|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثامن "حمراء" بيروت تعج بالسيارت، تعج بالناس، وكأنما عادت لها أمجادها القديمة، باقر وهمام يتسكعان. يسرهما الزحام، علامة الصحة والعافية لمدينة أ صابها الفالج ذات يوم فقعدت عاجزة عن الحركة، عاجزة عن الكلام سوى حركة الميليشيات وكلام الرصاص. اتفاق الطائف كان قد سار قدماً، صفيت الميليشيات، سحب السلاح، شكل مجلس نيابي، شكلت وزارة وانتخبت رئيس جديد قال يوم القسم أنه سيعيد للبنان أمنه وطمأنينته، استقراره وازدهاره. زحام الناس، زحام السيارات، العجيج، الضجيج، كلها تقول إن الرئيس يحقق ما أقسم عليه وأن لبنان يسير في الطريق الصحيح لاسترداد عافيته. فجأة لعلع صوت الرصاص. طلقة... اثنتان... ثلاث.. وبدأ الناس يفرنقعون. بلمحة عين علت أصوات، اصطكت ركب، اصطدمت أكتاف وبدا موج الزحام يتلاشى. ـ ادخل... ادخل. صاح باقر بهمام وهو يشده من ذراعه باتجاه "الهورس شو". ـ بل دعنا نذهب إلى الزقاق الخلفي، رد همام وهو يحاول التملص من باقر. لكن إمساكة باقر كانت أقوى، دفعته نحو "الهورس شو" أشد. ـ اجلس لحظة. ما أظنها إلا زوبعة عابرة، قال باقر وقد جلسا إلى طاولة في أقصى زاوية. كانت الطلقات قد توقفت وكان أحد الجالسين في المقهى يحدث زميلاً له: ـ بسيطة... بسيطة، يا عمي!! هيدا فرد، مش كلاشينكوف. وابتسم باقر. كان يحب اللهجة اللبنانية أيما حب. يحب العقل اللبناني... طريقته في رؤية الأشياء... في التعامل معها. كل شيء لديه بسيط... كل مشكلة لها حل. بسهولة يفصل بين الأشياء. ببساطة يعطي ما لقيصر لقيصر و ما لله لله. حتى في أيام الحرب، كان اللبناني يقاتل في النهار ويذهب لأكل التبولة وشرب العرق في الليل. يزرع الرصاص في أجساد البشر، القنابل في هياكل البيوت ثم يذهب لممارسة الحب وبناء البيوت وكأنما لا علاقة لهذا بذاك. ـ الحمد لله أنها بسيطة، قال همام وهو يتلفت حوله متنفساً الصعداء. الحمد لله أنها انتهت على خير!!!... في الوقت نفسه دخل أحدهم محدثاً صاحبيه الجالسين إلى الطاولة المجاورة وهو يهز رأسه ضاحكاً: ـ تصوروا، هالابن الملعونة... الشوفور، قال حتى يخفف عجقة الحمرا، قوص بالفرد. وضحك اللبنانيان الآخران. ـ ومانه غلطان. هاي خفت العجقة!! فيما لوح همام برأسه وآثار الامتعاض والضيق ما تزال تطغى على سيماه. ـ هو ذا الأثر الباقي، علق باقر. أرأيت؟ لا شيء ينتهي دون أثر باق. حرب لمدة خمس عشرة عاماً، تنتهي بطرفة عين؟ بمجرد قرار؟ أمَّن همام بهزة من رأسه على كلام باقر، ثم عقب زافراً: ـ لكن أي حظ سيء!! لم يعجب هذا الأثر الباقي أن يظهر إلا الآن... وهنا!!؟ همام يخشى صوت الرصاص... يخشى العنف. هاجس مخيف يسكنه في أن يكون هذا الرصاص يقصده، كما قصده ذات مرة من قبل. هو، حين فكر بالهرب أول مرة، كان قد وضع نصب عينيه لبنان، واحة الديمقراطية والحرية.. لم يكن يعرفه حينذاك. لكن كان قد قرأ عنه الكثير. برلمان وانتخابات... صحافة وحرية تعبير... أحزاب وأحزاب معارضة. وانغرس في ذهنه أنه إن غادر صحراءه لن يغادرها إلا إلى تلك الواحة حيث الفيء والماء... الراحة والأمان، علاقته بالعائلة الحاكمة علاقة حقد وانتقام... هو مكتوم الأنفاس، مغلول اليدين والرجلين... لكن جاء يوم لم يعد باستطاعته تحمل أو كتم. انفجر، فجاء الجلاوذة ينزلون به العقاب. وما أسرع ما ينزلون بالآخرين العقاب!! عبر الصحراء فر. إلى أقرب حدود مضى ثم غدا سندباداً لا يعرف سوى بساط الريح. بلداناً عربية أمَّ... بلداناً أوربية قصد. هناك راح ينشط... يصدر البيانات... يتصل بالمنظمات العالمية المعنية بالدفاع عن الإنسان وحقوق الإنسان. لكن ما إن ساد الواحة بعض من هدوء حتى عاد همام. باقر يعلم تاريخ همام... يعلم خوفه من الحرب والرصاص: هاجسه المقيم. ـ لو لم تقم هذه الحرب، قال باقر بصوت خافت وكأنما يكلم نفسه، كيف كانت الآن بيروت. ـ أجمل مدن العالم، رد همام وهو يزفر من جديد. بل لبنان كله كان أروع واحة في هذه الصحراء العربية المترامية الأطراف. ـ إذن، كان عليهم أن يحافظوا عليها. ـ بالعكسن قاطعه همام، كلهم كانوا يحقدون عليها، يريدون تدميرها. ـ كيف؟ لماذا؟ قال وهو أشد استغراباً وتعجباً. ـ يا عزيزي! ألم يقل الشاعر: الضد يظهر حسنه الضد؟ ـ بلى، قال. ـ إذن، وجود نموذج للحرية والديمقراطية يظهر قبح النموذج الآخر: نموذج الديكتاتورية والاستبداد. الناس يقارنون كما تعلم، وبالمقارنة يفهمون. ولكي لا يقارنوا أزل ذلك النموذج يظل العالم العربي كله من نمط واحد، وما أحد أحسن من أحد. ـ تعلم، همام!؟ أنت عبقري، عرفت بيت القصيد الذي لم أعرفه. ـ عرفته وحسب، تصور. في بدايات الحرب كنت تلمس لمس اليد كيف كانت القوى العربية كلها تتصارع هنا... كيف غدا لبنان ساحة لقتال كل العرب... لمؤامراتهم... دسائسهم، بل لعلمك كانت الميليشيات المتصارعة هنا تقاتل نيابة عن الليبي والسعودي، الكويتي والعراقي... وكانت البترو دولار ينفق بلا حساب. ـ ولماذا؟ عقب باقر وهو يلوح برأسه، للقضاء على واحتنا الوحيدة في هذه الصحراء المرملة البائسة. ـ مع ذلك، أحب هذه الصحراء المرملة البائسة. ـ لم لا؟ علق باقر ضاحكاً، قديماً قال عمر: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. ـ صحيح، الوطن ليس تراباً بل هو بشر... أهل نتعلق بهم... ناس نحبهم. وفجأة بدأ همام يترنم. إن تتهمي فتهامة وطني أو تنجدي إن الهوى نجد باقر يعرف تعلق همام بنجد، بكل ما يذكره بنجد. ـ عجباً!! علق أخيراً لا تفتأ تردد هذا البيت من القصيدة اليتيمة التي قتلت صاحبها. ـ كلنا قتلى في وطن يحكمه القتلة والسفاحون. وطار باقر بأفكاره إلى حاكم بغداد. كم من القصص تروى عنه. "خالفه، وهو في اجتماع القيادة، أحد الرفاق فسحب مسدسه و.... طق.... طق... ليخر الرجل مضرجاً بدمائه". "في أحد السجون اتفق السجناء على إعلان مطالبهم بإعطائهم أبسط حقوقهم الإنسانية، سمع حاكم بغداد بالعصيان فما كان منه إلا أن أمر آمر السجن بإعدام العصاة جميعاً". ـ صحيح، كلهم قتلة وسفاحون. تمتم أخيراً باقر، فيما تلفت همام يمنة ويسرة ثم مال بخده هامساً قرب أذنه: ـ إذن ، دعنا نذهب قبل أن ترانا عيونهم. ـ لكنا طلبنا قهوة. رد باقر وهو يمسك بيد همام مانعاً إياه من النهوض. باقر يعلم كم يكره همام المقاهي... كم يتحاشى الأماكن العامة. هاجسه المخيف يتملكه... فثمة دائماً أعداء وملاحقون... لهذا، كان لايفتأ يتنقل. يلاعبهم لعبة القط والفأر. يوشكون أن يجدوه فيهرب من جديد. لعبة يتقنها همام جيداً. حتى آثاره يزيلها، ينشر دخان تعمية هنا... شباك تمويه هناك، ويفلت دائماً من عيونهم التي ترصد. يكون في لندن فتظهر مناشيره في برلين. يذهب إلى مدريد فتصدر مقالاته في صحافة باريس. قط وفأر، فكيف يعرض الفأر نفسه لأعين القط في بيروت؟ جاء النادل بفنجاني قهوة فاستكان همام، أشعل باقر سيجارته، فيما كان همام يتفحص من حوله في المقهى. كان الشارع قد عاد إلى زحامه وضجيج سياراته وكان السائق الأرعن قد فر بسيارته بعيداً قبل أن تصل المصفحة المحملة بجند الجيش اللبناني والعلم المطرز بالأرزة اللبنانية. بضع طاولت فقط كانت مشغولة، فالرصاصات الثلاث جعلت الكثير من الرواد يهربون. ـ الحمد لله!! تمتم همام شبه مرتاح، في "الهورس شو"، لا يوجد أحد من جماعتنا. ـ لكن يوجد الآخرون كلهم. قال باقر وهو يمسح بنظره الطاولات الأخرى. ا نظر. ذلك الرجل ليبي. تلك المرأة قطرية. هذا يمني. ذاك سوداني. "الهورس شو" لوحة للشتات العربي. ـ صحيح، لوحة للشتات العربي، رد همام وهو يلوح برأسه حسرة. مذ كان لبنان واحة للحرية والديمقراطية اعتاد الناس أن يؤموه. كل من يلاحقه نظام أو يطارده جهاز أمن يقصد لبنان، هو ملجأ لكل لاجئ ومغيث لكل مستغيث. ـ أعلم... أعلم. قال باقر ضاحكاً. حين فررت من بغداد، كان أول ما فكرت به هو لبنان. بعدئذٍ توقف ثم أطلق تنهيدةٍ. لو يعود لبنان تلك الواحة؟... ـ سيعود، أكد همام بنبرة الجزم. المؤامرة على لبنان فشلت. لبنان أثبت أنه بلد الحضارة. مذ وقعوا اتفاق الطائف انتصر لبنان، وانتصرت الحضارة. ـ لهذا، أحب لبنان. ـ العرب كلهم يحبونه، يريدونه أن يبقى، بعجره وبجره يريدونه أن يبقى. ـ لم لا، وكل عربي مهدد في بلده؟ سيف ديموقليس مسلط فوق رأسه؟ انظر هنا... حولك. من كل قطر أغنية. إنه الإعلان الصريح عن أن في كل قطر حاكماً طاغية، وأسوأ تلك الأقطار حظاً، العراق. ـ تعلم، قال همام بعد لأي، ذات مرة قرأت مقالاً أعجبني، أتدري ما كان عنوانه؟.. ـ ماذا؟ ـ من كان منكم بلا طغيان فليرم صداماً بحجر. قال همام ضاحكاً لكن باقراً لم يدعه يتابع: ـ لا، كل الحكام إلا صدام، أنا أكرهه هذا الدكتاتور السفاح. ـ نحن لا نتكلم عن الحب والكراهية. ـ أعلم... أعلم. عاد باقر يقاطعه من جديد. لكن ديكتاتورية صدام فاقت كل ديكتاتورية. ـ بل قل شقاق أهل العراق فاق كل شقاق، ألم يخاطبهم صاحبكم قبل أربعة عشر قرناً بقوله: يا أهل العراق!!! يا أهل الشقاق والنفاق!! وكأنما أفحم باقر، لم يحر جواباً. ظن همام أنه أسكته بالضربة القاضية لكن عيني باقر فضحتاه وهو يلاحق امرأة نصف عارية نصف كاسية دخلت مع أحدهم لتجلس قريباً من طاولتهما. ـ ماذا؟ خلبت لبك المرأة؟ تابع همام ضاحكاً مشيراً بحاجبيه إلى الطاولة الأخرى. ـ ومن لا تخلب لبه المرأة؟ ثم لا تنسَ. أنا فدائي أعيش حياة المعسكر، وفي المعسكر لا خمرة ولا امرأة. ـ وماذا يبقيك في المعسكر؟.. ـ أين تريدني أن أذهب؟ رد باقر وقد فاجأه السؤال كأنما لم يخطر بباله من قبل. ـ إلى أي مكان طالما لم يعد هناك عمل فدائي، وليس هناك عمليات ضد العدو. لم القعود؟.. ـ مرحلة عابرة ما أظنها إلا موشكة على الانتهاء. ـ وتعودون لقتال الإسرائيليين!؟ ـ بل ولاحتلال قلعة الشقيف وتحرير الجنوب. ـ كم أنت طيب، باقر!! ـ طيب!؟.. ـ ماذا تظن إذن، وفي الأجواء رياح تهب؟ لم يسأله باقر عن تلك الرياح إذ لفت نظره دخول ثلاثة من الرجال، وللتو هب على قدميه، مسرعاً لاستقبالهم. ـ رفيق أبا العز!! مرحباًََ!! رفيق! ـ باقر!!! حظنا حسن إن وجدناك، رد أبو العز وهو يسحب يده من اليد التي امتدت لمصافحته. ـ وهل كنتم تبحثون عني؟ ـ بالطبع. ذهبنا إلى المعسكر، فقالوا إنك في بيروت. ـ أهلاً بكم. تفضلوا! هنا... هنا.. قال باقر وهو يدعوهم للجلوس إلى طاولته، لكن أبا العز كان حاسماً. ـ لا، الأفضل هنا، وجلس إلى طاولة في منتصف المقهى. حار باقر أيجلس معهم أم يعود إلى همام. لكن هماماً لم يدعه طويلاً لحيرته، إذ هبَّ متجهاً إلى باب المقهى ماراً به. ـ باقرَ دعنا نذهب. همس في أذنه وهو يتفحص بكثير من الريبة الثلاثة القادمين. حيرة أشد داهمت باقراً. "أأذهب مع همام أم أبقى؟". مرة أخرى جاءه الأمر: ـ بل ابق باقر. كان ذلك صوت أبي العز، وأبو العز قائد يأمر فيطاع، ينهى الناس فينتهي الناس. ـ اسمح لي. التفت باقر لهمام هامساً. هذا قائد الحزب وهي فرصة أن أراه الآن. اسبقني ألحق بك. وجلس إلى طاولة أبي العز فيما أسرع همام يغادر الهورس شو، وكأنما أفلت من شراك. بقدر غير قليل من التهيب، تطلع باقر إلى القائد، هالة من الرهبة والاحترام تحيط برأسه. صحيح هي أصغر، لكن ثمة هالة. هناك. في مكتبه تكون الهالة أكبر. ذلك أنك تذهب لرؤيته فلا يدخلونك إلا بعد انتظار، وقبل أن تدخل يوصونك "الأمين العام مشغول. اختصر كلامك ما استطعت... وفر عليه الوقت والجهد ما استطعت.". وكان باقر في كل مرة يزوره يختصر الوقت والجهد. "هذه المرة سأنفرد به،" وانتقل بناظريه إلى الرجلين اللذين معه. هو يعرفهما، مرافقيه الأمينين. كلاهما عتل مفتول العضلات بارز الصدر عنقه كعنق الثور. أبو العز يبدو مقارنة بهما غزالاً بين ثورين. لكن الغزال لم يكن مرتاحاً كثيراً. كان في عينيه قلق، في يديه عصاب، أصابعه تتحرك ناقرة الطاولة وهو يمسح بناظريه المقهى ثم الرصيف فالشارع. فجأة التفت إليه متغلغلاً بناظريه إلى أعماقه، سائلاً بلهجة عراقية خالصة: ـ ها!! باقر!! شاكو ماكو؟ ـ ماكوالا الخير، رفيق. رد باقر باللهجة نفسها وقد اعتبرها بادرة طيبة وجسر محبة. ـ أي خير وأنت تدافع عن صدام؟.. ـ آني!؟ أجاب باقر باللهجة ذاتها وقد فاجأه السؤال الذي كان يحمل الكثير من الامتعاض والعداء. ـ إي، الحكي وصلني باقر. وأنت تعرف، مامن شيء يتخبى. "آ!!! هكذا إذن!! ثمة عيون لك وجواسيس... ينقلون لك كل ما يدور في الحجرات، الساحات، الشوارع... لكن لم لا؟ قائد مثلك ينبغي أن يحيط علماً بكل ما يدور حوله... بكل ما يتعلق بأعضاء حزبه". ـ هه!! ما تحكي؟ تابع القائد، فيما بدا المرافقان متحفزين وكأن شرارة كهربائية مست دارتهما. ـ شحجي؟ والحجي شيفيد، شحجي؟ بدأ باقر الأغنية العراقية المشهورة مازحاً لكن سرعان ما نهره القائد. ـ أنا ما أمزح. ولد احك، جد. واستعاد باقر سيماء الجد وقد تحفز كل مافيه من أعصاب. ـ أكيد... رفيق. الحكي خطأ. أنا أدافع عن صدام!؟ سأل بكثير من القهر والغيظ. أنا من لا يكره مثله في الدنيا أدافع عنه؟ ـ وفرحك لدخول قواته أربيل؟ كلامك عن تقسيم العراق؟ فصل الشمال؟ المؤامرة الامبريالية؟. "إذن هي ذي المسألة!؟ شوفينيتك تظهر كعين الشمس. تعصبك الأعمى يتجلى". ـ هه!! ماترد؟" تابع القائد المهيب ببشرته السمراء المائلة للدكنة وشاربيه الكثين الأسودين كشاربي ستالين، لكن لم يجد باقر ما يقوله. كانت المفاجأة كاملة. لقد فرح فعلاً حين دخلت قوات بغداد إلى الشمال.... طردت البشماركة من الجبال... طهرت أربيل من فلول الطالباني والإيرانيين بعد أن عاثوا فيها فساداً فقتلوا كل من وجدوه في طريقهم من شرطة، موظفين، رجال إدارة بوصفهم عملاء مرتزقة لدى صدام، ثم نهبوا المخافر، دوائر الدولة، مؤسساتها باعتبارها كلها ملكاً شخصياً لصدام. لكن من تراه نقل للقائد فرحه ذاك؟ كلامه حينذاك؟ ـ جاوب، آغاتي، قال أحد المرافقين العتلين وهو يميل عليه لاكزاً إياه من خاصرته. ـ رفيق، أبا العز، رد باقر أخيراً وهو يرى أنه لابد مما ليس منه بد، أنا ما أنكر. فرحت. ـ ها، وتعترف أيضاً؟ قاطعه أبو العز. بدلاً من أن تفرح لخلاص شعبنا من براثن ذاك الطاغية الديكتاتور، تفرح لانتصاره. ترى أنت ما تؤمن بحزبك.؟ بفكره؟ بسياسته؟ ـ كيف... رفيق؟ أ نا رحت للشمال، شاركت بحرب العصابات هناك. ـ زين. رحت للشمال!؟ شاركت بحرب العصابات؟ لويش؟ ـ على شان نحرر العراق كله. ننهي الاستبداد من العراق كله. ـ صحيح. لكن قبل كل شيء نحرر شعبنا الكردي المظلوم المضطهد. نعطيه استقلاله... حريته. ـ ونفصل الشمال نقسم العراق؟.. ـ وكيف إذن، يجيء الاستقلال؟ كيف تكون الحرية؟ ـ بالاستقلال الذاتي، رفيق. ـ والدولة الكردية؟ شعبنا ماله حق يكون له دولة؟ ماله حق يقرر مصيره مثل كل الشعوب؟ ـ بل... له. رد باقر بشيء من تلجلج وهو لا يدري كيف ورط نفسه مع القائد المهيب الذي لم يكن يناقش قط بل يعطي الأوامر ويصدر التعليمات. ـ إذن، لازم نفرح إنه الآن بدأ يتحرر... يتخلص من الديكتاتورية. ـ على يد أمريكا؟ وبسلاح أمريكا؟.. وجد باقر نفسه يقول على الرغم منه وعلى الرغم من رؤية نفسه يغرق أكثر وأكثر في حمأة الورطة. ـ أمريكا... بريطانيا... لا يهم. نحن نتحالف مع الشيطان من أجل غايتنا، نهر القائد محاوره، وقد ازدادت عيناه قدح شرر. ـ لكن الحزب علمنا: الغاية لا تبرر الوسيلة، رفيق. ـ الحزب!؟ رد القائد بمسحة من تراجع لكن سرعان ما اندفع قدماً بعد ذلك. ما الحزب؟ أنا الحزب والحزب أنا. ما أقوله ينفذ وما آمر به يطاع. أتفهم؟ وكان حرياً بباقر أن يفهم، فقد علا صوت القائد إلى درجة لفتت أسماع كل من في "الهورس شو". انكمش باقر داخل جلده وقد عادت إلى نفسه رهبة الآمر الناهي ذاك الذي لا يناقش، رغم رفعه لشعار الديمقراطية الشعبية و الحرية، النقد والنقد الذاتي. ـ ها، مالك؟ لا ترد؟ صاح به من جديد بكثير من النزق. ـ لكن، رفيق! رد باقر أخيراً شبه منتفض. إن أردت أن تطاع، فاطلب المستطاع. ـ وما هو المستطاع؟ سأل القائد بنبرة تخالطها السخرية. ـ كل شيء إلا تحالف الحزب مع الشيطان الأمريكي... ـ إذن، أنت فوق الحزب؟ قاطعه، لكن دون سخرية هذه المرة. ـ ومتى كان الحزب مع أمريكا رفيق؟ متى كان مع فصل الشمال؟ تقسيم العراق... ـ حسبك!! حسبك، قال وهو ينهض فجأة. بعدئذٍ أشار إلى صاحبيه، ثم إلى باقر، لنذهب، نكمل نقاشنا في مكان آخر. وبدت الحجة مقنعة، فقد عاد "الهورس شو" يعج بالرواد، وكانوا كلهم قد بدؤوا يستمعون للحوار الديمقراطي، خفيف الروح، خفيف الظل!!.. دون أن يتردد، نهض باقر خلف القائد، وخلف القائد سار، يتبعهما المرافقان العتلان إلى أن وصلا إلى منعطف كانت سيارة مرسيدس خضراء تربض إلى جانبه. ركبها الأربعة ثم مضوا. العتل يسوق بهم، الآخر إلى جانبه وهما الاثنان في الخلف. القائد صامت واجم، صمت بومة ووجومها في أرض عامرة فكر باقر أن يقول شيئاً لكنه لم يجد ما يقول!! "لقد ثقلت العيار!! خفف اللعب باقر". وأزمع في سره أن يعتذر من القائد لرفع صوته وتماديه في النقاش حين يعودون إلى النقاش، لكنهم لم يعودوا. كانت السيارة الفاخرة قد اتخذت طريق الكورنيش ثم اندفعت سابقة كل سيارة، داحساً في سباقه مع الغبراء. "أهناك من يلطم وجه داحس؟ أهناك من يكبح هذه السرعة؟" وبدأ الخوف يمد أصابعه إلى صدر باقر... بدأت الريبة تدب في تلافيف دماغه وهو يرى السيارة تنعطف نحو اليسار تاركة كورنيش صيدا متغلغلة في عمق البيارات والبساتين. -أين نذهب؟ تجرأ أخيراً وسأل القائد. -هنا... هنا... وصلنا. رد القائد وهو يتلفت حوله فلا يرى سوى الظلمة والأشجار. أشار بيده فتوقف السائق. نزل فنزل باقر. ثم لم يثبت القدم الأخرى على الأرض حتى كان الرجلان العتلان ينقضان عليه، كل من جانب، لينهمر عليه وابل من لكمات.. رفسات... ضربات... بدت أشبه بوابل المطر. باقر لا يتمالك نفسه فيتهاوى قبل أن يتاح له أن يستخدم قبضة واحدة من قبضتي يديه، تينك اللتين تدرب كثيراً في المعسكر لاستخدامهما وعمل كثيراً على تنمية عضلاتهما.. كان كل ما يريده أن يحمي رأسه، وكان كل ما يخشاه أن تطيح إحدى الضربات بعينه أو فكه أو رأسه نفسه فاصلة إياه عن جسده. كلا العتلين كان محمد علي كلاي يلكم خصمه بحقد وقسوة تبلغ حد القتل. تكوم باقر على نفسه، سلحفاة، بغير درع. ود في سره أن يتحول في التو واللحظة إلى سلحفاة، يختبئ تحت الدرع فلا تطوله مخالب الخصم. لكن مخالب الخصم حادة طويلة تنغرس في كتفيه، ظهره.. خاصرته.. رفسات كرفسات البغال تحط على جسده وهو ينكمش على نفسه، يتقلص.. نائياً برأسه... حامياً إياه بيديه لكن إحدى الرفسات تصيب رأسه.. تفك يديه عنه ثم تأتي أخرى، شديدة، قاسية إلى درجة تسلبه الوعي. حين فتح عينيه كان الليل قد سجا، وكانت النجوم في قبة السماء تتلألأ متراقصة متضاحكة، كأنما تعابثه مستغربة تكومه هناك تحت شجرة برتقال لما تنضج ثمارها بعد. لحظة من الزمن خيل لباقر أن الكون كله غارق في سبات.. سبات شتاء صقيعي طويل. سكون كسكون ما بعد العاصفة يخيم على كل شيء: أغصان الأشجار... سفوح الجبال.. سهول الساحل الممتدة حتى البحر، الطرقات كلها ساكنة، بل حتى جسده ساكن. صدره بالكاد يخرج الأنفاس ويدخلها. "ماذا جرى؟ ما الذي جاء بي هنا؟" كان كل ما بقي في ذهنه أنه في "الهورس شو" يشرب القهوة مع همام ويتحدثان. لكن فجأة لمعت في رأسه ذكرى: أبو العز والعتلان. وسرت رعشة خوف في جسده "أجل. الرفس.. الضرب.. وابل اللكمات. "أتراني تحطمت؟" وفي الحال تلمس رأسه. شيء ساخن بلل راحتيه. ثم لمعة ألم اخترقت صدغه الأيمن، كأنها لمعة البرق، خارجة من الأيسر. نظر إلى أصابعه وقد بسطها أمام عينيه، بريق النجوم لم يكن كافياً لأن يرى شيئاً لكنه أحس. ربما هي رائحة الدم نفذت عبر خيشوميه إلى هناك، حيث التلافيف الدماغية فانبثقت تمتمة على شفتيه "دم!! إنه دمي" وعبرت جسده رعدة خوف "جريح!! أنا جريح" بسرعة راح يتلمس وجهه، صدره، بطنه، رجليه، ومع كل لمسة كانت لمعة ألم تنطلق... وجع شديد يتملكه.. كانت في كل مكان كدمة تورم. وفي كل عضو من أعضائه إحساس بأنه متكسر كغصن يابس مرت عليه مجنزرة. "يا إليه!! كلي جروح.. كلي رضوض وكدمات.. ماذا أفعل؟" يمنة ويسرة راح يتلفت. ليس حوله سوى أشجار البرتقال، لا بد أنهم رموه في طرف البيارة. على بعد أمتار كان الطريق يبدو أسود، أملس متلوياً مثل ثعبان. "يجب أن أصل إلى الثعبان"، وهم بالحركة متكئاً على يده اليسرى، لكنه هجمة ألم شديدة في كتفه كفأته إلى الوراء فانكب من جديد على وجهه. تلمس موضع الألم فكاد يصرخ "كتفي محطمة" واتكأ على اليد اليمنى. ثمة ألم أيضاً لكنه محتمل وبدأ الزحف باتجاه الثعبان. رضوض ساقيه، فخذيه، حوضه، ظهره كلها توجعه. لكن الوجع الأشد في البطن حيث الهشاشة والرقة "ربما مزقوا أمعائي، ربما سحقوا الكبد... هشموا الطحال" وراح يتلمس كل موضع من مواضع بطنه، لتنطلق في كل مرة موجة ألم حادة تكاد تغشى لها عيناه. ضوء سيارة اقترب، فأسرع في زحفه. "يجب أن يروني" لكن السيارة المنطلقة كالنيزك لم تره... كان ثمة سياج، وكان هو ما يزال يزحف سلحفاة فقدت نصف قوائمها. صرخ ملء صوته، بل خيل إليه أن صراخه كان ملء الدنيا لكن السيارة صماء لا تسمع، والنيازك تعبر دون أن تلوي على شيء. سيل من دموع أغرق عينيه ونهر من قهر ملأ جوانب نفسه، مع ذلك تابع الزحف. ساقاه يجرهما جراً، كتفه اليسرى أتون ألم، بطنه، رأسه، ظهره كلها ينابيع ألم تفور لتلقي بزبدها على قلبه ضعفاً وعلى عينيه غشاوة. الثعبان الأسود الأملس قريب، يلمس جانبه فيتنفس الصعداء. ثم يلقي بنفسه عليه وكأنما استنزف آخر قطرة احتمال وقوة. النجوم، صغارها وكبارها، ما تزال تتلألأ عالية في السماء. بريقها يتراقص متضاحكاً وكأنما يعابثه، ساخراً من تفاهة البشر، من حقد البشر بعضهم على بعض وتعود سيول الدموع إلى عينيه. "ماذا فعلت للقائد العظيم، حتى يفعل بي هذا؟ أي ذنب ارتكبته سوى التعبير عن رأيي؟ أيستحق التعبير عن رأي عقاباً كهذا؟" وكز على شفته السفلى عله يمنع موجة بكاء دهمته. "الرجال لا يبكون. البكاء للنساء فهل أنت امرأة، باقر؟" وأحس باقر براحة الرجولة تصد أمواج النحيب، عائدة به إلى شاطئ التحدي والعنفوان. "سأنتقم منك. لا بد أن أنتقم يا طاغية لا يضاهيه صادم!!" وهن شديد طغى على مفاصله، أطرافه، حتى خيل إليه أنه عاجز عن رفع رأسه عن التراب. "لا... لا تفقد وعيك باقر. تماسك يا رجل. اصمد أو أكلتك الضباع". وأحس باقر بدفقة من قوة تعاوده وقد تذكر الضباع. "حقاً!! ماذا لو جاءت الضباع في هذا الليل فأكلتني. لا، يجب أن أخرج... أن ألوح بيدي... فيراني أحد، يسمعني أحد". لكن لمن تراه يصرخ؟ لمن يلوح؟ والطريق خال... السفح خال... السماء خالية حتى من نيازك تعبرها دون أن تلوي على شيء. وكما يظهر النيزك فجأة ظهرت سيارة من جديد "يجب أن يروني... أن يسمعوني" وزحف نحو الطريق "سأتمدد في منتصفه فلا يستطيعون إلا أن يروني" لكن خوفاً مفاجئاً دهمه "ماذا لو دهسوني؟" وكبح نفسه. كان قد صار في ثلث الطريق وكانت السيارة مسرعة. لوح بيده... صاح "النجدة... النجدة..." كانت السيارة تقترب مسرعة. "ستدهسني ستدهسني" وبدأ يتراجع إلى الوراء وضوء السيارة في عينيه باهر، مخيف، حوّل السيارة إلى وحش فاتك ينقض عليه ممزقاً قاتلاً. الرعب يخرج من عينيه وهو يرى الضوء الباهر يقترب. عينا الوحش تشتدان وميضاً ويصرخ: "قف... قف." وهو يزحف هارباً إلى الوراء. فجأة يطغى صوت الكابح وهو يزعق زعقة مجنونة على صوت الاستنجاد، ولا تقف السيارة إلا على بعد أمتار منه، فيما لا يفصل قلبه عن التوقف سوى أجزاء من الثانية. بعدئذ حمله رجلان وهو على شفا التلاشي، يابس الشفتين، ناشف الدم، واهن القوى، عاجز حتى عن الكلام. في غرفة إسعاف، ضمدوا جراحه، غسلوا كدماته، داووا رضوضه، لكن غرفة العمليات وحدها في مستشفى الأوزاعي عالجت خلع الكتف الذي أصابه. هناك فقط كان الجبس وكان جراح العظام قادراً على تثبيت الكتف بجبيرة شدت ما بين الذراع والجذع. لم يشعر باقر بالألم فالمخدر فعل فعله، إذ ما إن حقنته الممرضة حقنة حتى نقلته في الحال إلى بساط ريح راح يطوف به فوق دجلة والفرات، نخيل البصرة وقصب الأهوار. أفاق باقر فوجد نفسه على سرير كله أبيض بأبيض... في غرفة جدرانها بيضاء، ملائكتها بيضاء. نظر عبر الشباك. السماء نفسها بيضاء وقد امتلأت بالضياء. "ربما كان كابوساً ما رأيته من قبل، ربما كان وهماً. لكن جبيرة الكتف، وخزات الألم، ضمادات الرأس، ضمادات الوجه كلها أكدت له أن الأمر حقيقة لا وهم.. واقع لا كابوس. -من فعل بك ذلك؟ سأله أحدهم بهيئة محقق. -عصابة قطعت علي الطريق، رد باقر دون تلكؤ. بعدئذ سأله أسئلة تهرب باقر منها كلها دون أن يعلم لماذا أو كيف. ذهب المحقق فتساءل باقر وكله تعجب "لماذا لم أقل الحقيقة؟ لماذا لم أفش باسمه وقد أوشك أن يودي بي إلى الهلاك؟" لكن صوتاً آخر في داخله رد "وما الفائدة؟ القائد العظيم يحمل دائماً جوازات سفر مستعارة، ويتخفى خلف شخصيات زائفة لا يستطيع جهاز أمن واحد أن يفعل حيالها شيئاً". "لكن يجب فضحهم" عاد الحوار داخل رأسه "وماذا تفضح؟ تصفيتهم للرفاق... تعذيبهم لهم؟ زجهم لهم في الزنزانات، وكأنهم دولة وسلطة؟ كتمهم للأفواه؟" وكاد الحوار يطول لولا أن دخل ملاك رحمة أبيض البشرة، أبيض الرداء، أبيض القلب، مسح كدماته، غير ضماداته، ثم وضع بين شفتيه حبيبات لم يجد بداً من بلعها باعتبارها الدواء والشفاء. -هل يمكنني الخروج؟ سأل باقر ملاك الرحمة فتبسم ملاك الرحمة: -يا ليت!! لكن هل تستطيع؟ لم يفهم باقر السؤال في البداية. كانت طبقة من ضباب تلف دماغه، وكان ثمة ضوء بعيد، ضعيف، أعجز من أن يستطيع النفاذ منها. لكن سرعان ما جاء ضوء اخترق طبقة الضباب حين تابعت: حاول أن تتحرك... أن تنهض. حاول باقر لكن ليفاجأ: ظهره كالحجر، رجلاه كالحطب وكتفه اليسرى أثقل من رحى طاحون. نظر إلى ملاك الرحمة مستفسراً، فرفت أهداب الملاك ثم تمتمت شفتاه: -لا تخف. هي ذي آثار الرضوض والكدمات. سبعة أيام ويزول كل شيء، تعود إلى نشاطك وحركتك بإذن الله. وأطلق باقر زفرة أشد حرقاً من حمم بركان. "إذن أنت متحجر الظهر يا باقر، محطم الأضلاع، مقيد اليدين والرجلين.. أنت عاجز عن كل حراك، محاصر... مقعد... محاصر... مقعد... يا باقر!" ولم يستطع حبس دمعتين طفرتا من بين أجفانه ليراهما ملاك الرحمة وهما تحفران طريقهما بتمهل وتؤدة على وجنتيه. على وجنتي العراق دموع تحفر طريقها هي الأخرى لكن بسرعة وحرقة، وهو يجد نفسه متحجر الظهر، محطم الأضلاع. مقيد اليدين والرجلين.. عاجزاً عن كل حراك. الكاوبوي يحاصرونه من كل مكان. في الجنوب كاوبوي، في الشمال... في الشرق... في الغرب... كاوبوي مدجج بالسلاح من قبعته المكسيكية حتى جزمته الجلدية، بنادق، مسدسات، قنابل، سكاكين، خناجر، بل هناك حتى قوس ونشاب يرصد كل حركة للعراق، كل نأمة منه ويسدد. تكنولوجيا العالم كله في خدمة الكاوبوي، اختراعاته كلها مسخرة لأغراض الكاوبوي، وأغراض الكاوبوي واضحة. "قطعوا أوصال العراق" قال الكاوبوي الأعظم لعصابته. وبدؤوا التقطيع. الجنوب راحوا يحزونه بالسكين. نزف دماء كثيرة... أطلق الصرخات لكن حين تبين أن هناك ذئاباً أخرى تنقض معهم على الفريسة أحجموا ليمضوا إلى الشمال. طائرات الكوبرا... الأباتشي، الغزالة، كلها حملت جنداً سوداً وبيضاً مدججين حتى شحمات آذانهم بالسلاح والمال وأنزلتهم هناك في وديان الكرد... في جبالهم. وقادة الكرد فاتحون لهم الأذرع، مستقبلون بالأحضان. "أخيراً جاء المخلص... قام المسيح من قبره ليخلصنا نحن الأكراد التعساء!!" وانقضوا جميعاً على شمال العراق، لم يعد هناك برازاني... لم يعد طالباني. ماتت العشائر، ولت الأحقاد، وغدا أعداء الأمس الألداء أصدق الأصدقاء!! رئبال صامت حزين يرى "معلمه" قاعداً في مكتبه، مقيد اليدين والرجلين عاجزاً عن الحركة فيتذكر أيام زمان ويحزن حتى الموت. "معلمه" مسؤول النهضة الصناعية في العراق... دماغ العراق العلمي التكنولوجي التكنوقراطي... إلى آخر ما هنالك من ألقاب تهتز لها عروش. هو صهر القائد وموضع ثقته. كلمته لا تصير اثنتين. معامل العراق، مصانعه، مفاعلاته النووية، صواريخه، مدافعه العملاقة، كلها بتخطيط من "المعلم". رئبال يعرف ذلك. العالم كله يعرف ذلك، لكنه الآن محاصر... مذ فرض الأنكلو أمريكان الحصار الاقتصادي على العراق وكامل حسين محاصر... مقعد، عاجز عن الحراك. وكيف يتحرك بلا مال؟ المال عصب الحياة، روح الحياة فكيف يحيا كامل حسين بلا عصب أو روح؟ حظر النفط... إغلاق الحدود.. إرتاج باب البحر كله شد الأنشوطة على عنق العراق. عنق كامل حسين نفسه تضغط عليه الأنشوطة... تشد حتى ليكاد يختنق. والأنكى: الحظر الجوي: لا طائرة تطير ولا صاروخ يسير. من خط العرض كذا وإلى الشمال يمنع تحليق الطيران. من خط العرض كذا وإلى الجنوب يحظر الطيران فيما أشباح الكاوبوي وغربانه تزرع سماء العراق دوياً مرعباً. يتحرك رادار على الأرض فينهمر عليه وابل من قذائف عنقودية وانشطارية، موشورية ودائروية تمسحه مسحاً عن وجه الأرض. تخرج حوامة إلى الفضاء فتنفتح عليها فوهة جهنم شواظاً من لهب وألسنة من نيران، ولا يملك حسين كامل إلا أن يحرك سيارات الإطفاء عله يطفئ اللهب والنيران. مطاراته بلا طائرات، مدافعه بلا قذائف، صواريخه بلا وقود، فماذا يفعل الرجل؟ هو يملك أفكاراً... لديه مخططات... لكن كل ما كان قد نفذ من أفكار وحقق من مخططات ذهب أدراج الرياح. مصانعه خراب، معامله يباب، والطرق كلها مسدودة في وجهه. البحر، السماء، كلها مغلقة برتاج. والكاوبوي يصول ويجول في الساحة، في يسراه مسدس وفي يمناه مسدس ورجله على عنق الضحية تضغط وتضغط. الضحية تستغيث لكن من يجرؤ أن يغيث؟ يدا الكاوبوي أسرع من الموت، والناس، كل الناس، يخشون الموت. -سيدي خفف الوطء. قال رئبال "لمعلمه" وقد رآه قلقاً مضطرباً لا يقر له قرار. -كيف، ربل؟ كيف والشمال احتلوه؟ الأنكلو أمريكان صاروا فيه؟ رد بصوت مشحون بالقهر والغيظ، صهر القائد والرجل الثاني في بغداد. -نطرد الأنكلو أمريكان يا سيدي... نعيد الشمال كما أعدنا الجنوب يا سيدي. -لا... ربل. لا. الشمال غير الجنوب، ربل. هنا أناس حاقدون، يتعاونون حتى مع إسرائيل. نحن محاصرون ربل... نحن وحيدون. القائد وحيد.. محاصر أعزل... والأنكى أنهم يريدون الآن رأسه... ألم تسمع الأخبار؟ -بلى. رد رئبال بكثير من الانكسار، فمنذ أشهر كان صوت أمريكا لا يفتأ يعلن عن مكافأة مقدارها خمسة ملايين دولار لمن يأتي برأس صدام. -سفلة!! تابع الوزير الغاضب وقد اشتد غضباً، كلاب!! أوباش هؤلاء الأمريكان!! لا يستحيون ولا يخجلون. قائد عظيم مثل صدام يعاملونه بهذه الطريقة؟ -كما قلت يا سيدي. لا يستحيون، ومن لا يستحي يفعل ما يشاء. -لكن يجب أن نفعل شيئاً. القائد يجب أن يخرج. يلتقي بالجماهير... يخطب في المناسبات. -ليخرج يا سيدي. القائد عين الله ترعاه. هو في حرز حريز. -غبي!! ألم أقل لك مائة مرة أنت غبي!؟ قاطعه "المعلم" الذي دانت له السند والهند نبوغاً وعبقرية. الحرز الحريز الذي تتحدث عنه تخرقه رصاصة تافهة بأربعة فلوس. حينذاك، ماذا يحدث؟ -يا للهول!! هتف رئبال وقد تصور للتو حجم الكارثة إذا ما قضى القائد نحبه، تاركاً فراغاً وراءه لا يسده ساد، محدثاً زلزالاً لا يعرف عواقبه إلا الله. -لهذا أقول لا تكن غبياً... فكر بالأمر. -مرني يا سيدي. أنا فداء القائد. بالدم... بالروح.. -كفى!! كفى!! قاطعه الوزير الألمعي الذي أراد أن ينقل بلاده دفعة واحدة من بلد من بلدان العالم الثالث زراعي متخلف إلى بلد صناعي تكنولوجي متقدم. هل أنت تلميذ مدرسة؟ -لا، يا سيدي، لكنه الحماس. أنا آسف يا سيدي، لكن حقيقة أنا رهن أمرك. ماذا تريد أن تفعل؟ -نبحث عن بديل. قال الوزير وهو يشدد على كل حرف. -نبحث عن بديل!؟ ردد الببغاء الغبي دون أن يفهم شيئاً مما سمع. -أجل، بديل يشبه القائد فيخرج إلى الجماهير عوضاً عنه. -عبقري يا سيدي!! أنت حقاً عبقري يا سيدي. هتف رئبال شبه مصفق لفكرة لم تخطر له ببال. -الآن، فكر معي، أنت، سكرتير العبقري، أتعرف أحداً يشبه القائد؟ -أحد... أحد.. راح رئبال يفكر وقد وضع إصبعه على صدغه. -ذات مرة، قطع عليه تفكيره معلمه الألمعي الذي لا تفوته فائتة، رأيت ضابطاً من الحرس الجمهوري يعطى وساماً. -ضابط من الحرس الجمهوري... يعطى وساماً!؟ ردد رئبال وهو ما يزال يفكر. -أجل، هو يشبه القائد، بل لكأنه هو... الخالق الناطق. اسمه.. حسن.. حسين.. محسن... -نعم.. يا سيدي.. وجدته.. وجدته... هتف رئبال بفرح الأطفال... لعلك تقصد العميد عبد المحسن. -أجل... هو... العميد عبد المحسن. صلة قربى تجمع بينكما، أليس كذلك؟ -هو عديلي... -عديلك!! أجل!! إذن استدعه الساعة!! وقبل أن تكتمل الساعة كانت برقية من ثلاث كلمات تحط على طاولة العميد عبد المحسن في البصرة "احضر إلي فوراً." سأل النبي سليمان الطيور من حوله، وكان يكلم الطيور وتكلمه، "أيكم أسرع في إيصال رسالتي هذه إلى بلقيس والعودة إلي؟" تحدث كل طير عن سرعته دون أن يعجب سليمان إلى أن جاء دور الهدهد فقال "أعود إليك قبل أن يرتد إليك طرفك". حينذاك فقط تهلل وجه سليمان وأرسله في مهمة خطيرة. كذلك تهلل وجه رئبال وهو يستقبل عديله عبد المحسن القادم لتسلم مهمة خطيرة لا يعلم عنها شيئاً. هو فقط مغبر أشعث، كأنما أبى خراب البصرة إلا أن يترك عليه بصماته. -خير!! ماذا هناك؟ لكن لم يكن من صلاحية رئبال أن يقول له ماذا هناك، فقاده إلى الوزير المسؤول، رجل الدولة الثاني وصهر القائد الأول بلا منازع. أدى الضابط الانضباطي التحية العسكرية ثم وقف وهو بكامل استعداده. الوزير غارق في ملفات عمل تنتهي دقائق الزمن قبل أن تنتهي. رفع رأسه ففتح عينيه على مصاريعهما ثم هب واقفاً دون أن يرد التحية أو ينبس ببنت شفة. اقترب من الرجل الأشعث المغبر، ثم شرع يدور حوله دوران الأرض حول نفسها. تأمل طوله، عرضه، كتفه، ظهره، صدره، بعدئذ اقترب من وجهه، تفحص بشرته، شاربيه، أنفه، عينيه وعبد المحسن يشتد مع كل دورة اندهاشاً ثم خوفاً فرعباً "أيشكون بي؟ أهناك وشاية؟ مخبر كتب بي تقريراً؟ أحدهم تحدث عني بالشر؟ وكانت براغيه على وشك الانفلات حين نطق فاحصه أخيراً. -أجل. أنت فعلاً تشبهه. -حمداً لله يا سيدي!! حلت المشكلة!؟ نطق رئبال بفرح غامر. -بعض المشكلة. نحن بحاجة إلى ثلاثة أو أربعة أيضاً. -ثلاثة... أربعة... نأتي بهم يا سيدي. الله سبحانه خلق من الشبه أربعين. -صحيح، يمكن أن نأتي بأربعين. قال الوزير الفرح باللقيا ثم توجه إلى عبد المحسن. المهم أنت جاهز؟ -طبعاً سيدي! جاهز. لكن من أجل ماذا؟ سأل عبد المحسن بعد أن حاول كبح نفسه، لكن دون أن يستطيع. في الجيش كانوا قد علموهم أن يجيب المرؤوس رئيسه فقط لا أن يسأله... السؤال تطاول وليس من حق الصغير أن يتطاول على الكبير. هو يتلقى فقط، لكن الرعب الذي تملكه، التهيؤات التي راودته، والوزير يدور حوله ويتفحصه، أنسته بعض قواعد الانضباط. لقد كان في رأسه تهيؤاته فوهة مسدس تسدد إلى صدغه ثم بو... م... ويخر صريعاً على الأرض، فكيف لا ينسى بعض قواعد الانضباط؟ ـ سأقول لك من أجل ماذا. من أجل... بدأ الوزير وكأنه يريد أن يشرح، لكن فجأة أقلع عن فكرته ثم أمسك بذراعه دافعاً إياه أمامه. القائد سيشرح لك. وارتعدت مفاصل عبد المحسن. "القائد!؟ لكن مالي وللقائد؟ يا إلهي!! طوال عمري أتجنب القادة والمسؤولين. بودي أن أظل في الظل لا أرى أحداً ولا يراني أحد. فجأة، يأخذونني إلى القائد؟" لكن نظرة رئبال وهو يرافق "معلمه" إلى السيارة، لمسة الطمأنة من راحته وهو يصعد إلى المقعد الأمامي دون قيود في اليدين، دون حراب في الظهر جعلته يشعر بشيء من الطمأنينة، إنما دون أن تفارقه التهيؤات "أكيد... ثمة خطب!! يا إلهي!! خروف لسيدنا الحسين ومائة دينار للأولياء إن خرجت من لدن القائد سالماً". لجأ محسن لما كان يلجأ إليه آباؤه وأجداده حين يقعون في ضيق، لكن السيارة الفارهة اجتازت شوارع بغداد العريضة الواسعة حيث يمكن أن يكون القائد، لتتجه إلى قلب بغداد القديمة، حيث الأحياء الشعبية والحارات العتيقة. "رباه!! أين يأخذونني؟" فيما عيناه تختلسان النظر يمنة ويسرة إلى الأزقة والبيوت القديمة "هنا لا قيادة جيش ولا حرس جمهوري. لا قصر رئاسة ولا مقر وزارة. إذن إلى أين؟ أهناك سجن لا أعرفه؟ معتقل خفي لم تره عين؟" ومن جديد، بدأت رعدة تسري في أوصاله خفيفة في البداية ثم أشد فأشد. التفت إلى الوراء. الوزير صامت شارد، ربما نسي وجوده كلياً. "أأفر فأوفر على نفسي كل مكروه محتمل؟" لكن التفاتة خفيفة إلى الوراء جعلته يرى سيارة المرافقة وهي مدججة بالسلاح... شبابيكها، مقدمتها، مؤخرتها، أعلاها، ربما أسفلها أيضاً مدجج بالسلاح" لا مفر!!" وشعر بكل ما فيه من قوى يحبط... عزيمة تثبط. "هو ذا قدرك... فاستسلم لقدرك محسن." هنيهة، ثم وصلت السيارة إلى دار عربية قديمة كدور الكرخ تلك التي تحدث عنها أبو نواس. باب الدار واسع عال صنع من الخشب والصفيح، وكأنما يعمل بزر كهربائي فتح على عجل، وعلى عجل دخلت السيارة. باحة الدار واسعة خالية كأية باحة لدار عربية قديمة... صف من الغرف في الصدارة وصف إلى اليمين وآخر إلى الشمال، فيما تسمق عالياً نخلات ثلاث في الطرف المقابل. "ليس هو بالسجن" وسرى شعور بـ الطمأنينة في نفسه. بضعة رجال بأزياء عسكرية وأسلحة رشاشة سارعوا إلى السيارة فاقتلعوا شعور الطمأنينة من جديد "يا إلهي!! لو أعلم مصيري فقط!!" ـ هلم معي عبد المحسن، جاء صوت الوزير الذي سبقه في النزول فأسرع الرجل يلحق به وقد أحاط بهما الجند من اليمين واليسار. عند عتبة أول غرفة وجد محسن نفسه وجهاً لوجه أمام القائد بزيه العسكري المشهور. وبالنطاق يتدلى من مسدسه وبكل ما لديه من نجوم ونسور. في الحال تسمر محسن في مكانه داقاً كعب يمناه بالأرض، رافعاً يده بأشد تحية عسكرية أخذها في حياته. ـ العميد عبد المحسن، سيدي، قدمه الوزير مؤدياً التحية بيد، مشيراً إليه باليد الأخرى. ـ الله بالخير شبيهي!! الله بالخير وهلا!! هلا!! سمع عبد المحسن صوت القائد يرحب به وهو لا يصدق أذنيه ثم رأى يده تمتد إليه مصافحة وهو لا يصدق عينيه. لمسة ود وجد في يد القائد، وشدة صديق أحس، فأسلم يده وهو يشعر بالشحنة الهائلة من التوتر والخوف تفرغ من جسده كما يفرغ دولاب من الهواء. عشرين، ثلاثين، ستين دقيقة!! هو لا يدري كم ظل مع القائد!!. كان في حالة تشبه العطالة... عطالة الزمان والمكان معاً والقائد يتحدث عن المخاطر التي يواجهها العراق... عن أحقاد الإمبريالية والاستعمار عليه... مخططاتهم للانتقام منه... محاولاتهم الدائبة لتركيعه وإذلاله. محسن يستمع، بشغف يستمع، مسحوراً يستمع، أخيراً قال القائد: ـ يذعن العراق، ينتهي كل شيء، لكن العراق لن يذعن. في قاموس بغداد لا توجد كلمة إذعان، ولكي لا نذعن علينا أن نظل صامدين متماسكين جسداً واحداً كأنه البنيان المرصوص، والجسد بلا رأس إنما هو جثة. إذن عليكم أن تحافظوا على الرأس. الرأس هو الضمانة... ضمانة الصمود والتصدي... وأنا الرأس فعليكم الحفاظ علي. بأظفاركم، بأسنانكم عليكم صد الأعداء عني، إفشال المؤامرات علي. ـ أرواحنا فداك سيدي!! وجد عبد المحسن نفسه ينطق دون سابق تخطيط. تبسم القائد تبسم الحذر المريب فلا يدري من يبتسم له أينوي به الخير أم الشر. بعدئذٍ ربت القائد كتفه ثم نهض متثاقلاً وكأنما على ظهره أثقال الجبال كلها. ـ عبد المحسن زين، قال وهو يلتفت إلى الوزير. أنا موافق. باشروا باتخاذ الإجراءات. ومد يده من جديد يصافح الشبيه الذي لم يكن قد عرف بعد على ماذا وافق القائد ولا ماهية تلك الإجراءات. سبعة وعشرين يوماً ظل عبد المحسن أبا العلاء المعري، رهين المحبسين، لكن محبسي محسن: قصر الرئاسة وقيادة الحرس الجمهوري. هناك تعاوره خبراء، بعضهم علمه طريقة مشي الرئيس، حركات يديه، رأسه، نظراته، آخرون علموه نبرة الصوت، طبقات الصوت، حركات الشفاه، فيما تناوله مدربون آخرون في ميادين أخرى: الإشارة، الإيماء، الأزياء، المكياج، السلام، اللفتات، اللغات... وكلهم يعمل فيه صقلاً وتشذيباً علهم يجعلون منه الشبيه الأمثل والبديل الأكمل. في تلك الأيام السبعة والعشرين علم عبد المحسن مهمته كما أدرك مدى أهميته باذلاً كل ما لديه من طاقة كي يتقمص شخصية القائد ويصنع من نفسه ذلك البديل الذي يريده القائد، لكنه في بغداد وفاطمة في بغداد. حنينه إليها كان يأخذه بعيداً أحياناً، يشرد به عن الخبراء والمدربين فينهرونه ليعود وكله أمل أن يأتي اليوم الذي يسمحون له بلقاء فاطمة. أيامه كلها تدريب ومشاغل، مع ذلك أحس بها طويلة، لكن ما إن انتهت وجاء الإذن بالخروج حتى مضى إلى فاطمة يسابق الريح. أهو الحس؟ أهي الموجات الكهرطيسية سبقته إليها؟ فاطمة لا تدري. كل ما تدريه أن شيئاً ما جعلها تسرع إلى الباب. هناك وجدته أمامها فوثبت إليه تحيط عنقه بذراعيها وتغمره قبلاً ولثمات، ليرد عليها عبد المحسن ضماً وشماً، قبلاً ولثماً. لكن انتفاخاً في بطنها بدا وكأنه يشكل حاجزاً بينهما. أنزلها إلى الأرض، تطلع إلى البطن ثم تبسم: ـ ماذا؟ فعلتها؟ ـ بل أنت الذي فعلها!! ردت عليه ضاحكة. ـ أوه!! حمداً لله!! سنعوض ما فقدنا!! ـ ونفقأ حصرماً في أعين الأنكلو أمريكان... بعدئذٍ جاءت الصغيرة تركض، ثم الأم تلهث وتحول المنزل كله إلى عرس للفرح والبهجة. ـ تأخرت هذه المرة!! أين كنت؟ سألته فاطمة وهي تجلس إلى جانبه فيما تجلس ابنته إلى الجانب الآخر. ـ مـ.. مـ.. ما.. ذا.. ألم يـ... بدأ متلعثماً ثم توقف متفكراً "بالتأكيد لم يقل لها رئبال، أم نسيت أن مهمتك سرية لا ينبغي أن يعرف بها أحد؟" ـ من؟ ماذا؟ سألته فاطمة بعد طول انتظار. ـ لا. لا شيء. كانت لدينا مهمة خارج البصرة، لم تنته حتى اليوم. ـ آه!! بويا! متى تجي لعندنا؟ متى تصير بيننا؟ قالت الفتاة الصغيرة وهي تشد نفسها إليه كأنما تريد الالتحام به. ـ كم يوم... كم يوم... بويا!! أجاب الأب محتضناً مقبلاً. ـ صحيح محسن؟ سألت امرأة عمه وقد كفت عن اللهاث. الله عليك، صحيح؟ ولم يملك محسن إلا أن يبتسم هازاً رأسه مؤكداً لها تساؤلها لقد سبق وأعطوه تعليمات محددة. "بعد الإجازة تقول للجميع إنك انتقلت إلى قيادة الحرس الجمهوري، ولا كلمة زيادة." شاغل آخر كان يشغل فاطمة: الحمام، وسرعان ما انطلقت تهيئه علها تخلو بالرجل الذي لا تستطيع انتظار خلوته حتى الليل. في الليل جاء رئبال. ـ تباً لك!! بادره محسن ما إن انفرد به جانباً، كدت تقتلني خوفاً ذلك اليوم. ألم يكن الأجدر بك أن تلمح تلميحاً لمهمتي؟ ـ وهل أستطيع؟ هذا سر لا يجوز لي أن أحدثك به؟ ـ اللعنة!! لا تدري كم تملكني من رعب!! ـ بل أدري. لكن على من يريدون أن يصبحوا قادة، أن يتدربوا على الخوف. جاءت رقية وفاطمة بالطعام فقطعتا عليهما الحديث. لكن لم تمر الأمسية دون أن تشعر فاطمة بأن هناك لغزاً ما لا يفتآن يعودان إليه. ـ ماذا تخبئ عني؟ سألته فاطمة وقد همدا في المخدع بعد فوران. ـ ما... ذا؟ لا... لا... شيء... رد محسن موزعاً بين توقه لمشاركتها السر وخوفه من إفشائه. ـ أقسمت إلا قلت لي. ولأن قسم فاطمة غال عليه، همس في أذنها وكأنما يخشى أن تكون للآذان حيطان. ـ أنا انتقلت. صرت هنا... في بغداد. ـ حقاً!! إذن، زغرودة!! ورفعت يدها إلى فمها تزغرد، لكن راحة كفه أطبقت على شفتيها بكل ما لديه من قوة. ـ لا... لا... هذا ليس للنشر الآن!! ـ ماذا؟ متى إذن؟ ـ عندما يحين الأوان. ـ لا... في التمّن بصل، محسن. ـ لا بصل ولا ثوم... بل هي التعليمات. ـ التعليمات!؟ إذن... إلى أين انتقلت في بغداد؟ ـ لا.. فاطمة... لا تسأليني هذا.. أرجوك. ـ لماذا؟ عمل المرء مفخرة له.. قالت ثم توقفت. تطلعت إليه بإمعان ثم سألت: إلى المخابرات؟ ـ لا!! ـ السلك الدبلوماسي؟ ـ لا ـ أين إذن؟ ـ قيادة الحرس. ـ لا... ما أنت في قيادة الحرس... وإلا ما كنت لتخفيه. ـ أقول لك فيما بعد. ـ بل الآن. ـ لا أستطيع فاطمة! ـ أهناك ما يخيفك؟ ـ كثيراً. ـ اترك كل شيء إذن!! لا تعش في ظلمة الخوف. دع كل شيء واهرب محسن. ـ أهرب؟ أين؟ ـ أرض الله واسعة!! ـ وأضيع مثل ذلك الشتات العراقي الهارب كله؟ تريدينني أن أهرب لأضيع مثل ناصر؟ لا... فاطمة، لا.. أموت هنا ولا أضيع مثل ناصر، أفنى ولا أصير من الشتات. شتات باقر شديد، ضياعه أشد، لم يشعر به كما شعر به تلك الأيام. "التأديبة" التي أنزلها به أبو العز، لم تخلع كتفه وحسب بل خلعت الكثير من قناعاته وأفكاره. على سرير المستشفى، وحيداً في الليالي الطوال، كان لا يعرف إلا السهاد، فالنوم لا يأتي برفقة الهموم، وكان باقر مهموماً... يفكر ويفكر. "لماذا فعل أبو العز ذلك؟ لماذا اللجوء للعنف وبإمكانه أن يناقشني.. أن يلجأ للحوار معي؟" لكنه لم يجد الجواب. أحياناً يقول: "هذه أساليبهم أم نسيت ما كانوا يفعلون بكل من يخالفهم الرأي أو يعارضهم القول؟" باقر يعرف قصصاً كثيرة عن رفاق له ضربوا حتى الموت، عن آخرين سجنوا حتى التصفية بل بعضهم سلموا بهذا الشكل أو ذاك لأجهزة الأمن نفسها في بغداد. وشاية تسري همساً، معلومة تسرب سراً ويذهب الرفيق إلى غير رجعة. باقر يعرف الكثير من الأمثلة بل يعرف أقبية الحزب التي حوّلت إلى زنزانات يعذب فيها الرفاق، لكنه كان يكذب نفسه، يصدق القيادة ويكذب نفسه. كانت القيادات تنكر دائماً وكان الإنكار يدفعه إلى الشك لكن، وقد أفلت أبو العز كلبيه "البولدوغ" عليه وعلى نحو جعل وجهه لوحة للزرقة والحمرة، جسده خارطة لتضاريس من الجبال، كتفه انخلاعا وتمزقا، فقد بات على يقين أن قلب القيادة صوان لا يرحم وأن قبضة القيادة حديد يهشم وأن اللقاء الذي بدا محض مصادفة كان محض تدبير وتخطيط. في المستشفى عرف كل شيء. همام جاءه بعد أيام ملهوفاً مذعوراً. أخذه بالأحضان، قبله ثم أكد له أن الرجال الثلاثة كانوا قد سألوا عنه في المنزل قبل أن يلحقوا به إلى "الهورس شو" ويفعلوا ما فعلوا. في المستشفى أيضاً راجع باقر حساباته، هناك اكتشف أن بوناً شاسعاً يفصل بينه وبين قيادة الحزب. هي في واد وهو في واد، فيما جبال عالية من الاختلاف تفصل بينهما. "أنا الذي ضعت أم هي التي ضاعت؟" ولم يكن باقر يعرف الجواب. كل ما يعرفه أن آراءهما باتت متباينة، مواقفهما مختلفة... ثمة بديهيات في نظره باتت مرفوضة رفضاً قاطعاً لديها!! "أمريكا عدوة الشعوب،" بديهة علمه إياها الحزب، لكن هاهي ذي قيادة الحزب تقول "لا نتحالف مع أمريكا وبريطانيا وحسب، بل نتحالف مع الشيطان ضد صدام". "الديالكتيك عقيدتنا" تلك كانت ألف باء التربية التي رباه عليها الحزب في البصرة، في بغداد، في معهد العلوم السياسية في موسكو يوم ذهب إلى موسكو يدرس العلوم السياسية... لكن هاهي ذي قيادة الحزب ترفض أي جدل أو حوار. "ما نقوله هو الصواب وكل مخالف لما نقول زنديق مارق." الديمقراطية والحرية، النقد والنقد الذاتي، المبادرة الفردية، القيادة الجماعية، المنهجية والموضوعية، كلها مسائل علمه إياها الحزب، جعله يؤمن بها إيماناً مطلقاً، مذ كان فتى في الإعدادية وإلى أن تخرج كادراً متقدماً في الحزب. هو واثق أن نهج الحزب صحيح، ما علمه إياه صحيح... لكن هاهي ذي القيادة تسلك سلوكاً مغايراً، ترتكب ما لا يصح أن يرتكب ويجد نفسه في شك، بكل ما تعلمه... مرتاباً بنفسه، ضائعاً.. ضياعه جعله يسأل هماماً، وقد أخرجه من المستشفى إلى بيته. ـ للأسف، رد همام ضاحكاً، في وطننا العربي ينتفي قانون الماهية. فيصبح ما هو ليس هو... بل قد يصبح أنت، أنا، هي، لكن ليس هو. ـ سؤالي.. لماذا؟ تابع باقر سؤاله وهو أشد حيرة من قبل. ـ أعتقد أنها مسألة انتماء. أجاب همام بعد إطراقة من تفكير. ـ انتماء؟ كيف؟ ـ قل لي لمن تنتمي أقل لك من أنت. أجاب همام وهو يمسك جيداً بالفكرة، أتنتمي لمصالحك الشخصية أم للمصلحة العامة؟ لوطنك وقومك في الداخل أم لهذه الجهة أو تلك في الخارج؟ وإن كنت في قلب الوطن، أتنتمي للشعب نفسه أم لأقلية تعادي الشعب؟ ـ أوضح أكثر... أفصح أكثر، همام!! ـ سأوضح باقر، قال وهو يتنهد. للأسف!! كثير من قيادات أحزابنا تنتمي لمصالحها الشخصية لا لمصلحة الوطن... للخارج لا للداخل، للأقلية لا للأمة وهذا ما ينفي قانون الماهية، ما يخلق تلك المفارقات والتناقضات. طويلاً فكر باقر بالأمر وطويلاً أرقه ذلك الأمر. أيظل على ما علمه إياه الحزب أم على ما تريده القيادة؟ أيسير وفق نهج الحزب أم وفق نهج القيادة؟ لكن القيادة هي الحزب. ما تقوله يصبح قول الحزب وما ترفضه يصبح ما يرفضه الحزب. الحزب صورة والقيادة إطار، وأنت بحاجة دائماً إلى الإطار. هو الذي يحتويك، بغيره ستتعرض للتسيب والضياع.. باقر ضائع.. يشعر أنه على مفترق طرق، فأي طريق يسلك؟ إن سلك طريق الحزب قطع مع القيادة، وإن سلك طريق القيادة قطع مع الحزب، مع معتقداته وقناعاته. أمران أحلاهما مر. أيقطع مع هذا؟ مع تلك؟ أم يقطع مع الاثنين؟ لا.... لا. الحزب هو حبل السرة الذي يأخذ منه الماء والغذاء... يستمد منه الحياة فهل يقطع حبل السرة؟ هل يحكم على نفسه بالإعدام؟ باقر حائر... ضائع... لا يستطيع اتخاذ قرار. هو في كل شيء، على كل صعيد، حائر... ضائع. العمل... الإقامة.. الحزب... السياسة، بل حتى على صعيد المرأة، باقر يشعر أنه أكثر ما يكون ضياعاً وحيرة...هو الذي أحب "مهيجة" البصرة وهو صبي مراهق، ثم "جميلة" بغداد فآمال، رفيقة النضال، كان يؤمن بالمرأة بل لا يستطيع العيش دون حبها ولا يستطيع الفصل بين الحب والجنس... بالنسبة إليه الحب هو الجنس والجنس هو الحب، نصفان متكاملان لا يعيش واحدهما بغير الآخر... لهذا السبب ربما.. كان حيثما يذهب يبحث عن المرأة التي يحب.. في شمالي العراق... حيث الجبال الوعرة والبرد القارس بحث عن الحب. كان بحاجة إلى دفئه، إلى شفافيته ورهافته ووجدها كلها في دكروجة!! "إيه!! دكروجة!! يا نضارة الريحان، ورشاقة الخيزران، كم حملت لي من دفء!! كم نفحتني من عبق!! كنت تخبزين لنا الأرغفة المحمرة المقمرة وكنت تشاركيننا النضال ونصب عينيك تحرير كردستان لتكون منطلقاً لنا نحرر منه العراق فنبني دولة الحرية والديمقراطية، دولة الاشتراكية والمساواة. لم تكوني تفكرين بالزواج. نضالنا معاً هو الزواج، حياتنا معاً هي الزواج وكنت تعطين... معطاءة أنت دكروجة، حنونة دكروجة، كما لم أر في حياتي عطاء أو حناناً، لكن فجأة جاءتني الشظية، أبعدتني عنك بل عن كردستان كلها عن حرب العصابات وتحرير العراق كله." في بيروت لم يستطع أن يجد المرأة التي يحب. كلهن بنات هوى ولا حب مع بنات الهوى، لكنه وجدها في عمان حيث لبانة، مع لبانة كان يقضي أجمل الأوقات. لبانة تعرف ما تريد وتحصل على ما تريد. تعرف ما يريد الآخر وتعطي ما يريده الآخر، لكنه آخر مرة فشل. على سريرها عرف أقسى هزائم الرجل فسقط إلى جانبها لا حول ولا طول. أتراها تلك كانت نقطة التحول؟ أتراه كان المنعطف الذي ألقاه في فيافي الضياع؟ باقر لا يدري... كل ما يدريه أنه بات بعد لبانة شيئاً آخر. أكان يخشى الهزيمة؟ ربما الغريزة فيه كانت بحاجة للمرأة لكن الرغبة في حبها كانت قد تلاشت .. صورة لبانة ما تزال في ذهنه وهي تنظر إليه بازدراء وصلف. صوتها ما يزال في أذنيه وهي تقرعه: "فاشل... عاجز". ثم تدير ظهرها وتنام. "لك الله يا لبانة!! كيف فعلت ذلك؟ ألأنني أخفقت تلك الليلة؟ إذن نسيت ليالينا الحمراء السابقة؟ نسيت اللذائذ الكثيرة التي سفحناها معاً؟... نسيت كل ما قطفناه من جني النحل وخمرة الحب؟ لك الله يا لبانة يا من لفظتني لفظ النواة؟" منذ لبانة وهو في حيرة. باقر يرغب في الحب لكنه يخشى الجنس. يجد المرأة التي يضاجع لكنه لا يجد المرأة التي يحب. هو لا يجدهما معاً فماذا يفعل؟ باقر حائر ضائع، لكن ما إن خرج من المستشفى إلى بيت همام حتى بدأ يتغير. همام وحيد، ترك عائلته خلفه، هناك حيث النجود والصحارى، وراح يتنقل، حياته لا تحتمل زواجاً جديداً أو استقراراً، فكيف يقضي حاجته؟ هو يؤمن أنه بحاجة للمرأة حاجته للطعام والشراب... طاقة الليبيدو فيه تحتاج إلى منفث، فأين يجد ذلك المنفث؟ هو علمي موضوعي، نقاشه مع باقر لا ينتهي. في السياسة، في الحرب، في الحب، يتناقشان دائماً، هو في طور النقاهة وهمام في استراحة محارب فماذا يفعلان غير الكلام؟ شيئاً فشيئاً بدأ باقر يقتنع "حقاً!! لماذا لا أفصل بين الحب والجنس؟ همام يفصل. يأتي بالمرأة. يقضي منها وطره ثم وداعاً!! فلماذا لا أفعل أنا ذلك؟" لكن صوتاً آخر في داخله كان يتنطح للرد "أنت بذلك تشيئ المرأة... تجعل منها سلعة". "القاضي راضٍ فما دخل المفتي" "هي مرغمة. ما من امرأة تريد أن تجعل من نفسها سلعة، لكن الضرورة... الحاجة ترغمها، فهل تستغل أنت تلك الحاجة؟ هل تقف إلى جانب الضرورة وتلغي المرأة الإنسان؟" ولكي يخلص من حيرته أراد أن يجرب. جاءته امرأة ولم يكن همام في البيت. اعتذر لغيابه فضحكت. -بضاعة مخلوفة فلا تعتذر؟ سألها: -بضاعة مخلوفة؟ ماذا تقصدين؟ -أنت تكفي وتفي، أم لست رجلاً؟ وكان التحدي الذي لم يستطع إلا قبوله. اقترب منها، فصدته. -تدفع أولاً، ودفع. "هي راضية أن تكون سلعة، فلماذا احتجاجي أنا؟" وطرحها على الفراش. شعور غريب أحس به باقر. شعور بالفرحة لم يشعر به منذ زمن طويل. "إذن أنا لست عاجزاً أو عنيناً!؟ لبانة كانت ظرفاً طارئاً، ورافق الفرحة نوع من الاسترخاء. التوتر في داخله زال، الشحنة أفرغت، لكنه لم يكن قد وجد المتعة... تلك اللذة المضمخة بالنشوة، المعطرة بالراحة والغبطة، كان يفتقدها. "لكأنني كنت حاقناً ثم بلت... بلت فعلاً". ونظر إلى المبولة والمرأة تغتسل عارية في الحمام "آه!! ما أجمل المرأة مع الحب!! ما أروع الجنس حبّاً!!" لكن بات باستطاعته بعد ذلك أن يفصل بين الجنس والحب... أن يقبل حتى بنات الهوى، ولم يكن يدري هل أنهى حيرته وضياعه أم ازداد حيرة وضياعاً؟ في المعسكر لم يجد باقر نفسه ضائعاً وحسب، بل وجد رفاقه كلهم في حالة ضياع. كانت الدعوة إلى مؤتمر مدريد قد وجهت وكان الراعيان الأمريكي والسوفياتي يسعيان حثيثاً لعقده.. يهيئان المناخ له. وكان كل من في المعسكر يتساءل: "من يذهب من العرب؟ من لا يذهب؟" بعضهم يقول: "لن يذهب منهم إلا أهل كامب ديفيد!" بعضهم الآخر يحتج "بل العرب كلهم يذهبون، كامب ديفيد وغير كامب ديفيد" فيما البعض الثالث يؤكد "الثوريون سيرفضون.. وتتعرى الرجعية مرة واحدة وإلى الأبد". لم يكن باستطاعة أحد أن يصل إلى اليقين، فثمة غشاوة على العيون وزلزال تحت الأقدام. كان كل ما في العالم يتزلزل... يرتج... وكيف تصح رؤية مع ارتجاج؟ نمر متشائم: -الآن نخسر كل شيء. قال وهم يجلسون إلى المائدة في أول غداء لباقر في المعسكر. -توكل بالله يا رجل!! غمغم يسار وهو يلوك لقمة ملأت فمه حتى الشدقين. ما زال هناك أمل. -أي أمل والعرب يعترفون بإسرائيل!؟ -هناك من لن يعترف. رد يسار وهو يشير إلى الشرق. -كلهم سيعترفون، تدخل أبو الليل متنهداً تنهد الحسرة. إذا كان أصحاب القضية أنفسهم سيذهبون وسيعترفون، فما بالك بأبناء عمهم وجيرانهم؟ -تقارن أبناء العم والجيران بصاحبك؟ وأشار يسار إلى كوفية على رأسه بما يحدد هوية ذلك الصاحب. -وما له صاحبك؟ رد هذه المرة باقر بنوع من الاستثارة. -إي... بايعها. أجاب يسار بلهجته الحلبية المميزة. ضحك الكل ما عدا أبا الليل فقد بدا أنه أكثر من مهموم. -يا جماعة!! أنتم تعلمون. أنا لست معه، لكن لنكن موضوعيين. ماذا يفعل رجل أعزل محاصر من كل جهة؟ -يرفع يديه ورجليه، صاح يسار ساخراً. -تعرفون!؟ تابع أبو الليل وكأنه لم يقاطع، أنا أشفق عليه أحياناً. كنا جميعاً في الأردن نقاتل إسرائيل، وكان هو أحرصنا على الاستمرار في القتال... لكنهم افتعلوا المشاكل. اختلقوا الورطة تلو الورطة إلى أن طردونا من الأردن. -فجاء إلى لبنان ينشئ دولة في لبنان؟ سأل يسار بنوع من التشفي. -أهو وحده المسؤول؟ لا... كلنا مسؤولون. بدأ أبو الليل لكن سرعان ما قاطعه يسار. -لا... ياسر عرفات هو المسؤول.... وها هو ذا يدفع الثمن يفر إلى تونس.. حيث لا إسرائيل ولا حدود.. لا سلاح ولا حلفاء.. وزفر باقر، وهو يستعيد في ذاكرته كيف كان المعسكر الاشتراكي، حليف المقاومة الرئيسي، يتداعى: ألمانيا الشرقية ابتلعتها ألمانيا الغربية، بولونيا، هنغاريا، تشيكوسلوفاكيا... دول المعسكر الاشتراكي كلها كانت قد انفصلت عن المعسكر الاشتراكي واحدة إثر الأخرى... مدماكاً بعد مدماك كان ينهار المعسكر الاشتراكي، بل حتى الاتحاد السوفيتي نفسه بدأ يتهاوى لاتفيا.. استونيا... ليتوانيا... كلها كانت قد غادرت الاتحاد السوفيتي طاعنة إياه في الظهر، وقد بدأ يتفكك. -الحقيقة وضعه صعب. انتبه باقر إلى نمر يقول بهدوء.. إسرائيل تقيم المستوطنات في الضفة. بعضهم يقولون: حتى سنة ألفين وسبع ستصبح أغلبية السكان هناك يهوداً وأكثرية العمران مستوطنات. -لهذا يريد عرفات موطئ قدم يرفع عليه علم فلسطين، تابع أبو الليل. -وما الفائدة من رفع علم فلسطين إن لم يكن هناك فلسطين؟ عقب يسار بكثير من السخرية. -لذلك، يجب أن لا يذهب العرب. قال باقر أخيراً وهو يحاول أن يستجمع نفسه من ضياع. -كيف لا يذهبون وكلهم راكعون منبطحون؟ أجاب أبو الليل سائلاً. -تعلمون!؟ الآن يخطر ببالي شيء، عاد باقر إلى الكلام ثم توقف فجأة. -أي شيء؟ سأله يسار بكثير من الفضول. -تدمير العراق بجيشه، بشعبه، باقتصاده، بنفطه... ألم يكن تمهيداً لعقد هذا المؤتمر؟ -ربما، قال نمر. -بل بالتأكيد، عقب أبو الليل فيما علق يسار: -وما دخل العراق بفلسطين؟ لكن أحداً لم يجبه.. نظراتهم وحدها كانت تمسحه بكثير من السخرية والاستخفاف. "من العراق خرج نبوخذ نصر" فكر باقر. "وإلى فلسطين مضى حيث كان اليهود يقضون مضاجع السكان الآمنين ويعيثون فساداً في ربوع فلسطين... هجوماً كاسحاً شن عليهم نبوخذ نصر، سقطوا إثره أسرى وسبايا... ساقهم وهم موثقون بالحبال إلى بابل، منزلاً بهم العقاب الذي يستحقون، فكيف تقول أيها الجاهل ما دخل العراق بفلسطين؟" صافرة إنذار دوت فقطعت عليه تفكيره. -أسرعوا اختبئوا في الملاجئ، جاء صوت من الخارج يؤكد الإنذار. فأسرع الكل إلى الملجأ المختبئ في سفح الجبل يتقون به قنابل النابالم الإسرائيلية وقذائفه العنقودية... إسرائيل تذهب برجل إلى مؤتمر مدريد، وتقوم، بالرجل الأخرى، بغاراتها الجوية على قواعد الفدائيين. "كل من يعارض المؤتمر يجب أن يدمر... كل معسكر للعمل الفدائي يجب أن يمسح عن وجه الأرض"، وبينما كان اسحق شامير يحمل حقيبته ويمضي إلى مدريد، كان جنرالاته يرسمون على الخرائط أهدافاً لطائراتهم في الجنوب والبقاع، بعلبك والهرمل بل حتى مخيم البارد في الشمال. ذهب العرب كلهم إلى مؤتمر مدريد، وحدها بغداد كانت معزولة كالبعير الأجرب "هي ذي الغاية. يعقد المؤتمر ولا يستطيع أحد رفع رأسه. يتم الاعتراف بإسرائيل وما من أحد من العرب يرفع صوته". وبدا ضباب الحيرة ينقشع عن عيني باقر، بدا نوع من اليقين يترسخ في نفسه أكثر فأكثر. هو يرى مسلسل الأحداث الطويل ذاك الذي افتعله الأنكلو أمريكان. الاستراتيجية الثالثة والأنظمة الإسلامية، ثورة الخميني وتصدير الثورة، احتواء العراق "جمهورية إسلامية تابعة لها"، ضرب إسرائيل للمفاعل النووي العراقي بل حتى الكويت لم تكن إلا طعماً قدمه الأنكلو أمريكان أنفسهم إلى صدام. "إيه منك أيها الاستعمار!! حقد لا يدفع وجشع لا يشبع!! إيه منكم أيها الأنكلو أمريكان!! لماذا تريدوننا أن نبقى أبداً مطاياكم!؟ عبيداً وإماء في خدمتكم؟ أنتم يا من ينادي بالحرية والمساواة، بالعدالة وحقوق الإنسان، كيف تلتهمون حريتنا ومساواتنا؟ لم تسلبوننا ثرواتنا وحقوقنا... أمة وإنساناً!؟" جو من الخيبة والإحباط ساد المعسكر كله، وهم يرون كيف يزحف العرب بقضهم وقضيضهم إلى مؤتمر مدريد. -إسرائيل تحقق حلمها التاريخي، علق أبو الليل. -العرب يسجلون هزيمتهم التاريخية، تابع نمر. -لكن ماذا نفعل إذا اعترفوا جميعاً بإسرائيل؟ غمغم يسار وقد أصابه نوع من الاستخذاء. -هو ذا السؤال. تكلم باقر وكأنما يكلم نفسه. حين يلغى الكفاح المسلح كيف تظل هذه المعسكرات؟ حين تنتهي حرب التحرير الشعبية... لماذا نبقى هنا؟ -الحقيقة.. علق أبو الليل بكثير من الأسى. منذ زمن طويل انتهى الكفاح المسلح، منذ زمن طويل وأدوا حرب التحرير الشعبية. -ماذا تقول؟ ونحن، ماذا نحن؟ سأل يسار. -نحن الأثر الباقي لتلك الاستراتيجية، لكنها هي نفسها انتهت منذ... وتوقف أبو الليل فجأة وهو يشعر بغصة. -منذ انتهى عبد الناصر، حاول نمر أن يكمل. -وسقطت أنظمة لا أريد التحدث عنها الآن، عاد أبو الليل يكمل وهو ينظر إلى الشرق البعيد كأنما يريد أن يشق الحجب، يعبر سلسلة لبنان الشرقية إلى أرض شهدت أحداثاً دامية قبل أكثر من عشرين عاماً. -إذن لم قعودنا هنا؟ نحن الشتات البائس المشرد؟ سأل نمر فيما كان باقر يردد في سره "يا أنت يا خارطة الفتات... يا أمة الشتات" لكن دون أن يسمعه أحد أو يجيب نمراً أحد. كان السؤال كبيراً والأسئلة الكبيرة تحتاج إلى الكثير من التفكير. أياماً ظل السؤال عالقاً في المعسكر يدور ويدور... تأتي الطائرات الإسرائيلية كل يوم، تقصف، تدمر، وهو يدور، تقتل الرجال وهو يدور. وحده رأس نمر لم يعد يعرف أسئلة ولا أجوبة. لقد عاجلته قنبلة، ذات غارة قبل أن يصل إلى الملجأ فمزقته إرباً إرباً ليطير في الفضاء أشلاء. -مسكين!! ذهب نمر سدى!! علق باقر. -من يدري؟ قد يكون هو من السابقين ونحن من اللاحقين، بدا أبو الليل والدموع تطفر من عينيه، لكن حين جاءت الطائرات التالية لم تجد باقراً يذهب سدى ولا أبا الليل يصبح لاحقاً لسابق. كانا قد حسما أمرهما فقررا أخيراً وضع حد للحيرة والضياع. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |