|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السابع ـ يا صاحب السمو، يؤسفني أن أقول لك إن علينا أن نوقف الانتفاضة!! قال جيمس بيكر وقد وصل لتوه من واشنطن حاملاً رسالة عاجلة من امبراطور العالم. ـ ماذا؟ انتفض الأمير المفدى بانزعاج شديد، هو الذي تخلى عن خلوته ليلة الخميس كرمى لعيني الساعد الأيمن لامبراطور العالم. بعد كل ما قدمناه من أموال وضحايا نوقف الانتفاضة؟ ـ ليس أمامنا خيار آخر؟ ـ كيف؟ لماذا؟ الانتفاضة ما تزال بخير. رجالنا يعملون هناك، يسيطرون على قرى كثيرة في الجنوب، على مدن.... ـ لا، لا، قاطعه جيمس بيكر وهو يغرس عينيه في عينيه... نحن نقول هذا في الإذاعات والتلفزيونات. ـ والحقيقة؟ ـ يا سمو الأمير، يا سمو الأمير، رد الساعد الأيمن لامبراطور العالم وفي نبرته شيء من العتب والتقريع.... الحقيقة دائماً شيء آخر....، أما ما نقوله نحن فهو ما يخدم مصالحنا. ـ صحيح، يا سيدي الوزير، أعلم يا سيدي الوزير. لكن المعلومات كلها تؤكد أن الجنوب يغلي... سكانه شقوا عصا الطاعة على صدام... صوره مزقت... رجال حكومته رجموا.... ـ هذه بعض الحقيقة... جانب واحد منها، لكن ماذا عن الجوانب الأخرى؟ ـ آ... جوانب أخرى؟ لا... لا... الحقيقة، لم أفكر بالجوانب الأخرى. ـ أما نحن فنفكر. أنت تعلم. نحن دولة عظمى، بل نحن الدولة العظمى الوحيدة في العالم. ـ تعني... الاتحاد السوفييتي أفل نجمه!؟ ولى إلى غير رجعة.؟ ـ هو في طريقه.. وقريباً، قريباً جداً سيولي كلياً. ـ وغورباتشوف، الذي يتحدث عن إعادة بنائه؟ ـ لا عليك. غورباتشوف مثلكم أنتم العرب تسمون الأشياء بأضدادها: الملدوغ: سليم، والأعور: ذو كريمة، والنازح: عائد... وهكذا، يمسك بالمعول هادماً صرح الاتحاد السوفييتي ويقول إنه يعيد بناءه. ـ هذه أجمل بشرى يا سيدي... إذا انهار الاتحاد السوفييتي لك عندي وليمة خراف. ـ ومالي وللخراف؟ كل ما أستطيع أكله أوقية من لحم.. أنا أحب الذهب... ـ خذ إذن مائة سبيكة من الذهب!! ـ هذا، بروميز!؟ ـ برو.. برو... ماذا؟ أنت تعلم... أنا لا أفهم الإنكليزية. ـ وعد... أقصد هذا وعد؟ ـ بالطبع... لكن عليك أن تتابع خطتنا في الجنوب. ـ ألم أقل لك لدينا معلومات خطيرة... توجب علينا إيقافها. ـ يا إلهي!! هتف الأمير المفدى وهو يضرب براحته رأسه. بالأمس فقط كنتم تقولون كل شيء يسير في صالحنا. الجنوب قاب قوسين أو أدنى من الانفصال عن صدام... قوات صدام تكال لها الضربة تلو الأخرى، تتراجع من خندق إلى خندق. ـ هذا صحيح... كله صحيح في البدء... لكن بعدئذٍ انقلبت الموازين. ـ انقلبت الموازين؟ كيف؟ ـ ظهر ما لم يكن في الحسبان. ـ دائماً يظهر لكم مالم يكن في الحسبان. إذن أين مخابراتكم؟ أين جواسيسكم؟.. ـ ماذا؟ قاطعه بنبرة زاجرة، أنت تتطاول أيها الأمير؟ ترى هل نسيت نفسك؟ ـ لا... عفواً، سيدي الوزير. لكنني ملوع. أريدكم فقط أن تتابعوا... بأي شكل أريدكم أن تتابعوا الحملة وأنا على أتم الاستعداد لدفع ما تشاؤون. المهم أن تبعدوا العراق عن حدودي... أن يقوم فاصل بيني وبين حاكم بغداد... فلا يظل بعبعاً يهددني ليل نهار. ـ ذلك ما نريده ، أيها الأمير، صدقني. لكن... هاهما شهران على قيام الانتفاضة، ولا جدوى. صدام خدعنا... حرسه الجمهوري ما يزال سليماً متماسكاً... قواته الضاربة لا تزال قادرة على المواجهة. هي تضرب الانتفاضة دون رحمة. "جماعتنا" يبادون زرافات ووحداناً. ـ أنتم السبب. سمحتم له باستخدام الهيلوكبتر. ـ غلطة، أعترف لك أنها غلطة. ـ صلحوها. ـ كيف؟.. ـ ولو سيدي الوزير، ماذا تفعل إذن البوارج، الطائرات، الصواريخ؟.. ـ ووقف إطلاق النار؟... ـ إلى الجحيم، بوقف إطلاق النار. المهم إبادة قوات صدام... حرسه الجمهوري... طائراته الهيلوكبتر. ـ ونظام الخميني؟ قاطعه الوزير وهو يكظم غيظه الشديد من عربان لا يستحقون في نظره أكثر من أن يكونوا رعاة أغنام. ـ ماله نظام الخميني؟.. ـ كيف نبيد قواته وقد تغلغلت في كل مدينة وقرية؟.. ـ إلى هذا الحد بلغ خطره؟.. ـ طبعاً... وهذا ما جئتك من أجله. ـ لا... كل شيء إلا نظام الخميني، هؤلاء الفرس يرعبونني. من أجل إبعاد خطرهم أعطيت الكثير لصدام. مليارات الدولارات أعطيته، سيدي الوزير. ـ أعلم... أعلم، قال وهو يهز رأسه بحركة اللوم والعتب. وهذا أكبر خطأ ارتكبته. ـ مكره أخاك لا بطل سيدي الوزير. كانوا يطرحون شعار تصدير الثورة. الخميني لا يريد وضع يده على العراق وحسب، بل على الكويت... الخليج كله... ولم يكن أمامنا غير صدام يقف في وجهه. ـ المشكلة نفسها تعود اليوم. ـ لم أفهم سيدي الوزير. اشرح لي. ـ يا سمو الأمير، حين بعثنا الناس إلى الجنوب للقيام بالتمرد كنا وحدنا في الساح وكان الناس يميلون إلينا... هم يكرهونه كما تعلم... يريدون التخلص من ديكتاتوريته كما تعلم، لكن ما إن مضت أيام حتى ظهرت قوة ثالثة: رجال الخميني في كل مكان، دعاة الثورة الإسلامية ينشطون... يخطبون في الجوامع... يحرضون الناس. في البدء، لم نحرك ساكناً. قلنا "هذا كله سيساعدنا... التحريض، الإثارة كلها تصب في النهاية في نهرنا إلى أن يفيض فيكتسح صداماً وقوات صدام. ـ حسن... ثم ماذا؟... سأل الأمير المعظم وقد توقف محدثه ربما كي يلتقط أنفاسه. ـ ماذا؟ نظام الخميني عاد إلى فكرته الأولى: تصدير الثورة... الامتداد نحو الغرب. ـ اللعنة!! هذا ما كنا نخشاه!! ـ وهذا ما بتنا الآن نخشاه. الجنوب مفتوح أمامه. فوضى واضطرابات، فماذا أن ضمه نظام الخميني؟ ماذا إن وصلت قواته إلى حدودك.؟. ـ لا، هي كارثة حقاً. خميني وثورة؟ فرس وشيعة؟.. لا... لا... يجب إبعاد الخطر. ـ ولعلمك لن يتوقف الخطر عند هذا الحد. قال وزير الخارجية البارع في النقاش والإقناع. معلومات (السي آي اي) عندنا تقول إن مطامع الفرس أبعد من الكويت بكثير. ـ أين؟ يريدون الحجاز؟ مكة والمدينة؟ ـ ربما، لكن المؤكد الآن أنهم يريدون التوسع عبر سورية فالجنوب اللبناني. وبذلك يصبحون على حدود إسرائيل. ـ يا ساتر!! إذن هو خطر شديد!!... ـ أصدقاؤنا في تل أبيب يرتجفون رعباً "كل شيء ما عدا الإسلاميين.... كل شيء ما عدا نظام الخميني"، لهذا لابد من إيقاف الانتفاضة. ـ ونترك صداماً وشأنه؟ ـ لا، بل نأتيه من مكان آخر؟ ـ مكان آخر؟ أي مكان؟ ـ هي لعبة قط وفأر. يهرب الفأر من جهة فيأتي القط من جهة ثانية. لكن كن على ثقة. لن يدع القط الفأر حتى يلتهمه وجبة شهية. مع آخر كلمة، مسد الأمير المعظم كرشه الصغير حانياً رأسه اطمئناناً وراحة، ذاكراً أن عليه أن يدعو ضيفه لتناول العشاء حين هناك وجبة شهية أيضاً. فيها كل ما تشتهي النفس: من طعام وشراب... رقص وغناء... غلمان ونساء. في الأيام التالية بدا الجنوب وكأن عصا سحرية تمر عليه فتنطفئ نار، ويسكت رصاص، تغمد خناجرهم ويسود هدوء. ـ البشرى لكم!! هتف رئبال فرحاً وهو يدخل منزله، فتستقبله رقية، أمها، الأولاد الثلاثة، ثم فاطمة وابنتها الصغيرة وقد ارتسمت على وجوههم جميعاً علائم الاستغراب والفضول. ـ بشرى!! أظلت في العالم بشرى؟ ردت أم فاطمة يائسة النبرة. ـ أجل، بشرى خير عميم يا عمة!! ـ ماهي؟ قل لي. أسرع. حثته رقية وقد اشتعلت فضولاً. ـ تلاشت عاصفة التمرد كما تلاشت عاصفة الصحراء. ـ ماذا؟ سألت النسوة الثلاث وكأنهن لم يفهمن. ـ قضينا على التمرد في الجنوب!! أبدنا المتمردين إبادة تامة!! ـ معقول؟ ـ حقاً؟ ـ كيف؟ سألته الاختان معاً مثلما سألته الأم التي لم يعد لها أحد في البصرة. لا أهل ولا سكن، فجاءت مع ابنتيها إلى بغداد. ـ بالتصميم... بالصمود... بالعزيمة... رد رئبال وفي صوته الأجش الصفات الثلاثة. لقد صمم قائدنا وصمد جنودنا وكان شعبنا كله عزيمة، فانتصرنا. ـ بالروح!! بالدم!! نفديك يا صدام!! هتف المثنى أكبر أولاد رئبال، فتبسم الأب وأسرعت الأم تدفعه: ـ ماذا؟ هل أنت في مظاهره؟... هيا... هيا... إلى الطعام. كان طعام الغداء قد أعد، وكانت رقية قد دعت أمها وأختها وهما كل مابقي لها من أسرة وارفة الظلال كانت تقطن ذات يوم حي الخندق في البصرة. ـ يعني.. استرحنا!؟ قالت أخيراً فاطمة قبل أن تمد يدها للطعام، لا حرب... لا تمرد.. لا عصيان. ـ بعون الله. لا تمرد، لا عصيان وبعون الله قريباً يظهر محسن. ـ بشرك الله بالخير يا بني!! تدخلت الأم وهي تنظر إلى ابنتها بعين كلها رثاء. وإشفاق. الا ترى فاطمة؟ تكاد تيبس لغيابه عوداً من حطب. ـ أماه! احتجت فاطمة. ـ لا تقولي أماه!! قاطعتها الأم على عجل: شهران لم تره عيناك فيهما. أي والله!!! والله!! أنا نفسي أكاد أطق عليه قهراً. ـ كلنا نكاد نطق عليه، أكد رئبال وهو يكاد ينتهي من مضغ اللقمة، لكن شوقاً لا قهراً. ونظر إلى فاطمة، مبتسماً، هو الذي كان يمازحها عامداً متعمداً عله يخفف من شعورها بالحزن. ـ مسكين!! حظه سيء أن جاءت خدمته في الحرس الحمهوري... هو الذي لا يرتاح ولا يدع أحداً يرتاح، علقت رقية بإشفاق يماثل إشفاق الأم وهي تنظر إلى فاطمة التي يبست عوداً من حطب. ـ لا، لا يذهب خيالك إلى تلك الأشياء!! ردت فاطمة بغير مزاح. في الحرب لا يفكر المرء إلا بسلامة من يحب. ـ لكنه يشتاق لمن يحب، بكثير من الدعابة تابع رئبال. المرأة تشتاق لزوجها والزوج يشتاق لامرأته... ألم تسمعي بقصة عمر؟ ـ أية قصة؟ سألت هذه المرة رقية. لكنه لم يجب للتو. كان الجوع قد جعله أميل لملء بطنه. وكان يحب التمَّن كثيراً، خاصة حين يكون من صنع حماته. ملعقة.. ملعقتين وضع في فمه. مضغ بسرعة، وحين توفر له حيز من فراغ أجاب: ـ يروى أن الخليفة عمر كان يسير في أحد أزقة المدينة ليلاً، فسمع امرأة تنشج مناجية زوجها الغائب مع جيش اليمن. عاد في اليوم التالي فسأل بعض النسوة "كم تتحمل المرأة غياب زوجها عنها؟". "أربعة أشهر وربما ستة؟". أجابت النسوة، وهكذا، في الصباح بعث عمر إلى قادة جيوشه أن يرسلوا جندهم إلى أهلهم كل أربعة أشهر.". ضحكت رقية ثم قالت: ـ يالتلك المرأة!! ماذا فعلت نجواها؟ ـ يالعمر!! بادرت فاطمة إلى التعليق، كم كان عادلاً رحيماً يفكر حتى بأصغر الأمور!؟ ـ لكنها ليست أصغر الأمور. احتجت أم فاطمة. حرب داحس والغبراء دامت أربعين عاماً هلك فيها الزرع والضرع، قل الإنجاب وتضاءل النسل حتى غدت عبس ربع عبس وذبيان ربع ذبيان، أتدرون لماذا؟.. لم يسألها أحد لماذا بلسانه، لكنهم جميعاً سألوها بأعينهم فاستأنفت: ـ لأن الحرب تبعد الرجل عن المرأة؟ والحزن يصنع هوة بينهما لا تجسر. "أجل يا أم!!". وشرد ذهن فاطمة إلى يوم التقت بمحسن. كان دم عدنان وميس ما يزال طرياً وكان الحزن قد حفر هوة عميقة بينها وبين الفرح، بينها وبين الحب، فيكف يجسر ما بينها وبين محسن؟ كيف يتجاوزان معاً حواجز الحزن والألم؟ ثلاث ليال ظلا معاً لكن دون أن تلتقي شفتاه بشفتيها، دون أن يلتحم اللحم باللحم، دون حتى أن يذوب الجليد. كانت كلما همت بالاقتراب منه تشعر بوجه عدنان يحول بينه وبينها، بكف ميس تفصل بين جسده وجسدها. وظلت تمني النفس "ثمة فرصة، معنا أربعة أيام أخرى". وظلت تحلم "لابد من أن يذوب الجليد". لكن الفرصة ذهبت والجليد لم يذب. قام التمرد في البصرة فاستدعوه على عجل. ـ كان عليك أن تعوضي ما ضاع. أنحت عليها الأم باللائمة وقد علمت الحقيقة. ـ وهل الأمر بيدي؟ ردت فاطمة بكثير من الخجل. ـ الأمر دائماً بيد المرأة. ـ لكنني لم أستطع. صدقيني، أماه، لم أستطع. ـ لكن عليك أن تأتي بولد. بأسرع ما تستطيعين عليك أن تعوضي عدنان... ميس... وأكثر من عدنان وميس فيندمل جرحك ويندمل جرحه. وهزت فاطمة رأسها، كانت تعلم أن الأم على حق. فقدان الولد جرح غائر شديد الإيلام لا يندمل أبداً إلا بمجيء من يعوضه. "أجل. أمي على حق. حين يعود سأبذل المستحيل بغية تعويض عدنان وميس". لكن عبد المحسن لم يعد. ذهب إلى البصرة يقاتل. بعضهم في العمارة قال "إن هي إلا أيام، يخمد فيها التمرد وينتهي أمره.". لكن التمرد لم يخمد بأيام ولم ينته. ناره لم تقتصر على البصرة، بل انتشرت إلى الشمال والشرق، الجنوب والغرب. وذات يوم وصلت إلى العمارة ذاتها. كان المساء قد حل، وكانت العمارة ككل العراق بلا كهرباء. شمعات ذابلات كانت تتوزع في غرف الدار، وكانت فاطمة تطعم خولة حين لعلع الرصاص واقتربت صرخات. ـ ما هذا؟ ـ لطفك يا رب!! ـ ويلاه!! ويلي!! بدأت النسوة يزعقن وليس من رجل في منزل آلا الوضاح سوى الشيخ المهيب. ـ هيا إلى المغارة!! أسرعن!! صاح بهن الشيخ وقد أحس بنذر الشر. ـ هل عادت الحرب؟ سألته فاطمة وهي تمر به مسرعة. ـ بل هو يأجوج ومأجوج يزحف بجيوشه من الشرق، وباء أصفر لا يبقي ولا يذر. ـ ولم يكمل الشيخ حتى كان عشرة رجال بلحى وبغير لحى، بعمائم وبغير عمائم، لكن الكل ببنادق ورشاشات يدخلون بوابة الدار. ـ أين كلب صدام؟ أين محسن عميل السلطة؟ صاح أحدهم وهو يقترب بحربة مشرعة مسددة إلى صدر الشيخ. ـ محسن ليس كلب صدام وليس عميلاً للسلطة!! ـ ماذا إذن؟ بعثي يعمل في حرس صدام ومن يعمل في حرس صدام غير الكلاب!؟ رد آخر بلكنة فارسية ميزها الشيخ المجرب للتو. ـ محسن يدافع عن وطنه... يقاتل الأمريكان، أعداءنا وأعداء الإمام الخميني. ـ لا تأت على ذكر إمامنا الخميني. أنتم أتباع صدام وأتباع صدام كلهم كفرة... مارقون. قال ثالث وفي عينيه حقد أسود كالقطران. وكظم الشيخ غيظه. موسى بن جعفر الصادق كان يكظم غيظه فسمي بالكاظم. ـ نريد عبد المحسن... عبد الشيطان. صاح أولهم وهو يلتفت حواليه كأنما يفتش عنه. ـ عبدالمحسن في البصرة، رد الشيخ المهيب وقد غدا كل همه أن يقطع عليهم الطريق، فلا يفتشون المنزل ولا المغارة. اذهبوا إليه في البصرة. ـ أرأيت؟ هو يقتل رجالنا هناك، يسحق انتفاضتنا في البصرة. صاح قائدهم بنبرة الانتصار، إذن، لابد من أن يدفع الثمن. أين زوجته؟ أين أولاده؟.. ـ زوجته وأولاده في بغداد. اذهبوا إليهم هناك. ـ سنذهب، وسيدفعون الثمن. رد ذو اللحية وعيناه تقدحان شرراً لكن قبل ذلك عليك أن تدفع الثمن. وهزت المغارة التي كانت تختبئ فيها فاطمة... النسوة... الأولاد، رشة رصاص لم يعلمن حينذاك من كانت تستهدف، لكن ما إن خرجن من المغارة، وقد ذهبت الجلبة، حتى تعثرن بالشيخ المهيب، متمدداً ملء طوله على الأرض فيما تحول فمه، جمجمته، صدره، كل جسده إلى ينابيع ثرة للدماء. طوال الليل ظلت فاطمة تبكي الشيخ المهيب، هو الذي لم يكن أبا عبد المحسن وحسب، بل أباً لها أيضاً، هو العطوف المحب الذي طالما نقدها العيديات طفلة، وضمها بين ذراعيه يافعة، مغدقاً عليها الحنان... مدللاً إياها ملاطفاً، فكيف لا تبكيه؟ طوال الليل ظلت النسوة يبكين ويندبن، ثم ما إن دفن في الصباح، حتى عقدن العزم: بغداد أكثر أمناً وأهون شراً، وأسرعت الأختان بأولادهما وأمهما إلى بغداد. أراد رئبال أن يقيموا جميعاً في منزل واحد. منزل رقية واسع لكن فاطمة أصرت "لا... أقيم في منزلي" وأخذت معها الأم تملأ واحدتهما فراغ الأخرى وتحمل على كتفها بعضاً من هموم الأخرى. رئبال واصل، يده طائلة يوفر لهما التموين والغذاء. وما حاجتهما للتموين والغذاء؟ القليل منه يكفي. نساء بلا رجال. أفواه بلا شهية، كسرة خبز تكفي الواحدة بلعة ماء تسد الرمق، وكلهن انتظار. بغداد كلها تنتظر. طوابير المتمونين تقف بالدور، أرتال الجائعين تنتظر رغيف الخبز... السكر... السمنة... لكن حذار أن تذكر اللحمة. فبغداد لم تعد تعرف اللحوم. كانت الأسواق قد خلت من كل شيء. تسير في الشوارع فترى دكاكين بلا مواد، متاجر بلا تجارة. أين ذهبت السلع؟ أين اختفت البضائع؟ كان الكثير يتساءلون. لكن كان دائماً هناك من يجيب "الحرب تلتهم كل شيء. لا خضار، لا بقول، لا ثمار، لا حبوب..."، لكأن الأرض نفسها تأبى أن تعطي شيئاً، تنكمش على نفسها وتبخل على الإنسان عقاباً له على قتله لأخيه الإنسان. إذاعة الحكومة تقول شيئاً آخر: "إياكم والجشع!! إياكم والطمع!! بعضكم يحتكرون. بعضكم يستغلون. أثرياء حرب تريدون أن تكونوا. ثراءً فاحشاً تبغون لكن على حساب من؟ الفقير البائس؟ الضعيف المسكين؟ اتقوا الله أيها التجار وحذار!! حذار الاستغلال والاحتكار؟". لكن الجشع يصم الآذان والطمع يعمي العيون... يعمه صاحبهما سادراً في غيه وكأن أحداً لم يقل شيئاً ولم يحذر. فماذا تفعل حكومة بغداد؟ ثمة في بغداد عيون ترى وآذان تسمع وانطلقت دوريات المكافحة تبحث، تفتش... تكتشف هنا وهناك مستودعات ومخازن. تكتشف مئات الأطنان من الرز والطحين، السكر والشاي... العدس... الذرة... الحمص... وقد خزنت هناك في أعماق المستودعات بانتظار الأسعار التي تجعل من أصحابها أثرياء حرب. ساقت الدوريات المحتكرين إلى قضبان القضاء، حاكمتهم المحاكم على عجل ثم شنقهم الجلادون على عجل. وفي الصباح أفاق الناس ليروا المحتكرين والمستغلين معلقين بأعواد المشانق. في شارع السعدون، حيفا، الخلفاء، أبي نواس، الرشيد، الشورجة، كانت ثمة أعواد ومشانق... عند جسر الرصافة، المعلق، الجمهورية، الشهداء... كانت جثث تتدلى وقد علق على صدورها يافطات: هذا جزاء أعداء الشعب... من يحتكرون لقمة العيش كي يثروا ويجوع الشعب.". فاطمة نفسها رأت الجثة المدلاة من المشنقة وقرأت اليافطة بليغة العبارات ولأول مرة لم تشعر بالشفقة، مشاعرها الإنسانية لم تتحرك، وكأن من تراه معلقاً يتطوح جسده في الهواء مجرد جرذ نتن. بعد ذلك عادت الأسواق فامتلأت. دكاكين بغداد لم تعد تشكو الخواء. "حملة ناجحة". قال لهم رئبال "أخافت التجار وقضت على الاستغلال والاحتكار". فاطمة لا تشعر بآثار الاستغلال والاحتكار. رئبال قادر على توفير كل ما يحتاجون، لكن الناس من حولها محتاجون. جاراتها يتضورون جوعاً. أطفالهن لا يفتؤون يصرخون طلباً للطعام. فاطمة لا تضن على من حولها بشيء. ما يزيد عن حاجتها تقدمه لهذه الجارة، لتلك... لكن الأفواه من حولها كثيرة وجائعة فماذا تفعل هي أو رئبال؟ تقول لها رقية "مالك وللآخرين؟ تعالي. ابقي هنا. لن ينقصك شيء. فلا عين ترى ولا قلب يوجع". لكن فاطمة لا تغادر منزلها. هي تجيء إلى غداء أو عشاء، لكن سرعان ما تعود إلى المنزل. في كل ركن منه ذكرى، وفي كل مكان طيف... عدنان... ميس... محسن نفسه، فكيف تراها تستطيع ابتعاداً عن طيوف الأحبة وذكريات السعادة؟ ـ أمي!! علينا أن نذهب!! قالت فاطمة وهي تنهض. ـ أين؟ احتج رئبال، لم تنهيا الغداء بعد. ـ شكراً رئبال! ألم تقل تمرد الجنوب انتهى؟ إذن، محسن قد يعود في أية لحظة. تبسمت الأم وضحكت رقية، فيما أطرقت فاطمة وقد فضحت نبرتها ما في أحشائها من شوق للزوج الذي غاب طويلاً. لم يظهر محسن في اليوم الأول كما لم يظهر في الثاني... بل مر الثالث والرابع دون أن يبين له أثر. فاطمة تنتظر. أذنها على الباب، عينها على الشباك... تتوقع في كل لحظة أن يطل بقامته المديدة، بمنكبيه العريضين، بزنديه القويين فيهصرها بينهما هصراً لا تملك بعده إلا أن تشهق. المرأة انتظار... مذ توزعا، هي والرجل، أدوار العمل وهي تنتظر. هو يذهب لصيد الطرائد وهي تقعد في البيت تربي الأطفال، تطبخ، تجني الخضار والثمار وتنتظر. تتعلم الصبر وتنتظر. فلماذا فاطمة لا تنتظر؟ الخوف فقط يبلبل أفكارها. هواجس شريرة تمر ببالها فتنتفض "ماذا لو كان قد قتل؟"، لكنها سرعان ما تزيح تلك الهواجس "هو قائد لواء مدرع، عميد أركان حرب، أيقتل ولا يعلم به أ حد؟". وتشعر بشيء من طمأنينة. لكن، الليل طويل وعيناها قلما تغمضان. الأرق رفيقها ومع الأرق تأتي تصورات وتهيؤات. ذات ليلة، كانت تجلس على كرسي في الشرفة. في قلب العتمة كانت تنتظر. خولة نامت. أمها ربما نامت أيضاً. فاطمة لا تعلم. الأم غالباً ما تذهب إلى فراشها باكراً، عادة اعتادتها مذ كان أبو عبد الجبار التنكجي ينام أبكر ويستيقظ أبكر لكي يحافظ على صحته أحسن وأنضر. لكن فاطمة، ماذا يجعلها تنام؟ السهاد بانتظارها فتمضي إلى عتمة الشرفة حيث لا كهرباء ولا ضوء، في الشرفة تترك لذكرياتها العنان... تترك لخيالها العنان. في تلك الليلة كانت قد تركت لهما كليهما العنان، ومع السكينة والعتمة بدت وكأنها تسمع نقرة خفيفة على الباب. "هو ذا محسن". وبابتسامة خفية ربما تحاذر أن يلحظها أحد، نهضت فاطمة "هو يعلم أنني أنتظره. هو نفسه لا يريد أن يوقظ أحداً، فيخلو الجو لنا، خالصاً لنا"، وعلى رؤوس أصابعها سارت إلى الباب. الشمعة الوحيدة المشتعلة تريها الطريق فلا تصطدم بطاولة أو كرسي يفيق على صوته الآخرون. هي أيضاً حريصة على أن يأتي فلا يفيق عليه أحد. "الخلوة!! آه!! ما أروع الخلوة بالحبيب!! يأتي فتكونين معه وحيدة بلا عذول ولا شريك، لا حسيب ولا رقيب.". وعلى مهل فتحت الباب لكن لتفاجأ بحركة سريعة على الدرج. كائن ما في قلب العتمة كان يهبط الدرج كأنه الريح. ودون أن تشعر زعقت زعقة الخوف، مرتدة إلى الوراء بأسرع من الريح، مغلقة الباب وهي تلهث مقطوعة الأنفاس. في اللحظة التالية كانت أمها تقف إلى جانبها: ـ ماذا هناك؟ لماذا زعيقك؟ شرحت لها فاطمة الحادثة فعادت الأم تفتح الباب: ـ ربما هو لص!! قالت وهي تتفحص الدرج يميناً وشمالاً، أعلى وأسفل. ثم تابعت. في العتمة يكثر اللصوص. ـ لكنه لم يكن رجلاً. لم تواجهني قامة ابن آدم. ـ هو جني إذن؟ أكان أسود؟ له قرنان؟ ـ لكنه الظلام الدامس... أمي!! وأنا لم أتبين شيئاً. ـ ماكان عليك أن تفتحي الباب، إذن. ـ لكنني سمعت نقراً. بأذني هذه سمعت نقراً خفيفاً على الباب. ـ اللصوص لا ينقرون الأبواب. لا شك أنه جني، وبتمتمة سريعة بسملت الأم وحوقلت ثم أغلقت الباب بسرعة كأنما فجأة داهمها الخوف. بعدئذٍ تابعت: اقرئي المعوذات يا بنيتي ثم نامي. المعوذات وحدها تطرد الأبالسة والجن. وأحست فاطمة برجفة. ذكريات قديمة عادت إليها للتو حين كانت صبية صغيرة تستمع إلى قصص الجن ويقشعر بدنها. "حقاً!! كيف نسيت الجن!! ربما هو جني يعلم أنني وحيدة، يريد أن يستغل وحدتي.". اشتدت الرجفة في أوصالها فأسرعت تتمتم "بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. (قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس(. ـ هلمي!! هيا!! نامي، ودعك من السهر على الشرفة. قالت الأم وهي تدفعها أمامها إلى غرفة النوم حيث كانت خولة غارقة في سبات عميق. في اليوم السابع فقط، ظهر محسن. فاطمة تمضي القيلولة في غرفتها، الأرق الذي يمنعها من النوم ليلاً يغيب عنها نهاراً. لهذا ما ان تتناول طعام الغداء حتى تمضي إلى مخدعها. حر الصيف كان قد بدأ ولم يكن ثمة مراوح ولا مكيفات. المراوح والمكيفات تعمل بالكهرباء وبغداد بلا كهرباء. ـ رحم الله أيام البادكير والعاكول. كانت أمها تترحم على أيام زمان. أتذكرين فاطمة؟ وتذكر فاطمة كيف كانوا أيام الحر يتجمعون عند البادكير... تلك الفتحة التي يتركونها في منتصف المنزل، عالية مفتوحة إلى الأعلى والأسفل فيمر الهواء عبرها إلى المنزل بارداً عليلاً. كيف يصبح بارداً عليلاً؟ فاطمة لا تعلم. لكنها كانت تعلم أن البادكير وحده كان ينقذها من حر تموز وآب. لا بل كان ثمة العاكول: الشوك الذي يضعونه على الشبابيك مربوطاً بالخيش والقنب يبللونه بالماء ويفتحون الشبابيك، تمر عبره الأنسام الساخنة اللاهبة فتتحول إلى باردة عليلة. فاطمة تفتقد البادكير والعاكول. مع ذلك تستمتع بالقيلولة فحاجتها إلى النوم أشد من أن تستطيع لها مقاومة. قرع محسن الباب قرعاً خفيفاً، لكنه لم ينتظر بل فتحه بمفتاحه ودخل. هناك، كادت خولة تصطدم به وقد أسرعت تفتح الباب، وللتو انحنى عليها فاتحاً لها ذراعيه رافعاً إياها إلى الأعلى حاضناً، ضاماً، لائماً. ـ خولة!!.. حبيبتي!! هواية، اشتقت لك. استقبلها بلهجته العمارية، لهجة المحب المشوق. ـ وأنا هواية... هواية مشتاقة لك بابا. أين أنت؟ لماذا تأخرت؟ ـ أنا في البصرة، ألم تقل لك ماما؟ ـ بلى!! لكن لماذا في البصرة؟ جدتي هنا... إذن ماذا تعمل هناك؟ ـ أقاتل الأبالسة!! ـ أمي رأت إبليساً ذلك اليوم. ـ حقاً!! أجاء الأبالسة إلى هنا؟ لكن امرأة عمه وصلت مسرعة، وقد أدركت أن ابنتها لم تعلم بمجيء محسن، هي الغارقة في سبات عميق. ـ يا هلا... بوليدي! يا هلا بمحسن! وأخذته بالأحضان فيما أخذ محسن رأسها بين يديه يقبله حباً واحتراماً. ـ أين فاطمة إذن؟... سألها وهو يتلفت يمنة ويسرة. لم يكن خياله قد تصور يوماً أن يدخل المنزل ولا يجد فاطمة عند عتبة الباب تنتظر قدومه. ـ اذهب إليها، همست الأم باسمة مشيرة باتجاه غرفة النوم، هي هناك نائمة. لكن في تلك اللحظة، كانت خولة التي انسلت من بين ذراعي أبيها انسلالاً قد وصلت هاتفة: ـ يما!! يما!! ولم تكمل خولة، فقد هبت فاطمة ملء طولها وهي على يقين تام أن محسنها قد جاء. كانت تراه في نومها وكان حلماً جميلاً. هو، من آخر ممر من أشجار السدر والبمبر، يلوح لها مسرعاً باتجاهها، وهي تحاول أن تطير إليه فاتحة ذراعيها كما تفتح الدجاجة جناحيها هامة بالطيران، لكن دون أن تستطيع الطيران، صوت خولة وحده أنقذها من شعورها بالعجز ذاك. فتحت عينيها على سعتهما فرأت خولة تكاد تطير فرحاً، سمعتها تهتف: بابا جاء!! بابا جاء!! لكن قبل أن تطير إليه رأته يدخل. بحركة انسلال وتخفٍ يدخل. وخلفه الأم، مشيرة لخولة غامزة إياها أن تخرج. بوثبة واحدة وجدت نفسها عند الباب. ذراعاه المفتوحتين تلقتاها، ضمتاها إلى الصدر العامر. ذراعاها شبكتاه من خلف ثم شدتا. الجسد ينشد إلى الجسد، يريد أن يدخل فيه، ينصهر داخله، ليلتحما لحمة وسداة لا يفصل بينهما شيء. ـ محسن!! حبيبي!! حمداً على سلامتك!! بدأت سلامها. ـ سلمك الله فاطمة!! رد السلام لكن دون أن يشعر برغبة في الكلام. هي نفسها شعرت أنها عاجزة عن الكلام. شعرت أنه لا حاجة للكلام. حسبها أن تضمه... تشمه.. تلثمه هنا، هناك... تتلقى لثماته على وجنتها هذه، على وجنتها تلك، على عنقها، أذنها، جبينها، أنفها... كل مكان في جسدها يتحرق شوقاً للثمة من شفتيه. كل خلية بحاجة للمسة من يديه. من قال أن الحب هو توق للاتحاد، لتماهي الروح مع الروح، ذوبان الجسد في الجسد؟ فاطمة كلها توق لذلك الاتحاد. ومحسن مرجل من شوق مجنون لذلك الاتحاد. مذ غادرها في العمارة على عجل وهو يعاني ذلك الشوق والتوق. وخزات الندم ظلت تلاحقه كلما تذكر كيف أمضيا أياماً ثلاثة بلياليها دون أن يحققها ذلك الالتحام. حب ولا التحام؟" ذكر وأنثى ولا اتحاد؟ وكان الشوق يمضه... التوق يقض مضجعه.. ما إن يخلو لنفسه حتى يشعر بغليان في جسده، بكل ذرة فيه تتوق لفاطمة، تضج رغبة وشهوة. "هاهي ذي بين يديك، فماذا تفعل، محسن؟". دون أن يفكر وجد نفسه يدفعها نحو السرير وقد غدا كله موقداً من نار، شحنة عالية من توتر الكهرباء. وهي تندفع معه وكل ما فيها موقد من نار، شحنة عالية من توتر الكهرباء. لكن فجأة تتوقف متمتمة: ـ خولة !! أمي!! التفت إلى الوراء وكأنما نسي الأم وخولة. لكن سرعان ما جاء صوت الباب الخارجي وهو يفتح والأم وهي تنادي: ـ فاطمة، محسن، نحن ذاهبتان نأتي بالماء. وأحست فاطمة بجبل ينزاح عن كاهلها، زافرة زفرة راحة طويلة... قطعتها على عجل يد محسن وهي تتلمس مسرعة، محمومة، عنقها، صدرها، فيما يده الأخرى تخلع ثيابها. أرادت أن توقفه، لكن صوت الباب وهو يطبق جعل إرادتها تتوقف. كان قد غدا كله فما يلتهم، أنفاً يشم، أنامل تتلمس، راحات تتحسس، وكانت قد غدت هي الأخرى مثله فما يلتهم... أسناناً تقضم.. أنفاً يشم، ذراعاً تضم لم تستلق على السرير مستسلمة منفعلة بل كانت نشطة فاعلة، كل مافيها يدفعها لأن تكون صنوه، تمور، تتموج، تتلوى، وكل مافيها يرغب بأن تعود حواء بلا ورقة توت... أن تعيده هو أيضاً آدم بلا ورقة توت ثم يصهرهما توق بلا حدود للتوحد والالتحام. ـ انتظرتك في الليل فجئتني في النهار؟ غمغمت بصوت أبح قرب أذنه وقد هدأت عاصفة السرير. ـ أمك ذكية سوّت الليل بالنهار. رد وهو يتلمس كتفها المعجونة بالحنطة والنار. ـ أمي تريدنا أن نعوض. بدأت ثم توقفت وقد داهمها فجأة شعور بالذنب: أتراها نسيت ولديها؟ عدنان وميس، أين هما، وقد وقفا بينهما ذات مرة حاجزاً من فولاذ لا يحترق؟ أين غاب طيفهما؟ كيف تلاشى الحزن عليهما؟ "الله!! كم ينسى الإنسان!؟.. كم يحمل له الليل والنهار من سلوان!؟". ـ بيدها حق. يجب أن نأتي بعدنان وميس فنفقأ حصرماً بأعين الأمريكان!؟ ـ أترى ذلك؟ ـ كيف لا، وهم يريدون إبادتنا!؟ أمك على حق، أجل، يجب أن ننجب الكثير... أن نعوض كل من ماتوا، فنظل الشعب الحي الذي لا يموت. أعجبت الفكرة فاطمة، لكنها هبت منتفضة على السرير وقد تنبهت لعريها. ـ ارتد ثيابك!! الآن تعودان، قالت وهي ترتدي على عجل. ـ من أين تأتي بالماء؟ سأل وهو يلبي طلبها لكن دون استعجال. ـ الصنبور عند المنعطف، قالت فاطمة، ثم مدت يدها إلى ثيابه تبعدها عنه. ـ لا... لا. هي أوسخ من أن تلبسها. هاك الدشداشة. ولبس الدشداشة عارية على اللحم، فيما أسرعت فاطمة تلملم الثياب الوسخة المبقعة تفوح منها رائحة العرق والتراب والدم. نظرت إليه. فبدا لها أنها المرة الأولى التي تراه فيها. كان أشعث، أغبر، طويل اللحية وقد بدأ السلق فيها يختلطان باللبن. فيما الشعر متلبد كأنه لم يغسل منذ شهور. ـ في البصرة ماء، لماذا كل هذا الـ... ولم تكمل فاطمة لكنه أدرك ما تريد قوله، أمسكها من معصمها ثم شدها إليه ضاحكاً غامزاً بعينه إلى البعيد. ـ ليس لدينا نساء يأتيننا بالماء. لو كنت في البصرة لما رأيت كل هذا الـ... وتوقف هو الآخر ضاحكاً. فتح الباب فكفكفت محسن ضحكته، فيما أسرعت فاطمة تخرج: ـ سأجهز لك الحمام. ـ سأكون لك شاكراً. كان محسن يشعر أنه أحوج ما يكون إلى عشرة حمامات، الأيام الطويلة التي قضاها في البصرة كانت عذاباً من نوع فريد. الناس الذين كانوا يقاتلونهم لم يكونوا إنكليزاً ولا أمريكان بل هم مثلهم... أبناء جلدتهم. فقط كان هناك من أغراهم بالتمرد، دفع المال، قدم السلاح، عرض المغريات. وكان على محسن أن يواجه أبناء جلدته. رجالاً بشرتهم سمراء، شواربهم سوداء، عيونهم سوداء، ناساً يتكلمون العربية وينطقون بالشهادة، وكان يصعب على محسن أن يقتل عربياً ينطق بالشهادة. مرات كثيرة وجد نفسه يتردد حيث ينبغي أن يقدم، يتراجع حيث ينبغي أن يقتحم. ذات مرة حدد مصدر نيران كان ينصب على رجاله شواظاً من نار وحمماً من موت. أمر ثلاث دبابات بالتقدم من اليمين وثلاثاً بالتقدم من الشمال. أحكم الطوق، لكن قبل أن ترمي دباباته طلقة واحدة صاح بمصدر النيران: "ألقوا السلاح... عليكم الأمان.". لكن زخة من رصاص انصبت عليه وابلاً من مطر لم ينج منه إلا بأعجوبة، فيما انطلق رد فعل الجند دون أمر العميد: ست قذائف من مدافع دباباتهم أحالت المبنى كله إلى كتلة من نيران. كل ساعة، كان محسن يواجه مشكلة، في كل شارع كان يصطدم بعصابة. في الليل، في النهار كانوا يقاتلون، يطاردون، يطهرون ولم يكن لديهم ساعة واحدة لراحة أو استحمام. مع الأنكلو أمريكان كانوا يعلمون متى تنطلق أسراب الطائرات وكانوا يرصدون حركة الصواريخ لكن كيف يعلمون متى ينطلق العصاة، أو يرصدون كيف يتحرك المتمردون؟ حتى بعد أن جاءت أوامر امبراطور العالم بوقف عمليات الجنوب لم تتوقف حرب العصابات في الجنوب. محسن تفاءل حين سمع أخبار صوت أمريكا. كانت الإشارة واضحة: "أوقفوا الانتفاضة أيها المنتفضون"، لكن الانتفاضة لم تتوقف. خمسة أيام... سبعة.. عشرة أيام... استمرت أعمال العصابات. القتل والذبح، السلب والنهب. نظام الخميني كان له انتفاضة أيضاً وهو لم يكن قد أوقفها بعد. أحلامه بتوسيع جمهوريته الإسلامية بحيث تشمل الجنوب لم تكن قد انهارت بعد.. وهكذا، اشتدت المعارك ضراوة وانتشرت أكثر وأكثر عمليات الذبح والقتل. روى محسن ذلك كله وقد التم شمل الأسرتين في المساء. ـ الحمد لله!! قالت رقية متنفسة الصعداء، انتهت المتاعب!! الآن يمكنك أن تستريح. ـ استريح حين يدعون العراق يستريح، وما أظنهم فاعلين. ـ لكن لم كل هذا العداء للعراق؟ سألت فاطمة هذه المرة وملء فمها مرارة القهر. ـ فقط لأنه يقول: لا... لا لنهب ثرواتنا، لا لاستغلالنا.. لا لاستعبادنا. ـ لكن هذا حرام!! صاحت الأم من زاويتها. متى استعبدوا الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟.. ـ هم المستعمرون يحسبون أنفسهم هكذا، رد هذه المرة رئبال وهو يشعر أن عليه أن يفسر، فوق البشر: عرق أبيض... دم أزرق.. طبقة نبلاء أرفع، لهم الحق في أن يكونوا السادة المسيطرين الآمرين الناهين، أما الآخرون كلهم فعبيد أرقاء، خدم وأتباع. ـ يريدوننا خدماً وأتباعاً؟ عبيداً أرقاء!؟ سألت رقية بكثير من الامتعاض. ـ أجل وهذه هي المشكلة!؟ أجاب محسن متحمساً. نستسلم قانعين خانعين أم نقف على أقدامنا أحراراً مستقلين ندفع الشر عن أرضنا وأمتنا؟.. ـ بل ندفع الشر.. نقف أحراراً مستقلين، صاحت رقية بحماسة وانفعال أشد من ذي قبل. ـ لكن الثمن باهظ، تابعت الأم متنهدة ربما، وهي تتذكر ابنها الذي طمر تحت تراب المنزل هناك في البصرة، عدنان وميس وقد تحولا إلى فحم أ سود في ملجأ الأعظمية، الشيخ المهيب وقد خر صريعاً معفر الوجه بالدم والتراب في العمارة. ـ ثمن الحرية باهظ دائماً. ثمن الاستقلال غال غال، فكيف نستكثر عليهما أرواحنا ودماءنا؟ تظل الحرية أغلى بكثير من كل ما نقدمه في سبيلها من بذل وتضحيات. وكادت الأم تسأله "أتدري أنهم قتلوا أباك؟". لكنها لم تكن تريد تعكير صفو المياه. كانت بغداد هادئة، لا قصف، لا انفجارات، وكان الشمل ملتماً، والفرح يرفرف فوقهم بجناحيه، فلماذا تقصهما؟ لكن نظرتها لمحسن كانت تحمل الكثير. فجأة بدا لها أنه يعرف الكثير. ـ تحسبون أني لا أدري ما حدث لأبي؟ سأل وقد اكفهر وجهه في الحال: لا.... لا... صحيح أنكم لم تخبروني لكنني سمعت. ـ كيف؟ سألت فاطمة على استحياء وخجل. ـ مذ سمعت بالاضطرابات هناك، أدركت أن شراً سيصيب أهلي، أرسلت من يأتي بكم إلي في البصرة أو ينقلكم إلى بغداد، لكن كان الأوان قد فات. ـ ايه!! رحم الله أبا عبد المحسن. ترحمت الأم زافرة، وربما ذاكرة أخاً آخر لأبي عبد المحسن كان قد قضى نحبه على فراش المرض قبل أربعة عشرة عاماً. كان رجلاً بكل ما في كلمة الرجولة من معنى!! ـ أجل، رحمة الله عليه، تابعت فاطمة بحرقة جلية، ضحى بنفسه من أجلنا... كان كبش فداء لنا. ـ عسى أن يكون آخر المصائب!! علقت رقية وكأنما لا تريد أن يصنعوا عوداً على بدء. ـ كيف والأعداء يحيطون بنا من كل حدب؟ يحاصروننا حصار الموت؟ قال رئبال بحسرة شديدة، هو الذي كان، من خلال موقعه في بغداد، يعرف ما يواجه بغداد. ـ لكن لابد من أن ينتهي هذا الحصار. قالت فاطمة بمزيج من الغضب والاحتجاج. ليس من حق أحد أن يمنع الطعام والشراب عن شعب بكامله... عن نساء، عن أطفال أبرياء. ـ هكذا ترين أنت، رد رئبال، لكن الأعداء الحاقدين يرون شيئاً آخر. الحصار يضربونه علينا بكل ما لديهم من وسائل، لا يسمحون لطائرة أن تجيء إلى العراق، لا يسمحون لباخرة أن تجيء إلى شواطئ العراق. من البر يحاصروننا. طرق العراق كلها مقطوعة، اتصالاته بالعالم ممنوعة، فأي بلد في العالم عومل معاملة العراق؟ أي شعب عوقب كما يعاقب شعب العراق؟ وساد صمت مطبق، بدا الكل فيه وكأنهم يرزحون تحت كابوس ثقيل يطبق على صدورهم حتى ليمنعهم من التنفس. ـ لا.... ليست الصورة بهذه السوداوية، رئبال لا تكن متشائماً، رد محسن وكأنما يحاول أن يفتح ثغرة يفر عبرها من وطأة الكابوس. ـ بودي ذلك. لكن هو ذا واقعنا!!.. ـ لا... لا... أنا مع محسن، هتفت الأم فجأة، الله لا يقطع. صحيح يبلي لكنه يعين وإلا كيف تفسر فتح الأردن لطرقه؟ لموانئه أمامنا؟ ـ الأردن!! صحيح... بدأ، لكن رقية تدخلت مقاطعة إياه: ـ ولا ننسَ، الشعب العربي معنا. إن كانت بعض حكوماته ضدنا، فالشعب العربي كله معنا. من شام إلى يمن، ومن مصر إلى تطوان، الشعب معنا. ـ الحقيقة، هو ذا عزاؤنا الوحيد، تابع رئبال بشيء من سرور، أن تكون الأمة العربية معنا، يعني أننا على حق... يعني أننا نجسد رغبة هذه الأمة. لكن لهذا السبب أنا خائف أكثر. ـ خائف؟ مم؟ سألته فاطمة وقد سرى إليها شيء من خوفه. ـ من ويلات جديدة... مؤامرات جديدة. أعداؤنا بالتأكيد لم ولن يلقوا السلاح. الأنكلو أمريكان حاقدون راغبون في الانتقام ولن يشفي غلهم إلا أن ينزلوا بنا أشنع أنواع الانتقام. ـ حكومتنا واعية، عقب محسن. تعرف حقدهم وانتقامهم وتضع في حسبانها دوماً كيف ترد على ذلك الحقد والانتقام. ـ أجل... أنا واثقة من ذلك، تابعت فاطمة وكأنما أعجبتها فكرة محسن. بل هي ساهرة على الشعب... ساهرة على الوطن... لا تنام لها عين. انظر حولك، محسن، ترَ كل شيء يعاد إصلاحه، كل شيء يبنى من جديد. في الصباح، كان أول ما فكر به محسن هو التجوال في بغداد... رؤية ما آلت إليه مدينته الغالية. ولكم أدهشه أن أعمال الترميم كانت قائمة على قدم وساق. في كل مكان كانوا يرممون المرافق العامة... الطرق... الجسور... المستشفيات... المدارس. ورشات العمل كانت قد بدأت مذ توقفت الغارات الجوية. الكل يعملون... يريدون إعمار ما خرب. شبكات المياه كانت قد دمرت، الطرق حفرت وكانت أولوية فائقة قد أعطيت للمياه. دجلة ينبغي أن يعود إلى شوارع بغداد، أزقتها، حاراتها، هو السخي الجواد يمر في قلب بغداد والعطش يقتل أهل بغداد؟ كانت الحكومة قد أفلحت في تزويد بعض الأحياء بالمياه. نجحت في إصلاح قنوات هنا... مد صنابير هناك. وكان بعض السكان قد بدؤوا يشربون بعد أن مضت عليهم أيام لا يجدون فيه نقطة ماء. شبكات الكهرباء كانت أيضاً لها أولوية. عصب الحياة، ذاك الذي تتوقف عليه الحياة، لم يكن ينبغي، أن يظل مقطوعاً. بعضهم كانوا قد جاؤوا بمولدات كهرباء، وكان بإمكانك أن ترى نافذة مضاءة هنا، نافذة مضاءة هناك... لكن بغداد المتلألئة، بغداد التي كانت ذات يوم مصدراً للإشعاع والنور لا يصح إلا أن تعود مصدراً للإشعاع والنور، وكانت الورش تعمل ليل نهار لإعادة الكهرباء. شبكات الهواتف كانت أيضاً ذات أولوية مماثلة. بغداد بغير هواتف أشلاء ممزقة لا يصل بينها شيء. الأخت لا تستطيع الاطمئنان على أختها، الأم لا تستطيع الاتصال بابنها، والكل يفتقدون عنصراً أساسياً من عناصر الحضارة والحياة. كان محسن يتجول وكان يسره أن يرى النشاط والزخم في كل مكان، وفي كل مكان كان يشعر أن ثمّة شعوراً بالتحدي "هم يريدوننا أن نموت، ونحن نريد أن نعيش، فمن ينتصر؟ هم بإرادة الموت أم نحن بإرادة الحياة؟"، وبدت بغداد أشد عزماً ومضاءً من أن تموت. بغداد قلعة أسود، وفاطمة فيها لبؤة ترفض الاستكانة والموت. كانت أمها قد قالت إن عليها أن تعوض الأولاد الذين ماتوا، وكانت كل خلية في جسدها قد اقتنعت بأن عليها ذلك. المرأة وحدها تصنع الحياة. هي على قناعة تامة بذلك، إذن، المرأة وحدها يمكن أن تهزم الموت، فلماذا لا تهزمه فاطمة؟ ذلك الموت الذي اقتنص فلذتي كبدها، لماذا لا تتحداه وتصنع فلذات جديدة للحياة؟ في الليلة الثانية، باحت بأفكارها لمحسن فثنى عليها ضاحكاً منشداً: أمة العرب لن تموتي وإني أتحداك باسمها يا فناء ـ أنت تضحك؟ لا تأخذ الأمر جداً؟ سألته وقد حارت في جوابه شعراً. ـ بل هي ذي قناعتي: الحي دائماً خير من الميت، وبإمكان المرأة دائماً أن تصنع الحياة. ـ المرأة والرجل!! احتجت فاطمة بصوت عال ونظرة عتاب، فماذا تساوي المرأة بغير الرجل؟... ـ وماذا يساوي الرجل بغير المرأة؟ تابع محسن وقد أعجبته الفكرة. ـ هما إذن النصفان المتكاملان اللذان لا حياة لواحدهما بغير الآخر. كانت الحرب قد علمتهما كليهما أن الوجود، الحياة، السعادة، المتعة، كلها أشياء للمشاركة، لا يمكن للإنسان بمفرده أن يعرف طعماً لها، بل لابد له من طرف آخر يقتسمها معه. في الليالي الطويلة، كانت فاطمة تأرق، تأخذها الأفكار وتأتي بها لتخرج بنتيجة واحدة: "حياتي محسن... محسن حياتي. هو وجودي... هو سعادتي... هو متعتي...". أحاسيسها، مشاعرها كلها كانت تتركز على ذلك الوجه الحنطي الذي حرقته الشمس وذينك الشاربين الكثين المسودين. وفي بعض الليالي كان يقض مضجعها الشوق، تود أن تذوب بين ساعديه الأشعرين الأسمرين يهصرها بينهما فتشعر بأنها تتماهى معه. "أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا". تشعر بأنهما يصبحان روحاً واحدة وبدناً واحداً. في مكان ما سمعت أن الحب هو ذلك التماهي مع الآخر وكانت تود أن يعود محسن إليها ليحققا ذلك التماهي ويصنعا الحياة من جديد. في الليلة الأولى حققاه سبع مرات، وكان بوده أن يتابع لكن فاطمة رفعت يديها مستسلمة. ـ قد استنزفتني. لم يعد بي طاقة لاحتمال. ـ إذن، عائشة بنت طلحة كانت أشد عزيمة ومضاءً منك، رد محسن ضاحكاً. ـ كيف؟ ـ ليلة تزوجها مصعب بن الزبير، عدت جاريتها سبع عشرة مرة خرج فيها مصعب إلى الحمام يغتسل. ـ يا إلهي!! لكن هذا كثير!! أهناك رجل يضاجع امرأة سبع عشرة مرة؟ ـ هكذا كان أجدادنا أم تراك لم تسمعي بقصة أعشى همدان؟ ـ وما قصته؟ ـ أسره الأذربيجانيون وحبسه أميرهم. رأته ابنة الأمير فأعجبت به. جاءت به إلى مخدعها فرأت منه ما سحر لبها وطار بصوابها. قالت له: "تتزوجني أطلق سراحك؟". فقال: تطلقين سراحي أتزوجك". وهكذا في الليلة التالية كانا يمتطيان صهوة فرس ويفران، فقال بهما الشاعر: ويفدي إسار الناس في الحرب مالها وهمدان تفديها الغداة عيورها قهقهت فاطمة قهقهة بلغت مسامع أمها في الغرفة القصية. كانت الأم تؤمن أن الحياة يجب أن تستمر، وأن الرجل والمرأة معاً يمكنهما أن يجعلاها تستمر. كانت تحزن على ابنتها وهي تراها تتقلب في فراشها وحيدة... تأرق الليل بطوله... تبكي... تنشج فتدعو ربها أن يأتي لها بمحسن. الأم تعلم أن الرجل وحده يستطيع أن ينسي المرأة أحزانها، أن يخرجها من طين الاكتئاب وصقيع الأسى. شمعته وحدها تنير ظلمتها... دفئه وحده يذيب الثلوج من حولها. وهاهو ذا دعاؤها يستجاب... هاهي ذي فاطمة تضحك وتقهقه، فكيف لا تتبسم وتطمئن؟ هي تتذكر أبا جبار حين كان يعود إليها آخر الليل والأطفال نيام فيصنع لها جناحين تطير بهما. هي تذكر جيداً كيف كان بالحب تحلق عالياً في السماء. "حقاً الحب متعة المتع... الحب لذة اللذائذ". محسن وفاطمة يفعلان الحب... يعيشان متعه ولذائذه. في النهار... في الليل... هما المحرومان طويلاً... المتباعدان كثيراً. خمسة أيام بخمس ليالي ظلا... لا يخرج من البيت إلا لكي يعود، ولا ينام إلا لكي يفيق. تلقمه التمر الذي يقطر عسلاً وتسقيه القرفة والزنجبيل ثم يمارسان الحب كي يصنعا الحياة من جديد. كانت بغداد تدخل طور النقاهة وكان الجنوب يضمد جراحه وكان محسن يستريح استراحة المحارب... وكله إيمان أن عليه أن يرشف كأس الراحة حتى الثمالة. "تودع من حبيبك كل يوم فما تدري الفراق متى يكون؟". في اليوم السادس كان الفراق. إذ ما إن فتح المذياع على صوت لندن حتى جاءه الخبر: "الشمال يعلن العصيان". وأسرع عبد المحسن إلى قيادة الحرس الجمهوري ليجدها خلية نحل، وأسراب العاملات يدخلن ويخرجن. كانت المعلومات هيولى من فوضى ومتناقضات. لا شيء مؤكد، لا شيء واضح. لكنها كلها تشير إلى شيء واحد: نسخة الجنوب تنتقل إلى الشمال. المخطط الذي فشل في البصرة والعمارة، في النجف وكربلاء، يعاد تنفيذه في السليمانية وكركوك... أربيل وزاخو. "قوات الطالباني تحتل الجنوب والشرق. قوات البرازاني تحتل الشمال والغرب". كانت المعلومات الأولية تقول: "كردستان تعلن الاستقلال"، جاءت معلومات أخرى "والأنكلو أمريكان وراءها"، وللتو ساد هرج ومرج في بغداد. مزيج من الغيظ والعتب ساد هناك "الآن برزاني؟ الآن تستل خنجرك وتطعن الظهر؟" لكن البرازاني كان يتعمد ذلك وقد همسوا في أذنه، "الفرصة سانحة الآن وقد لا تسنح بعد ذلك أبداً". للتو وضع يده بيد عدوه اللدود ليصبحا حليفين رغم كل ما بينهما من أحقاد وضغائن. حرك الطالباني قواته في الشرق وحرك البرازاني قواته في الغرب ليلتقيا معاً: جيشاً عرمرماً يتحدى بغداد. ـ هل لي من مهمة في الشمال، سيدي؟ سأل عبد المحسن قائد الحرس الغارق حتى شحمة أذنيه في تلقي رسائل اللاسلكي والاتصالات الهاتفية. ـ بل تعود إلى وحدتك في الجنوب. ـ وهذا الخطر الجديد سيدي؟ قال العميد عبد المحسن وهو يشير إلى الشمال. ـ لا عليك، تعالجه قوات عسكرية أخرى، أما أنت، الحرس الجمهوري، فلكم مواقع ومهمات أخرى. وعاد عبد المحسن يودع فاطمة مسرعاً إلى الجنوب، فيما عيناه، قلبه، كبده، كل مافيه يتوجس خشية على الشمال. *** ـ انتفاضة في الشمال، باقر، هل سمعت؟ بادر يسار صاحبه وهو يدخل الغرفة الملجأ، وكأنه غير قادر على تأجيل الخبر لحظة واحدة. ـ في الشمال، أم في الجنوب؟ سأل باقر وهو يفرك عينيه بعد نوم القيلولة. ـ الجنوب!! رد يساراً ملوحاً برأسه، مشيراً بيده، دمره صدام فانتفض الشمال!!. ـ ياللعنة!! صاح باقر وهو يجلس من استلقاءاته على سريره الانفرادي. الشمال؟ يعني الأكراد!! ا لانفصال!! تقسيم العراق!! راح يردد بكثير من الفزع. ـ وماله التقسيم؟ ألن... ـ لا... لا... كل شيء شيء إلا تقسيم العراق. قاطعه باقر بخوف حقيقي. كان باقر مذ نشبت الحرب، ما يزال في حيرة دائمة، يتعاوره شعوران متناقضان: الخوف على بغداد والتشفي من نظام بغداد. رفاقه كلهم شامتون يتشفون. "هو يستاهل". كانوا جميعاً يقولون في قياداتهم وقواعدهم. وكان ذلك يدغدغ شيئاً ما في نفسه هو الذي فر من بغداد يلاحقه جلاوذة بغداد. آمالنا تتحقق. النظام يتفسخ، هو يتهاوى كبيت من طين أغرقته المياه "قال أبو العز ذات مرة وهو خلف طاولته القيادية. "افرحوا. سينتهي الطاغية من بغداد. سيزول إلى الأبد حكم الديكتاتورية والاستبداد". وشعر باقر بالفرح يومذاك. الاستبداد عقدته. كراهيته للطغيان لا تحد وإيمانه مطلق بأن حاكم بغداد قد ضرب المثل في الطغيان والاستبداد "الجميع في خدمة الواحد الأحد الفرد الصمد". ذلك شعاره وشعار أتباعه "والفرد الصمد في خدمة نفسه فقط. باقر يذكر مذ كان في بغداد كيف كان الناس يتهامسون فيما بينهم "أجل... نحن المواطنين متساوون... لكن في العبودية!!". فيما يسخر مسؤول من مواطن يتكلم عن الحرية "حر، طبعاً أنت حر، بل لك ملء الحرية في أن تفعل ما أريد أنا". أو يقول له لامزاً "بصفتي أنا المسؤول، الآمر الناهي، لي كل الحق في أن أجردك من كل حق". فكيف لا يحلم باقر باقتلاع شأفة الاستبداد؟. لكن ما إن يسمع بغارة جوية على بغداد أو صواريخ تدك البصرة حتى يقف شعر رأسه وتعتريه قشعريرة "هو ذا العراق يدمر... الوطن يذبح". ولا يملك إلا أن يخاف على أمه في البصرة... على أقربائه في العمارة... أخته... ابن عمه... حبيبته... رفاقه في بغداد. ويشتد الخوف في نفسه ويعظم حتى لينسى حقده على نظام بغداد ورغبته في الانتقام منه. ذات مرة وكان قد نسي ذلك الحقد، استعر بينه وبين أحد الرفاق النقاش إلى حد صرخ معه رفيقه "لا... أنت مدسوس علينا... أنت عميل لصدام". باقر يتذكر ذلك فيتابع مفسراً. ـ الحقيقة، أنا خائف على الوطن!! ـ لكن الوطن بين فكي وحش، وعليك أولاً أن تخلصه من بين فكيه. ـ صحيح، لكن أيهما الوحش: الامبريالية الشرسة التي تنقض على الوطن تريد مسحه عن وجه الأرض أم صدام الذي يدافع عنه؟ حك يسار رأسه دون أن يحير جواباً، هنيهة من الزمن، خرج بعدها كما دخل، وكأنما هزم في المعركة. أسرع باقر إلى المذياع يفتحه متنقلاً من محطة إلى محطة باحثاً عن أخبار. ـ انتفاضة الشمال تشق طريقها إلى النصر، أعلن صوت أمريكا بفرح غامر، البرازاني والطالباني يتحالفان لأول مرة ضد صدام. تابع المذياع بنبرة فرحه الغامر، فلم يملك باقر إلا أن يشرد بعيداً. (كان ذلك قبل اثني عشر عاماً، وكنت ما أزال شاباً يمور حماسة واندفاعاً. سيراً على الأقدام اجتزت الحدود السورية إلى لبنان. هناك تنقلت بين بقاعه وجنوبه... بيروته وطرابلسه. كانوا يدربوننا على حرب العصابات، وكنت بارعاً في استخدام المسدس والبارودة. طلقتي لا تخيب... مناورتي لا ترد، فقررت القيادة تسليمي فصيلاً في حرب العصابات في الشمال. كان الحزب قد أعلن الحرب على نظام بغداد، وكانت جبال كردستان هي الأكثر ملاءمة لحرب العصابات طويلة الأمد. غادرنا بيروت إلى سورية مشياً على الأقدام. ثم غادرنا سورية مشياً أيضاً، إلى العراق. هناك، حيث الحدود العراقية التركية أيضاً، مكثنا ننتظر، ولم أكن أدري حينذاك ما كنا ننتظر. لكن لم يمض زمن طويل حتى اندلعت الحرب بين العراق وإيران وجاءت الأوامر إلى وحدات الجيش العراقي هناك بالانسحاب. انسحبت فأسرعنا بالدخول إلى حيث انسحبت، وللتو أعلنت قيادتنا ببيان طنان رنان عن نصر مؤزر حققناه على الجيش العراقي بعد أن كبدناه الكثير. من الخسائر في الأرواح والمعدات وأرغمناه على الفرار. "هي لعبة بروباغندا"، أفهمونا حين احتججنا على البيان، فنحن لم ندخل معركة ولم نحقق نصراً. لكن اللعبة أعجبتني يومذاك. فالنظام الذي كنت أكره حتى الموت، كان قد دخل حرباً ضروساً... حقق انتصارات في البداية لكنه اضطر للانكفاء في النهاية. وكانت الفرصة متاحة والساحة خالية في الشمال، إذن، لماذا لا نطبق عليه فكي كماشة: إيران من الجنوب ونحن من الشمال؟ كنا نتدرب ليل نهار، وكنا نجوب جبال كردستان من غربيها إلى شرقيها ومن شماليها إلى جنوبيها، جنود صدام مشغولون هناك في الجنوب وطوال سنوات ثلاث لم نشتبك في معركة واحدة معهم، لم نطلق طلقة واحدة على جند بغداد. كنا مجموعة من الفتية المتحمسين لكن دون عقل مخطط واحد. وكنا فصائل من الرفاق لكن دون قيادي عسكري واحد. والحرب فن، مثلما هي علم، لابد لها من أدمغة تفهم ذلك الفن والعلم وتخطط للحرب والضرب... البرازاني قائد مجرب.. لديه قيادة وميليشيا لكنه لم يكن يخوض معارك، وكيف يخوضها وجنود بغداد كلهم في الجنوب؟ كانت الأوامر أن ننسق معهم، ربما، لكي نقاتل معاً حين يحين الأوان. ذات مرة ذهبت إلى معسكره، باعتباري قائد فصيل، علنا نبدأ الهجوم على مخافر الدرك ومراكز الشرطة في البلدات والمدن... أدخلوني إلى إحدى الخيام، ربما بانتظار أن يعود. ربطت بغلي الأعطر "المارشال" الأشهر، إلى إحدى الحلقات وانتظرت... لكنني رجل يكره الانتظار. قل لي انتظر خمس دقائق تفقع مرارتي خمس مرات. وهكذا جئت ألقي نظرة على ما حولي في المعسكر. رجل عتل... ربعة القامة، أبيض البشرة، أنفه أقنى، شعره فاحم سبط، كان يعبر الساحة، ربما باتجاه خيمة أخرى، رآني فاقترب مني.. رطن بالكردية فلم أفهم ما رطن به. كنت قد تعلمت بضع عشرة كلمة لم تكن تسمح لي بفهم الرجل... هززت رأسي استغراباً، فقال: ـ عجيب! في أرض الكرد ولا تفهم الكردية؟... ـ أنا في أرض العراق... ولغتي العربية!! ـ مرحباً... مرحباً... عراقي ... إذن... من عصاباتنا.... هناك خبيبي!! لم يعجبني حرف الخاء في كلامه مثيراً في نفسي الريبة فسألت: ـ أنت!! من، يا صديقي؟.. ـ نحن... إسرائيل... خبيبي. ورغم الإجفالة التي ردتني إلى الوراء قليلاً والقشعريرة التي أمسكت بجلدي من أخمص قدمي حتى قمة رأسي، فقد شعرت بفضول غامر يدفعني لأن أتعرف إلى الرجل العتل... ربعة القامة، أبيض البشرة، أسود الشعر. دعوته إلى خيمتي. وهناك علمت أنه ضابط الارتباط الإسرائيلي في كردستان وأن الكثير من الأسلحة، المعدات، الأموال التي تأتي إلى البرازاني من تل أبيب هو الذي يأتي بها. "لازم نفتح جبهة تانية على صدام خبيبي... لازم تستقل كردستان عن العراق... تصير بلد لحالها، نتحالف معها ونضرب منها وقت الضرورة العراق". لم أناقشه حينذاك. كنت أحب أن أسمعه فقط وكنت أسأل ويجيب. ربما كان يشعر بالوحدة وكان بحاجة لمن يؤنسه. ربما كان قد شرب عرق التمر حتى فتح مصاريع قلبه، وربما لم يكن يعتبر ما يقوله سراً، فنحن أصدقاء البرازاني وحلفاؤه، وليس على أصدقاء البرازاني وحلفائه سر. يومذاك باح لي بالكثير "لقاءات بين البرازاني وغولدامائير. أموال وأجهزة تأتي من إسرائيل مهندسون ومدربون... معلومات وأخبار كلها تقدم للحليف العظيم: البرازاني.". لكن قبل أن نكمل حديثنا دخل سامي وهو في عجلة من أمره "حاييم!! أين أنت!؟ منذ ساعة وأنا أبحث عنك،" خاطبه بالكردية... بالكاد استطعت التقاط المعنى... لكن ما إن رآني حتى انتقل إلى العبرية. رطن بشيء ثم أسرع به خارج الخيمة، والدهشة تفتح عيني على مصاريعهما. كنت أعرف سامي عبد الرحمن، لكنه تجاهلني. عيناه التقتا بعيني، لكنه تظاهر بعدم معرفتي، ثم تأبط ذراع حاييم ومضى."اللعنة!!". قلت يومذاك مخاطباً سقف الخيمة وأعمدتها. "سامي يهودي يعرف العبرية؟". كنت قد التقيت من قبل بسامي عبد الرحمن وكان ذلك في بغداد. كان مقرباً من قيادات الحزب لكنه كان مشغولاً بهمٍّ واحد: "استقلال كردستان". وكنا حينذاك لا نرى في ذلك ضيراً. نحن نؤمن بحق تقرير المصير... بحق الأقليات في صنع أوطان مستقلة لها، وكان بعض الخصوم يردون علينا: "لماذا إذن لا يعطي الاتحاد السوفييتي أقلياته استقلالها؟ لماذا لا يؤمن بحقهم في تقرير مصيرهم؟". لكننا كنا ندير ظهورنا لأسئلة كتلك باعتبارها أتفه من أن تستحق الجواب."الاتحاد السوفييتي قوي، إذن هو صاحب الحق في كل ما يقوله، هو صاحب الحق في كل ما يفعله، أم تراه الحق ليس القوة بذاتها والقوة ليست الحق بعينه؟". سامي عبد الرحمن الكردي كنت أعرفه، وكنت أسلم بأن من حقه أن يسعى لاستقلال كردستان... لكن أن يكون يهودياً يتقن العبرية فأمر أثار استغرابي. اسمه اسم مسلم. سلوكه سلوك مسلم. بل سألت عنه بعد ذاك فقيل لي أنه يصلي ويصوم، وها هو ذا يتكشف عن يهودي لا يعلم إلا الله متى جندته الموساد وما هي المهام التي كلفته بها طوال تلك السنين. منذ تلك اللحظة أدركت أن الأمر أخطر بكثير مما يصرح به القادة والزعماء وما يظهر على السطح. قابلت البرازاني حينذاك وكلي شعور بالانقباض، أوصلت له رسالتي والانقباض يمسك بتلابيبي، لهذا السبب، ربما، لم ننسق ولم نهجم على مخافر الدرك ومراكز الشرطة على الإطلاق. سنة ونصف السنة ظللت بعد ذلك في كردستان. لكن دون أن أفكر بإجراء عملية أو إطلاق طلقة، وحين أصابتني شظية في كتفي حمدت الله في سري. كان عليهم أن يعالجوني وكان أقرب مكان للعلاج سورية. وهكذا غادرت كردستان دون أن أخوض حرب عصابات ودون أن أحرر كردستان). شعور الانقباض نفسه تملك باقراً وهو يسمع أخبار الشمال. "قوات الباشماركة سيطرت على الداهوك". "الطالباني يكتسح الحدود الشرقية لكردتسان. السليمانية تخضع له. وعادت إلى ذاكرة باقر الحرب العراقية الإيرانية". يوم هجمت جحافل إيران على "حلبجة" يمهد لها الطالباني والباشماركة، وكل ما يهدف له الخميني أن يلفت أنظار صدام إلى الشمال، يسحب قواته إلى هناك فيضربه في الجنوب. يومذاك اتخذ صدام قراره الجنوني: ضرب الجحافل الإيرانية والباشماركة الكردية بغاز الخردل، فأهلك العروق والأعصاب، حرق الأخضر واليابس. "أيفعلها الآن صدام؟ أيضربهم بغاز الخردل؟" كانت الأسئلة تدور في ذهن العالم كله لا في ذهن باقر وحسب، وهو يرى حاكم بغداد يحشر في الزاوية محاصراً من الجنوب، محاصراً من الشمال فكيف لا يستخدم كل ما لديه من أنياب ومخالب؟ امبراطور العالم نفسه يأمل أن يفعل صدام ذلك، فيجد الذريعة الكبرى لإنشاب مخالبه في العراق. لكن صداماً خيب أمل امبراطور العالم، فلم يستخدم سلاحاً كيماوياً ولا حيوياً... لا غاز أعصاب ولا جرائم. بل أرسل فرقتين مدرعتين بكامل عتادهما تجتاحان كردستان. بيكر، سكرو كرفت، شوارتزكوف بل حتى الجنرال باول الأسود كلهم فتحوا عيونهم دهشة واستغراباً "فرقتان مدرعتان من غير الحرس الجمهوري؟ لكن، علمنا أن القوات العسكرية الأخرى دمرت عن بكرة أبيها!!". قال بعضهم للبعض الآخر، ثم أطرقوا برؤوسهم خجلاً واستحياءً أمام امبراطور العالم وهو يوبخهم على تقارير زائفة كانوا قد قدموها له، معلومات كاذبة كانوا قد رفعوها لسدته الامبراطورية. ـ سيسحق الباشماركة!! سيدمر حلفاءنا!! صرخ امبراطور العالم بأعوانه وقد احمرت وجنتاه وانتفخت أوداجه وراحت عيناه تقدحان شرراً. ـ ماذا نفعل يا سيدي؟.. رد وزير خارجيته وهو يفرك يديه الواحدة بالأخرى. بماذا تأمر؟.. ـ أرسلوا القوات... ابعثوا الطيران.. اضربوا الصواريخ... ينبغي ألا يعود صدام إلى كردستان. لكن قوات صدام كانت قد وصلت إلى أربيل، مجنزرات هادرة ودبابات مزمجرة. دب الرعب في قلوب الباشماركة، فشمر مقاتلوها عن سيقانهم ثم أطلقوها للريح. الهرب ثلثا المراجل، وإن صح فهو كلها. سمع باقر الأخبار فوثب فرحاً، لم يكن يستطيع تفسير فرحه ولم يكن يريد أن يفسره. كان فرحاً وحسب. لكنه لم يبح بذلك ليسار. باح به لأبي الليل، فأبو الليل يشاركه فرحه. ـ أنا أعلم. هذا ما تريده إسرائيل، قال أبو الليل مفسراً شافياً غل باقر. فصل الشمال عن العراق... تقسيم العراق وإضعافه فلا يشكل بعد ذلك خطراً عليها. ـ أجل... هو ذاك، قال باقر بفرح أكبر وقد وجد من يفهم ما يدور في أعماقه ثم روى لأبي الليل ما رآه في الشمال: حاييم وسامي عبد الرحمن. لكن سرعان ما عاد إلى التجهم والانقباض حين جاءت الأخبار في اليوم التالي: انزال قوات أنكلو أمريكية في الشمال تقف في وجه صدام وتحمي الأكراد من صدام.". ـ يا إلهي!! إنه فصل الشمال!! إنه تقسيم العراق!! صرخ باقر ملء صوته حتى خيل إليه أن المعسكر كله ردد صرخته. بعد ذلك أحس بأنفاسه تنكتم، بالملجأ يضيق عليه، بالدنيا كلها تصبح أضيق من خرم الإبرة، ودون أن يشعر وجد نفسه يترك كل شيء ثم يسرع إلى الطريق، يمتطي أول سيارة ويمضي إلى بيروت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |