|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل التاسع نزع ولا موت نطق ولا صوت من يصلب النساء في بغداد من يذبح الأجداد والأحفاد وانتبه باقر، وهو يترنم بقصيدة "جيكور" أنه حاد عن أبيات السياب ليصنع أبياتاً جديدة من عنده. "عذراً بدر!! المصاب أكبر من الشعر الذي نظمت... فاجعة بغداد فاجعة هولاكية جديدة... هولاكوها اليوم ليسوا مغولاً ولا تتراً جاؤوا من صحارى البداوة والجمال، بل أنكلوا أمريكان يلبسون لبوس الحضارة، يتسربلون بسربال المدينة، جاؤوا من لندن ونيويورك حيث هايد بارك وناطحات السحاب، لكنهم يفعلون ببغداد شراً مما فعل هولاكو. لا، ليس بغداد وحسب بل العراق كله. البصرة خراب يباب يا بدر!! ليتك تراها وقد صارت حجارة مبعثرة، جسوراً مدمرة وشوارع محفرة!! إيه يا بدر!! كم أنا حزين فلا تؤاخذني إن غيرت من شعرك أو بدلت". الزحام خفيف وهو يتسكع. أنسام الخريف باردة، الساعة التاسعة والناس في بيروت ما زالوا يتذكرون الحرب وأوزارها، ما زالوا يخشون أن ينبق لهم أبالسة الحرب من جديد في أية لحظة وأي مكان فيلزمون بيوتهم. "لكن.. ما تراني أفعل في بيتي؟" ولم يملك إلا أن يبتسم وهو يردد كلمة "بيتي"، بل لو لم يخشَ أن يتهمه المارة بالجنون لضحك مقهقهاً. فأر طريد شريد لا وكر له ولا جحر يقول: "بيتي". باقر منذ زمن طويل فقد حاسة الانتماء. هو بلا سكن، بلا وطن. لا يفتأ يرتحل وينتقل. وكأنما عاد إلى أصله، ذلك البدوي الراحل أبداً خلف الكلأ والماء. حين غادر المعسكر رافضاً أن يكون نمراً آخر تمزقه الشظايا مجاناً وبلا ثمن، أقنعه أبو الليل أن بيته بيته وأن شاتيلا كلها داره وموطنه. لكن، لدى أبي الليل امرأة وأولاد، وهو لا يطيق نقيق المرأة وزعيق الأولاد، فشد الرحال من جديد إلى همام. همام لا يحتمله مساكناً وحسب بل صاحب منزل يشاركه كل شيء فيه، حتى الريالات التي تأتيه من الأهل، تجد طريقها إلى جيبه فتستر عورة باتت بلا ستر مذ ترك معسكر الفداء وقد غدا بلا فداء. همام مسافر... بل هو لا يفتأ يسافر. نشاطه يغطي أوروبا. يريد أن يرى لماذا يمتلئ العالم المتحضر عجيجاً وضجيجاً عن حقوق الإنسان وحرية الإنسان، ويخرس بلا كلمة أو نأمة عن كل ما يفعله أبناء الصحارى والنجود، عن كل ما يرتكبه أولاء من انتهاكات لحقوق الإنسان، هو يصدر بيانات في لندن، مناشير في باريس، كتيبات في روما وبرلين، ولا يوفر صحيفة ولا مجلة، إذاعة أو تلفزيوناً يسمح له بالتحدث إلا ويتحدث عن أعدى أعداء حقوق الإنسان. يأتي همام شهراً ليسافر شهرين. خمس مرات سافر ليظل باقر كل مرة وحيداً في شقته المنزوية بعيداً عن الأنظار في شارع جانبي من شوارع المزرعة. باقر يكره الوحدة ويخرج إلى الشوارع يتسكع. التسكع مهنته. يأتي إلى الكورنيش يمسح البحر من السان جورج إلى الروشة... ثم يشق طريقه شرقاً... حيث الحمراء تستعيد ألقها وضوضاءها شيئاً فشيئاً. "جيكور يا جيكور شدت خيوط النور أرجوحة الصبح فأولمي للطيور والنمل من جرحى" لكنه عاد فأطلق زفرة "أين أرجوحة الصبح وأين خيوط النور يا سياب!؟ الكون كله عتمة لا يخترقها سوى شهب من صواريخ، نيازك من رصاص، وشعبك يموت فقراً وحرماناً يا سياب!! الروم من أمام والفرس من خلف وكلهم يطعن يطعن... يشدد الحصار ويضيق الخناق والجراح كثيرة تنزف لا وليمة للطيور والنمال وحسب بل لكل ذي مخلب وناب من شرقي الأرض إلى غربيها يا سياب!! عراقك بات فريسة لكل مفترس، مطمعاً لكل طامع. قومك يهلكون جوعاً وعطشاً يا سياب. أهلك، كلهم الحسين وذووه وقد حوصروا لا زاد ولا ماء ليلفظوا أنفاسهم واحداً تلو الآخر... فكيف لا نحزن كلنا يا بدر؟ كيف لا ننفجر مواويل نشيج وأشعار نحيب؟". أحس باقر بجدران معدته تفرك بعضها بعضاً... فمضى إلى أول مطعم يقدم وجبات سريعة... همبرغر وكولا... طلب وجبته ثم جلس على كرسي ثلاثي القوائم دائروي المقعد، منغرس في الأرض كقنفذ متحفز. أكل شطيرته على عجل. شرب كولاه على عجل، وكأنما يلاحقه أحد. "حقاً... لماذا العجلة؟" لكنه وجد الجواب في كل من حوله. الفتيات قصيرات الشعور كالغلمان، قصيرات الثياب كالأمازونيات، كن يأكلن بسرعة، الفتيان بجانبهن يأكلون بسرعة، إنها حضارة السرعة.. حضارة الهمبرغر والكولا... وعليه هو باقر التنكجي أن يلبس لبوسها "إن كنت في قوم فاشرب في إنائهم". خرج باقر من المطعم وهو يبتسم، مستعيداً صورة أم الليل وقد ظلت ساعة على الغداء ذات يوم تشرح لزوجها كم هو متعب شغل المطبخ.. كم قضت من الوقت لإعداد محشي الباذنجان!!. كلام أم الليل استفز أبا الليل فأقسم يميناً معظماً "سأطبخ بنفسي بعد اليوم، فلا تضربيني بأية منة" لكنها سخرت منه "ومن يأكل ما تطبخ؟" استشهد أبو الليل بصاحبه، فشهد صاحبه أنه طباخ ماهر لأكلات ثلاث: البيض المقلي، مفركة البطاطا والجظ مظ... ضحكت أم الليل من جديد ثم أردفت وكلها ثقة بالنفس "لن تستطيعوا الاستغناء عن المرأة. بغير المرأة لا حياة للرجل". هز أبو الليل رأسه استهجاناً ثم عقب "هكذا كل ذي سطوة، يظن أنه كل شيء. الحياة تتوقف عليه والموت رهن يديه. أليس كذلك باقر؟" لكن باقر لم يوافقه الرأي "أم الليل على حق". المرأة هي الحياة... بغيرها يموت الرجل". فرحت أم الليل بجواب باقر، وهمت بالتعليق لكن سرعان ما سبقها أبو الليل "باقر، أنت تقصد غير ما أقصد". "وما تقصد؟" "التسلط، الطغيان، فالمتسلط الطاغية يتصور نفسه هكذا دائماً قطب الرحى، محور العالم، بغيره لا تتحرك الرحى ولا يدور العالم. أنت معي؟" سأله فجأة وقد أحس به يشرد، فيما كان باقر فعلاً قد شرد بخياله إلى صدام. انتبه إليه فنفض رأسه ثم قال: "أجل. معك. في هذا أنت على حق. صدام هكذا أيضاً. يظن أنه إن ترك العراق ذهب العراق هباء. هو هواء العراق وماؤه... حياته وغذاؤه. وهذه هي الكارثة!! "أجل، الكارثة في عقل الطغيان المتحكم في وطننا العربي كله. أرأيت في أي بلد عربي إلا حاكماً يمسك بخناق بلده، مرسخاً في أذهان كل من حوله أن حياة بلده تتوقف عليه، يعيش إن عاش ويموت إن مات، والطامة الكبرى أن ضعاف العقول يصدقون" تابع باقر الفكرة فرحاً بخلاصه من حديث الطبخ والنفخ إلى حديث السياسة والوطن. "عرفات، مثلاً، أقنع الناس كلهم أن مؤتمر مدريد سيعيد إليه فلسطين. مؤتمر مدريد هو الخلاص فأوقف الانتفاضة وكبل أطفال الحجارة. وماذا كانت النتيجة؟ سنة كاملة على مؤتمر مدريد ولم يخرج بشيء. ورقته الرابحة الوحيدة تخلى عنها لينتظر الصدقة والإحسان من إسرائيل. لكن هل تعطي إسرائيل الصدقة؟ هل يعرف اليهودي الإحسان؟" "لكن... عرفات مسكين... صدقوني" احتجت أم الليل متدخلة على حين غرة "يد وحدها لا تصفق يا باقر!! عرفات صار وحده، العرب كلهم تخلوا عنه... شلحوه... هناك في تونس." "صحيح. في هذا أنا معك" ثنى باقر على كلامها معجباً بفطنتها "العرب كلهم يريدون تصفية قضية فلسطين... يريدون الحل السلمي والاعتراف بإسرائيل" "مع ذلك كان عليه هو أن يقاوم"، احتج أبو الليل الذي كان يشفق ذات يوم على عرفات، "كان عليه أن يرفض. لديه انتفاضة حجارة ترعب إسرائيل. منظمات فدائية ترهب إسرائيل فيتخلى عنهما معاً ويعلن: نريد السلام. السلام خيارنا الاستراتيجي". وصل باقر إلى لوحة كبيرة لملصقات سينما فتوقف شريط ذكرياته، زحام الواقفين أوقفه وهم يتفرجون على نساء عاريات ورجال عراة... مشاهد الغرام الكثيرة ومواقف الجنس المختلفة، فسينما الروكسي لا تكف أبداً عن تقديم أفلام الجنس والغرام. نظر باقر إلى ساعته... خمس دقائق ويبدأ العرض. أحدهم في الباب يهيب بالواقفين أن يشهدوا الفيلم الذي لم تشهد بيروت مثيلاً له "إثارة.. سيكس سسبنس سسبنس" وتذكر باقر "تومان" وسينما الحمراء الجديدة في البصرة... "شلخ... ملخ... تعال... شوف... عركات... بوكسات... تعال... شوف". فإذا ما بدأ الفيلم ويئس من دخول الناس إليه، أمسك بنايه القصب... يضعه على أنفه وينفخ فيه مثيراً استغراب المارة وإعجابهم. فتى الروكسي لا ينفخ ناياً ولا يصرخ "شلخ... ملخ" بل يتكلم الفرانكو آراب" إثارة... سيكس.. سسبنس... سسبنس" ومضى باقر إلى الشباك. قطع تذكرة ثم دخل وقد بدأت الأضواء تنطفئ وغبش العتمة يغشى العيون. على الشاشة الكبيرة ارتسمت كلمتان: "قريباً جداً"، ثم من قلب السجف والغلالات الشفافة كالضياء انبثقت راقصة مصرية تهز بطنها ورد فيها "عالواحدة ونص". تبسم باقر وهو يرقب الراقصة شبه العارية تندلق شحماً ولحماً. اللحن الراقص يشنف أذنيه. هو يحب ذلك اللحن... يحب تلك الرقصة. كم مرة طلب من صفية أن ترقص له. "صفية أمهر من رقصت على الواحدة ونص". وتلمظ بشفتيه، وهو يتذكر آخر مرة رقصت لهما صفية تلك الرقصة في بيتها الجميل، بيت يسار، وقد تزوجها. دون سابق إنذار، كان يسار قد أعلن عن زواجه بصفية. "معقول؟" سأله باقر حينذاك "تترك العمل الفدائي لتتزوج؟" "كلكم تركتم العمل الفدائي فلماذا أظل وحدي؟" أجابه يسار وكل ظنه أن الاحتجاج على ترك العمل الفدائي لا على الزواج من صفية. بعد ذاك استحيا باقر أن يحدثه بالأمر. كانت صفية قد تقدمت في عالم الملاهي، علا كعبها واشتهرت. طلبها كازينو بسعر أعلى بكثير مما يدفعه أبو جوني فتركت أبا جوني دون حتى أن تعتذر. من هناك انتقلت إلى كازينو أرقى وأسعار أرفع أيضاً. هناك، باتت بحاجة لمن يرعى مصالحها، يحرس جسدها الأفعواني الغالي الثمن "تعال نتزوج" اقترحت على يسار "وتتركين الرقص؟" سألها فامتعضت "ولماذا أتركه؟ أهو عار أم سبة؟" ولم يستطع يسار إلا أن يصارحها برأيه. في قريته يعتبرون مهنة الرقص عاراً وسبة. أهل الأرض جميعاً لا يستطيعون إقناعهم بأن الرقص عمل شريف.. لكن صفية صاحبة حجة، إن تكلمت أقنعت وإن فتحت ساقيها أقنعت أكثر، فاقتنع يسار أن يتزوجها ويصبح "بودي غارد" لا يشق له غبار. "بودي غارد!؟ تصبح حارساً شخصياً لامرأتك؟" احتج باقر موبخاً صاحبه، وهو يستعيد إلى ذهنه كيف كان يسار يشيل برأسه، وكم كان يتباهى ببلده كبرياء وعنفواناً. "كل رجل حارس شخصي لامرأته" رد يسار بحجة أمر أدهى. "لا.. يسار... هذا عمل لا يليق بك" "ماذا يليق بي إذن؟ صنعة؟ لا أملك. شهادات؟ لم آخذ والعمل الفدائي تركته". "عد إلى قريتك" "قريتي!؟ نصف أهلها لا يجدون لقمة الخبز!! آه!! لو تعلم ما قريتي؟ بضعة بيوت من طين على أطراف الخط الأحمر للمطر. سنة يأتيها المطر وسنوات لا يأتي فيموت زرعها ويرحل بدوها شرقاً وغرباً يبحثون عن المرعى، لتظل بيوتها التي من طين بغير أهل أو سكان". "لهذا هجرتها إلى المعسكر؟" "كنت أبحث عن رزق ووجدت مورد الرزق، ألا أتمسك به؟" "كان ارتزاقاً إذن؟ وأنت، كنت مرتزقاً؟" "مرتزق!؟ ارتزاق!؟ سمه ما شئت. لكن صدقني. أحببت العمل وكنت على استعداد كل يوم للتضحية بنفسي". حينذاك تنهد باقر وشيء ما يدور في رأسه "المرتزقة كلهم يضحون بأنفسهم... في أفريقيا... أوروبا... أمريكا اللاتينية، ثمة مرتزقة على استعداد للتضحية بأنفسهم". لكنه لم يفصح ليسار عما كان يدور في ذهنه. دعايات الأفلام القادمة "قريباً جداً" انتهت.. الفيلم بدأ... باقر يطوي أجنحة خياله وتداعياته ليعود إلى الواقع... المقاعد من حوله ملأى، أمامه... خلفه... شماله... لا... لا... ثمة مقعد إلى يمينه فارغ والعتمة تخترقها أشعة سينية تحمل صوراً وظلالاً إلى شاشة من فضة تستقطب العيون كلها. بداية الفيلم مثيرة سرعان ما تشد إليها الأنظار. شاب إيطالي حنطي البشرة سبط الشعر متهدل العضلات، ينساب جسده رقة ولطفاً كأجساد النساء يتسلل خلسة عبر أيكة من أشجار.. في منتصفها حوض سباحة أزرق الماء، أزرق الرخام، أزرق السياج، بل أزرق حتى ما فيه من عيون نساء.. النساء يسبحن عاريات... يتراكضن عاريات... يتشمسن عاريات... وسبحان الله في خلقه!! كم هناك من سحر!! كم في العري من جمال!! "وخلقنا الإنسان في أحسن تقويم" فكيف إذا كان هذا الإنسان صبية غضة بضة... رقيقة رشيقة كغزلان الفيافي؟ الشاب الإيطالي يبصبص من وراء الأشجار. الحوض الأزرق بلا رجال. ربما كان مملكة من ممالك الأمازونيات وهو، بكل ما لدى الرجل من فضول، يبصبص. مهنة البصبصة قديمة قدم الزمان. عشتار كانت تبصبص على تموز، زيوس كان يبصبص على أثينا، الجار يبصبص على جارته. في عهد المماليك كان هناك مهنة قائمة بذاتها تدعى "البص" أو البصبصة وصاحبها يدعى البصاص. البصاص ينزل إلى السوق. يبصبص هنا وهناك، يسجل في ذاكرته، التي تخترع أكثر مما تحفظ، ما تراه عينه وما لا تراه. بعدئذٍ يمضي إلى رئيس البصاصين ينقل له ما سجلت ذاكرته. هذه الأيام لم يعد اسمها البصبصة صار لها اسم أرقى، كما بات معيباً أن يبصبص المرء على الناس، هكذا، عينك بنت عينك، فهناك عدسات تصور، أجهزة تسجل، أقمار صناعية تبصبص من علٍ وبسرعة البرق تنقل للسي آي إي في واشنطن ما يجري في بيروت وعمان، القاهرة وبغداد، وكفى الله المؤمنين شر القتال. أفكار كثيرة تتداعى إلى ذهن باقر تداعي المصائب على أهله في العراق، وهو يحاول التخلص منها لمشاهدة الفيلم. البطل العاري إلا من "مايوه"، بحجم الكف، يخترق أكمة الأشجار مقترباً من المرج الأخضر حيث تتمرغ حسناء وتتدحرج مغتبطة ربما بنصال العشب تدخل بين نهديها، تداعب فخذيها، تلاعب إليتيها. الفتى يرقب المشهد فاركاً راحتيه الواحدة بالأخرى. ذلك التمرغ سيأتي بالحسناء إليه، ورب رمية من غير رام. هو فرح. يشد عضلات صدره العاري من الشعر، فعهد الرجال بالقردة بات بعيداً. لا شعر على كتفيه... لا شعر على ساقيه... لا شعر حتى في شاربيه. ولماذا الشعر؟ إنه يجرح المرأة الرقيقة. ولم لا؟ بتلات الياسمين يجرحها حتى النسيم. -معك ولاعة؟ وأجفل باقر. كان الاستغراق في المرج الأخضر، المسبح الأزرق، العيون الزرقاء، قد أخذه بعيداً وكان المقعد الشاغر إلى يمينه قد شغلته امرأة، أشرعت لفافة دخان أمريكية أطول من برج ايفل ومالت عليه تطلب ولاعة. كان باستطاعته أن يرى على ضوء الشاشة الفضية وجه المرأة الممتلئ شحماً ولحماً، شفتيها المكتنزتين بالحمرة والسمرة معاً. أخرج ولاعته وكأنه لا يملك إلا أن يطيعها. -لكن التدخين ممنوع!! قال بنوع من خفة الدم راغباً في ممازحتها. -أنا أحب كل ممنوع، بل لا أمارس إلا الممنوعات!! "أي إعلان صريح هذا!!!؟" وشرع يتفحص. امرأة عبلة ربلة كالنساء في أشعار العرب. طرف بأجفانه وهو يتنقل بين المرأة والشاشة الكبيرة حيث تتدحرج ذات الجسد الأرجواني ظهراً لبطن وبطناً لظهر باتجاه الشاب بعيد العهد بالقردة. -تريد سيجارة؟ سأله الصوت الأنثوي من جديد وقد بدت نبرة التحرش واضحة فيه. -لا، شكراً. أنا أخشى ممارسة الممنوعات، قال متظارفاً ضاحكاً. -لكن كل ممنوع مرغوب، ردت بالتظارف نفسه، أم أنا غلطانة؟ ونفثت في وجهه نفثة من دخان تتويجاً لروح الدعابة والظرف. -صحيح، ما تقولينه صحيح. غمغم وهو يلتفت من جديد إلى الفيلم، فالحسناء الأرجوانية كانت قد وصلت إلى الشجرة حيث الفتى الأحلس الأملس يتلمظ وينتظر فاركاً يديه الواحدة بالأخرى وللتو علا صفير وانطلقت تأوهات، فيما حطت أنامل ناعمة الملمس رحالها على فخذه دافئة مداعبة ثم راحت تصعد إلى الأعلى بينما التحمت ساق من مرمر بساقه "يا إلهي!! أية جرأة" لكنه تذكر أنها لا تمارس إلا الممنوعات. هو أيضاً مارس الممنوع، بل مذ فر إلى بغداد هاجرا البصرة غرق في ذلك الممنوع. هو يتذكر جيداً. كانت "آمال" رفيقة نضال، في مثل سنه أو أكبر قليلاً. لعل خبرتها هي التي جعلته يحب الممنوع. عشر سنوات كانت قد أمضت في كوادر الحزب. توزع المناشير، تنقل التعليمات، تحضر الاجتماعات... مثلها مثل الرجال. في أول اجتماع حضراه عادا معاً إلى المنزل. كانا في الحي نفسه وكانت مقدامة. ربما لا يضاهيها في الإقدام حتى الرجال. هو يذكر تلك الليلة. أمسكته بيده وهما يسيران في عتمة الأزقة وللتو أحس بدفء عجيب. ضحكت منه "ألا تعرف المرأة" وأطرق حياء. أيقول لها "لا" فتضحك أكثر؟ أيقول لها "نعم" فيكون كاذباً؟ الصمت حل أفضل. لكنها حاصرته "قل لي. ألم تجرب الجنس؟" "لـ.. لا.. أبداً" تمتم أخيراً متلعثماً وقد حشر في الزاوية. لم يكن يحب الكذب ولم يكن يريد أن يكذب. مهيجة، جميلة كلتاهما كانتا قد علمتاه الحب... الضم... القبل... لكن لا أكثر!! "إذن، سأعلمك إياه. أنت تلميذي منذ اليوم وأرجو أن تكون نجيباً". الأنامل الناعمة تذكره بالتلميذ النجيب الذي صار لآمال بعد ذلك. كانت الأنامل قد صارت بين الفخذين تبحث عن ضالة لم تعد ضالة. فالأجساد العارية في المسبح الأزرق والجسد الأرجواني المتضوع شهوة وإثارة وهو يتدحرج على المرج الأخضر كانا قد نصبا عمود الخيمة وكانت قبة الخيمة عالية لشد ما فرحت لها الأنامل. -دعنا نخرج. همست قربه بأنفاس حارة كادت تحرق أذنه. -دعينا نر الفيلم، رد وهو يبلع ريقه. كانت الإثارة تحاصره من أمام ومن خلف، من يمين ومن شمال. الأنامل تحاول دخول القبة وعلى الشاشة البيضاء جسدان شهيان لذيذان، غضان بضان. يعري واحدهما الآخر ويلج واحدهما في الآخر، ضاماً شاداً، كأنما يريد الذوبان فيه. -المتعة لدي لا في هذا الفيلم، عادت المرأة تهمس. هلم معي أرك من المتعة ما لم تره في حياتك. والتحمت المرأة به ساقاً وذراعاً... أنامل وكتفاً فارتعش باقر وهو يشعر أن كل من حوله ينظر إليه "أية فضيحة!!" وللتو نهض مسرعاً إلى الخارج دون أن يلوي على شيء. -عندك بيت؟ سألته وقد لحقت به شاكلة ذراعها بذراعه. -عنـ.. عندي... لـ.. لكن!! قال متعلثماً وهو يحاول التملص منها. -لديك امرأة؟ سألته ويدها الممسكة بذراعه من إمساكتها. -لا. -إذن كيف أدعك وأنت بحاجة ماسة إلي؟ انظر بين فخذيك أم تراك تمارس العادة السرية؟ ووجد باقر نفسه يطرق استحياء غاذا خطاه باتجاه السيارة. كانت سيارة همام الخمرية تربض غير بعيد وكان باقر يستخدمها كلما كان همام مسافراً. وصل إليها، فتح الباب ثم ركب على عجل. "بيدها حق. أنا بحاجة ماسة إلى امرأة... أية امرأة فكيف إن كانت صيداً جميلاً كهذا الصيد؟" ونظر إليها وهي تركب إلى جانبه وينطلقان. كانت المرأة بدينة قليلاً لكن وجهها جميل يضاهي حسنه حسن النار. بشرة بيضاء وخدان متوردان يكادان يتفزران صحة وعافية وعينان كبيرتان نجلاوان كحلاوان كتلك العيون التي خلقها الله قوساً ونشاباً لرمي الطيور وهي في كبد السماء، ثم صدر أبيض فسيح كساحة لسباق الخيل. تلمظ باقر وهو يعاود النظر أمامه مغيراً من سرعة السيارة. كورنيش المزرعة خالٍ، باستطاعته أن يزيد سرعته. "حظك حسن الليلة. هي ذي سيدة مصون جاءت إليك برجليها فاغتنم الفرصة يا عم!!" كان باقر قد مل بائعات الهوى. يذهب معهن إلى الفراش، يمارس الجنس كأنهن آلة... لا عواطف، لا مشاعر، لا دفء، ولا يتركن في جسده أثراً أو في نفسه ذكرى. -ما اسمك؟ سألها وهو يحلم أن يجعل منها عشيقته الدائمة. ذلك النمط من المرأة العبلة الربلة إلى درجة التفزر يعجبه. ربما هو من الطراز القديم... أيام امرئ القيس وطرفة. "وتقطيع يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الطراف المعمد" -سارة!! ردت البهكنة بلا مبالاة باسمها وكأنما لا يعنيها. -وأنت؟ -إبراهيم الخليل، أجاب دون كثير من التفكير أيضاً، فضحكت ملء شدقيها: -زوج سارة، يعني؟ أبو اليهود؟ -بل أبو العرب واليهود. جئت من أور كما جاء هو من أور. -ها!! عراقي؟ هتفت غامزة وقد تيقنت من لهجته. -إي، عراقي عندك اعتراض؟ -لا، فقط أنا لا أحب أن يأتيني الرجل من دبر. -اللعنة عليك قبلاً ودبراً. ومن قال إنني أحب أن أفعل ذلك؟ -كلكم يا عراقيون تحبونه وتوقفت فجأة ضاحكة مقهقهة. -"يا للعنة!! إذن هي ليست بالسيدة المصون بل من إياهن، ذات باع طويل تعرف الكثير عن العراقيين وغير العراقيين". لكن سلسلة أفكاره انقطعت وهو يتذكر جيبه الخاوي إلا من بضعة دولارات. -ما بك؟ لماذا توقفت؟ صاحت المرأة بصوت راعش وقد أخافها توقفه المفاجئ. -كي تنزلي، قال وهو يمد يده، يفتح باب السيارة. -أنزل؟ هنا؟ قالت بخوف واضح وهي تشير إلى ما حولها.. حيث الليل والقفر وكأنهما ليسا في بيروت. -أنا آسف!! أنت تريدين مالاً، وأنا لا أملك مالاً. -لكن أقسم لك أنا بحاجة إلى المال. الحرب جعلتني أرملة مع أولاد ثلاثة، بلا معيل... بلا نقود. -أنا مثلك، شردتني الحرب أيضاً، جعلتني بلا مورد بلا نقود.. انزلي. -لا، أرجوك. لا أريد نقوداً. فقط، لا تنزلني هنا، وتلفتت حولها يملأ نظراتها الرعب. أشفق باقر عليها وكما وقف فجأة عاد يدير المحرك وينطلق فجأة. كلاهما كاظم، كلاهما كاتم أنفاسه، ربما يعيد حساباته. عند باب المبنى أوقف السيارة، ودون أن يلتفت أو يتكلم لحقت به اثنتي عشرة درجة صعداً ثم وصل إلى الشقة، فتح الباب ثم دخل وهي في إثره، ضغط زر الكهرباء في الوقت نفسه الذي أغلقت فيه الباب، وكأنما جاءت صفعة قوية على وجهه وجد نفسه يرتد إلى الوراء جاحظ العينين، فاغر الفم، فالشقة أشبه بساحة حرب. -ما هذا؟ ما الذي جرى هنا؟ صاحت المرأة فزعة وهي ترى أثاثاً منقلباً، مقاعد مبعثرة، أوراقاً متطايرة. -من يدري؟ رد باقر بفزع أكبر، وقد دهمته أفكار سوداء "من المقصود؟ أنا أم همام؟ تلاحقني قيادة الحزب أم يلاحقه أمراؤه؟" تقدم بخطا خائفة إلى منتصف المنزل: غرفة القعود، الضيوف، غرفة النوم كلها في حالة مروعة من الفوضى والاضطراب. -شيء مخيف! غمغمت المرأة وهي تتلفت حولها مرتعدة الأوصال، دعنا نخرج. ربما ما زالوا هنا!! -ربما، غمغم بدوره وهو يعود إليها حاسماً أمره. أخرج من جيبه ورقة ذات خمسة دولارات، وضعها في راحة كفها ثم دفعها من كتفها باتجاه الباب. -أجل، يجب أن تخرجي من هنا. هيا.. اذهبي قبل أن تعرضي نفسك للخطر. وحين أطبق الباب وراءها، عاد وليس في ذهنه سوى أن يفتش عن أثر لأولئك الذين دخلوا الشقة، عله يعرف من كانوا يقصدون وعما كانوا يفتشون. لجان التفتيش في العراق تعرف جيداً ماذا تقصد وعما تفتش. الأنكلو أمريكان حددوا لها مسبقاً أهدافها ومقاصدها. مدير وكالة السي آي إي التقى بالأمريكان الذاهبين إلى بغداد، لجنة تفتيش ترفع علم الأمم المتحدة، حدثهم طويلاً عن أهميتهم، أهمية لجنتهم، أهمية العمل الذي يقومون به خدمة للدولة التي صارت القطب الوحيد في العالم وهو يدخل عصر العولمة. كان الاتحاد السوفيتي قد انهار، تمزق مزقاً وأشلاء... وكانت تعليماته، هو مدير السي آي إي، واضحة: فككوا العراق، ذرة ذرة فككوه، حجرة حجرة فتشوه... ادخلوا المعامل، الثكنات، الورش، المزارع، القصور، البيوت... لا تدعوا بابا يغلق في وجهكم ولا سراً يكتم عنكم. أريد أن أعرف كل شاردة وواردة في العراق. كل سر وخافية هناك حتى نستطيع مسحه عن وجه الأرض وانطلق رجال التفتيش في كل اتجاه: كلاباً مسعورة تتشمم كل رائحة. استقبل العراق اللجان، قرار وقف إطلاق النار ينص صراحة على أن عليه أن يدمر أسلحته الكيماوية الجرثومية... أسلحة الدمار الشامل كلها، ورضي العراق "مكره أخاك لا بطل" بتدمير أسلحته الشاملة كبش فداء بدلاً من تدمير العراق كله. كان المخطط الأنكلو أمريكاني قد بات واضحاً: تجريد العراق من كل سلاح، إفراغه من كل قوة، إرجاعه القهقرى بلداً زراعياً متخلفاً ضعيفاً عاجزاً لا يهدد أمن إسرائيل ولا يدخل بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة كي تظل كلها كما أراد لها تشرشل أن تظل "محميات ومشيخات، إمارات وممالك" تدور في فلك الأنكلو أمريكان، كواكب تدور حول الشمس لا حياة لها بغيرها ولا وجود. لجان التفتيش انقضت أول ما انقضت على وزارة الدفاع. دخلت مقر القيادة... فتشت الأدراج... بحثت عن الوثائق، اطلعت على الخرائط، حددت المواقع، ثم بدأت تحركها الميداني، حيث مواقع الصواريخ، والحقد شديد على الصواريخ. أليست هي التي ضربت تل أبيب؟ ألم تتسبب في مقتل العشرات من شعب الله المختار هناك؟ في ترويع ذلك الشعب الآمن المسالم الذي لا يريد من العالم سوى ملاذ يلوذ به من اللاساميين، أعداء اليهود؟ ثم ألم ترعب تلك الصواريخ الحلفاء في الرياض والظهران؟ الجنود الأمريكان، ألم تفاجئهم انفجارات الصواريخ في الخبر والخفجة، بكل ما لها من دوي ودخان، نثار شظايا فسقط من سقط وهرب من هرب؟ إذن، لتنزل لعنات العالم كله على أسلحة غاشمة فاتكة وقعت في أيدي طغاة جهلة لا يعرفون كيف يستخدمونها ولا يفرقون بين عامة وصفوة، شعب همج وشعب مختار!! وزرعت لجان التفتيش عشرات المستودعات، القواعد، المنصات، عبوات ديناميت وحشوات تي ان تي لتتفجر بعد ذلك الصواريخ مزقاً وأشلاء. كان مسلسل التفجير طويلاً، حلقاته متصلة، تسير على مدى الساعات والأيام. في الشمال، الجنوب، الشرق، الغرب... دوي انفجارات ونثار شظايا وسحب من غبار وأطفال العراق يرتعدون فرقاً. علمُهم أن الحرب انتهت لكن ها هي ذي الانفجارات لا تنتهي. يكون أحدهم نائماً فينتفض صارخاً ملء صوته وقد أفزعه دوي انفجار. كم من شيخ توقف قلبه وقد دب فيه الذعر لصوت انفجار مفاجئ!! كم حامل أسقطت حملها هلعاً وذعراً!! وكم شياه شردت وحمر استنفرت، بيوت تداعت وثمار تساقطت، فالصواريخ المتفجرة كانت تطول بأهوالها كل شيء. -الوثائق تؤكد، قال رئيس لجنة التفتيش للضابط العراقي، أن لديكم ثلاثمائة وأربعة وعشرين صاروخاً، لكننا لم نفجر سوى مائتين وستة وستين صاروخاً، فأين البقية؟ -لم تبق بقية. هذا كل ما لدينا!! رد الضابط العراقي كاظماً غيظه مستنفراً كل ما لديه من حلم. -يجب أن يكون لديكم. معلوماتنا مؤكدة... بصاصونا لا يكذبون. وكان يقصد بالبصاصين عشرات الأقمار الصناعية التي أطلقها الأمريكان إلى الفضاء يتجسسون بها على العالم ويرصدون كل حركة ونأمة فيه. الضابط العراقي يعرف ذلك لكنه لا يريد التحدث فيه... "البصاصة" صارت مهنة العظماء، رغم أنها عبر التاريخ كانت مهنة الصغار الحقراء، والبصاصون كانوا دائماً موضع احتقار من الناس جميعاً.. هو يعلم أن القيم انقلبت وأن كل ما يمت للشرف، الكرامة، الصدق، الأمانة... ذهب أدراج الرياح. للكاوبوي الأمريكي قيمته الخاصة، مفاهيمه الخاصة هي وحدها يجب أن تسود وما عداها يمسح فكيف يجادل الضابط العراقي؟ -ماذا؟ أنت لم تجبني؟ بماذا أجيبك إن كنت قد ذهبت بنفسك إلى مواقع الصواريخ كلها، مستودعاتها كلها، منصاتها كلها... رأيتها بنفسك ودمرتها بنفسك؟ -لا، لا، ثمة مخابئ وضعتم البقية فيها، قال رئيس اللجنة الذي كان يضع نصب عينيه إرضاء الأنكلو أمريكان ولا أحد غير الأنكلو أمريكان. عمله مغر وعائداته أكثر بكثير من مغرية: أربعمائة ألف دولار راتبه الشهري فلماذا لا يفعل المستحيل كي يحافظ على عمله؟ -أؤكد لك ليس هناك من مخابئ.. -وأنا أؤكد لك هناك مخابئ ولا بد من كشفها. قاطعه رئيس اللجنة الملكي أكثر من الملك لتنفيذ مهمة التدمير والتفجير. -والحل؟ سأل الضابط العراقي وهو يتمسك بآخر هدب من أهداب الصبر. -تأخذوننا إلى تلك المخابئ، أو أرفع تقريراً إلى نيويورك بأنكم غير متعاونين. -لكنك تعلم أننا متعاونون. لم تسألوا عن موقع إلا أخذناكم إليه. -ثمة موقع شمالي الحلة لم تأخذونا إليه. -شمالي الحلة!؟ أتشك في أن هناك صواريخ؟ -نحن نشك في كل شيء. -حسن، غداً نذهب إليه. قال الضابط وهو يعلم أن عليه أن يكون متعاوناً. القيادة أعطته تعليمات واضحة "نحن بحاجة لالتقاط الأنفاس. بحاجة لاسترداد قوانا. سايروا لجان التفتيش. لبوا طلباتهم. لا تستعدوا الأنكلو أمريكان، علينا أن نكسب الوقت فنعيد البناء والترميم". وكانت حركة البناء والترميم على قدم وساق. العراق كله ورشة عمل. هو محاصر صحيح، محظور عليه أن يستورد أي شيء، صحيح. لكن في العراق صناعة: ثمة آجر، اسمنت، حديد، خشب، نفط... العراق غني بكل شيء وباستطاعته أن يكتفي بذاته. "يظنون أننا سنركع عند أقدامهم، صاغرين عاجزين" قال أحد بيانات القيادة، "يا نشامى العراق!! يا ماجدات العراق!! أثبتوا أننا قادرون أن نقف على أرجلنا من جديد... أن نبني العراق من جديد. بما لدينا... لا نأتي بشيء من خارج ولا نستورد شيئاً من أحد. العراق مهد الحضارة والعمران وعليه أن يستعيد ما دمره أعداء الحضارة والعمران". العمران هو شغل الحكومة الشاغل. كل في قطاعه: الدفاع يعيد بناء الجيش، المواصلات تعيد بناء الطرق والجسور، الصحة المستشفيات والمستوصفات، التعليم المدارس، الصناعة المعامل. رئبال كتلة موارة من الحركة والنشاط. "معلمه" وزير الصناعة وعليه أن يعيد ما تهدم في ميدان الصناعة. بلاده بحاجة لكل آلة، لكل برغي وعليه أن يلبي تلك الحاجة بأسرع وقت. "الدماغ المتحرك" يسمونه. وانطلق "الدماغ المتحرك"، تحت إبطه رئبال وفي أثره مهندسون وخبراء، تقنيون وصناعيون، مسحوا في البداية معامل البلاد كلها. رأوا بأم أعينهم المصانع... ما بقي منها وما دمر... ما يحتاجه كل مصنع وما لا يحتاجه، فالطائرات الأنكلو أمريكانية لم تكن تستهدف القطعات العسكرية بقدر ما تستهدف المصانع. صاروخ على القوات المسلحة وعشرة على المعامل والمصانع. هم يريدون تحرير الكويت، وتحرير الكويت لا يتم إلا بتدمير المصانع العراقية، بتخريب بنية العراق التحتية والفوقية، بتجويع شعبه، بقتل أطفاله. "ألا يمكن أن يهددوا في المستقبل الأمير المفدى وعرشه الغارق بالدمقس والحرير؟" كان على وزير الصناعة أن يشغل قبل كل شيء مصانع الغذاء... مطاحن الحبوب، مصانع المعكرونة، الأفران، معامل التمور، الزيوت، الأجبان. الشعب الجائع لا يحتمل مزيداً من الجوع، الشعب المحاصر من خارج يجب إسعافه من داخل، وفي الداخل، حنطة، شعير، ذرة، حمص، فول... عدس... تمر... زيت... كل ما يمكن أن يوفر القوت لأفواه جائعة تنوف على العشرين من الملايين. "نحن أسرة واحدة" قال بيان آخر للقيادة أذاعته محطات الإذاعة والتلفاز "نجوع معاً ونشبع معاً" لا فرق بين مواطن وآخر، صغيراً كان أم كبيراً، أجيراً أم وزيراً، نقتسم ما لدينا بالتساوي "وامتلأت بغداد في اليوم الثاني بطاقات تموينية، تبعتها في الأيام التالية مدن العراق كلها وقراه... الطحين.. السكر.. التمّر.. الزيت... الفاصولياء، الحمص، الفول، العدس، اثنتان وعشرون مادة قررت حكومة بغداد توزيعها على المواطنين، طبقاً لعدد أفراد العائلة وحاجة كل فرد. وبدا وكأن الحكومة رب أسرة يفكر بكل صغيرة وكبيرة مما تحتاجه الأسرة. كما بدا المجتمع وكأنه يعود إلى مرحلة التبادل العيني، يوم لم يكن هناك ذهب ولا فضة.. دينار ودولار. كان الدينار العراقي قد انهار انهيار الليرة اللبنانية في حربها الأهلية والروبل الروسي وقد اختزل الاتحاد السوفيتي العظيم إلى روسيا واحدة مفردة تتناهشها الذئاب. وكان على الحكومة العراقية أن تقدم مواد عينية للناس بدلاً من دينار لم يعد يساوي أكثر من عبد أجرب في سوق نخاسة. "الدماغ المتحرك" يتحرك. خطته واضحة. ورئبال يده اليمنى أنى تحرك وأنى ذهب هو معه. الأفواه الجائعة لا تفتأ تصيح مفتوحة على مصاريعها مطالبة بالغذاء. في شمالي الحلة معمل للمعكرونة، كانت الطائرات الإيطالية قد قصفته نيابة عن الأمريكان وغيرة من بلد راح ينافسه في صناعة المعكرونة. "هذا اختصاصنا أيها العراقيون، فلماذا تنافسوننا في اختصاصنا؟" وانهمرت حجارة سجيل على المعمل المسكين شمالي الحلة لتحيله قاعاً صفصفاً. المعكرونة غذاء جيد يمكن صنعه بأيدي العراق... هو يسهم في الاكتفاء الذاتي وعلى رئبال و "معلمه" أن يعملا المستحيل لتحقيق الاكتفاء الذاتي. شمالي الحلة التقى رئبال بلجنة التفتيش وهي ترفع أعلام الأمم المتحدة. -ماذا يفعلون هنا؟ سأل رئبال ضابط الارتباط وهو يشير بيده إلى أعضاء اللجنة. -يظنون أن هنا موقعاً نخبئ فيه الصواريخ، أجاب الضابط وهو يتمسك بآخر قطرة من جلد وصبر. وضحك رئبال. "حقاً شر البلية ما يضحك". فالمعمل الذي حطمته طائرات الطليان كان قد غدا أكواماً من حجارة وتراب برزت بقايا آلة هنا.. حطام أنابيب هناك، تلمع كلها تحت الشمس فحسبها بصاصو الأنكلو أمريكان مدافع وصواريخ. نقل رئبال لرقية الطرفة المعكرونية فضحكت، لكن صوت الهاتف الذي رن قطع عليها ضحكتها فأسرعت إليه. رقية فرحة به. منذ أيام فقط كانت شبكة الهاتف قد أصلحت. صار باستطاعة أهل بغداد أن يستخدموا الهاتف ككل خلق الله، شأنهم شان أهل الحضارة جميعاً ورغم أنوف الأنكلو أمريكان. -ألو!! فاطمة؟ بادرت رقية بفرح وقد جاءها صوت فاطمة. -ألو.. رقية... تعالي إلي بدأ المخاض. ردت فاطمة وهي في عجلة من أمرها. -أنا آتية. مسافة الطريق. ثم أغلقت السماعة وقد ارتعش شيء ما في داخلها... ربما هو خوف الأنثى الأبدي من لحظة المخاض. -اطلب سيارة إسعاف، قالت لزوجها وهي تلبس ثيابها على عجل. -لماذا سيارة الإسعاف؟ أنا آخذها إلى المستشفى بنفسي. -لكن لماذا لا يأخذها محسن؟ تساءلت باستغراب وهي لا تدري كيف يغيب زوج عن زوجته في لحظة كهذه. "محسن؟ وأين محسن؟" غمغم ملوحاً برأسه، هو الذي كان يعلم لماذا غاب محسن رغم معرفته بأن فاطمة على وشك المخاض. كانت فاطمة قد أحست بوخزة خفيفة هناك أسفل البطن. تجربتها السابقة في المخاض علمتها أن أوله وخز خفيف مثلما أول الغيث قطر متفرق ثم ينهمر. هي وحيدة. أمها ذهبت قبل أيام إلى البصرة كم ترجتها أن لا تذهب. لكنها أصرت، نصب عينيها هدف واحد: زيارة البيت... ذلك الذي تركته مهدماً والذي كان يقض مضجعها دائماً. ليالي بطولها كانت تظل مسهدة لا يقاربها النوم. كان البيت عزيزاً عليها غالياً، معزة أبي جبار وغلاوته... هي لا تنسى كم تعبوا وشقوا أيام زمان إلى أن بنوا ذلك البيت... هي وأبو جبار يجمعان الدينار فوق الدينار لكي يخلصوا من سكنى بيت بالإيجار. بيتك ملكك!؟ الله ما أعظم أن يكون بيتك ملكك!!. أن تشعر أن لك مملكة تسرح فيها وتمرح على هواك، تعمل فيها ما تشاء، تبدل ما تشاء، وربح أبو جبار ذات يوم ورقة يانصيب. صحيح، كانت الجائزة صغيرة لكن مع القرض وما ادخروه من قبل كان كافياً لبناء ذلك البيت. بنفسه اشترى أبو جبار الأرض في حي الخندق أحسن أحياء البصرة: ألف متر... لا.. بل ثمانمائة وأربعون ثم بنفسه أشرف على البناء. ويا للعيد!! حين انتقلوا إلى الفيلا الجميلة الزاهية كان أكثر من عيد. ذبحوا ذا القرنين عند العتبة بل قبل أن يطؤوا البيت، ثم فرقوا اللحم على الجيران والأصحاب، رتلوا آيات من القرآن الكريم في جنباته كما أشعلوا البخور في كل غرفة وزاوية منه. "بيتاً طاهراً مطهراً أريد. لا يدخله جن ولا شياطين" كانت أم جبار تقول، وكان يعز عليها أن يخدشه ولد من أولادها بطرف مسمار. لكن ها هي ذي البوارج الأمريكية قد دمرته، والطائرات الإنكليزية أجهزت عليه. "الحمد لله أنك لم تر ذلك المنظر، أبا جبار!!" تنهدت وهي تستعيد إلى ذاكرتها أبا جبار. ثلاثة عشر يوماً فقط طريح الفراش. ارتفعت فيها حرارته، ذبل وجهه، ذوى عوده ثم انقصف دفعة واحدة. "لكنك ما تزال حياً يا أبا جبار!! هنا في هذا القلب الذي حمل لك كل حب، في كل خلية من خلايا هذا الجسد الذي خبرك وتمرس بك حتى صرت أنت وهو كلاً واحداً يا أبا جبار!؟" وشرعت الأم تدور حول المنزل، تتفحص ركامه، تنقب في حطامه، إلى أن وصلت إلى آخر غرفة تحاذي الحديقة من الداخل. كان شباكها ما يزال قائماً. صحيح أنه بلا زجاج وأن صرعة أو صرعتين منه قد طارتا، إلا أن الشباك كان باقياً، نظرت إلى الداخل فرأت الجدران ما تزال قائمة... السقف ما يزال متماسكاً وحده الجدار الداخلي كان قد تشقق وتضعضع. طبقة من تراب وغبار كانت تغطي الأثاث. "يا للفرحة!! بقليل من الجهد... بقليل من المال... يمكن إصلاح الغرفة ومن ثم السكن فيها" وقررت العجوز الوحيدة، التي جاءت إلى البصرة لزيارة البيت فقط، أن تصلح البيت وتسكن فيه، ناسية أن فا طمة دخلت شهرها التاسع ولا تدري متى يأتيها المخاض. وخزة أخرى كإشارة اللا سلكي انطلقت من الرحم. هو ذا الطلق يأتي وخزات متباعدة في البدء ثم متقاربة إلى أن تمسك واحدتها بتلابيب الأخرى. جنين كبير الرأس... عريض الكتفين... كامل الأطراف، يحاول اختراق فوهة ضيقة. ينطح برأسه الفوهة فتصده. فم الرحم لا يتسع لرأس الجنين، لكن الجنين يريد أن يخرج. جاءت الساعة التي يخرج فيها إلى النور فأية قوة توقفه؟ بالغريزة يعرف طريقه... يتجه إلى المخرج الوحيد: فوهة الرحم. ينطحها النطحة تلو الأخرى لتنطلق الوخزة تلو الأخرى شرارة ألم وكهرباء تعبر الجسد كله إلى الرأس. رأس الجنين ينطح والرحم يتوسع. فمه ينفتح. مليماً بعد مليم ينفتح ومع كل انفتاحة موجة ألم تخترق الجسد كله وشرارة كهرباء تبلغ حتى الرأس. هي تعرف آلام المخاض. كل امرأة تعرف تلك الآلام، ترتعد خوفاً منها، مع ذلك تحبل، تقدم على تجربة الضنى والألم، أهي اللذة؟ متعة الجنس تنسيها ألم المخاض!! "إيه!! لك الله من لذة تنسي ومتعة تأخذ بالألباب!!". رن الجرس فمضت فاطمة إلى الباب متثاقلة. -أين محسن إذن؟ ألم تتصلي به؟ سألت رقية وهي تدخل متعجلة لاهثة في إثرها رئبال. -اتصلت لكن لا أحد في المكتب. أجابت فاطمة. -هيا... ننقلك إلى المستشفى. قال رئبال وهو يعلم أنه كان على عبد المحسن أن يدشن جسراً أعيد بناؤه على الفرات. لم تكن هي المرة الأولى التي يحضر فيها عبد المحسن مناسبة أو يشارك في تدشين، بديلاً للرئيس. ثلاث أو أربع مرات كان قد حضر. هو متفرغ للأمر. مكتبه في قصر الرئاسة، حاشيته حوله... الكل يعلم أن لديه مهمة خاصة. صحيح أنهم لا يعرفونها بالتحديد لكنهم يعرفون أن لها علاقة مباشرة بالقائد. بطانة القائد وحدها كانت تعرف تلك المهمة وكانت تعده لها كلما دعت الحاجة. يدعى إلى جناح القائد ذاته. هناك يتولى أحدهم إلباسه، الآخر مكياجه، الثالث تلقينه ما يفعل وما يقول ثم يمضي عبد المحسن لينفذ ما لقنوه. على الفرات كانوا قد شادوا جسراً دمرته قنابل الأنكلو أمريكان. الجسر حيوي يصل شرقي العراق بغربيه حيث بادية السماوة المترامية الأطراف وحيث العتبات الشريفة وحجاج النجف وكربلاء أولئك الذين لا ينقطعون عن النجف وكربلاء. خمسة عشر شهراً ظلوا يعملون في الجسر. كان التخريب كاملاً، والترميم يحتاج إلى وقت. أنجزت المهمة فأعلن المذياع والتلفاز أن القائد بنفسه سيحضر التدشين. وزراء... مدراء... ضباط... قادة... كلهم كانوا قد ذهبوا وكانت ثمة حشود... كلها تنتظر مجيء القائد كي يقص الشريط الحريري وينطلق بسيارته على الجسر، أول سيارة تدشن عودته إلى العمل والحياة. رتل من السيارات العسكرية وصل إلى طرف الجسر. لم يكن أحد يعلم أيها يركب القائد. حين نزل فقط عرفوا. بعدئذٍ بدأ، بقامته الفارعة وطلته المهيبة وشاربيه الكثين، يستعرض القادة والوزراء ملوحاً بيده للجماهير، متطلعاً بعينيه إلى البعيد والأعلى إشارة إلى حيث ينبغي أن ينظر الجميع فلا يخيفهم استعمار ولا يرهبهم أنكلو أمريكان. "بالدم... بالروح... نفديك يا صدام". بدأت الهتافات تتعالى، فيما مضى صدام إلى الشريط الحريري. فتاة بعمر الورود قدمت له صينية من فضة عليها مقص من ذهب، أمسك به صدام، ودون أن يحني قامة أو يخفض هامة، قص الشريط فانطلقت موجة من تصفيق وموجات من هتاف بدت أشد جلبة ودوياً من طائرات الأنكلو أمريكان وهي تحلق عالياً منتهكة سماء العراق. في الوقت نفسه كان بعضهم قد بطح جمالاً، صرع ثيراناً، ألقى خرافاً على الأرض لتعمل فيها السكاكين ذبحاً وتشرخ عروقها دماء سالت على عتبة الجسر فدية للجسر وتقدمة لعشتار إلهة الخصب والحب والحياة فلا يلحق بالجسر بعد ذلك خراب. بود عبد المحسن أن يعود للتو. هو يعلم أن زوجته على وشك المخاض، لكن ما عساه يفعل والجسر يجب أن يدشن. ركب السيارة ثم انطلق على الجسر الذي ظن الأنكلو أمريكان وهم يدكونه قنابل وصواريخ أن قائمة لن تقوم له أبد الدهر. لكن ها هي ذي قوائمه قامت، أعمدته انتصبت وسيارته تتهادى الهوينى عليه، ثم أثرها سيارات وسيارات. الحشود تودعه عند طرف الجسر، ثم تستقبله عند الطرف الآخر وهو يلوح من بعيد ومن علٍ. يود محسن لو يلقي بنفسه بينهم واحداً منهم، يشد على أيديهم، يحضن أطفالهم يقبل ماجداتهم لكن الأوامر واضحة: "ظل على مبعدة. لا تكلم أحداً. لا تصافح أحداً. فقط هز رأسك. لوح بيدك، وامض مرفوع الهامة منتصب القامة رمزاً للشموخ والإباء". حين عاد رمز الشموخ والإباء إلى بغداد كانت الساعة العاشرة ليلاً وكان بيته خاوياً على عروشه. ورقة صغيرة على طاولة الطعام نقلت له الخبر فأسرع إلى المستشفى. هناك وجد فاطمة وهي تستريح على السرير استراحة المحارب. المعركة التي خاضتها طوال أربع ساعات كانت قد استنفزت قواها محيلة إياها إلى خرقة مبللة ودماء وأشياء أخر. لكن ما إن جاؤوها بالوليد حتى ارتدت إليها روحها وغدت كلها نشاطاً وحيوية.. -مبارك! قالت لها رقية وهي تقبلها يمنة ويسرة. -حقاً!! صبي!؟ هتفت فاطمة وهي تمسكه بلفائفه التي أعدت على عجل ثم تتشممه تشمم غزالة لوليدها. أهي غريزة لا يعرف أحد كنهها تجعل الأم تتشمم وليدها، أياً كانت تلك الأم، تحضنه، تتلمسه، وحينذاك ترقد الهواجس في نفسها وتسري الطمأنينة في عروقها. الطمأنينة سرت في عروق فاطمة.. أغفت بعدها إغفاء المحارب المتعب الذي يريد أن يستريح. دخل عبد المحسن فاستقبلته رقية: -صبي!! جاءك صبي!! ألف مبروك!! في اللحظة نفسها فتحت فاطمة عينيها وكأنما فتحتهما ضغطة زر. -محسن!! هتفت فرحة موردة الخدين وكأنها لم تدخل معركة ولم تعش مخاضاً. -فاطمة!! ألف مبارك!! حمداً لله على سلامتك!! هتف وهو يأخذ بجانبي وجهها، لاثماً مقبلاً. -مبارك عليك ولي عهدك، ناصر!! -مبارك عليك ناصر، رد دون تردد، فقد سبق واتفقا على أن يسمياه باسم أخ عزيز ضاع في منافي الشتات. ناصر، الذي صار باقراً في دمشق، ضائع مضيع، شتات مشتت. هو مذ جاء إلى المنزل مع صيده الجميل ووجده منقلباً عاليه سافله، لم يعد يشغله سوى هاجس واحد: اكتشاف الفاعل. طوال تلك الليلة ظل يفتش عن أثر، لكنه لم يجد. أعاد الأثاث إلى ما كان عليه، جمع الأوراق المبعثرة، لملم الثياب والملابس مرتباً منظماً كل شيء فلم يغمض له جفن حتى الصباح. مع أذان العصر أفاق فأسرع إلى أبي الليل يروي له ما حدث. "ربما الهدف همام" كان رأي أبي الليل. "وإن كنت أنا الهدف؟" أجاب باقر. "استبعد ذلك". "لماذا؟" أنت لا تشكل خطراً ولا تهديداً. فركة الأذن عملوها لك فلماذا يستهدفونك؟" "حقد أبي العز، حبه للانتقام، وأنت لا تعرف حبه للانتقام" "لا.... لا... ما أظن المسألة مسألة انتقام... بل هي أكثر من ذلك" ولأنها أكثر من ذلك مضى باقر إلى دمشق. هناك، التقى بزهير، رباح، فاتح، ندى، لورا.. الكل أكدوا له أن أبا العز لم يأت على ذكره، روى لهم ما فعل به فاستغربوا... "يشرف بنفسه على ضربك!؟ لا بد أنك استثرته إلى درجة رد عليك فيها للتو" كان رأي فاتح "ما أحسب القصة كلها إلا ابنة ساعتها... لم يخطط لها من قبل ولم تترك أثراً في نفسه بعد،" أكد رباح، هو الذي يعرف أبا العز جيداً... ولكي يتأكد أكثر أرسل باقر زهيراً الأقرب إلى أبي العز يتعمد الإتيان على ذكره فيعلم رد فعله.... وعاد زهير ليقول "لا تعليق. عرضت بك فلاذ بالصمت. قلت إنك انحرفت عن طريق الحزب فلم يقل شيئاً". وأيقن باقر أنه لم يكن هو الهدف في بيروت بل همام. مع ذلك فكر أكثر من مرة بالذهاب إلى أبي العز يرى بنفسه، يحكم بنفسه لكن كل مرة كان يتراجع. كان حقده يمنعه من الذهاب إلى القيادة، كرهه للرجل يصده "أنا أضرب هكذا؟ أنا أعاقب بهذه الطريقة؟" وكان قد صمم على قطع حبل السرة مع الحزب، هو الشريد الذي لا يربطه بالعالم سوى ذلك الحزب. باح بذلك لرباح فشد على يده قائلاً: -أنا نفسي أريد أن أترك. تجربة الحزب فاشلة. حتى في الاتحاد السوفيتي فاشلة. وكان عقد الاتحاد السوفيتي قد فرط. جمهورياته الأربع عشرة صارت شذر مذر. غورباتشوف ذهب إلى أهله يتمطى هو والبروسترويكا، يلتسين أطاح بهما كليهما، كما أطاح بالحزب الشيوعي نفسه حالاً إياه... لاعناً الساعة التي انتسب فيها إليه، نادماً على أنه كان يوماً من الأيام أميناً عاماً له. التطورات الخطيرة التي انعكست على الأحزاب الماركسية في شرقي العالم وغربيه انحسارات وتراجعات. زهير قال "معنويات أبي العز منخفضة. بين كل حين وآخر يصيح: آخ ظهري!! انكسر ظهري يا زهير!! لم يعد وراءنا أحد... لا سند، ولا معين!!" وفرح باقر بذلك، هو الذي كان أقصى ما يحلم به أن ينكسر ظهر أبي العز فعلاً، فيقعد أرضاً عاجزاً حتى عن الحراك. -لكن ما هو البديل؟ قال فاتح وهما يجلسان ذات مساء في هافانا دمشق. تترك الحزب؟ إذن يجب أن تبحث عن بديل. -نصنع حزباً جديداً، رد باقر بعد لأي. -ألم نشبع أحزاباً؟ منذ ربع قرن ولا عمل للأحزاب إلا أن تفرخ وتنقسم. الحزب يصبح أحزاباً ثم الأحزاب تصبح أحزاباً أكثر. لا، لا، هذه تجارة بائرة يا صاحبي!! -ماذا إذن؟ تصور نفسك معلقاً في الفضاء لا واصلاً إلى السماء ولا نازلاً على الأرض. الفراغ قاتل وأنا أكره الفراغ بل هو أخشى ما أخشاه. -افعل مثلي!! همس في أذنه وقد مال عليه حتى صار لصقه.. -وماذا فعلت أنت؟ سأله باقر بكثير من الفضول والاستغراب. -ذاهب إلى اسكندنافيا. -ماذا!؟ صاح شبه هاتف وقد فاجأه الخبر -منذ ثلاثة أشهر قدمت طلب لجوء إلى السويد، وأمس فقط جاء الجواب بالإيجاب. -جد؟ تتكلم الجد؟ سأله باقر وقد تحول الاستغراب إلى ذهول. -بل جد الجد. وخلال نصف شهر تجد صاحبك في استوكهولم. -وتتمرغ في أحضان الشقراوات؟ هلم معي، نتمرغ في أحضان الشقراوات. -أنا؟ سأل باقر وكأن الأمر لم يخطر بباله قط. -أجل أنت. كلهم يفعلون ذلك. العراقيون كلهم يذهبون إلى الشمال. باقر يعلم ذلك. يعلم أن الشتات العراقي البائس يبحث عن ملاذ. أرض الله الواسعة كلها تضيق به. عشرات الآلاف في سورية.. مثلهم في الأردن... لبنان... مصر... أوربا... بعضهم يقول هناك ثلاثة ملايين عراقي في الشتات. كلهم لاجئون بسبب معتقد أو رأي، اختلفوا مع النظام في بغداد وفروا من النظام في بغداد. لاجئو الرأي شعراء وأدباء... سياسيون وصحفيون... وكلهم يبحثون عن مكان آمن يوفر لهم المناخ الملائم لحرية الرأي. فاتح صحفي.. عمل في جريدة الحزب زمناً طويلاً. كتاباته مشهورة... آراؤه ينتظرها الناس بفارغ الصبر، وبسبب تلك الكتابات والآراء سجنه النظام في بغداد، ثم قبل أن يفرج عنه أخذ منه تعهد بأن لا يكتب في الصحافة ولا يمارس تخريب الرأي في البلاد. لكنه لم يستطع الوفاء بتعهده. كانت الكتابة بالنسبة إليه هي الماء الذي يشربه والهواء الذي يتنفسه، ولم يكن باستطاعته إلا أن يكتب. فلم يجد أمامه من خيار سوى الفرار. فر إلى دمشق. انضم إلى قافلة الشتات الموزع بين القامشلي ودمشق. وكلهم خائف من نظام بغداد، يترصد أول فرصة تلوح للعودة إلى بغداد، لكن ها هي ذي المفاجأة. فاتح يتخلى عن حلمه بالعودة، يقرر الهجرة إلى أقصى الأرض حيث الجليد والثلج... الضباب والسحاب... وحيث لا شمس ولا نخيل. -لا، لا أستطيع الذهاب إلى الشمال، قال له أخيراً، وهو يعلم أن الخيار مغرٍ وأن الأمل ضئيل بالعودة إلى العراق. -لكن هناك دولارات. أغراه فاتح أكثر. ثلاثة آلاف دولار يعطون اللاجئ السياسي كل شهر. منذ سنة أو يزيد كانت اسكندنافيا قد بدأت سياسة عجيبة. كانت تريد تعويض نقص السكان فراحت تبحث عن مهاجرين: آشوريين من العراق وسورية... سريان.. كلدان... صابئة... إضافة إلى هاربي الرأي. قرى بكاملها خلت في شمال العراق وسوريا... أحياء في المدن خوت وفاتح وضع رأسه بين الرؤوس ثم قال "يا قطاع الرؤوس". لعل أصله السرياني مهد له السبيل، لعل الأقرباء الذي سبقوه فعلوا ذلك. الاسكندنافيون واضحون. هم يميلون لأبناء دينهم... يريدون استقطاب المهاجرين منهم فلا تتشكل لديهم أقلية دينية مغايرة قد تكون ذات يوم سبباً في إثارة المشاكل. -أعلم أن هناك دولارات. أعلم أن هناك حسناوات شقراوات ذوات عيون زرق وخضر يغرين أبانا آدم نفسه، لكنني لن أذهب. لا أستطيع الابتعاد عن العراق... هنا... في دمشق... في بيروت أشم رائحة الأهل تأتيني ريح صبا فأتنشق رائحة البصرة وبغداد... دجلة والفرات. وسمعت الهافانا زفرات تحسر طويلة أطلقها فاتح على الصاحب الذي لم تفت في عضده المغريات. في اليوم التالي نصحته لورا: -كلهم يقدمون طلبات لجوء سياسي إلى هنا، لماذا لا تفعل أنت ذلك؟ وقدم باقر طلباً.. قالوا له، شهر أو شهران وتأخذ النتيجة. وحين نقل الخبر إلى لورا فرحت. -هنا، الحياة رخيصة، قالت له وهما يتمشيان في شارع الصالحية. تستطيع العيش بأهون السبل. -يعني، كم أحتاج؟ سألها وهو راغب في التعرف. -لا تخف. هم يحسبونها جيداً، قالت ضاحكة مشيرة إلى الأعلى والأمام. قوت اللايموت يعطون اللاجئ، لكنهم يعطونه. وأنت. يمكنك أن تستأجر غرفة في دار مثل دارنا. تعيش عيشة بسيطة مثلنا ثم تبحث عن عمل، وتعمل. لورا تعمل. أختها تعمل أيضاً. أجرهما ضئيل لكنهما يجدان قوت اللايموت. بل تستطيع لورا أحياناً أن تدعو صديقاً مثله إلى الغداء. ذلك اليوم كان باقر ضيفهما على الغداء. هذه المرة لم تحترق صينية الفراريج ولم ينطلق الدخان ضباباً كضباب كانون. باقر يذكر ذلك الضباب، يذكِّر لورا به ويضحكان. هو يشعر أنه يقترب من لورا وأن لورا تقترب منه، لكن ما إن يحاول الاقتراب أكثر حتى يأتي البعد فينهال عليهما سيفاً قاطعاً. هوة كبيرة تعود فتفغر فاها بينهما. كيف لا وكلاهما يعيش في مكان. مساحات، وحواجز تفصل بينهما... فما تراه يفعل؟ ماذا يقترح عليها وهو عائد إلى بيروت؟ -تذهبين معي؟ أخيراً تجرأ فاقترح. -إلى بيروت؟ سألته فأومأ برأسه إيجاباً. -ليتني أستطيع. قالت وهي تتنهد. -أشعر أننا يجب أن نعرف بعضنا أكثر، أن نلتقي أكثر. -ابقَ في دمشق. -لاحقي لي الطلب وأعلميني النتيجة. -أفعل، وكلي أمل أن يقترن بالموافقة. لكنه لم يستطع، وهو يودعها إلا أن يميل عليها ثم يطبع قبلة على كلتا وجنتيها. في الطريق إلى بيروت، كان كل أمله أن لا يكون همام قد عاد. أكثر من مرة حاول الاتصال به من دمشق، لكن المسجلة كانت ترد دائماً "لست هنا الآن. سجل رسالتك بعد الإشارة" عبارة سجلها هو بصوته عندما أقام عنده في المنزل، فلا يسمع أحد صوت همام. أمله كبير في أن يتصل به من أوروبا فينذره. باقر على يقين من أن همام هو الهدف وأن عليه أن يتخذ الاحتياطات. هو يريده أن ينتقل من البيت فور عودته. خصومه عرفوا بيته وفتشوه، إذن سيظلون في أثره إلى أن ينتقموا منه. حقدهم عليه كبير كبر نشاطه ضدهم، محاولاتهم للتوصل إليه مستمرة دؤوبة استمرار محاولاته لكشف حقيقتهم وتعريف الناس بهم. هاجسه رفع الحيف عن شعب ينوء تحت كلكل الجور والطغيان، تحقيق العدالة في مجتمع تستغله عائلة صغيرة تكاثرت تكاثر الأرانب وكل من فيها يتسلط ويستنزف... ينهب ويسلب ليتركوا الوطن كله جلداً على عظم، فيما أموالهم تنفق بلا حساب على عاهرات أوروبا وملاهيها، مقاصفها وكازينوهاتها. همام بارع في التفاصيل، يجمع قصص أمراء النفط، ويعيد نشرها على أوسع نطاق. "أمير النفط الفلاني فعل هذا، أمير النفط العلاني فعل ذلك"، وكلها أفعال يندى لها الجبين. في مناشيره لا يفتأ همام يتساءل "كيف تتحدثين يا أوربا عن حقوق الإنسان وتسكتين عن حقوق الشعوب؟ أليس الشعب أولى بالحرية والعدالة والمساواة من الفرد الإنسان؟ أليس المجتمع الكبير أهم من الإنسان الواحد؟ ها هم أمام عينيك يبطشون بالناس، يقمعون الحريات، يكبلون الأيدي والأرجل، يكمون الأفواه ولا يرتفع لك صوت؟ لماذا يا أوروبا؟". وتصل مناشير همام إلى خصومه فترتعد لها فرائصهم، ثم يكزون على شفاههم وهم يرغون ويزبدون. "فقط لو تقع!!" لكن... همام سمكة في بحر.. عقاب في جو وقد أعيت الحيلة الصيادين في الوصول إلى تلك السمكة أو بلوغ ذلك العقاب. خمسة عشر عاماً والسمكة تنتقل من بحر إلى بحر والعقاب يطير من جو إلى جو وهم يترصدونه. فهل حددوا موقعه الآن؟ وإن حددوه أفلا ينبغي أن ينأى العقاب؟ وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها إذا خاف القلى متعزل باقر متفائل بأن ثمة متسعاً لإنذار همام وإبعاده عن الخطر. أكثر من مرة، قال له همام إنهم حددوا موقعه، كادوا أن يرموا عليه الشباك، لكن أكثر من مرة استطاع الإفلات. هذه المرة أيضاً ينبغي أن يستطيع الإفلات. وصل باقر إلى المنزل، فتح الباب وبنظرة سريعة من عينيه ثم انصاتة عميقة من أذنيه مسح المنزل "الحمد لله. لم يعد همام" غمغم وهو يتنفس الصعداء. دخل الصالون: لا أثر لمجيء همام. غرفة القعود؟ لا أحد. لكن ما إن دخل غرفة النوم حتى صدمته حقيبة السفر وقد عادت من السفر... أسرع إلى الخزانة. ثمة حقيبة "السمسونايت" أيضاً. "إذن همام عاد، لكن متى؟" ومضى إلى المطبخ. لا أثر لدولة القهوة أو إبريق الشاي.. باقر يعرف. همام يعبد القهوة والشاي، وإذا ما أقام في البيت راحت فناجين القهوة وكؤوس الشاي تتبعثر في كل مكان من المنزل. "أتراه عاد للتو؟ خرج لجلب حاجة على عجل؟" وانتظر باقر عودة همام لكن دون أن يعود همام. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |