكل سواسية كأسنان المشط. لكن عبد المحسن جاء. رأسه مكلل بالغار جاء. القائد، بنفسه، وضع على كتفيه رتبة العميد وقلده وسام الشرف. ثم هناك فاطمة... امرأته التي يحب. أفلا يحق لهما انفراد؟ أفلا يحق لهما لقاء حميم؟ وأخلت الأم لهما غرفتها. الشيخ المهيب يذهب مع الفجر إلى الصلاة. جامع الحسين يدعوه للعبادة، فينتضي عكازه ويمضي إلى المسجد، يصلي فرحاً بالنصر... يدعو ربه من جديد أن ينصر أمة محمد وعلي، فلا يغلبها غالب ولا يطأ ترابها أجنبي. محسن يرى يوم الحشر في المنزل. زحام الأطفال، النساء، الشيوخ العجّز... فيأبى أن ينام إلا مع أهل الحشر، لكن الأم صلبة. كلمتها لا تنزل الأرض، فمضى محسن مع فاطمة.. إلى حيث السرير النحاسي الذي يعود مولده إلى أيام الملك فيصل الأول. "إيه فاطمة!! كم أرعشني الشوق إليك!! لكن ما لك؟ مالي؟ ناري مطفأة يا فاطمة فهل نارك كذلك؟ فرحي مغموس بالحزن، فهل فرحك كذلك؟ الفراش يجمعنا الآن لكن ماله نابياً كأنه من قتاد؟". شد عبد المحسن فاطمة إليه، شدته، احتضنها... احتضنته. خولة إلى جانبهما ملاك نائم تهدهده أطياف الهناء. هما روح واحدة... جسد واحد. ذراعاه قويتان تحتويانها، ذراعاها دافئتان حنونان تردان له الاحتواء. لكن الشفاه بعيدة. تأبى أن تلتقي. البرد بينهما شتاء قارس لا تذيبه حرارتهما ويغفو كلاهما وهو يشعر أن ثمة موانع بالغة الارتفاع تفصل بينهما... ثمة عدنان وميس يطوفان فوقهما... حلوهما... صانعين حاجزاً من فولاذ يصعب عليهما اختراقه. *** ـ الاختراق من داخل لا من خارج يا سيدي. قال سكرو كروفت، مستشار الأمن القومي، لإمبراطور العالم وحوله أركان حربه جميعاً في البنتاغون العظيم ذي الأضلاع الخمس. ـ هذا أفضل. رد الامبراطور وهو يصطنع حنكة العالم كله وحكمته، أفضل من أن نتورط في موحلة فيتنام جديدة. ـ وأفضل من أن نخسر الانتخابات يا سيدي؟! تدخل جيمس بيكر غامزاً. ـ إذن، الخطة جاهزة يا سيدي. فقط أعطوا الأمر بالتنفيذ، تابع المستشار بنبرة أشد إلحاحاً. ـ هكذا، دون أن أطلع على التفاصيل؟ قال جورج بوش وهو يشعر، للمرة الألف، أنه مجرد برغي في آلة حرب عملاقة لا يقدم فيها ولا يؤخر. ـ تتعب نفسك يا سيدي، رد ديك تشيني الذي نذر نفسه قبل زمن طويل لأن يكون مجرد برغي في تلك الآلة. ـ وشوارتزكوف، هل انتهى هناك في الخليج؟ سأل امبراطور العالم من جديد وقد أحس بشيء من حنق. ـ بالطبع يا سيدي. أجاب ديك تشيني شارحاً. وفدنا التقى بوفد العراق. وقعوا اتفاقية وقف إطلاق النار. ـ لكن... كان عليكم أن تذلوا العراقيين أكثر، قاطعه جيمس بيكر الشائل برأسه دائماً، كان عليكم أن تجعلوهم يأتون إلى مقركم، زاحفين، رافعين راية الاستسلام دون قيد أو شرط. ـ حاولنا يا سيدي، قال ديك تشيني، العائد لتوه من الخليج، الخائض معارك من أجل استمرار المعارك في العراق، لكنهم أبوا. لا يرفعون راية استسلام، ولا يوقعون دون قيد أو شرط. ـ اللعنة!! صرخ امبراطور العالم. كل هذا القصف ولا يركعون!! كل تلك الصواريخ ولا يستسلمون!! لا... لابد من تمريغهم بالوحل... لابد من إذعانهم... ـ اطمئن يا سيدي!! اطمئن!! سيذعنون، قال سكروكرفت من جانبه ولسوف نأتيك بصدام موثق الرجلين مقيد اليدين إلى واشنطن كما جاؤوا بزنوبيا ملكة تدمر إلى روما ذات يوم من ماضي الزمان. ـ أوه!! ماي غود!! هتف امبراطور العالم فرحاً. هذا أوريجنال، مشهد فانتاستيك!! عزيزي سكرو، هذه فانتازيا تعجبني!! بل أنا أموت بكل ماهو فانتازيا. ـ من أجل هذا خطتنا اليوم. الاختراق من داخل لا من خارج، فقط وقعها يا سيدي. ـ هاك توقيعي!! قال وهو يسرع إلى القلم يمسكه ويوقع دون حتى أن يناقش الخطة. كان حسبه أن يتفق مستشار الأمن مع وزير الحرب... جنرالات الجو مع جنرالات البحر... هؤلاء مع الأعزاء، اللوبي الصهيوني، ثم ملوك النفط وأمرائه، كي يضع توقيعه. حسبه أنهم سيأتون له بصدام موثق الرجلين، مقيد اليدين، تجره عربة خيل في شوارع واشنطن كي يبصم بالعشرة. صدام.. هذا الرأس اليابس يجب أن يكسره... العراق هذا البلد العنيد يجب أن يسحقه... العالم كله يركع عند قدميه، فلماذا لا يركع صدام وعراقه؟ أوروبا الغربية... أوروبا الشرقية... اليابان... أفريقيا... آسيا كلها تركع رافعة الأيدي فلماذا لا يفعل مثلها؟ المعسكر الاشتراكي دمره... الاتحاد السوفييتي هلهله... وها هو ذا غورباتشوف قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضاً، وبالضربة القاضية، فكيف يقف في وجهه رجل كصدام؟ كيف يصمد بلد كالعراق؟ وأحس امبراطور العالم بحنق العالم كله يغلي في صدره مرجلاً يوشك أن ينفجر. ـ هذه المرة لا أقبل حجة ولا أرضى ذريعة، صاح بأركان حربه صيحة زجر. يجب أن يتم الاختراق بأسرع وقت!! ولا تنسوا: الغاية تبرر الوسيلة. اكذبوا... ضللوا... ادفعوا الأموال... اشتروا العملاء، المهم أن يظل العالم معنا... يساندنا إلى أن نخترق العراق ثم ندمره تدميراً كاملاً. في تلك اللحظة توقف وكأنه يود التأكد من أن عبارته الأخيرة مفهومة جيداً. بعدئذٍ تابع: صديقنا شامير مصر على ذلك، إسرائيل هناك، اليهود هنا لا يرضون بأقل من ذلك. ـ اطمئن يا سيدي، قال سكرو كروفت وهو ينهض: الآن، ينطلق حصان طروادة. وكان الإغريق قد حاصروا طروادة عشر سنوات كاملات ظلت الحرب فيها سجالاً. مرة يطرد فيها هكتور أخيل بعيداً عن أسوار طروادة، ومرة أخرى يهزم أخيل هيكتور فيلوذ هذا بأسوار طروادة، وهيلين الجميلة في أحضان باريس تتمتع بالحب ولذائذ الغرام. ترى من بعيد أهوال الحرب والسجال إلى أن سئم الإغريق الحصان والطراد وتفتق ذهن عبقريهم أوديسيوس عن حيلة حصان خشبي يتسع جوفه لمئات الفرسان، يتركه الإغريق وراءهم موهمين طروادة بأنهم تخلوا عن حصارها، وأنهم عائدون إلى اليونان. انطلت الحيلة على طروادة وأدخلت إلى قلبها هناك في ساحة القصر، الحصان الخشبي ليخرج من بطنه رجال أشداء أخذوا الطرواديين على حين غرة وأعملوا فيهم القتل والذبح إلى أن رفعت يديها مستسلمة وارتد عليها المنسحبون من خارج ليدمروها تدميراً غدت بعده أثراً بعد عين. أوديسيوس في واشنطن وأخيل في العراق. وقع مع ضباط العراق اتفاقية لكن دون أن يستطيع تركيعهم أو تمريغهم بالوحل. في الاتفاقية تعهد من الإغريق بالانسحاب من طروادة والعودة خارج الحدود. شوارتزكوف وافق. أمر جنده بالانسحاب لكن بعد أن ترك حصانه الخشبي على الأرض العراقية وكل أمله أن يعيد التاريخ نفسه فيضرب أخيل فرسان طروادة، يصل إلى رأس الملك فيقطعه وإلى قصر الملك فيحرقه لترفع طروادة يديها مستسلمة، وتركع عند قدمي الإغريق ذليلة صاغرة. انسحب شوارتزكوف بدباباته ، مصفحاته، مدافعه، آلياته خارج حدود العراق لكن بعد أن زرع مدنه وقراه بنادق ورشاشات، رجالاً ومدافع... وزع دولارات وريالات، دنانير ودراهم... وفي لمحة عين خرج الرجال المختفون في بطن الحصان الخشبي شاهرين بنادقهم ورشاشاتهم، مقتحمين البيوت، الساحات، المنازل، معملين بأهليها الذبح، باثين الذعر... حتى سالت الدماء في شوارع البصرة وشبت الحرائق في بيوتها وتناثرت الجثث على أرصفتها وكأن القصف الجوي ما يزال، وكأن بوارج شوارتزكوف لم تعترف بوقف إطلاق النار في الكوت، الديوانية، النجف، كربلاء... كان ثمة أحصنة خشبية وكلها تعمل ذبحاً وقتلاً. جمهرة من الرعاع هنا، كوكبة من مثيري الشغب هناك، مسلحون ملثمون، عصابات لا هوية لها وكلها تهاجم المنازل، المواقع، مقرات الحكومة، مخافر الشرطة، فيما تتناثر قصاصات الأوراق والمناشير الداعية كلها إلى الثورة على "الطاغية السفاح.. عدو الشعب صدام". وكان على صدام أن يرد. كان على العراق أن يستفيد من عبرة طروادة فلا يدع حيلة الحصان الخشبي تنطلي عليه، ولا رجاله يقطعون رأس الملك. "وحدات الحرس الجمهوري تحركي. قوات الجحفلين الثالث والرابع انطلقي،". جاءت الأوامر من بغداد. سمع عبد المحسن الأوامر فودع هريرة. لم يكن قد مضى عليهما معاً سوى يومين، مع ذلك كان عليه أن يودعها وينطلق إلى وحدته في الجنوب والغرب ليجدها في طريقها إلى البصرة. كانت المدينة تشتعل ، وكانت الانتفاضة تنفض كل ما بقي في البصرة بعد الخراب الذي حل بها. هجمات على مقرات الحزب، غارات على ثكنات الجيش، نهب للمصارف، سلب للدوائر، فقد كان على الحصان الخشبي أن يقضي على كل أثر للدولة. ـ اضربوا بيد من حديد، تلقى عبد المحسن أوامر الأعلى لينقلها بدوره إلى الأدنى. يجب القضاء على كل أثر للحصان الخشبي. وانطلقت الدبابات، المصفحات، الجند كالسيل العرم تكتسح في طريقها كل شيء إلى أن وجد محسن نفسه في ساحة أسد بابل.... "آه يالساحة أسد بابل!! كم عبرت بك تتأبط ذراعي فاطمة، وتلتحم بي عاشقاً ومعشوقاً فيركض إلينا المصورون، يلتقطون الصور لنا، ونحن يشد واحدنا الآخر من كتفه، يطوق خاصرته، يقترب بفمه من شحمة أذنه!! آه!! أتذكرين أيامنا الحلوة تلك يا فاطمة؟". لكن لا فاطمة ولا ساحة أسد بابل كانت تذكر شيئاً، وملء أذنيها الدوي، ملء عينيها الدبابات وهي تهدر منطلقة إلى شارع العشار، جسر سورين، كورنيش الشط، مقام الإمام علي، سوق الهنود... كان عليها أن تطفئ النار التي اشتعلت، تعيد إلى الشوارع الهدوء بعد القلاقل، السكينة بعد الاضطراب. "هي فتنة وصاحب كل فتنة في النار... اقضوا على الفتنة. القضاء على الفتنة كالجهاد في سبيل الله... و الجهاد باب من أبواب الجنة فاقضوا على الفتنة. القضاء على الفتنة كالجهاد في سبيل الله... والجهاد باب من أبواب الجنة فاقضوا على الفتنة تدخلوا الجنة.". كانت مكبرات الصوت تلعلع من ساحة أسد بابل... من فوق السيارات، الشاحنات، الجسور، الأبنية علها تقف في وجه السيل الهادر من قصاصات ورق تلقيها طائرات الأنكلو أمريكان ومناشير تنثرها آلة حربهم في كل مكان من الجنوب. معارك ضارية نشبت، حرب مدن شبت.... من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع كانت دبابات عبد المحسن تطارد رجال الحصان الخشبي. أمام المتاريس تقف... على الحواجز تشتعل بنيران القاذفات. لكنها كانت تتقدم."من حسن الحظ، الحصان الخشبي لم يستطع إخفاء دبابات في جوفه.". قال عبد المحسن لنائبه الذي ترفع بدوره إلى رتبة عقيد."هم مجرد رجال بنادق، ورجال البنادق لا يواجهون الدبابات، فأين يذهبون؟". بعضهم كانوا يذهبون، ينجون من المعركة فيفرون، لكن بعضهم كانوا يسقطون جرحى... ويستسلمون. ـ سيدي! ثمة ما يلفت النظر في هؤلاء الأسرى، قال ضابط التحقيق للعميد عبد المحسن. ـ دعني أر بعضهم. رد عبد المحسن وقد أثير اهتمامه. جاء الأسرى فاستغرب عبد المحسن كل الاستغراب. لم تكن أسلحتهم كلاشينكوف أو إربي جي بل ام 16 أمريكية، بنادق إنكليزية، وحتى رشاشات عوزي إسرائيلية. كذلك لم يكونوا غرباء عن المنطقة وحسب بل كانوا يجهلون حتى العربية، وكان التاريخ يعيد نفسه. رجال الحصان الخشبي الغرباء عن طروادة جاؤوا من أثينا، اسبارطة علهم يستعيدون هيلين الجميلة وينتقمون من باريس. في النجف، كربلاء، مدن الجنوب، قراه كانت الملاحظة أشد، فمثيرو الشغب يحملون الأسلحة الإيرانية، يرتدون الأزياء الإيرانية، ويتكلمون اللغة الإيرانية، وبدا الصراع مثلث الأطراف: انكلو أمريكان، فرس وعرب. كل طرف يقاتل الآخر طامعاً في بسط سيطرته على الجنوب. لم لا والجنوب هيولى لما تتشكل بعد؟ الجند على الحدود يخشون عودة المعتدين ورجال الأمن في الداخل أضعف من أن يواجهوا الشعب والاضطرابات، إذن لماذا لا يستغل الجار ضعف جاره؟ لماذا لا يحاول الانتقام وثمة أحقاد ومحن؟ وهكذا، تحت ستر الظلام والفوضى اندفع رجال عبروا شط العرب إلى الغرب. رجال كانوا قبل ثلاث سنوات فقط قد حاولوا ذلك العبور ثم ردوا على أعقابهم. لكن من يردهم اليوم؟ طائرات بغداد كانت قد دمرت. ما بقي منها كان قد طار هرباً إلى الشرق عسى أن يقف الشرق مع الشرق كما وقف الغرب مع الغرب. لكن الشرق حاقد لم ينسَ حرب السنوات الثماني... لم ينسَ المطامع القديمة "عراق العرب توأم عراق العجم... وعلينا أن نوحد العراقيين في جمهورية إسلامية واحدة عاصمتها طهران". كان الإمام الأعظم قد قال ذات يوم وصار قوله كما لو أنه أنزل في القرآن. "الفرصة سانحة، إذن لنستغل الفرصة". وانسل فتيان بلحى، رجال بعمائم سوداء، غلمان بأكفان بيضاء، وكانت حرب شوارع... معارك شرسة خاضوا. "الجنوب لنا، أهله شيعة ونحن الأوصياء على الشيعة، فلتذهب إلى الجحيم بغداد ومن في بغداد". لكن دبابات الحرس الجمهوري، جند الحرس الجمهوري، الجحفل الثالث، الجحفل الرابع كلهم كانوا بالمرصاد. "أن نكون أولا نكون، تلك هي المسألة". كان قائد المعركة قد شرح لضباطه وكان ضباطه يدركون أنها مسألة مصير. الهزيمة تعني الموت ولا شيء إلا الموت. ومضت الدبابات في شوارع النجف، كربلاء، الكوت، العمارة، البصرة.... مدن الجنوب وقراه كلها تحصد بمناجل الموت رجالاً متسللين وعملاء منتفضين حتى لم يعد في سماء الجنوب إلا الموت وعلى أرضه إلا الموت. ـ ثمة خبر سوء يا سيدي، قال جيمس بيكر العائد لتوه من الخليج، فيما امبراطور العالم يعتلي عرشه في البيت الأبيض وعلى رأسه أكاليل الغار. ـ ماذا؟ لم يدفعوا لك هناك؟ رد الامبراطور وقد تملكه الذعر. وزير خزانته، قبل عشرة أيام، كان قد أنذره. "احتياطينا في تراجع وأرصدة الخزينة في انحسار"، وللتو ارتجف امبراطور العالم هلعاً، ثم أرسل وزير خارجيته إلى الخليج. ـ بل دفعوا يا سيدي!! هم كرماء... عرب كما تعلم. والعرب شيمتهم الجود والكرم. ـ أوه!! الحمد لله! قال الامبراطور وهو يتنفس الصعداء. لكن كم!! قل لي كم!! سأل امبراطور العالم بلهفة شديدة هو الذي لا يعنيه غير الأرقام والكمات. ـ ثلاثون مليار دولار!! رد جيمس بنبرة الانتصار والفخار. ـ ثلاثون ملياراً!!؟ أحسنت عزيزي جيمس، أحسنت!! لكن كيف وقد اتفقنا أن تطلب عشرين؟ ـ يا سيدي!! يا سيدي، رد العزيز جيمس ضاحكاً، هؤلاء ليسوا مثلنا. ـ ماذا هم إذن، أيها العزيز الفهلوي؟ ـ مساومون. المساومة في دمهم يا سيدي. حياتهم مساومات، دنياهم صفقات. صفقة نفط... صفقة رقيق أبيض... وفي الصفقات أنت تطلب الكثير وتحصل على القليل. أتدري كم طلبت يا سيدي؟ ـ كم؟ ـ خمسون ملياراً. ـ خمسون ملياراً!!! يالك من رجل صفقات!! يالك من فهلوي بارع!! وربت امبراطور العالم كتف وزير خارجيته الذي يعرف جيداً كيف يساوم ويصافق مثلما يعرف وزير حربيته كيف يقصف الأطفال والأبرياء، بعدئذٍ تابع: إذن ماهو خبر السوء؟ ـ الإيرانيون في الجنوب، يريدون وضع يدهم عليه!!! ـ ماذا؟ صاح الكاوبوي مرتداً إلى الوراء وقد جحظت عيناه ذعراً.. أنخرج من دلف صدام إلى مزراب الإمام؟ ـ هي ذي المشكلة الآن. يستغلون الفوضى ليرسخوا أقدامهم هناك، العتبات المقدسة، أماكن العبادة، الحوزات، المقامات كلها تستغل للدعاية وكسب الأنصار. وفرصتهم قوية يا سيدي!! ـ أقوى من فرصتنا!؟ ـ يخيل إلي هذا يا سيدي، هم يستغلون الشعور الديني، التعصب الطائفي، فماذا نستغل نحن؟ ـ الأموال... انثروا الأموال. ـ هذا ما يفعله أصدقاؤنا هناك، الأمير المفدى... الملك المعظم. المشايخ المبجلون كلهم، بسخاء يبذلون، لكن من يرد عليك، إن ثارت ثائرة الدين؟ وشعر امبراطور العالم بإحباط الخيبة. ـ نبدأ اضطرابات في الجنوب يقطف ثمارها رفسنجاني؟ نصنع انتفاضة تستحوذ عليها طهران؟ لا، لا. هذا خبر سوء حقاً، بل أفظع خبر أسمعه. ينبغي التصرف بسرعة.. ينبغي العمل. ـ هو ذا السؤال: ما العمل يا سيدي، وأخشى ما أخشاه أن يكون الزمام في الجنوب قد أفلت؟ الأمر برمته قد خرج من أيدينا؟ ـ لا... مستحيل. يجب ألا يخرج من أيدينا. صاح امبراطور العالم مغضباً ثم ضغط على أزرار عدة إلى جانبه، هاتفاً بكل منها على حدة: تشيني، سكرو كروفت، كيسنجر... رئيس الأركان... مدير المخابرات... هلموا إلي... هيا... أسرعوا. وراح يذرع الغرفة نافذ الصبر، متراقص الخطا، متطاير النظرات كأنه على نار. باقر نفسه في المعسكر وكأنه على جمر النار، يخرج برأسه من الغرفة ـ الملجأ فيلفح وجهه لهب النار. معسكره في حالة عطالة. ما يشبه اليأس يسيطر على الجميع، وهم يرقبون العراق العظيم، ذلك الصرح الذي هدم لبنة لبنة، ليبعثر مزقاً وأشلاء. أبو الليل حزين، نمر، قائد المعسكر، بل القادة الفلسطينيون كلهم حزانى. وقفوا منذ البدء ضد تدمير العراق، رفعوا إصبعهم بالإدانة لكل من يريق دماً في العراق، فغضب الأمير المفدى وثار... أرغى وأزبد، حالفاً بالطلاق من زوجاته الأربع، وكل من في حظيرته من محظيات وجوارٍ أن لا يظل فلسطيني واحد على أرض الكويت، وبدأ نزوح جديد. مئات الآلاف وجدوا أنفسهم في العراء يد من أمام ويد من خلف. تماماً كما وجدوا أنفسهم ذات يوم وعصابات آرغون وشيرن، البالماخ والهاغاناه تطردهم من بيوتهم.... بعيداً... بعيداً خارج الوطن. ـ كارثة!!! كارثة!!! صاح أبو الليل إثر نشرة لأخبار لندن هو الذي له أخ وأخت في الكويت، أبناء أعمام وأخوال. والكل هناك يدفعون للمقاومة، يزودونها بالوقود، والمقاومة لابد لها من وقود. ـ هو الشتات يعود من جديد، علق يسار بشيء من لا مبالاته المعهودة. ـ أجل . تابع نمر بحرقة شديدة، يشتت الفلسطينيون من جديد... بل تشتت الأمة كلها. ثم بدأ ينشد وكأنما يخاطب كائناً مجسداً أمامه: يا أنت يا خارطة الفتات يا أمة الشتات!! وأطرق باقر إلى الأرض كسيراً... حسيراً. "أجل... هي أمة الشتات. أربعة وعشرين بلداً صار الوطن الواحد بل حتى البلد الصغير نفسه صار مزقاً وفتاتاً. فلسطين، لبنان... العراق... أي بلد عربي ليس بلد المشردين والمشتتين!؟ أي قطر عربي لم يغدُ داراً للتشرد والشتات؟" وشرد بعيداً إلى الجنوب. الجنوب همه... البصرة شغله الشاغل "ماذا ألم بك يا بصرة!؟ كيف أنت يا مسقط الرأس؟" ومضى خارج الغرفة ـ الملجأ. كان الرفاق ما زالوا يتحدثون عن بلوى الفلسطينيين الجديدة، بعضهم يقولون إنهم سيلقون في صحارى الربع الخالي، بعضهم يتحدث عن الدهناء، فلا أرض تستقبلهم والكل يخشونهم لكأنهم الطاعون. نمر وحده كان على يقين أن الأردن سيقبل بهم. "لكن من يقبل بأبناء الجنوب؟ أين يذهب أهل البصرة؟ ماذا سيكون مصيرهم؟". كان باقر يتساءل وهو يسير وحيداً تحت أشجار الصنوبر والسرو حيث يختبئ معسكرهم عن أعين الطيران الإسرائيلي. "ثمة خيارات ثلاثة أحلاها مر يا جنوب!؟ ولمعت في ذهنه فكرة "لماذا الجنوب دائماً يعاني؟ لماذا اللعنة والبلاء ينصبان عليه فقط؟ جنوب لبنان، جنوب العراق، جنوب السودان... جنوب البحر الأبيض المتوسط!! ايه يا جنوب!! خياراتك الثلاثة صعبة كلها، مرة كلها، إن وقعت تحت الاحتلال الأنكلو أمريكاني كانت البلوى، وإن وضع الفرس يدهم عليك كانت الفاجعة. وإن عدت إلى حوزة بغداد...". لكنه توقف فجأة مقلباً الفكر "ماذا إن عدت إلى حوزة بغداد؟ أتدمرك بغداد؟ أتصلب أهلك على عتبات النجف الأشرف؟ أيحرق صدام الأخضر واليابس فيك؟" وبدت الأجوبة كلها بالنفي. ولأول مرة يشعر بما يشبه اليقين أن بغداد حريصة على الجنوب حرصها على نفسها، وأن أهل النجف وكربلاء، العمارة، البصرة، كأهل بغداد والموصل لا فرق بينهم ولا تمييز. "وصدام!؟ هنا أيضاً توقف "هو قد يسفك دماء، يقتل رجالاً ونساء... لكن كم!! ألف ألفان ثم يعود الجنوب جزءاً من الوطن يسري عليه ما يسري على الوطن.". وبدا لباقر أنه الخيار الوحيد، "لا.... لا فرس ولا روم". خاطب شجرة الصنوبر فوقه وكأنما يريد لإبرها أن تنقل رغبته إلى العالم فيخلص الجنوب من استعمار غاشم وأطماع قديمة قدم الأزل تريد أن تستعيد عزها في سواد العراق ورافدي العراق... "وسوى الروم خلف ظهرك روم. فعلى أي جانبيك تميل". وجد نفسه ينشد مخاطباً الجنوب، مخاطباً العراق بل ربما حتى صدام لكن بنبرة تخلو، لأول مرة من الحقد والعداء، فلأول مرة يوقن باقر أن العراق هو المستهدف لا صدام.... وأن الدعاوة الأنكلو أمريكانية تصر على أن تلغي الوطن بحجة الفرد، لكن باقراً يشعر، وهو يسير تحت أشجار الصنوبر، أنه مامن فرد يستطيع أن يلغي الوطن. في البصرة هناك أمه، أخوه، أقرباؤه، جيرانه، وفي العمارة أعمامه، عماته، أخواله، خالاته، وفي بغداد... الله كم له في بغداد من أقارب وأحباء!! أخته فاطمة... أخته رقية... عمته، أبناء عمته... حبيبته جميلة... بل هناك، رئبال، عبد المحسن... "الله يا عبد المحسن!! كم أنا مشوق لأخبارك!! كم أحن إلى أيامنا هناك في العمارة ونحن أطفال يقيمون لنا حفل طهور معاً. يصفوننا نسقاً واحداً يمسكون بنا من خلف. يثبت كل رجل طفله ثم يمر المطهر بموساه الحادة يقطع ويضمد وتنزف دماء وتنطلق زعقات. أتذكر يا عبد المحسن؟ بعد ذاك، أتذكر الهرج والمرج؟ الغناء والرقص؟ كانوا يعمدوننا رجالاً للمستقبل، لكن أين أنت اليوم؟ ما أخبارك؟ كم كنت متحمساً لعروبتك، متمسكاً بقوميتك العربية!! "وحدها عروبتنا رابطتنا، ضمانتنا للمستقبل. وحدها قوميتنا العربية تصنع لنا الوحدة وفي الوحدة وحدها خلاصنا". هكذا كنت تقول يا عبد المحسن، وكنت أخالفك الرأي، ثم ندخل في حوار الطرشان. لماذا كنا طرشاناً يا عبد المحسن؟ لا أنت تسمع ما أقول ولا أنا أسمع ما تقول، بل كل منا يفكر بحجة يدحض بها حجج الآخر، طريقة لإفحام الآخر، لتسجيل انتصار عليه "رباه، احفظ عبد المحسن واكلأه بعين رعايتك،" تمتم باقر رافعاً يديه بالدعاء رافعاً رأسه للسماء، لكن ما إن انتبه لنفسه حتى أطرق خجلاً... كانت المرة الأولى التي يرفع فيها رأسه ويدعو، هو الذي ألغى منذ زمن طويل عادة اللجوء للسماء... كان قد تجاوز كل ماله علاقة بالغيب والسماء، بالقدر والقضاء... ليؤمن بشيء واحد اسمه: العقل. عبد المحسن مثله يؤمن بالعقل، بالعلم، لكن في السياسة كانا على طرفي نقيض. منذ أيام عبد الكريم قاسم، كان الشيخ أبو عبد المحسن قد حدد موقفه "لماذا هذا العنف؟ لماذا القتل والسحل لكل بعثي أو مؤمن بقوميته.". وكانت حادثة فظيعة قد حدثت في الموصل. بعثيان خرجا إلى إحدى القرى يشتريان حاجاتهما، فأسواق الموصل مغلقة ومحلاتها لا تقضي حاجة. عرف بهما أحد أنصار الحكم فدعا أصحابه ومضوا بالخناجر والسكاكين يريدون ذبحهما. هرب الرجلان إلى مخفر الشرطة والأمن عله يوفر لهما الأمن، لكن رجال الأمن تخلوا عن مهمتهم أمام هجوم المتطرفين الكاسح... خافوا مواجهة المهاجمين فأسلموهم الرجلين. وانظر بعد ذاك ما حل بهما من ضرب وسحل، تمزيق أعضاء وتشويه أجساد لتمر عليهما مدحلة بعد ذلك تسوي جسديهما بالأرض. أبو عبد المحسن رفض تلك الفظاعة وعبد المحسن كان على دين أبيه. وهاهو ذا باقر يسير وحيداً، لا يتذكر إلا عبد المحسن، فيما هو على استعداد لأن يبيع نصف عمره كي يعرف ما حل به. هو يحس أن المرء مهما ابتعد عن الوطن يظل الوطن في داخله... مهما انسلخ عن الأهل يظل في قلبه الأهل. أهل باقر في النار. فكيف لا يكون هو نفسه في النار؟ النار دفعته لأن يذهب إلى قائد المعسكر: ـ عن إذنك!! أود الذهاب إلى بيروت. ـ إذنك معك!! رد قائد المعسكر الحزين المهموم مثلما باقر حزين مهموم ودون أن يعرف برحيله يسار أو أبو الليل، رحل باقر إلى بيروت. ـ في أسوأ الأوقات جاءنا عزيز كتابكم!! استقبله همام عند الباب مازحاً، لكن المزحة بدت غليظة فأربد وجه باقر أكثر وانكمش، هاماً بالانصراف. ـ عفواً... إن جئت في وقت غير مناسب!! لكن قبضة همام أطبقت عليه إطباقة الملزمة ساحبة إياه إلى الداخل. ـ أنا أمزح معك يا رجل... تفضل!!! ثم مال عليه هامساً، ربما حظي حسن أنك جئت، لدي ضيفان: أم وابنتها، لي الأم ولك البنت. وكاد باقر يعاود الانصراف من جديد، لكن القبضة الممسكة به إمساكة الملزمة دفعته قدماً حتى صار وجهاً لوجه أمام الأمر الواقع. وأمام الأمر الواقع تختلف المواقف وتتغير التصرفات. كانت الأم في الأربعين حمراء الشعر، حمراء الشفتين، حمراء الوجنتين، على ساعديها نمش، على صدرها نمش، على عنقها نمش، لكن في عينيها الشهلاوين الكثير من الذكاء. كانت ممرضة في مستشفى، مختصة بالعلاج الفيزيائي. وكان همام قد احتاج ذات يوم لعلاج فيزيائي. عموده الفقري تكلس وليس له من علاج سوى التدليك والتمسيد. في البداية كان يذهب إليها. تدلكه، تمسده، أماً رؤوماً وأختاً حنوناً ثم شيئاً فشيئاً نمت بينهما رابطة وترعرع ود جعلها تأتي إليه في المنزل تدلكه ويدلكها، تمسده ويمسدها، لكن ماذا عن الابنة؟ ـ جاءت أمس من بلغاريا تزورني. ونظر باقر إلى الفتاة. ربما هي في السادسة عشرة أو السابعة عشرة. هو عمر الورود حقاً. رقة... نضارة... شفافية... ألم يقولوا. الصبا والجمال؟ هما يقترنان معاً واحدهما لا يفارق الآخر. لماذا؟ لأن الورود هكذا ما إن تتفتح حتى تزدهي صباً وجمالاً. كانت المائدة عامرة بأصناف المأكولات... أصناف المشروبات، وكان الثلاثة قد أبلوا بلاءً حسناً جعل المائدة تبدو أقرب للهزال. صب له همام كأساً، ثم قرعوا الكؤوس كلهم يشربون الوسكي، ما عدا الفتاة تشرب الجن. "لماذا؟ سأشرب بعد اليوم الجن فلابد أنه أروع مذاقاً" لم يكن باقر قد شرب الجن من قبل. كان في العراق يشرب عرق التمر وأحياناً عرق التين وكان يعب الكؤوس حتى الثمالة. لكن في بلاد الشام لا يصنعون عرق التمر وقليلاً ما يصنعون عرق التين، فأحال نفسه إلى عرق العنب. "عرق باليانسون!! الله!! ما أطيب نكهته!! ما أروع مذاقه!!". كان باقر يشرب إذا ما شرب حتى السكر، وكان السكر قد أوقعه في أكثر من ورطة، ذلك ما جعله يجنح إلى الوسكي كلما توفر الوسكي. "هو أ لطف أثراً وأقل خطراً، وما أحوج باقر لأن يظل بعيداً عن الأخطار!!... بعد كأسين خرج همام متذرعاً بحجة من الحجج آخذاً معه الأم. رفع باقر كأسه يداري حرجه وقد ظل وحيداً مع الفتاة. "نخب الصبا والجمال" فرفعت الفتاة كأسها. شرب وشربت، لكن بدا ما بينهما هوة بعيدة لا تجسر. هو في الأربعين وهي في السابعة عشرة زغلولة لما ينبت ريشها بعد، أم لعله نبت؟ تساءل وهو يمسحها بنظرة من طرف العين، رأته فتبسمت ابتسامة من ضياء. ماذا يقول لها؟ هي تعرف قليلاً من الإنكليزية، هو يعرف أقل. في روسيته شيء من بلغاريتها وسألها: اسمك؟ عمرك؟ دراستك؟ لكن... ماذا بعد؟ يتغزل بها؟ ينبوع الغزل لديه كان قد نضب منذ زمن طويل. أيدعوها لممارسة الجنس؟ ما في نفسه رغبة لجنسٍ. أتراها لبانة قطعت أنفاسه تلك الليلة؟ أتراها أحالته إلى رجل يمتلئ قلبه رعباً من أن يتكشف مرة ثانية عن عاجز عنين؟ باقر يتأملها ويفكر. أتراها تنتظر دعوته؟ أتريد أن تفعل ما تفعل أمها؟". "لاحياء في الجنس". هكذا صار شعارهم هناك في أوروبا. لكن هنا... حيث البصرة وبغداد... دمشق وبيروت، ما يزال ثمة حياء في الجنس... ما تزال له خصوصية يصعب على باقر أن يتجاوزها حتى في وكر للجنس. ـ باقر!! اللعنة عليك!! بادره همام وقد عاد، على محياه سيما الرضا والسرور، ألم تأخذها إلى الفراش بعد؟ ـ لـ... لـ... لم... أشعر برغبة. ـ تباً لك!! سودت وجهنا مع البنت!! قال همام دون أن ينظر إلى الفتاة. ـ أنت بيضته مع الأم!! رد باقر ممازحاً وهو يعلم أنها لا تفهم ما يقولون. ـ لا يكفي. كان عليك أن تعدل كفة الميزان أم نسيت أن الميزان بكفتين؟ ـ لم أنسَ... لكن... ـ لا تقل لكن يا رجل. هيا.. اذهب الآن قبل أن تعود أمها. ـ لا... همام!! لا أستطيع!! ـ منذ متى هذا الزهد يا ربيب عشتار؟ ـ مذ أصبحت ناسك صومعة يا صنو تموز!! ـ لا... لا. عليك أن تثبت أنك عربي قح. أنت تعلم، شهرة العرب في رجولتهم، كرامتهم في فحولتهم. ـ لكنني حزين جريح، همام!! وكيف للحزين أن يفرح؟ كيف للجريح أن يمارس الحب؟ رد باقر بنبرة من عتاب وكأنما يذكره بأن هناك جنوباً يشتعل ناراً، أهلاً لا يعرف مصائرهم ووطناً على كف عفريت.. همد همام في الحال، موقد نار سكبت عليه سطل ماء. عادت الأم وقد أعادت شفتيها الحمراوين ووجنتيها الحمراوين، ذكاء عينيها ونمش ساعديها. ففاجأهما الصمت. كانت الفتاة قد كظمت وهي ترشف الجن، وكان الصديقان يجدفان في بحيرة صمت وقد أدرك كل منهما أن ثمة وجعاً شديداً وجرحاً نازفاً. جملتان سريعتان تبادلتهما الأم والفتاة، هبت إثرهما الأخرى ملء طولها. ـ اكسكزي موا، قالت الأم بفرنسية ناعمة معتذرة من همام. علينا أن نذهب. ولأنه لم يكن يملك حجة لإبقائهما، عذرهما همام مودعاً إياهما إلى الباب. ـ أرأيت؟ جرحتها!! قال همام، وهو يعود ، بنبرة العتاب الشديد. ـ أنا جرحتها؟ كيف؟ ـ الفتاة التي لا يغازلها الرجل تعتبر نفسها ناقصة الجاذبية، عديمة الانوثة... وهو أكبر جرح توجهه لامرأة. ـ أوه!! يا إلهي!! هتف باقر ضارباً صدغيه براحتيه. لم يخطر ببالي شيء كهذا. أرجوك... سامحني... أرجوك. قل لها أن تسامحني، أنا الجريح الذي ينزف دماً... أنا العاجز حتى عن الوقوف على قدميه. أعلم... أعلم... كم تعاني باقر!! أنا مثلك أعاني وأنا أرى العراق يمزقه الوحش... يريد تقسيمه أشلاء أشلاء. ـ لكن أتراه يستطيع ؟ ـ تاتشر قالت إن علينا أن ننجز المهمة التي لم ينجزها أسلافنا قبلنا: تقسيم العراق... وما أظنها إلا فاعلة. ـ يا إلهي!! هذه كارثة إن وقعت!! كارثة!! ـ أعلم. والكارثة أن الحكام العرب ساكتون، كأنهم لا يعرفون اللعبة ولا يحسون بالخطر. ـ بل بعضهم يعرف ويشارك، عامداً متعمداً يشارك فيها، وبعضهم يحس بالخطر لكنه لا يبالي. ـ آه!!! بلوى العرب حكام العرب!! قال همام وهو يتأوه آهته التي يعرفها باقر جيداً. بعدئذٍ تابع: لكن ربما بلوانا نحن هي الأشد والأدهى، وأشار همام إلى الأعلى والجنوب حيث النجود والصحارى. ـ أنمشي قليلاً؟ سأله باقر سؤال المترجي. وهو يشعر أن أنفاسه تضيق من واقع عربي بلغ الدرك الأسفل من التردي... من حكام دمى، من أمة رؤوسها لأعدائها. كان الليل بارداً. المساء جاء بغيمات مسرعات انهمرت مطراً على بيروت ثم انحسرت لضوء قمر شاحب يطل برأسه من وراء القمم. كانت بيروت ما تزال تشكو العتمة وحواجز التفتيش، دوريات الشرطة والجيش. لكن لم يكن ثمة اشتباكات ولا إطلاق نار. كان الهدوء قد بدأ يخيم على بيروت وخيل لهمام أن باقراً مشوق للرقص والغناء. ـ تذهب إلى أبي جوني؟ سأله متفحصاً مدققاً وقد صارا في أول شارع الحمراء. ـ لا.. لا حاجة بي لأبي جوني؟ أجابه باقر، وفي نفسه ما يشبه الغثيان من أجواء الرقص والغناء. ـ وصفصف؟ ـ ولا صفصف أيضاً. حسبي أن أمشي هنا في بيروت، أتسكع على أرصفتها. ـ لكنها خالية، قال همام وهو يتفحص بعينيه الشارع المقفر. لكن فجأة تسمر في مكانه وقد لفت انتباهه سيارة مسرعة، يزحمهما دويها من خلف. نظر إلى الوراء فهاله أن يرى بندقية تسدد صوبه. ـ انبطح أرضاً، صرخ بباقر وهو يدفعه نزولاً منبطحاً مستتراً بأول ساتر.أزيز الرصاص مر من فوق رأسيهما... ثقب الجدار قبالتهما، اخترق واجهة محل أو محلين، فيما جلبة السيارة طغت على كل صوت آخر. وحين عاد الهدوء كان باقر ما يزال منبطحاً أرضاً فاغراً فاه وكأنه لم يفهم شيئاً. ـ هل عادت الحرب إلى بيروت؟ سأل وهو ينهض نافضاً عن ثيابه الوحل والغبار. ـ بل هي حربنا نحن، رد همام وهو يعاود الإشارة إلى الأعلى والجنوب حيث النجود والصحارى، ساحباً صاحبه جانباً، مسرع الخطا باتجاه أول زقاق جانبي. ـ تعني يريدون قتلك؟ سأل وهو ما يزال مندهشاً يلهث. ـ وهل هي المرة الأولى.؟ أعاد السؤال بسؤال وهو يهز رأسه مستغرباً. هذه هي المرة الثالثة التي يحاولون فيها اغتيالي. ـ لكن لماذا؟ سأل باقر وقد ازداد فغر فم وجحوظ عينين. ـ لماذا؟ رد همام هازاً رأسه أكثر، كازاً على أسنانه أكثر مشيراً إلى الأعلى والبعيد من جديد. اسألهم هم أصحاب السموّات والجلالات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |