|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل العاشر -البشرى لك!! جاءه صوت زهير بعيداً قريباً وكله فرح وسعادة، وافقوا هنا على طلبك. وأحس باقر أن سماعة الهاتف ترتعش فرحاً. -شكراً لك! شكراً لهم! رد بكل الفرح والسعادة أيضاً فقد انتظر طويلاً ذلك الجواب، وكان بأمس الحاجة إلى موافقتهم. -متى تأتي؟ -ثلاثة أو أربعة أيام. أنهي أموري وأرحل. -دمشق ترحب بك. -فقط... دمشق!؟ قال باقر ممازحاً، وهو يرغب في سبر غور رفيق من القاعدة ربما تأثر بموقف القيادة. -الرفاق كلهم في دمشق. نحن هنا ننتظرك على أحر من الجمر. وأحس باقر بشيء يثلج صدره. "إذن ما زال الرفاق كعهدك بهم يفكرون بك.. يولونك الاهتمام والرعاية!!" وحين أغلق السماعة وجد نفسه يرتمي ملء طوله على السرير، متنفساً الصعداء. كأنما كان يحمل ثقلاً على ظهره أنزله للتو. هو مذ عاد إلى المنزل ووجد حقائب همام بغير همام بات يشعر وكأنه يحمل ثقلاً على ظهره. بيروت كلها صارت أضيق عليه من خرم الإبرة "ابتلعت همام، هذه الضبعة النتنة التهمت صديقي. كيف؟ متى؟ أين؟" وراح باقر يبحث عن الرجل الذي التهمته بيروت. صاحب البقالية المجاورة قال إنه رأى بأم عينه هماماً وهو ينزل من سيارة أجرة ذات مساء، معه حقيبة سفر و "سمسونيت"، كلتاهما سوداء. الحقيبتان موجودتان.. ما تزالان هناك لم تفتحا. "إذن همام عاد لكن... أين هو؟" سأل بعد ذلك الأصحاب المشتركين، راسل أهله هناك في مسقط رأسه، كلهم كانوا يؤكدون أنه عاد إلى بيروت. "لكن ماذا بعد؟" لم يكن ثمة جواب. همام شبح سلط عليه ضوء واختفى. وكان ذلك هو الهم الذي ظل شهوراً يقلقه. باقر لا يفتأ يفكر... يقلب الاحتمالات كلها بطناً لظهر "هل هم أنفسهم الذين فتشوا البيت؟" ويشعر باقر بالذنب.. لو استطاع أن ينذره إذن لتغير مصيره. "ما تراهم فعلوا به؟ يسجنونه؟ يعذبونه؟ أم تراهم صفوه؟" باقر يعلم أنه إن وقع بين أيدي أعدائه لن يدعوه على قيد الحياة. قلوبهم لا تعرف الرحمة. بل السلطة والرحمة كالصيف والشتاء لا يلتقيان على سطح واحد، إن امتلأ قلب رجل بحب السلطة انتفت من عالمه كل شفقة أو رحمة. "فماذا حل بك يا صديقي؟ أي مصير أسود تواجهه يا همام؟" وكان همام قد عاد إلى بيروت حقاً، لكن عصابة من أربعة داهمته فور وصوله إلى المنزل. اثنان وقفا على السطح، واحد لطأ جانباً فيما دقت الباب امرأة جميلة مغناج تكشف عن جسدها أكثر مما تستر. رآها همام عبر العين الساحرة فلم تثر في نفسه ريبة. "لعلها إحداهن" كان ثمة غبشة وكانت الرؤية غير واضحة. فتح الباب فتنحت للتو، فيما انقض عليه اللاطئ جانباً. بركبته وجه ضربة صاعقة أسفل بطنه فيما أطبق بكفه على فمه. الآخران أسرعا إليه، أكملا تعصيب عينيه وتكميم فمه ثم حملاه بسرعة البرق إلى السيارة، ألقياه في صندوقها، ثم انطلقوا به أسرع من الريح. منذ تلك اللحظة لم يعد همام يرى شيئاً أو يعرف شيئاً. كان كل شيء حوله قد تحول إلى ظلمة دامسة ومجهل مقفر. ربما هو يسمع أصوات أقدام، أو جلبة سيارات، طقطقة مفاتيح أو صرير باب، ما عدا ذلك بات كل شيء بحراً من وحشة وظلمة. ساعات، أياماً، ربما ظل همام ملقى على الأرض.. لم يكلمه أحد، لم يسأله أحد، بل لم يطعمه أحد. الحجارة لا تأكل، لكنها تسمع. سمع همام هدير طائرة ثم أحس بإقلاع، وعلى نحو غامض شعر أنه يطير في السماء. رجرجة ثم استواء... استواء ثم رجرجة فانسياب بغير اهتزاز واضطراب جعله يوقن أنه يطير في السماء. حين حطت العجلات على الأرض أحس بثقالة الأرض، أحس بطمأنينة من نوع ما تحل محل ذلك الخوف وهو بين الأرض والسماء، لكن خوفاً من نوع آخر داهمه. "قد صرت الآن في فم الضبع، فماذا تفعل يا همام؟" حين أمسكوا به حاول أن يخبط... يلبط... يصيح وكله أمل أن يأتي من ينقذه. حين وضعوه في صندوق السيارة حاول أن يضرب الغطاء بظهره، يرفس الجوانب بيديه، برجليه، والأمل نفسه يدغدغه. بل حتى في الطائرة ظل هناك ذماء من أمل في أن تسنح له فرصة ما فينجو بجلده، لكن أي أمل يظل وقد صار في فم الضبع؟ ماذا تبقى له وقد رفعوا العصابة عن عينيه ليلقوه في قبح كالح الجدران رطب السقف متقشر الطلاء لم ير الشمس قط. "لقد وقعت... الآن وقعت أيها الحر فهل تخبط؟" أول وجه رآه كان وجهاً قاتماً شديد السمرة في بشرته آثار لأقدام جدري. -ها!! ايش اسمك؟ سأله الرجل شديد السمرة أجدر الوجه، فكاد همام أن يضحك. -جئتم بي من بيروت إلى هنا ولا تعرفون اسمي؟ رد ساخراً. -وتسخر!؟ ملعون الوالدين تسخر؟ وانهال عليه بسوط لف ظهره لفاً إلى أن بلغ جانب وجهه الأيسر فسفعه سفعاً كأنه لهب نار. كاد همام يصرخ، يسب، لكن سرعان ما كظم وهو يتذكر أن الحر إن وقع لا يخبط. كان ملقى على الأرض موثق اليدين، مكبل القدمين، وكان الرجل فوقه يتمنطق بمسدس وصف من الرصاص، في يده سوط وفي حذائه مهماز. "أهو ماضٍ لسباق خيل؟ داخل معركة فرسان؟" وكظم همام أكثر، وقد أدرك أن المهماز لكي ينخزه والسوط لكي يسوطه والمسدس لكي يقتله إن اقتضت الضرورة. -ها!! تكلم. ايش اسمك؟ -أريد محامي. ما أتكلم بغير محامي. -محامي!؟ لا!! أنت بلندن!؟ تريد محامي!؟ ها!! وانهالت على ظهره السياط. صمت همام وقد عقد العزم على ألا يتوجع أو يتكلم. -أسألك، تجيب. تسمع؟ صرخ به بعد أن سأله عشرة أسئلة دون أن يجيب همام. كان يريد أن يعلم من يمده بالمال. -ها!! قل. من يعطيك المال؟ الموسكوف... الملاحدة... أعداء الله!؟ لكن هماماً لم يرد. زم شفتيه وكظم وجهه وقطب حاجبيه، صخرة من صوان أصم ليس فيها منفذ. -ايش؟ مالك لسان؟ ما تعرف الكلام؟ خجلان من نفسك ما تقدر ترد؟ أنت يا لتتطاول على أسيادك وتيجان راسك ما تخجل على نفسك؟ ما تستحي.. يا ملعون الوالدين!؟ واشتد همام تقطيب حاجبين وزم شفتين. حاول الرجل صاحب المهماز والسوط أن يفتح شفتيه، أن يفك عقدة لسانه لكن عبثاً... ضربه بالسوط أكثر من مرة، نخزه بالمهماز أكثر من مرة، لكن همام حجرة من صوان. أخيراً نفد صبره فانهال عليه وابلاً من سياط وسيلاً من وخزات مهماز إلى أن غطت وجهه الدماء وغشي عينيه الضباب. نكاية بعشتار اختطفت ربة الجحيم تموزاً ثم ألقته في غياهب الظلمة والقرس. كان الصقيع يلفه من كل جانب وكان تموز يرتعش... يجس ما حوله بيديه فلا يجد غير الجدران، يحاول أن يتبين ما حوله فلا يرى غير الظلمة. وحين جاؤوه بالطعام كادت أسنانه تتكسر فقد كان طعامه الحصى، وكان شرابه الزقوم وكانوا الساعة تلو الساعة يطحنون على صدره الملح. حجر الرحى تدور على صدره وهو مطبق الشفتين لا يئن ولا يتوجع. ربة الجحيم ترقبه، كل ما تتمناه أن يئن ويتوجع فتشفي غلها منه ومن عشتار. همام كتموز جاء به رب الجحيم، ألقاه في غياهب الظلمة والقرس، راح يطعمه الحصى، يسقيه الزقوم، يطحن على صدره الملح ثم يذروه في عينيه، أياماً وليالي... أشهراً وفصولاً ظل ذلك دأب رب الجحيم. لكن دون أن يستل من تموز آهة أو يحصل على اعتراف. أخيراً قرر رب الجحيم: -ألم يقل إن بلادنا جحيم، شعبنا كله يعيش في الجحيم، إذن ألقوه في الجحيم!! ومن جديد أعيدت العصابة إلى عيني همام، ثم حملته ناقلة إلى مكان عرف فيما بعد أنه طائرة حلقت به عالياً في السماء... تهدر وتهدر... تسير وتسير... إلى أن وصلت إلى مكان بعيد. رفعوا العصابة عن عينيه فرأى تحته صحراء مترامية الأطراف. لم يكن باستطاعة همام أن يعرف أية صحراء هي فكل ما دونه أمداء لا حدود لها من كثبان ورمال، وشمس تموز تشعل كل ما دونها من كثبان رمال. اللهب يتصاعد من أسفل إلى أعلى. سحب الرمل تتصاعد مع اللهب تسفوها رياح من شواظ هي الأخرى تصل إلى الطائرة فتسفع وجهه. -الآن... ترى الجحيم الذي كنت تتحدث عنه، قال المحقق وهو يلكزه في وجهه. -الآن أخلص منك ومن سادتك! الآن أجد الخلاص، فمرحباً بالخلاص!! نطق للمرة الأولى همام وقد علم أنها النهاية. "هنا يطلقون علي الرصاص وينتهي الأمر"، لكنه لم يكن يعلم أن مصيراً أشد قسوة كان بانتظاره... حكماً أكثر رهبة كان قد صدر بحقه. يموت يستريح، لكن أن يعيش في الجحيم فذلك هو العذاب العظيم، "ألقوه في الجحيم"، قالوا للجلاوذة، "بلا ماء، بلا طعام، بلا كساء، بلا حذاء، فيتعذب قبل أن يموت مر العذاب". وهكذا، لم يطلق عليه أحد الرصاص، بل أسرع أحد الجلاوذة يعريه من ثيابه ليتركه كما ولدته أمه، لا نعلاً يقي رجليه ولا ستراً يستر عورته. بعدئذٍ ربطوه بحبل من فولاذ ثم حملوه إلى باب الطائرة، فتحوا الباب على مهل، ثم بأرجلهم رفسوه. اثنان... ثلاثة، صار بعدها في الفضاء يشهق طلباً للهواء فلا يجده. صرخ مستغيثاً وما من مغيث. على مهل راحوا ينزلون الحبل. بكرة في مكان ما كانت تكر لينزل إلى أسفل بكل تؤدة، كان الحبل يكر وعلى مهل كانت الطائرة تطير، وهو معلق بين السماء والأرض. -إلى الجحيم وبئس المصير. صاح به المحقق من علٍ وهو يقهقه قهقهة التشفي والحقد. -بل أنت وأسيادك إلى الجحيم، صرخ راداً وقد عاد إليه عنفوانه، أيها المجرمون!! القتلة!! يا أعداء الشعب والله!! لكن سحابة من رمل كانت قد وصلت إليه، ملأت فمه حتى لم يعد باستطاعته أن يصرخ، شواظ من لهب كان قد بدأ يلفح وجهه، يحرق عينيه ثم أحس بشيء كالنار يلسع قدميه وقد وصلتا إلى الأرض فيما كان كثيب من رمل يتحرك باتجاهه، وحشاً فاتكاً يريد التهامه. بعد عشرة أشهر فقط، عرف باقر ما حل بصديقه، لم يكن ذلك رسالة من أخ أو أخبار من صديق، بل كان بياناً من منظمة حقوق الإنسان ندد بالعمل الوحشي الذي ارتكب ضد إنسان ينادي بحقوق الإنسان، يسعى من أجل أهله وأبناء وطنه لتحقيق الحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية، الكرامة الإنسانية، الحرية والديموقراطية. وكان في البيان وصف للمصير الأسود الذي واجهه همام وقد ألقي في صحراء لاهبة بلا غذاء ولا ماء، بلا لباس ولا حذاء. أكثر من عشر مرات قرأ البيان وهو بين مصدق ومكذب "أيعقل أن يفعل ذلك إنسان بإنسان؟ إذن إلى أي درجة يمكن أن يصل الحقد بالإنسان؟ إلى أي حد يجعل حب الانتقام منه وحشاً ضارياً لا علاقة له بالإنسانية؟ أنت تعذب إنساناً أشهراً طويلة ثم تلقيه في الصحراء... هكذا!؟ دون شفقة أو رحمة!؟ ويقولون صدام ديكتاتور مستبد يطلق النار على خصومه فيرديهم قتلى!؟ لا، هذا أهون بكثير. إطلاق النار يريح الآخر من العذاب، يوفر عليه المعاناة، أما عقاب كهذا فأمر لا يقبله عقل بشري". وبكى باقر على صاحبه دموعاً حرى لم يكن يحسب إلا أنها نضبت من قبل. هم آخر بات يثقل على صدر باقر: حاجات همام الخاصة، ملابسه، أوراقه... ما تراه يفعل بتلك الأشياء؟ ثلاث... أربع... خمس رسائل أرسل باقر إلى أهله، لكن عبثاً، أهله صم بكم لا يفقهون. "لعلهم صفوا أخاه أيضاً... لعلهم صفوا أهله جميعاً. هو لا يعرف غير ذلك العنوان. وجده بين أوراق همام. بإلحاح كتب لهم "تعالوا خذوا حاجاته... تعالوا استلموا أشياءه"، لكنه سرعان ما كف. "من يدري؟ ربما ينتبهون إلي فيصفونني أيضاً. شاهد عيان يشهد على جريمتكم فلماذا يبقونه؟" وغدا باقر يخشى السكنى حتى في البيت. كان يأتي إليه لماماً وعيناه تطوفان كل مكان "أهناك من يراقب المنزل؟ أهناك من يترصدني؟" ثم لا يلبث أن يغادر إلى منزل أبي الليل، فليس باستطاعة باقر أن يأخذ لنفسه منزلاً. كان راتبه من المعسكر قد توقف، وكانت الجبهة التي احتضنته مذ جاء إلى لبنان تعاني ضيق ذات اليد، الحلفاء تهاووا واحداً بعد الآخر وأنصار الكفاح المسلح تلاشوا كأنهم بخار ماء، وكان باقر يعلم أنه لم يعد باستطاعته أن يثقل على الجبهة. حسبها أنها زودته ببطاقة هوية عوضاً عن هوية بغداد، حسبها أنها احتوته سنين طوالاً... دربته على قتال الشوارع، حرب العصابات، فك الألغام، استخدام كافة صنوف الأسلحة بل صقلت عضلات جسده لتجعل منه جسداً للتحمل والصعاب. الأكثر من ذلك أنه هو الذي فك الارتباط، هو اختار الخروج من المعسكر، فكيف يطلب راتباً، ما معه من مال كان ينفد بسرعة وكان الخوف من الفقر يمثل أمام عينيه باستمرار، شبحاً في الليل وغراباً أسود في النهار "ماذا إن بلغ بك الأمر أن لا تجد كسرة خبز تأكلها؟ اللعنة يا باقر!! ها هي ذي أمورك من سيء إلى أسوأ. ها هو ذا الفقر يعود ليتهددك وحشاً مفترساً ينقض عليك!! فماذا أنت فاعل؟" وجاء هاتف زهير: يداً تمتد لغريق على وشك الاختناق. حمل باقر فرحه ومضى إلى أبي الليل وكل ظنه أنه سيشاركه ذلك الفرح. -مبروك!! رد أبو الليل ورعشة أسى تغلف صوته. -ماذا؟ أراك حزنت؟ سأله باقر بشيء من استغراب. -كيف لا ونحن نفترق؟ -ماذا أفعل أبا الليل!؟ لم يعد أمامي من خيار. أنا لا أخفيك بت أخشى الجوع، ولا مورد لي ولا عمل في بيروت. -يا حيف!! رد أبو الليل بنبرة عتاب: تخشى الجوع وأبو الليل هنا؟ لا.. نحن أخوة. والأخوة يقتسمون بينهم كل شيء. باقر لا ينكر أن أبا الليل أكثر من أخ. عرض عليه بيته سكناً دائماً له، قدم أهله أهلاً له، ماله يأخذ منه ما يشاء. لكن باقراً رجل يتحلى بالذوق، يعرف الحياء ولم يكن يكره، كأن يعد يوماً بين الضيوف الثقلاء! ذات مرة، عرض عليه أبو الليل أن يعملا معاً، يفتحا مشروعاً ما، وأعجب ذلك باقراً. استعرضا الأعمال المتاحة عملاً عملاً ومشروعاً مشروعاً، لكن كلها بدت بالنسبة إليه عجفاء. "التجارة!! مالي وللتجارة؟ اللهاث وراء المال؟ ما أنت من يلهث وراء المال يا باقر. لو شئت لكان معك أكوام منه!! كان حسبك أن تظل في بغداد، تغض النظر عن كل ما يجري هناك وتعمل في اختصاصك مهندساً صناعياً يصنع أي شيء. فيجد نفسه فوق الريح" وحده مشروع مجلة كان يحمل بعض الإغراء.. مجلة سياسية ثقافية كتلك المجلات المنتشرة في بيروت انتشار الفطور على جذوع الصفصاف. المهندس الصناعي، مذ فارق العراق، بات ملء أضلاعه الحنين للعراق... والحنين عواطف تجيش أحياناً في الصدر لتحيل المهندس الذي درس الصناعة في بغداد ثم الأيديولوجيا في موسكو إلى شاعر تترقرق عيناه بالدموع لأبسط ذكرى وأخف موجة من حنين... أبو الليل تربطه علاقة ما بعالم الثقافة والصحافة... في المعسكر كان يحرر نشرة أسبوعية، مجلة الجبهة، يبعث لها بين الحين والحين مقالة عن إسرائيل، دراسة عن الشتات الفلسطيني، رأياً في الكفاح المسلح... وتشكل ذلك كله رصيداً لأبي الليل في الساحة الثقافية. هو مشروع صحافي وباقر مشروع شاعر، بحثا معاً إنشاء مجلة، فتبين أنها بحاجة إلى أموال وممولين وارتدا حينذاك على أعقابهما ناكصين. -لكن مشروعنا ما يزال قائماً، مشروع المجلة، قال أبو الليل بنبرة كلها حب. -حين تجد المال، أنا على أتم الاستعداد. أترك كل شيء وأعود، وعد باقر. -بل وجودك في دمشق قد يزيد المشروع قوة لا ضعفاً. وهو كذلك!! ثم أخذ كل منهما الآخر بالأحضان. ودع باقر أسرة أبي الليل، وكأنه يودع أسرته هناك في البصرة... أخاه وأخته، أمه وأباه. حزيناً، كئيباً دامع العين، "مرحلة تنتهي ومرحلة تبدأ"، هكذا شعر باقر وهو يمتطي السيارة متجهاً إلى دمشق. (إيه، دمشق!! أيتها الفيحاء، يا أخت الجنة!! مرتين كنت البداية من قبل. المرة الأولى جئتك على ظهر دبابة. أتذكرين؟ كنت تخوضين حرباً شرسة يا دمشق، وكانت الطائرات الإسرائيلية تقصف أحياءك ومبانيك، تقتل بناتك وأبناءك... فرحت تستنجدين. وأنجدتك بغداد... أختك التوءم. أتذكرين يا دمشق؟ قوافلنا العسكرية وهي تغذ الخطا إليك. مصفحاتنا، مدافعنا، شاحناتنا كلها تمر بك وأنت تتكومين على نفسك اتقاء صواريخ العدو وطائرات العدو ذاك الذي كان قد اخترق الجبهة... اندفع شرقاً. وأنت في الشرق. تنظرين إليه فترتعدين خوفاً، تصل مسامعك انفجارات قذائفه فترتج عظامك!! آه!! كم كنت مذعورة يا دمشق!! الكثيرون من أهلك شدوا الرحال عنك، حملوا أجبانهم، زيتونهم، مكدوسهم، وهرولوا مبتعدين. ولكم فرحت حين رأيتنا يا دمشق؟ أتذكرين؟ بالأزهار استقبلتنا، بالأحضان أخذتنا، وجنة وجنة لثمتنا، ودفعت بنا نحو الغرب بعد أن استثرت نخوتنا وحفزت مروءتنا، نخوة النشامى ومروءة الفرسان الآتين من بغداد ينجدونك ولا منجد، يغيثونك ولا مغيث، أتذكرين يا فيحاء؟ أنا أذكر. أذكر وجهك الحزين وأنت ترين طائرات العدو تصول وتجول في سمائك، أذكر شوارعك المرتعدة وصواريخ العدو وقنابله تنفجر مدوية هنا وهناك على أرضك، أذكر الطريق الملأى بحطام السيارات.. ونحن ننطلق إلى سعسع، حيث العدو يدفع بدباباته قدماً... يريد أن يصل إليك قبل أن نصل نحن. سباق كان بيننا. حاولت طائراته أن تعيقنا، قصفتنا ونحن في "أبي الشامات"، قصفتنا ونحن في "الضمير". لكننا كنا مصممين تصميم من لا يثبط عزيمته شيء، ووصلنا. سبقنا العدو ووصلنا. حاجزاً من نار أقمنا في وجهه، خنادق جحيم حفرنا له، وبدأت دباباته تشتعل، مصفحاته تنفجر، ونشامى بغداد يستقتلون دفاعاً عنك، يجودون بأرواحهم لإنقاذك من براثن الأعداء يا دمشق؟ أتذكرين؟ أجل... أنت وفية مخلصة والوفي المخلص لا ينسى. أنا أذكر كيف استقبلتنا بعد أن عدنا من المعركة وقد رددنا العدو. أذكركم كنت سعيدة بنا، فرحة بلقائنا. بيوتك فتحت. قلبك قدمت. وأهلك الطيبون كم كانوا كرماء. كل منهم يبذ حاتماً كرماً وسخاء. وأنت تنثرين علينا فلك وياسمينك. آه!! يا لعبق فلك وياسمينك، عطراً ولا أبدع، أريجاً ولا أروع، فهل تذكرين يا دمشق؟". وبدا له أن دمشق تذكر، فقد استقبلته ساحة الأمويين، ثم شارع بيروت بمهرجان أضواء خيل إليه معه أن ثغر دمشق يفتر عن ابتسامة لألاءة وهي تراه. كان الشهر أيلول وكانت أنسام بردى عليلة بليلة ورشاش الماء يتطاير من بردى لينشر سحابة من رذاذ تبلل الأنسام صانعة منها برداً وسلاماً يطفئ ما بقي من حر الصيف. باقر يتنشقه فينتعش كل ما فيه، تنفتح كل المسامات في صدره ليعب الهواء عباً وقد أضنته طويلاً لزوجة الهواء في بيروت ودبق الصيف في بيروت. باقر يعرف دمشق جيداً. شارع بيروت المتلألئ يذكره لكنه لا يذكره بذلك اللألاء. هو لم يره من قبل يلبس حلة المعرض القشيبة... هو يعرف الحميدية، الحجاز، الصالحية... مقاهي دمشق يعرفها جيداً. (أتراه ما يزال في مكانه مقهى الحجاز!؟ هناك حيث كنا نجلس أنا ورفاقي الجنود فيلتم علينا الدمشقيون، يسألون، يستفسرون، ونجيب ثم نسأل بدورنا. كنا نريد أن نتعرف على أحد من رفاقنا، كنا بشوق لأن نقرأ شيئاً من صحفهم، أدبياتهم. وكنا نتشمم ونتقصى. ذات يوم رأينا شاباً يقترب منا. سألنا... سألناه... لمح.. لمحناه وعرفناه رفيقاً طمأناه طالبين منه جرائد.. كراسات.. كتباً. فالجبهة قفراء نفراء لا كتب فيها ولا ثقافة. ولشد ما فرح "هيا.. هلموا معي إلى المنزل" وفي المنزل رأينا فيه الرفيق والأخ... تغدينا.. أكلنا التفاح الشامي الأحمر إيه!! يا عاذل التفاح في وجناتها لو ذقت بعض شمائل التفاح وفي النهاية زودنا بأعداد ثلاثة من "نضال الشعب" تلقيناها كما يتلقى العاشق معشوقه. لكننا كنا نخاف. إن رآها أحد من زملائنا في الكتيبة وشى بنا، ونظام بغداد لا يرحم. كان قد حرم على حزبنا العمل في صفوف الجيش والطلبة، وكانت الوشاية بنا تعني السجن والتعذيب، وربما السحل والقتل. في حذائي العسكري خبأت عدداً من "نضال الشعب"، وفي حذائه العسكري خبأ زميلي العددين الأخيرين. وهنا... قرب تل العدس حيث جرت آخر معارك القتال بيننا و بين الدبابات الإسرائيلية وصددناها على أعقابها كسيرة حسيرة، رحنا نقرأ المقالات، نتلذذ بأفكارها ثم نطمرها تحت شجيرة في خندق لكي نعود إليها في اليوم التالي. وهكذا إلى أن فليناها تفلية الأم لفروة رأس ابنها. آه!! كم كان يسعدنا أن نقرأ تلك الأيام!! أن نحلم!! وما كان أزهى أحلامنا!! أحلام الاشتراكية... العدالة... زوال الطبقات فلا برجوازي ولا بروليتاري، كم كنا نطير وراء تلك الأحلام فنرى العالم كله تسوده المساواة والإنصاف، العمل والإنتاج، التعاون والتآزر فلا مستغل ولا مستغل، لا غني ولا فقير... بل الكل سواسية كأسنان المشط. تلك كانت المرة الأولى وكنت يا دمشق ما أزال في عمر الأحلام. كنت في أول الصبا أريد أن أغير العالم، أن أمسح تشوهات وجهه فأعيده متسق السمات متناغم القسمات، وجهاً جميلاً كوجه يوسف، وكنت من أجل ذلك أحمل روحي على كتفي، وكلي استعداد لأن أضحي بما أحمل على كفي. المرة الثانية كنت قد تجاوزت مرحلة الصبا يا دمشق، كان الكفاح والنضال قد قادني إلى مسارب ومسارب. هذه المرة رجعت إليك مستنجداً فأنجدتني. أتذكرين يا دمشق؟ أنا باقر التنكجي الذي جاءك أول مرة على ظهر دبابة، جاءك في المرة الثانية على ظهر شاحنة.. كيس بطاطا أو بصل. كانت الشظية قد اخترقت لوح الكتف وكنت في حالة يرثى لها. جبال كردستان الوعرة كانت قد أعاقتني. يوماً وليلة ظللت إلى أن حملني "المارشال" البغل إلى ضفة دجلة هناك في الشمال، وفي زورق بائس انتقلت إلى الضفة الأخرى ثم إسعافات أولية فرحلة طويلة شاقة إلى دمشق، لكن على ظهر شاحنة، سقيم الوجه، عليل الجسم، تكاد الروح تزهق لكنك أغثتني يا دمشق. أدخلتني إلى شغاف قلبك، وطوال شهرين كنت تسهرين علي، تضمدين جروحي، تجبرين ما انكسر من ضلوعي. شيء واحد عجزت عن فعله لي: إخراج نثار الشظية داخل رئتي فأرسلتني إلى صوفيا، علك تردين لي الجميل فأعود إليك شافياً معافى كما جئتك أول مرة شافياً معافى يا دمشق!!". ستة أشهر كان باقر قد ظل في سورية أيام الحرب.. وكان كلما سنحت له الفرصة ينزل مع رفاقه إلى دمشق، وكانت مدينة الياسمين الجميلة المغرية تجذبهم إليها جذب النور للفراش، في ربوعها عرف باقر الأمان والطمأنينة.. عاش أحاسيس الود والمحبة، وبين أحضانها نسي الغربة. كان كل من يراهم يرحب بهم، يتجاذب معهم أطراف الحديث، بل الكثيرون كانوا يدعونهم إلى بيوتهم يطعمونهم المحشي والكبة، التبولة والبرغل. ثم يقدمون الحلويات الشامية تلك التي كان باقر يسمع بها ولا يعرفها: المبرومة، البلورية، زنود الست "آه، يا لزنود الست!! ترى أيهما أشد حلاوة وطراوة: زنود "ست" شامية حقيقية، أم زنود الست هذه؟" وتلمظ باقر وهو يعبر أول محل حلويات قرب كراج بيروت. لقد وصل باقر إلى قلب دمشق دون أن يشعر أنه دخل دمشق: سمة من سمات هذه المدينة العجيبة تصل إلى قلبها وأنت تظن أنك ما تزال في أطرافها. هكذا تستقبل دمشق القادمين إليها مدخلة إياهم مباشرة إلى القلب. في قلب دمشق قضى باقر أيامه الثلاثة الأولى. لم يكن يريد أن يثقل على أحد. قصد نزلاً رخيصاً يعرفه. أنزل فيه حقيبتين واحدة له والأخرى لهمام فقد كان حريصاً أن يعيد حاجاته لأهله إن وجد طريقاً لأهله. في اليوم التالي ذهب إلى مقر القيادة. ثمة إجراءات، أوراق، أسئلة لا بد من الإجابة عليها قبل أن تكتمل الموافقة. الموافقة اكتملت والطلب مهر بخاتم وتوقيع المسؤول لتفتح بعدها الأبواب: بطاقة جديدة. "أتريد اسماً مستعاراً؟" سأله صاحب الشأن المبجل وهو يجلس خلف مكتبه كقيصر روما "لماذا واسمي الآن مستعار؟" باقر يذكر يوم فر من بغداد ورجال الأمن يلاحقونه. كان لا بد له من بطاقة. صاحبه ذاك الذي حاول عشرات المرات أن ينسِّبه إلى الحزب ورفض، وافق على إعطائه بطاقته. أخذ البطاقة، نزع عنها الصورة ليضع بدلاً عنها صورته هو، ثم مضى متسللاً يعبر الحدود. مع البطاقة أعطاه المسؤول، النافخ أوداجه كقيصر روما، أوراقاً وقعها، وتعليمات قال له إن عليه حفظها عن ظهر قلب. في النهاية قدم له ظرفاً في داخله نقود. حين وصل إلى الفندق فقط فتح الظرف. كانت ثمة بضعة آلاف وكان عليه أن يعيش بها لاجئاً سياسياً شتان ما بينه وبين اللاجئين السياسيين. "في السويد يأخذ اللاجئ خمسة عشر ألف كراون، في بريطانيا يعطونه ألفاً وخمسمائة جنيه، في الولايات المتحدة ثلاثة آلاف دولار". باقر يستعرض الأوراق المالية الضئيلة القيمة أمامه، ثم يتابع: "لكن... لا بأس. هنا المعيشة أرخص والحياة أسهل". في دمشق الدخل متردٍ والمعيشة صعبة، إذن عليه أن يكون كالناس في دمشق، دخله كدخلهم ومعيشته كمعيشتهم. باقر مقتصد ثم هو لاجئ. الحظ وحده جعلهم يقبلونه لاجئاً ويعطونه راتباً وامتيازات، حدثه عنها الأشبه بقيصر، وإلا لظل طريداً شريداً مهدداً بالجوع. -تسكن معنا، بادره زهير وقد قصده باقر حاملاً الأخبار. -من أنتم؟ سأله باقر وهو يعلم أن زهيراً يساكن آخرين. -أربعة فتصير أنت الخامس!! وللتو ازدحمت في رأس باقر مشاهد سكنى جماعة، كل من فيها مشرد بعيد عن أهله، يعاني الحرمان والغربة، "فأية مشاكل ستقوم؟ وأية حرب ستنشب!!". -لا، أنتم في حي ناء، وأنا أفكر باستئجار غرفة في قلب دمشق. كان على باقر أن يفعل ذلك، فزهير وأصحابه كانوا ما يزالون في التنظيم، وكان هو قد ابتعد... لم يقطع ما بينه وبين الحزب لكنه صار بعيداً، بينه وبين قيادته ما صنع الحداد، فقط، هو صاحب لا يتكلم والقيادة صامتة عنه لا تتكلم. -أنا أعرف مثل هذه الغرفة. قال زهير بعد نقاش غير ذي جدوى، ثم مضى به إلى أم رجوة، امرأة في حدود الستين، دارها في قلب البلد، وغرفتها شبه مستقلة توفر جل شروط باقر للسكن... فقط كان عليه أن يساومها وقد اكتشف أن المرأة محترفة إيجار واستئجار بارعة في المساومات وعقد الصفقات... لكن حين نقل حقائبه إلى الغرفة، حينها فقط تنفس الصعداء وقد أحس أنه بلغ شاطئ الأمان. في المساء نفسه دعاه زهير: -نتعشى معاً ونسهر معاً! لكنه اعتذر: -التعب يهدني. دعني ارتح الليلة فقط. لم يكن باقر يريد أن يرتاح وحسب، بل يريد أن يرتب أموره من داخل "ماذا يقول للرفاق؟ كيف يتصرف؟ هو واثق أن بيت زهير مضافة يؤمها الغادي والصادي من هاربي الرأي العراقيين، ولاجئيه السياسيين، وعليه أن يبدأ بداية جيدة معهم، لا جدال ديالكتيكي ولا اشتباك تكتيكي. لقد قرر باقر أن يعيش بسلام. حين أفاق في الصباح كان العالم كله يبدو وكأنه يفيض سلاماً، المنزل هادئ. لا صوت، لا حركة، لا مذياع يصيح، لا قعقعة أوانٍ في المطبخ "أين تراها أم رجوة؟ تتأخر في الاستيقاظ أم تكره شغل المطبخ؟" لم يكن باقر قد عرف الكثير عن المرأة. زهير زوده بذلك القليل. "ممرضة قديمة ومتعصبة ضد الرجال، كل الرجال". وبرم باقر شفته "مالي ومالها؟ متعصبة أم متساهلة؟" كان كل ما يهمه أن تدعه وشأنه، عدم تدخل متبادل يمكن أن يعقدا بينهما فيرتاح وترتاح. لكن ما إن عاد بحقائبه حتى لمح ابنتها رجوة، فتاة في ميعة الصبا، فخطر أول ما خطر بباله سؤال آخر "إن دعتني الأم وشأني، أتدعني البنت؟" طوال تلك الليلة لم يكن بحاجة لأن يخرج من غرفته أو يقصد المطبخ، لكن مع أنسام الصباح تطيب لباقر القهوة، فهل يصنعها بنفسه أم تصنعها أم رجوة؟ حام السؤال أيضاً في الغرفة فيما كان باقر يتمطى، فاركاً عينيه، فاركاً دماغه وقد حطت عليه سحابة من كسل واسترخاء. طويلاً انتظر باقر، لكن أحداً لم يأت، صوتاً لم يسمع. المنزل ساكن سكون القبور "إذن، عليك أن تصنع قهوتك بنفسك". ونهض وقد زالت من رأسه سحابة الكسل والاسترخاء.حين كانا معاً، كان همام يعد القهوة أكثر الأيام، هو النشيط الذي يستيقظ باكراً وكأنه يأبى أن يفوِّت ساعة من ضوء فلا يراه. عند أبي الليل كانت أم الليل هي التي تعد القهوة ويشربونها هم الثلاثة معاً، لكن ها هو ذا وحيد في دمشق، من يعد القهوة؟ اختلس باقر وهو يتوجه إلى المطبخ، النظر، لكن لا أثر لأم رجوة. استرق السمع لكن أيضاً لا أثر لصوت، فدغدغه شعور بالراحة: "خلا لك الجو فبيضي واصفري"، وراح باقر يبيض ويصفر أياماً وليالي لا يرى في البيت أحداً. -ألو!! لورا!! صباح الخير، بادرها بالهاتف ذات يوم وقد وجد أن عليه أن يكلم أحداً. -صباح النور. من؟ ردت لورا وقد غابت عنها نبرة الصوت. -احزري. -هشام!! -ها!! كشفتك!! هشام!! من هشام هذا؟ -تريد أن تشاكس؟ أليس لديك عمل، نترت لورا بصوت مشحون بالغضب. -لا، لا، لا تغضبي، سارع باقر يهدئها. أنا باقر. -أوه!! باقر!! أهلاً ومرحباً بك.. أين أنت؟ من أين تتكلم؟ -من فمي، وقهقه كلاهما ضاحكين. بعدئذٍ انهمرت أسئلة لورا رشاً، في نبرتها الكثير من الاعتذار. -أنا الآن في دمشق لاجئ سياسي كما نصحتني. -عظيم... مبروك... وألف أهلاً وسهلاً بك. -أنت مشغولة؟ -حتى لو كنت كذلك، أتفرغ لك. تعال نتغدَّ اليوم. -وتحرقين الدجاج؟ -لا... لا... أمي هنا تطبخ لنا. سأطعمك أكلة لم تذقها في حياتك. -أف!! أف!! ما هي؟ -اللوف... أتعرف اللوف!؟ أكلته يوماً؟ -لا... أبداً. رد باقر وقد عزم على شيء. لكن صدقيني. أنا في الطعام لا أحب أن أجرب، مطبقاً المثل القائل "ما تعرفه خير مما تتعرف عليه". -المعنى؟ -نتغدى معاً، لكن أنا من يدعوك، وضحكت لورا ضحكة رنانة. -الظاهر، جيبك ملآن!!؟ -قليلاً. ولكي يؤكد لها أن جيبه ملآن قليلاً، اقترح الذهاب إلى مطعم أربعة نجوم، لكنها أبت إلا أن تذهب إلى مطعم بنجمتين. -هنا الطعام أطيب، قالت وقد أتى النادل بلائحة الطعام، أنا أعرفه وواثقة منه. ثم هو هادئ يمكننا أن نتحدث فيه على هوانا. وتغديا ثم تحدثا على هواهما. أشياء كثيرة تحدثا عنها. لكن حين انتهيا، كان ما يزال هناك الكثير مما يجب أن يتحدثا عنه فدعاها إلى منزله. -هو قريب... تتعرفين عليه. -أجل، بودي ذلك، قالت ثم سارت دون أي تلكؤ. عند الباب فقط تلكأت، إذ ما إن فتح باقر الباب ودعاها إلى الدخول، حتى برزت أم رجوة من مطبخها وقد ائتزت بمئزر العمل. -نعم!! نعم!! من هذه؟ سألته بصوت أجش وحركة فظة أشارت بها إلى رفيقته وكأنما تشير إلى بائعة هوى. -ماذا تعنين أم...؟ بدأ باقر لكن دون أن تدعه يكمل. -أعني، لا أسمح لك. صاحت مهددة بسبابتها، أمازونية جاهزة للحرب والضرب. نساء من "إياهن" لا تأتي بهن إلى هنا. مبغى!؟ لا أسمح أن يكون بيتي مبغى؟ -لـ.. لـ.. كن.. بدأ باقر متلعثماً وقد احمر وازرد. -اسمع. نقاش؟ لا أريد. هذا شرطي. إن لم يعجبك، احمل حاجاتك وامض الآن. لحظة من الزمن ارتعش باقر... حائراً مضطرباً ارتعش. هو يريد السلام وها هي ذي تعلن الحرب، يريد أن يفسر لكنها لا تسمع، فهل يحمل حاجاته؟ هل يمضي؟ كان يتساءل وهي في وقفتها تلك، عيناها تقدحان شرراً، شفتاها ترتعشان، يداها تهتزان وهي تتفحصه. بكل عداء.. بكل حقد تتفحصه ثم تنتقل إلى رفيقته، وفي الحال تطلق زفرة طويلة عالية وقد رأت لورا تنفتل على عقبيها ثم تهبط السلم درجتين درجتين. -لورا!! لورا!! صاح باقر منتفضاً وقد التفت فلم يجد لورا. -لا... لوراك هذه لديها بقية من حياء، علقت الأمازونية، الجاهزة للحرب والضرب. خجلت على نفسها فانصرفت. -لا.. أم رجوة. لا أسمح لك. -ما أنت من يسمح أو لا يسمح!! تغرر بالفتيات وتأتى بهن إلى هنا؟ لا... تجيء ببائعات هوى؟ لا... أتفهم؟ رأى باقر في عيني الأمازونية شراً مستطيراً فكظم غيظه ودار على عقبيه هابطاً درجات السلم مثنى وثلاث. كان الموقف قد أصابه بالذهول. فعلى حين غرة وجد نفسه يخوض معركة لم يكن قد اتخذ لها استعداداته... الأمازونية فاجأته بوجودها ثم بهجومها ولورا فاجأته بهروبها دون أن تحاول الدفاع عن نفسها. -لورا.. لورا.. راح يصيح وقد وصل إلى باب المبنى. الرصيف خال. يمين.. شمال.. لا أحد هنا. المنعطف القريب إلى اليمين. أسرع إليه باقر. لكن أيضاً لا لورا ولا ما يحزنون. كان المارة يسيرون غادين آتين، وكان طلبة المدرسة المجاورة يخرجون أفواجاً أفواجاً فيشكلون زحاماً، "أتراها ضاعت في الزحام؟" وتسمر في مكانه حائراً، متردداً "أين ذهبت، لورا؟ لماذا فررت من المعركة؟ قد أثبت علينا التهمة ونحن بريئان فلماذا لورا؟ لماذا؟ ومضى باقر في الاتجاه المعاكس يبحث عن لورا. كان ينبغي أن يراها.. يشرح لها.. يعاتبها، لكن لورا سحابة من بخار تطايرت في الجو. "أذهب إلى منزلها؟ أختها وأخوها هناك.. فماذا أقول؟ وبم نتحدث؟ ولوى عنقه ماضياً إلى أقرب مقهى يشرب القهوة وينفث الدخان. للمرة الأولى يشعر باقر أن السيكارة لم تشف غله فطلب نارجيلة ثم شرع يعب القهوة فنجاناً إثر فنجان، يمص دخان نارجيلته فتقرقر قرقرة بطن مقرور ثم يطلق الدخان نفثة إثر أخرى وكأنما يطلق رصاصة على عدو أمامه.. كان في صدره مرجل يغلي وكان في رأسه زوبعة تلف وتدور "أم رجوة، لماذا فعلت ذلك؟ لماذا أساءت بنا الظن وليس بيننا ما يسيء الظن؟ بالأمس لم تشترطي ولم تأتي على ذكر الضيوف أو الضيفات فلماذا موقفك اليوم؟" كان لا يفتأ يعيد ويكرر، مجتراً الأسئلة نفسها اجترار شاة لما أكلته من أعشاب. "هذه المرأة نمرة متوحشة قد تنقض عليك في أي لحظة.. فانأ بنفسك باقر.. إنأ بنفسك" لكن صوتاً آخر عاد إلى الرد "والأجرة التي دفعتها لها؟" "تعيدها لك" "وإن لم تفعل؟" "صاغرة تعيدها" "وتحسب نفسك قادراً أن تجعل الناس يفعلون ما تريد صاغرين؟" وسمع باقر ضحكة سخرية تعلو حتى درجة القهقهة، ثم الصوت نفسه يتابع "لملم نفسك واحتشم إلى أن ينتهي شهرك على الأقل"، وأحس باقر بمرجله يهمد، وكأن الصوت الأخير كان الأمر القاطع الذي لا يقبل نقاشاً. -الله بالخير آغاتي!! هلا ورحب نور عيني!! سمع باقر أحدهم يرحب بآخر وهو ينهض من كرسيه لاستقباله. رد عليه الآغاتي باللهجة نفسها. "هما عراقيان ولا شك" وسرعان ما انشد بسمعه وبصره إلى الطاولة القريبة وقد جلس الصديقان يتحدثان. الأول يسأل والآخر يجيب "يا إلهي!! هو ذا عراقي قادم لتوه من هناك!! أية فرصة!!" واقترب باقر من الرجلين: -الله بالخير شباب!! أنا باقر التنكجي من البصرة، ممكن أقعد وإياكم!! -يا هلا!! يا هلا!! انطلق صوتان معاً يرحبان بباقر ثم قدم كل منهما نفسه. سعدون، قمران. كان ذلك كل ما علق في ذهنه من اسميهما، وقد اتجه للتو إلى الهدف: -اى.. قل لي قمران. كيف العراق؟ كيف الأهل؟ كيف العيشة؟ -العيشة موت. رد قمران وهو يزفر زفرة حارقة. العراق كله يموت.. موتاً بطيئاً يموت.. نخيله.. ترابه.. شعبه.. كل ما فيه يختنق شيئاً فشيئاً ويموت. *** إمبراطور العالم في غاية السعادة وهو يرى العراق يموت. كان بوده أن يموت موتاً سريعاً لا بطيئاً. أن يختنق في الحال فيستريح من هم مقيم ما انفك يشغله كما شغل سلفه من قبل. "بيل كلينتون" الشاب الأشقر الناعم الجميل كالنساء ليس أقل حقداً من بوش المتجهم القمطرير، سلفه، كلاهما يريد تشديد قبضته على عنقه إلى أن تنقطع أنفاس العراق ويموت. أوامرهما إلى القيادة العسكرية في الخليج واحدة: "البوارج الحربية تظل قبالة أم القصر، الفاو، شط العرب، فلا يخرج منها كلها صافر نار ولا يدخل إليها صافر نار. سدوا البحر سد يأجوج ومأجوج. احظروا النفط. امنعوا الحركة، التجارة، الصيد، الذهاب، الإياب، فلا يظل أمام العراق سوى الموت". أوامر مماثلة ذهبت إلى القيادة الجوية "لا طائرات تطير ولا وحش يسير... لا فوق الجنوب ولا فوق الشمال.. مطارات العراق مخربة، لتبق مخربة فلا تستقبل طائرة ولا تودع طائرة. حظر... حظر... حظر.. حتى الأنفاس طبقوا عليها الحظر. أما مدير السي آي إي فقد ذهبت إليه تعليمات أشد مكراً ودهاء. "لم نستطع إدخال قواتنا المسلحة إلى العراق فلتدخل قوات من العراقيين أنفسهم" وسر المدير الجديد الذي كان كلينتون قد اختاره ثعلباً ماكراً يجيد الختل والخداع. "هو ذاك يا سيدي. لندع العراقيين أنفسهم يخرجون لنا الكستناء من النار" "هذا رأيي أيضاً" تابع كلينتون، وقد وضع منذ أول يوم دخل فيه إلى البيت الأبيض، ملف العراق أمامه، هو الذي لا يرى في العراق سوى حصان جموح لا ينبغي ترويضه وحسب بل إرغامه وإذلاله. "لكن ما خطتك؟" سأل الكاوبوي الأشقر الجميل الذي يعشق النساء وتعشقه النساء فأجاب الثعلب الماكر "نسير في اتجاهين: تحريك المعارضة وتشديد الحصار" "أحسنت.. أحسنت" هتف الكاوبوي وقد طار لبه فرحاً ثم تابع "أضف الاغتيال". "هذه خطة سابقة سيدي". أجل خطة سابقة فمنذ سلفه كانوا قد وضعوا مكافأة لرأس صدام. "الاغتيال!! آه! لو أستطيع قتله بنفسي!!" فصورة الكاوبوي لم تفارق إمبراطور العالم، هو الذي كان يحب أفلام الويسترن، ويعشق أبطال الكاوبوي وكلهم مدجج بالسلاح حتى أخمص القدم، سريع في الإطلاق سرعة البرق.. فكم هو رائع أن يأخذ دور الكاوبوي ذات يوم!! يرى صدام بغداد فيخطف مسدسه بسرعة البرق ثم يطلق: طق.. طق.. طق.. ويخر صدام مضرجاً بدمائه ممرغاً بالتراب. كان المدير قد سار حثيثاً في الخط الأول. دعوات سرية وعلنية أرسلت إلى الأحزاب الفارة من العراق. في لندن، باريس، أنقرة، روما، القاهرة، دمشق، بيروت.. كانت ثمة أحزاب معارضة. أربعون.. خمسون حزباً لا أحد يدري كم فرخ العراقيون في الخارج من أحزاب. كل عشرة.. عشرين يشكلون حزباً. الحجاج قبل أربعة عشر قرناً عرف فيهم تلك الصفة فخاطبهم بأهل الشقاق. قد يجتمع اثنان منهم على رأي لكن من الصعب أن يجتمع ثلاثة، هكذا كانوا أيام الحجاج وهكذا ما يزالون. "قد وجدنا آبائنا على سنة وإنا على أثرهم مقتدون". المدير الثعلب مسرور بتلك الظاهرة، فإن تتعامل مع شراذم ضعيفة خير من أن تتعامل مع كتلة ضخمة قوية. جاء إلى واشنطن ببضعة رؤوس منهم. "الآن جاء دوركم.. تقاتلون نظام بغداد وتدخلون إلى قلب بغداد" "عند عيونك" صاح الشلبي الهمام وقد مد جسور صداقة وود مع المدير الثعلب حيث رسمت الخطة: "عقد مؤتمر عام شامل لأحزاب المعارضة العراقية كلها بغية وضع استراتيجية عامة شاملة هدفها إسقاط نظام بغداد". وهلل الحضور جميعاً للخطة. "خذوا ما تشاؤون من المال". قال المدير الثعلب ثم فتح خزانته العامرة بأموال البترودولار موزعاً إياها بكل كرم وسخاء. "المال من برّا واصرف يا...". البترودولار من نفط الخليج. كل أمير معظم، كل ملك مفدى يدفع. سبعين مليار دولار كانوا قد دفعوا نفقات حرب الخليج... مسكينة أمريكا!! هي تضحي في سبيلهم، ترسل طياراتها، سلاحها، جنودها.. المرينز وحدهم يثيرون الشفقة. تقول: "المارينز" فيقولون "شبيك لبيك عبدك بين يديك". إذن لماذا لا يدفع الأمراء المعظمون والملوك المفدون؟ سخاء هؤلاء انتقل إلى المدير الثعلب، فنال منه رؤوس المعارضة ما يتمنون ويشتهون: هذا مليونان، ذاك ثلاثة، ثالث خمسة وكانت للشلبي حصة الأسد: عشرون مليوناً عداً ونقداً يحضِّر بها للمؤتمر ويسيّر أعماله. "الشمال تحت تصرفكم" قال لهم الثعلب الماكر وهو يضع أمامهم خارطة. "هذا هو الشمال وقد حررناه من قبضة صدام. قواتنا هناك، تحميكم، طيراننا يبسط مظلته فوقكم وحلفاؤنا رهن أمركم: البرزاني، الطالباني، بل كل البرازانيين والطالبانيين رهن أمركم. فقط نريد مؤتمراً يوحد صفوف المعارضة وينهي هذا الشقاق فيجتمع الكل على رأي واحد ونهج واحد نقضي به على صدام". صفق رؤوس المعارضة للمدير الهمام وقد خلب ألبابهم ببلاغته وحماسته. لقد بدا ملكياً أكثر من الملك، بل بدا وكأن هناك عداوة شخصية بينه وبين العراق، ثأراً شخصياً بينه وبين صدام. لم يسأله أحد لم تلك العداوة، وما ذلك الثأر، لكنهم باركوه، كان ذلك ضماناً لاستمرار تدفق البترودولار عليهم فيسرحون ويمرحون في عواصم الحضارة والنور: لندن، واشنطن، باريس. بفرح الغالب، ذهب أبو العز إلى الشمال. بزهو المنتصر دخل زاخو دخول الجنرال ديغول باريس وقد طرد منها الجرمان المتغطرسين. أبو العز مطمئن. لم يعد هناك جندي عراقي في الشمال، لم يعد ثمة موظف عربي فيه، كانت العاصفة قد اكتسحتهم جميعاً. قوات الباشماركة طاردتهم. الطائرات الأمريكية قصفتهم فلاذوا بالفرار. وقبل أن يمضي إلى المؤتمر مضى إلى أهله. هناك في قرية صغيرة تقبع في سفح جبل صخري أجرد، كانوا يقيمون. لا كهرباء.. لا ماء.. لا طرق، لا مدارس، لا مستوصفات، لا وسائل اتصال وكأن الحضارة لم تطرق أبوابهم قط,. هناك شال برأسه "ها قد جئتكم منتصراً". ربطة عنقه من فرنسا، جوخ بذلته من اسكوتلندا، حذاؤه من إيطاليا، فالدراهم تأبى إلا أن تظهر برؤوسها. فرح به الأهل، زغردت الأم، ذبحوا له الجديان، لكنه في عجلة من أمره، أمثاله من المسؤولين لا يملكون الوقت لإضاعته في قرية مشلوحة على أطراف العالم، فنظر شذراً إلى أمه "كنت بالفاشل تنعتيني، يائسة مني تقرعينني، موبخة تنهرينني: (دراسة لم تدرس، شهادة لم تأخذ، فما الجدوى منك؟) لكن ها أنذا فوق كل ذي شهادة. وها أنذا أثبت جدواي، فماذا تقولين الآن، يا من كنت يائسة مني؟ متحيزة لأخي؟" لكن الأم التي صارت عجوزاً شمطاء، ظهرها منحن كقوس نشاب وفمها أجوف كفوهة كهف، لم تقل شيئاً. رأت نظرات التشفي في عينيه فعلمت أنه لم يجئ لرؤيتها، معترفاً بجميلها بل جاء لغاية أخرى في نفس يعقوب. "وصفي!! هلم معي"، كان قد قال لرجل في أربعيناته وخط الشيب فوديه والعرج الخفيف أصاب إحدى رجليه فجاء وصفي معه عكازاً يتكئ عليه، وينفخ به صدره. لكن الزغرودة التي استقبلته بها الأم حين جاء، انطفأت على شفتيها حين غادر، يحف به سكرتيره من اليمين، ووصفي من الشمال، دون أن يرفع يده لها بتلويحة وداع. وصفي تابع من أتباعه الخلّص في الشمال. هو شيء وأخوه باقر شيء آخر. مذ جاء أول مرة إلى الشمال أيام حرب العصابات عرف أبو العز أنه شيء آخر. اسمه جبار، موطنه البصرة، انتماؤه عربي فوضع نصب عينيه أن يغير فيه كل شيء: الاسم وصفي، الموطن كردستان، الانتماء كردي، فقد زوّجه بابنة عمه، وابنة العم دقت له أوتاداً في الشمال، أصبح بعدها التابع الخاضع والسميع المطيع. في زاخو، السليمانية، كواليس المؤتمر، قاعته، وصفي وراءه دائماً، يلبي الأوامر، يستجيب للتعليمات، ويشعر أبو العز بزهو أكثر "ها قد حطمت أنفك مرة ثانية يا باقر! ها هو ذا أخوك جبار عبد بين يدي!! تتناولني بلسانك؟ تروي عنه الأقاويل والوشايات؟ ها هو ذا أخوك لا من فمه ولا من كمه.. أطوع لي من بناني" ولم يقل أبو العز "لوصفي" كردستان ما فعله بأخيه باقر في بيروت، فمن يدري؟ قد تثور نخوته العربية وعواطفه الأخوية فيفعل ما لا تحمد عقباه. ثمانية أيام دام المؤتمر. الأحزاب السبعون كلها اجتمعت، ولم لا تجتمع وقد وفر لها البترودولار إنفاقاً بلا حدود، وتغطية إعلامية لم يسبق لها مثيل؟ هم أبطال معارضة. يواجهون الطغيان والاستبداد في بغداد. تمثال الحرية وراءهم، ديمقراطية أمريكا تدعمهم فلماذا لا يفخرون؟ في المؤتمر يخطبون الخطب الرنانة، في الإذاعة والتلفزيون يهددون ويتوعدون. كل منهم يدلي بدلوه، وكل منهم يريد الانقضاض على بغداد، يحررها من ربقة طاغية جبار ويقيم فيها حكم أمريكا بكل ما يتصف من ديمقراطية وعدالة!!. المدير الثعلب مسرور بمجريات المؤتمر، أهل الشقاق اتفقوا، ولأول مرة، على موقف واحد هو: السمع والطاعة، هدف واحد هو: رأس صدام. وتعبيراً عن فرحه بتلك المجريات، ثم بتلك النتائج، وضع في حسابهم سبعة وتسعين مليون دولار قابلة للتجديد كلما اقتضت الحاجة. كلينتون راض هو الآخر. لكنه يريد نتائج أسرع ومباشرة أكثر. هو يكره الانتظار فكيف ينتظر تدريب عناصر المعارضة في واشنطن ومن ثم إرسالهم إلى بغداد؟ "هذه تأخذ وقتاً طويلاً" قال لمدير مخابراته ذي العينين الماكرتين كعيني الثعلب. "ما أريده عملية مباشرة تطيح بذلك الديكتاتور الذي لا يفتأ يتحداني شخصياً.. يسبني ويشتمني شخصياً"، وبدا كلينتون لأول مرة، غاضباً أشد الغضب. "أخشى أن نفشل يا سيدي كما فشلنا في هجومنا على البصرة وجنوب العراق؟" "أيرضيك إذن أن يسبني ويشتمني هو وأجهزته، هكذا جهاراً نهاراً؟" "الكلاب تعوي يا سيدي الإمبراطور والقافلة تسير" "صحيح.. لكنها قد تحرض كلاباً أخرى وقطيع كلاب قد يقتل أسداً" منطق كلينتون صحيح، لكن المدير الثعلب لا يلعب إلا على المضمون. الكمبيوتر لديه يعمل بدقة. يقدم له المعطيات والأرقام فيعطيه الخلاصات والاستنتاجات. وما أعطاه الكمبيوتر آخر مرة واضح "تهاجمون صداماً من الخارج، تكونون أشبه بوعل يناطح صخرة. الصخرة لا تتفتت لكن يوهي قرنه الوعل" "فما العمل؟" "دود الخل منه وفيه، فابحثوا عن الدود في خل صدام ومن داخله". وأعجب ذلك كلينتون. رؤوس المعارضة كانت قد قدمت للمدير الثعلب أرقاماً وحقائق "لدى حزبي أربعة وسبعون ضابطاً في الجيش" قال أحد الرؤوس، آخر تباهى مصعِّراً خده: "لي مائة ضابط وضابط.. إضافة إلى الكثير من الأتباع الخلص، إن قلت لهم "موتوا ماتوا، عيشوا عاشوا" فيما تحدث ثالث ورابع عن خمسين وتسعين، مقسمين الأيمان الغلاظ إن ولائهم مطلق وطاعتهم لا تشوبها شائبة.. ونقل المدير الثعلب لسيده إمبراطور العالم تلك الأرقام والحقائق. -إذن هي مسألة ضبط وربط، وقت وتنسيق، قال كلينتون وقد تنفس الصعداء مسترخياً. -أجل سيدي. الآن اتفقوا على التنسيق والعمل، وما أحسبها إلا أشهراً فقط حتى يصبح بإمكان المعارضة أن تضرب من داخل. -وإن لم تستطع؟ سأل إمبراطور العالم وقد عادت إليه حماسة الكاوبوي وحميته. -نرسل من ندرب من عناصر هنا إلى الداخل، فيقلبون النظام ويأتوننا برأس صدام. - Very great. Darling. Very great قال كلينتون بأمريكيته ذات اللسان المعوج تلك التي يكرهها أهل لندن كثيراً، ثم تابع والان، لنركز على الخط الثاني، لنشدد الحصار. وللتو طارت برقية من المدير الثعلب إلى القوات البحرية، البرية، الجوية كافة لتشديد الحصار على العراق، بحيث تمنع عنه الغذاء، الماء بل حتى الهواء. كما طارت برقية أخرى إلى رئيس لجنة نزع السلاح العراقي وتدمير أسلحة الدمار الشامل فيه "لماذا هذا اللين والرخاوة" شددوا رقابتكم، كثفوا عملياتكم، تغلغلوا عميقاً في أحشاء العراق. ادخلوا أعمق خلاياه. فتشوها خلية خلية ولا تعفوا عن شيء.. أخص المواقع، أكثرها سرية، أبعدها عن الشبهات. فتشوا الوزارات، الإدارات، المؤسسات، مدنية، عسكرية، لا يهم. المهم أن نعرف أدق الدقائق عن العراق". في اليوم التالي تلقى رئبال قائمة طويلة عريضة تحدد المواقع التي تريد لجنة المراقبة والتفتيش تفتيشها مع جدول بالأزمنة المقترحة لذلك.. عرض رئبال القائمة على "معلمه"، الدماغ العبقري، فانتفضت تلافيفه جميعاً". -ما هذا؟ يريدون دس أنوفهم حتى في أدبارنا؟ وكتم رئبال ضحكة، فالوزير الألمعي إن سمعها أقام الدنيا على رأسه ولم يقعدها. -الحقيقة!! هم يتجاوزون حدودهم يا سيدي، قال رئبال وهو يتذكر أغنية لمحمد عبد الوهاب: "أخي جاوز الظالمون المدى" مع أنه يعلم أنه هو وعراقه كله مكبل اليدين والرجلين.. فأنى له الجهاد الذي حق وأنى له الفدا؟ -نرفض هذه القائمة. قل لهم ما علاقتهم بمواقع الحرس الجمهوري داخل بغداد؟ ما علاقتهم بمراكز فروع المخابرات؟ أتراها مصانع لغاز الأعصاب؟ معامل للأسلحة الجرثومية؟. ونقل رئبال ذلك لرئيس اللجنة، الملكي أكثر من الملك في تنفيذ الأوامر. -لكننا نصر. صاح بنبرة من تهديد، لا بد من أن نفتش كل ما حددناه من مواقع. ومن جديد، عاد رئبال، ضابط الارتباط الذي يكره كل ما له علاقة بذلك الارتباط، مثبط العزيمة، واهن القوى إلى معلمه، يبلغه إصرار اللجنة على تفتيش كل ما تريد تفتيشه دون تلكؤ أو تذمر.. أليست هي عسكرية؟ إذن، يجب إطاعة الأوامر دون تلكؤ أو تذمر. زفر حسين كامل زفرة كادت تطير برئبال عبر الشباك وتلقيه إلى دجلة الذي كان يجرف معه سيول السباب والشتائم تلك التي صبها حسين كامل على اللجنة ملعونة الوالدين التي ابتلي بها العراق. -بوارد أزمة، همس رئبال قرب أذن عبد المحسن، وقد التقت الأسرتان عشية اليوم نفسه. -فال الله ولا فالك، تدخلت فاطمة للتو وقد سمعت الهمس. -الله! تسمعين دبيب النمل؟ سأل عبد المحسن باستغراب. -كيف لا والقضية قضية أزمة.؟ أينقص العراق أزمات؟ -أية أزمة؟ ما هذه الأزمة؟ سألت رقية وهي تدخل حاملة بعض الأطباق من المطبخ. على مائدة العشاء، شرح رئبال الخطوط العريضة للقصة دون الدخول في التفاصيل. -افتعال مشكلة، علق عبد المحسن، هم يريدون افتعال مشكلة. -اللعنة عليهم!! علقت فاطمة.. ألن يريحونا من مشاكلهم؟ -يريحوننا؟ كيف وليس لهم اليوم من هم سوى العراق؟ أجاب رئبال هذه المرة، بل في العالم كله لا يوجد سوى العراق. -لكن لماذا؟ سألت رقية، أنا حقاً أريد أن أعرف. -السبب واضح: يريدون إحكام السيطرة على منابع النفط كلها. يريدون استعمار منطقة الخليج كلها استعماراً مباشراً فلا يظل باستطاعة أحد أن يرفع رأسه أو يرفع صوته. يفرضون سعر النفط الذي يشاؤون ويأخذون منه ما يشاؤون. -يا رب!! لم بليتنا بالنفط؟ صاحت فاطمة برعشة من حزن. لولاه لكنا بخير. لا أحد يفكر بنا ولا أحد يريد استعمارنا. -لولا النفط لكان هناك سبب آخر. هم يختلقون الأسباب، يفتعلون المشاكل. فقط كي يبقونا مقيدين، مستعبدين ويظلوا هم وإسرائيل أحراراً في المنطقة يسرحون على هواهم ويمرحون. -لكن لماذا نحن بالذات؟ سألت رقية هذه المرة وهي تتناول شريحة البطاطا. لماذا لا يذهبون إلى الفيلبين، البيرو، غينيا بيساو؟ وضحكت فاطمة وهي تردد: -غينيا بيساو!! هذه أعجبتني، لكن عبد المحسن لم يضحك وهو يتنطح الرد. -لأن وطننا مهد الحضارة. بلاد الرافدين، بلاد الشام، وادي النيل.. هنا مركز العالم. عبر التاريخ كان مركز العالم، والمركز يستقطب دائماً أنظار الأطراف مثلما يستقطب ضوء المصباح الفراش. -يا ليتنا كنا الأطراف!! قالت فاطمة هازة رأسها. إذن لما غزانا المغول ولا التتار ولا الترك. -صحيح، هذا صحيح. قاطع عبد المحسن زوجته مسروراً بضربها الأمثلة تلك، ما من أمة في التاريخ همت بصنع حضارة إلا وحاولت المجيء إلى هنا للسيطرة على هذا الوطن: إغريق.. روم.. فرس.. الأمم كلها غزتنا. كلها حاولت السيطرة علينا، لهذا السبب عانينا، ولهذا السبب، سنظل نعاني على ما أظن. -على ما تظن؟ هتف رئبال محتجاً، بل بالتأكيد. نيكسون قبل عشرين عاماً قال "المنطقة الوحيدة التي يمكن للولايات المتحدة أن تدخل حرباً من أجلها هي منطقة الشرق الأوسط." تصوروا الولايات المتحدة مستعدة أن تشعل حرباً عالمية ثالثة من أجل إبقاء السيطرة على وطننا العربي. -وقد أشعلتها. تابع عبد المحسن، أم تظنون أن الحرب التي خضناها ليست حرباً عالمية؟ ثلاثون دولة ضدنا. أحدث الأسلحة.. أحدث التكنولوجية.. ونحن لا نصير ولا حليف. -ما يهمني. صدقوني. ليس بريطانيا وفرنسا. تدخلت رقية بنوع من الحدة والغضب، بل هؤلاء العرب يروننا نذبح هنا وهم يتفرجون، كأننا لسنا منهم، كأن العراق صار من العجم. -لا.. لا تغلطي رقية. العرب معنا. شعبنا العربي من محيطه إلى خليجه مع العراق لكن المشكلة في الحكام. -الحكام؟ تلك الدمى على مسرح العرائس؟ صاحت فاطمة من جانبها، ترى أليست فيهم نخوة؟ أليس لديهم ذرة من مروءة؟ أهلهم في العراق محاصرون. شعبهم يموت جوعاً وهم ساكتون؟ لا يحركون ساكناً؟ -النخوة!! المروءة!! رد رئبال وهو يلوح برأسه. هذه عملة بطلت منذ زمن طويل. -لكن إلى متى سيستمر هذا الحصار؟ تساءلت رقية أتعلم؟ الناس بدؤوا يتهالكون. احتياطيهم نفد. جيوبهم فرغت، وراتب الموظف لا يكفيه خمسة أيام!!. -خمسة أيام؟ احتجت فاطمة.. قولي يوماً واحداً.. بل ساعة، أم نسيت أن راتب أعلى موظف لم يعد يساوي عشرة دولارات؟ -صحيح، هز عبد المحسن رأسه زافراً، كلنا صار راتبنا بلا قيمة. التضخم التهم الدينار. الدولار بخمسة آلاف دينار!! من يصدق يا ناس؟ من كان يتصور ذلك؟ الآتي أعظم، الآتي أعظم على ما أظن!! ردد رئبال بكثير من الحسرة والأسى. -ماذا؟ أما يزال هناك أعظم؟ صاحت فاطمة محتجة، الناس بدأت تبيع سجادها، ثرياتها، بل كتبها. جارنا أبو سميع رأيته بالأمس يحمل سلة كتب ويذهب بها إلى السوق.. كتب أبيه وجده يبيعها، فهل هناك أعظم؟ -بكثير، أجاب رئبال، ألم أقل لكم ثمة بوادر أزمة؟ لجنة التفتيش تريد أن تفتش كل شيء، حتى فروع المخابرات. -يا الله!! أيعقل هذا؟ صاحت فاطمة باستغراب شديد. -بل أكثر من هذا. تريد تفتيش المدارس.. المستوصفات. -بأية حجة؟ تدخلت رقية متسائلة. -حجة إخفاء الصواريخ فيها.. تحويلها إلى مستودعات للأسلحة الكيميائية والجرثومية. -ووافقتم؟ كان رد عبد المحسن هذه المرة. -طبعاً لا. "المعلم" رفض. لكن اللجنة ملحة. تريد الدخول إلى أي مكان يخطر ببالها. -اللعنة!! قد يخطر ببالها أن تفتش منازلنا.. غرف نومنا.. صاحت فاطمة. -إذن، تفتشها. -لا توافقوا. بكثير من الغيظ هتفت رقية. -ومن قال إننا سنوافق، رد رئبال، المسألة الآن بين يدي القائد نفسه. لكن الهاتف رن فجأة فقفز رئبال من مكانه مسرعاً إليه. فيما تابعت زوجته: -خير!! اللهم اجعله خيراً!. كانت الساعة قد صارت الحادية عشر ليلاً، وكانت بغداد ترقد ساكنة سكون المرهق وقد وجد مكان راحته. بعض السيارات كانت تعبر الشارع لكن بغير ضجيج. بغداد سئمت الضجيج وقد تألب عليها العالم ذات يوم صاباً عليها كل ما لديه من عجيج وضجيج، حرب وضرب، ناسياً كل ما قدمته له من أسباب رقي وحضارة.. من إشعاع نور ومحبة؟. -آلو!! رد رئبال على نداء الهاتف، فيما أعناق الآخرين مشرئبة إليه، عيونهم مركزة عليه. حاضر سيدي. مسافة الطريق سيدي وعرفت رقية أن صفاء السهرة قد تعكر وحبل المسرة قد انقطع. -ماذا؟ بادره عبد المحسن وقد عاد يعتذر. -يريدونني هناك!! وأشار بيده إلى البعيد والأعلى. القائد لم يوافق. في اليوم التالي تناقلت الإذاعات أنباء الأزمة الجديدة في العراق تهدد بانفجار البركان. سمع باقر الأخبار فوجف قلبه. -يا إلهي!! كلما قلنا فرجت تشتد، ترى إلى أين تريد أمريكا أن تصل؟. -لا.. يا صديقي. جاء رد عمران، قل إلى أين يريد صدام أن يصل؟ كانا في منزل زهير وكان هناك لاجئون آخرون راح كل منهم يصب جام غضبه على الدكتاتور السفاح الذي يريد أن يبيد الشعب العراقي. -هو المجرم الطاغية لا يستطيع العيش إلا بإثارة المشاكل. قال أحدهم وقد عاد لتوه من مؤتمر المعارضة ذاك الذي انعقد في الشمال. -أنا أعرفه، قال ثان، يريد جذب الأنظار إليه فيفتعل الأزمات. -لا فائدة. قال ثالث، لا يهنأ له عيش إن لم يثر عليه أمريكا ويغضبها أكثر فتشدد الحصار وتضيق الخناق أكثر. وروى آخر العائدين من بغداد أن النظام لا يفتأ سادرا في غيّه. في كل يوم بغي أكثر، طغيان أكثر. لهذا على المعارضة أن تقتحم.. أن تخترق الحدود.. أن تقاتل بالسلاح، بالأيدي، بالنواجذ، فصدام لا يجدي معه غير القتال والقتل. ظل باقر صامتاً لا ينبس ببنت شفة. كان يشعر أن هناك وجهاً آخر للمسألة، فلماذا لا يراه الآخرون؟ "صدام المجرم؟ صدام المخطئ؟ صدام المسؤول؟ ربما هذا وجه ممكن لكن أين أمريكا؟ أين بريطانيا؟ ألا تتحملان المسؤولية الأكبر؟ ألا تلعب إسرائيل دوراً أساسياً في التحريض والتآمر؟ المفاعل النووي من قصفه؟ أكراد الشمال من يزودهم بالسلاح والمال؟ تدمير العراق من قام به؟ بحجة الفرد يقضون على شعب كامل، كيف يصير هذا؟ لإزاحة حاكم يدمر وطن بكامله، بأي منطق يصح هذا؟". وآثر باقر الصمت. كل منهم راح يدلي بدلوه، ساباً، شاتماً محملاً نظام بغداد المسؤولية وهو صامت. بون شاسع بات يشعر أنه يفصله عن موقف الحزب.. عن أحزاب المعارضة. من قبل كان مثلهم، يسب، يشتم، لكن الآن، ماذا؟ قلبه يجف كلما سمع بنائبة جديدة تحل بالعراق. إحساس بات يتملكه بأن العراق أكبر بكثير من أي فرد. العراق يضرب شعبه هو الذي يضرب، يدمر؟ يخرب؟ أرضه، ترابه، مصانعه، مزارعه، ثرواته هي التي تخرب وتدمر فكيف تعمى العيون عن ذلك كله بحجة الفرد؟ كان باقر يريد أن يعرف أخبار المؤتمر خطة المعارضة من أجل المستقبل، وكان العائد من المؤتمر على إطلاع. حدثهم عن كل ما رأى، عن كل ما سمع، بل حدثه بالذات عن جبار، أخيه، ذاك الذي صار اسمه "وصفي"، وصار تابعاً مطيعاً لأبي العز. "أمثال هؤلاء هم الذين تمشي أمورهم". رجل بلا دماغ، كجبار، هو الذي يرضى عنه قائد كأبي العز. يريدون أدوات طيعة بين أيديهم. امعات فارغة العقول، فارغة النفوس لا يعرفون أن يردوا: "سوى شبيك لبيك عبدك بين يديك". وأحس باقر أن آخر خيط من أمل ينقطع.. كان يعلم أن جباراً ما يزال في الشمال، وكان يعلم أنه تزوج من كردية هناك، وأنه مخلص لخط الحزب لا يناقش ولا يجادل، مع ذلك كان ما يزال لديه بقية من أمل في أن يعمل تفكيره ذات يوم ويكسر الطوق المضروب حوله ليلحق به إلى بيروت أو دمشق، لكن ها هي ذي أخباره تخيب أمله فيدرك باقر أن لا أمل من جبار. حزيناً، غاضباً كان يستمع لآراء صحبه اللاجئين، آسفاً خائفاً كان يتتبع الأزمة.. من إذاعة إلى إذاعة ومن تلفاز إلى تلفاز كان يلاحق الأخبار وهو يمسك قلبه بيده "رباه!! احم العراق!! رباه!! خلصه من براثن الأعداء" وغدا يأرق كثيراً. وحيداً يجتر أفكاره طيلة الليل، وحيداً يسير في شوارع دمشق ويتسكع.. كان فاتح قد سافر إلى السويد وكان رباح قد لحق به إلى النرويج وكان الصحب الآخرون من المعارضة لا يتحدثون إلا بما يورث الضيق والإزعاج. بحث عن لورا علها توفر له بعض الراحة، لكن لورا غائبة، هي مذ طردتها أم رجوة، غائبة. بل تتغيب عمداً عنه. قصدها أكثر من مرة كي يشرح لها، يعتذر، لكنها آثرت أن لا تراه وأن لا تسمع شرحاً أو اعتذاراً. مرات عدة ذهب إليها في المنزل لكن دائماً يأتي الجواب "غير موجودة" "يجب أن أراها". بإصرار شديد قال لأختها آخر مرة. "اسمع. لورا غاضبة وهي لا تحب أن ترى أصدقاءها إن كانت غاضبة". "لكن هناك الكثير مما ينبغي أن نتحدث عنه" "الأفضل أن تؤجله الآن. اسمع مني. لورا غاضبة منك.. عاتبة عليك" "لكن لماذا؟ ماذا فعلت؟" "دعوتها إلى منزلك وأنت لا تعرف من في منزلك. أحرجتها. وضعتها في موقف لا تحسد عليه فاتركها الآن. لورا تغفر لكن بعد حين.. تنسى لكن هي بحاجة لوقت". وأعطاها باقر وقتاً. راح يقرأ. القراءة باتت تملأ جل فراغه. يستلقي على سريره ويقرأ. لا صوت، لا ضجة. المنزل مريح. حيه مريح. سكانه مريحون. لهذا بقي فيه. يوم فعلت أم رجوة ما فعلت فكر أن يتركه في الحال. لكن غياب لورا والأجرة المدفوعة والخوف من الوقوع في الأسوأ جعله يستمر. لا يقترب من المرأة ولا تقترب المرأة منه. أم رجوة ممرضة متقاعدة، بدينة مترهلة، وزنها ثقيل، حركتها ثقيلة، لا تقدم خدمات ولا تتملق لمستأجر. "لكم دينكم ولي دين" كان كل ما فيها يقول لباقر. ولم يكن باقر حريصاً على شيء كتلك القاعدة. كان حب الاستقلال في دمه، وكانت غرفته شبه مستقلة توفر له المناخ الملائم لنمو ذلك النازع. المطبخ قبالة غرفته. يذهب إليه إن أراد فنجان قهوة فقط. غداؤه في الخارج، عشاؤه في الخارج والإفطار قهوة وحسب. دولة قهوة يصنع ثم يبدأ العب. فنجاناً، فنجانين ثلاثة. هو لا يحب كالقهوة في الصباح، عبقها ينعشه، نكهتها تحمله عالياً في السماء ويستغني بها عن كل طعام. وحده، سر تلك المرأة كان يشغله: "لماذا تلك العدوانية كلها؟ لماذا ذلك التشنج؟ ذلك الانطواء"؟ ذات مرة فكر أن يتقرب منها، يسألها، وفعل ذلك، لكنها صدمته، كلمة أو كلمتين بادلته ثم أدارت ظهرها وابتعدت. "قد تكون رجوة المفتاح" فكر وقد ازداد لغز المرأة غموضاً ورغبته في حله شدة، لكن "أين رجوة؟" رجوة تعمل في إحدى وزارات الدولة. تفيق في الصباح الباكر حين لا يكون قد أفاق وتعود مع الظهيرة حين يكون قد خرج يسعى في مناكبها ولم يكونا يلتقيان. بضع مرات فقط لمحها. عند الظهر إن عاد للقيلولة أو في الليل حين يأتي للنوم في كل مرة كانت تترك لديه انطباعاً غريباً "الفتاة مقموعة.. قمع شديد يكتم أنفاسها"، وقرر أن يعرف سر ذلك القمع.. أن يختلس فرصة يبادلها الحديث، يعقد معها آصرة ما عله يعرف سر الأم. معقدة كانت تبدو، خائفة كانت تنظر. فإذا ما التقت عيناها بعينيه أطرقت أرضاً وأسرعت تختفي. لا تبادله نظراً أو كلاماً. ذات صباح تعمد أن يفيق باكراً. فتحت الباب الخارجي للمنزل ففتح باب غرفته الخارجية، هناك التقيا وقد صارا، على السلم. -صباح الخير، بادرها بابتسامة، حاول أن يغمسها بالطيبة والبراءة. -صباح النور، أجابت وهي تتلفت وراءها إلى الباب. -رجوة. نحن جيران ويجب أن يرى واحدنا الآخر. -أمي لا تسمح.. غمغمت وهي تعاود التلفت. -لكن لماذا؟. -لا أدري. هي فقط لا تسمح. كل من سكن في هذه الغرفة قبلك محرم علي رؤيته، محظور علي الكلام معه. -مع ذلك، يجب أن يرى واحدنا الآخر. أرجوك رجوة. لم تجب رجوة. بل اكتفت بالنظر إليه ملياً ثم دارت على عقبيها وهي تغمغم. -آسفة. تأخرت. يجب أن ألحق بدوامي. وأسرعت تهبط السلم كأن عفريتاً يطاردها. هنيهة من الزمن وقف باقر في مكانه وقد غابت عنه. وقع خطاها فقط كان يأتيه مسرعاً مضطرباً "لماذا هي خائفة إلى هذا الحد؟ لماذا هي بهذا الحذر؟" غمغم، يساوره العجب، بعدئذ عاد إلى غرفته يستعيد بالتفصيل سيماء وجهها، الكلمات التي قالتها، التعابير التي ارتسمت على وجهها. لم تكن رجوة فتاة صغيرة في سن المراهقة.. انطباعه الأول أنها كانت في الثامنة أو التاسعة والعشرين، متوسطة الطول، حنطية البشرة، سيماؤها دون كبير اتساق. ليست جميلة لكنها ليست قبيحة. ربما هي في حدود المقبول، شعرها "الغارسون" يصغِّرها قليلاً لكنه يجردها من كل أنوثة أو جاذبية. "لكن لماذا هي في هذه السن ولم تتزوج؟" وبدا السؤال لغزاً آخر ينبغي أن يحله "أأذهب إليها في مكتبها؟" وأحس بمصدات رياح تصده "ماذا لو طردتني؟ ماذا لو أخبرت أمها؟ ألا تطردني من الغرفة؟" وقرر أن ينتظر. هو بادر. قدم الطعم، إذن عليه أن ينتظر: تقدم السمكة على التهامه أم لا تقدم؟. شيء راح يدغدغ بصيلات الشم في خيشومه.. رائحة لذيذة منعشة راحت تتغلغل في مسام أنفه.. "إنها رائحة قهوة.. من أين جاءت؟ كيف؟" راح يتساءل وهو بين النوم واليقظة "لعله حلم!!. لعله واقع!!" ولكي يقطع الشك باليقين فتح عينيه على مهل. عمود متسربل بالأحمر الشفاف كان يقف أمامه. "أجل.. ثمة ساقان. الأحمر الشفاف يظهر ربلتيها" وفتح عينيه أكثر. رائحة القهوة أكثر نفاذاً، الأحمر الشفاف أكثر وضوحاً. رفع ناظريه إلى الأعلى، الفخذين، الحوض، الخصر... "يا إلهي!! التهمت السمكة الطعم". وجلس باقر في فراشه ملؤه اللهفة والفضول. -صباح الخير، بادرته بصوت بذلت أقصى جهدها لأن تفعمه أنوثة. -أهلاً.. رجوة!! أهلاً. صباح.. الخير. قال بكثير من الاضطراب والتلعثم. تفضلي اجلسي. تفضلي. تابع وهو يشير إلى حافة السرير، لكنها أسرعت إلى كرسي في الزاوية، حملته ثم وضعته بجانب السرير، مقدمة له صينية القهوة. -اليوم عطلة. قلت أعد لك قهوة الصباح. -كلك لطف، رجوة، كلك ذوق. وأخذ فنجان القهوة وقد باتت رائحتها ملء الغرفة. لكن سرعان ما لفت نظره الباب المغلق. التفاتته جذبت انتباهها. -أمي نائمة، فسرت بصوت أقرب للهمس ولا أريدها أن تستيقظ. -فهمت عليك، رد بنبرة الهمس ذاتها. إذن، ما تزال أوامرها سارية المفعول؟. -هذه قاعدة لا تخرق أبداً. قالت ثم عقبت بشيء من حياء، لكن.. أنت رجوتني تلك المرة أن نلتقي. -أجل، وأنا أشكرك على قبولك رجائي. لكن بالله عليك رجوة، قولي لي، لم هذا التشدد كله؟ لم هذه العدوانية من أمك؟ -أمي تكره الرجال كلهم!! -ماذا؟ تكره الرجال كلهم؟ رد باقر كالببغاء، وقد تذكر وصف صاحبه لها قبل أن يجيء إلى منزلها. -أجل. بل هي لا تراهم إلا ذئاباً لا تسنح لها الفرصة إلا وتغدر.. تنهش، لهذا تظل بعيدة عنهم، وتريدني بعيدة عنهم. لا أقترب من أحد ولا يقترب أحد مني. "إياك والرجل"، تقول لي "لسانه عسل وفعاله بصل لا يترك لك إلا الرائحة الكريهة". وضحك باقر لكن دون صوت، فالخوف من الأم التي يمكن أن تستيقظ جعله يكتم ضحكته وقد وضع يده على فمه. -هي معقدة من الرجل إذن؟ -معقدة وحسب، قل معقدة حتى الموت وقد عقدتني أنا أيضاً!!. -لكن لماذا؟ ألم تعرفي سر هذه العقدة؟. -لا.. لا أدري. ربما هو أبي. -ماله؟ أبوك هذا؟. وأطلقت رجوة تنهيدة طويلة. متلفتة حولها، مترددة قبل أن تجيب. -كان أبي وأمي يعملان في المستشفى ذاته. هو طبيب وهي ممرضة. قواسم كثيرة مشتركة جمعتهما وربما عقدت أواصر حب بينهما كنت أنا ثمرته. لكن ما إن بدأت بوادر الحمل حتى طالبته بالزواج. حاول أن يراوغ. أن يتملص لكنها حاصرته "تفضحني إن لم نتزوج" قالت له متوسلة باكية، "لكن أهلي يرفضون" رد عليها وقد استمزج أهله من قبل. "نذهب إلى الكنيسة دون موافقة أهلك" "سيحرمونني الإرث، وإرثهم كبير" "أنا أغلى من إرثك؟" "لا تضعي نفسك موضع المقارنة" "والحل؟ أنا بحاجة إلى حل" "سنجد الحل، بعض الوقت ونجد الحل". "الوقت ليس في صالحنا، الزمن يمر" "سأقنعهم. فقط اصبري" وصبرت أمي شهراً بعد شهر، ثم قبل أن تنفجر في وجهه من جديد، ذهبت إلى المستشفى فلم تجد له أثراً!!. -لم تجد له أثراً!؟ أين ذهب؟. -إلى أمريكا، دون حتى كلمة وداع. -ومنذئذ لم تقرب الرجل؟. -بل بات لها العدو المبين. تتصور حية الكوبرا ولا تتصوره، فهو الذئب وهو الضبع وهو الخائن وهو الغادر. -لهذا لم تتزوجي حتى الآن؟. ولن أتزوج. هي تمنعني من مقاربة أي رجل. تحرم علي حتى التفكير بالرجل. وفتح الباب على حين غرة. أجفلت رجوة شاهقة ثم انتفضت واثبة من كرسيها وكأنها على نابض. عيناها، مثل عيني باقر، طارتا إلى الباب فيما سد الباب جرم بشري هائل أجال نظره في الغرفة لحظة ثم انقض على الفتاة: لسان يصرخ بأقذع السباب ويد تشد الشعر وأخرى تضرب وتلطم. على الوجه، الظهر، الكتفين، وابل من الصفعات انهال على الفتاة والجرم البشري يشدها إلى الخارج. -تعالي يا سافلة بنت السافل!! تريدين أن تفضحيني!؟ سأؤدبك يا كلبة يا بنت الكلب. وخرجت بها من الباب كما جاءت فيما صرخاتهما كلتيهما تملأ المنزل. بمثل لمح البرق راح باقر يرتدي ثيابه.. الجرم البشري الهائل سينقض عليه ولا شك. لعناتها، سبابها، ركلاتها، كل ذلك ينبئ بالآتي "لن تهمد قبل أن تشفي غلها مني". أنهى ارتداء ثيابه ثم انسل من الباب الخارجي هارباً لا يلوي على شيء. كانت الساعة ما تزال السابعة وكان اليوم يوم عطلة ولم يكن ثمة مكان يذهب إليه. أصحابه كلهم نائمون ولا شك. الشوارع خالية، حتى المقاهي لم تكن قد فتحت أبوابها بعد. "إلى بيروت" لمعت بذهنه الفكرة فجأة وفجأة التف نحو اليمين سائراً باتجاه مركز انطلاق السيارات. -حسن أنك جئت، بادره أبو الليل وهو يفتح الباب ليأخذه بالأحضان. كنت سأذهب إليك في دمشق. -قلبي قال لي ذلك فجئت. رد باقر وهو ينهي عناقه، أليس قلب المؤمن دليله؟. مؤمن؟ منذ متى أنت مؤمن؟ تساءل وهو يلوح برأسه ساخراً سائراً به إلى غرفة الصالون. -التغيرات تجتاح العالم. تريدني وحدي أن أظل بمنأى عنها؟ وضحك أبو الليل. -حقاً.. كل شيء يتغير في هذا العالم.. تغيرات خطيرة تحدث كل يوم، فما الذي جرى؟ -الله وحده يعلم!! قال باقر وهو يرفع يده إنكاراً لكل معرفة بعدئذ جاءت أم الليل، الأولاد وعاد باقر إلى جو الأسرة البهيج ذاك الذي كان قد افتقده منذ أشهر. بعد الغداء فقط سأل باقر أبا الليل: -لم تقل لي. لماذا كنت تريد الذهاب إلي.. في دمشق؟. -مشروع المجلة!! يبدو أنه سيدخل الآن حيز التنفيذ. -حقاً!؟ هذا خبر سار!!. وطوال ما بعد الظهر راحا يبحثان في التفاصيل التي كان يحملها أبو الليل. أخيراً صرح: -فقط، الممول في عمان وعلينا الذهاب إلى عمان. -نذهب إلى عمان. -هيء نفسك إذن. غداً نسافر. لكن مع أخبار المساء جاء الخبر – الصاعقة: -الإسرائيليون والفلسطينيون يعقدون اتفاقاً في أوسلو!! وفغر كل منهما فاه، فيما جحظت عيناه. -أولاد الكلب!! هتف أبو الليل. متى بدؤوا الاتصالات؟ متى أجروا المفاوضات؟ ثم تبين بعد البحث والتقصي أن وفود البلدين ظلت طوال تسعة أشهر تلتقي في النرويج، حيث لا أضواء ولا صحافة. في السر.. وخفية عن أنظار العالم جميعاً كانوا يلتقون. تحوطهم رعاية الدولة المحايدة وتموه عليهم وسائل الإعلام، حتى نما الجنين وكبر. في رحم النرويج نما الجنين. تسعة أشهر ظل في بطن أمه. وحين اكتمل نضجه شق طريقه عبر الفرج الاسكندنافي الكتوم وعلى يد القابلة الأمريكية المتمرسة كثيراً بفن القبالة والتوليد. -لكن، ماذا يعني لك اتفاق أوسلو هذا؟ سأله باقر في اليوم التالي وقد رآه ينسى المجلة والممول وعمان، ملاحقاً الأخبار، متتبعاً الإذاعات. -كيف يا رجل؟ هو منعطف خطير بالنسبة إلى قضيتنا كلها. -ما أظنه إلا حبراً على ورق. -كيف، وهم سيعطونه غزة؟ سأل وهو يشير على ما يجسد شخصية عرفات. -وما أهمية ذلك؟. -سيقيم دولة.. -وماذا يعني ذلك؟ -دولة في غزة، وغزة بلدي، ألا يعني ذلك شيئاً؟. -قد يعني ذلك لعرفات. -بل.. لي أنا أيضاً. قال أبو الليل، وهو يهب ملء طوله، فرحاً تتراقص عيناه في محجريهما، إن قامت دولة في بلدي، أياً كانت تلك الدولة، عدت إلى بلدي. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |