مواجع الشتات ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـــ وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية – دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الحادي عشر

كانت قد مرت سنتان على اتفاق أوسلو ولم يكن أبو الليل قد عاد إلى بلده.‏

"تعود إلى غزة حين أعود أنا إلى العراق، "كان باقر يقول له مشاكساً وهو يراه يحرق الإرّم غيظاً في غدوه إلى عمان ورواحه منها خائب الرجاء مرفوض الطلب.‏

"بل سأعود"، يرد أبو الليل بتحدي المقاتل العنيد. "نحن الشتات فكيف نعرف الوطن؟" "لن أظل شتاتاً، سأعود رغماً عن أنوفهم سأعود". كان أبو الليل يجزم، دون أن يفت في عضده الخيبات المتتالية التي تلقاها من ذوي الشأن الجدد في غزة.‏

كانت إسرائيل، بحجارة الأطفال، بزنود الفتيان، بالعمليات الانتحارية قد انسحبت، غير راغبة في شيء. "فقط حلوا عن ظهري. لا أريد بلاء غزة.. مشاكل غزة". وفي ليل بلا ضوء انسحبت، مخلية مواقع الشرطة، المخابرات الجيش، الإدارة المدنية، العسكرية.. تركت كل شيء وخرجت من المدينة التي لم تكن ترقد إلا لتهب، تكنّ إلا لتنتفض قاذفة إياها بالحجارة، صابة عليها حمم المقاليع والنقافات، نيران البنادق ونصال الخناجر حتى غدت غزة الجحيم التي لا تريد إسرائيل شيئاً في الدنيا قدر الخروج منه. وخرجت إسرائيل، ليجيء رجال السلطة المحلية. منتصرين دخلوا، رافعين أصابع أكفهم برقم سبعة وكل ما في ذهنهم أنهم انتصروا وأنهم نالوا الحرية والاستقلال.. لكن ما إن راحت السكرة وجاءت الفكرة حتى تكشفت لهم حقائق جديدة: إسرائيل على أبواب غزة..‏

على شاطئ غزة، في كل مكان من محيط غزة تحكم حولها الطوق فلا يخرج أحد أو يدخل إلا بإذن هاموشال أو حزقيال، إسحق أو كوهين.. حتى رأس السلطة الفلسطينية لا يدخل أو يخرج إلا بإذنهم، فكيف يدخل أبو الليل؟‏

إسرائيل تعلم من هو أبو الليل. موسادها يعرف الكثير عنه، ملفه امرأة حبلى في شهرها التاسع فكيف يخدعهم بأنه مجرد مواطن يريد العودة إلى وطنه؟ صحيح أن إسرائيل كانت قد تخلت عن غزة لكن الصحيح أيضاً أنها لم تكن قد تخلت عن القطاع.. الشاطئ، الجنوب، الشمال، ثمة مستوطنات لا تتركها إسرائيل في مهب الريح وغزة ريح عاصفة إن وجدت لها منفسحاً لم تبق ولم تذر من مستوطنات ومستوطنين. كانت إسرائيل تعلم جيداً ما تريده. شوارع غزة لاهبة مثل جحيم حارق، إذن لتدع تلك الشوارع، ولتبق في كل مكان آخر. "عنقهم في قبضتنا.. فأين يذهبون؟ نحن من أمامهم والبحر من ورائهم فأين يفرون؟. وبدا، وهلة من الزمن، وكأن السلطة المحلية في غزة دخلت عنق الزجاجة ثم أغلقت إسرائيل الزجاجة بسدادة محكمة إلى درجة يمكن أن تقطع عنها الهواء.‏

"المفاوضات" صاح رأس السلطة وشفتاه ترتعشان، يداه ترتعشان، كأنما أصابه "أبو هازوز" في المنفى، حيث تونس وقرطاج، كان يملك حرية الحركة وورقة الانتفاضة سلاحاً يقاتل به عدواً أخبث من ضب وأكثر مراوغة من ثعلب.. لكن وقد سكنت شوارع غزة وعاد المنتفضون إلى بيوتهم فرحين بالأصابع التي رسمت أرقام سبعة كثيرة، ثم صار هو نفسه داخل عنق الزجاجة، ماذا يقول الإسرائيليون؟‏

"نفاوض، لكن بعد أن ننتهي من مسار آخر". وكان ذلك المسار لملك همام ينحدر من نسل الحسن بن علي بن أبي طالب، سبق وأن مد جسوراً وأقام صلات وعقد مفاوضات خرج منها صفر اليدين. لا. لا.. لم يخرج صفر اليدين فقد كسب علماً أبيض أزرق في وسطه نجمة داوود السداسية، ارتفع في سماء عاصمته فشهقت نساء وبكت أيامى وأجهشت يتامى ودماء رجالهم وآبائهم، أخوتهم وأبنائهم لما تجف بعد عن يدي رابين، الرجل الذي خطط في حزيران لتدمير طائرات مصر وسوريا وهي جاثمة في مطاراتها، والذي استفرد بالجبهات العربية واحدة واحدة إلى أن اكتسحها كلها واحدة واحدة. ذلك السليل نفسه كان في حيص بيص. لقد درس في التاريخ أن جده الأعلى فتح باب خبير وقطع بسيفه، ذي الفقار، رأس مرحب باعثاً به إلى الجحيم، مجتثاً آخر جذر من جذور اليهود الخبيثة التي امتدت إلى أرض الحجاز ومدين فكيف تراه، وهو سليل ذلك الجد العظيم يرسخ جذورهم؟ اليهود يريدون وادي الغور أرضاً يستأجرونها، ككل خلق الله يستأجرون، يفلحون ويزرعون، يريدون أبواب الأردن مفتوحة على مصاريعها، يدخلون معززين مكرمين ويخرجون معززين مكرمين، وهو خائف متردد، مقدم محجم، هم يفاوضون بصبر وأناة، فلماذا يفكرون بغزة أو بالتفاوض مع من في غزة وقد اعتادوا دائماً الانفراد بالعرب جبهة جبهة فلا تجتمع قبالتهم جبهتان.‏

تململ رأس السلطة ذو اليدين الراعشتين والشفتين الراعشتين وتقلقل. "ما على هذا اتفقنا"، "مهلاً أيها الشريك!!" جاء الرد "صبراً يا أخا العرب". ولم يكن الرجل يملك إلا أن يصبر. كانت مفاوضات أوسلو السرية قد جردته من السلاح العربي كله.. كشفت ظهره فليس وراءه حائط عربي ولا أمامه درع فلسطيني. كان قد ذهب إلى أوسلو سراً، فاوض سراً، اتفق سراً، دون أن يستشير أشقاءه من الحكام العرب فأخذ أشقاؤه على خاطرهم وحردوا، أحسوا بالإهانة والغدر فكظموا. بل بعضهم هاجمه بشراسة "كيف تفعل هذا؟" "من وراء ظهورنا تفاوض؟ خفية عنا تعقد اتفاقات؟ "هذا شأن فلسطيني محض"، رد رأس السلطة.‏

"بل فلسطين شأن عربي" "تركناه لكم نصف قرن فما ازداد الطين إلا بلة. دعوه لنا علنا نجد خلاصنا" "خلاصك بالاستسلام!؟" واشتعلت حرب من كلام بين هذا الحاكم ورأس السلطة، فيما اكتفى حكام آخرون بالحرد فلا يكلمون رأس السلطة ولا يستقبلونه. وضاق الخناق على الرجل الراعش. هو مقتنع أن فلسطين يجب أن تكون للفلسطينيين لا يشاركه في التفاوض على مصيرها أحد. ألم يقل مجلس الجامعة العربية قبل عشرين عاماً أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؟. إذن هو ينفذ ما قالته الجامعة، يقوم بما خوله إياه مجلس الجامعة، وليذهب الحكام العرب إلى الجحيم.‏

لكن وحده، رأس السلطة الراعش اليدين والشفتين، بدا وكأنه قد ذهب إلى الجحيم. هو يريد الخروج من عنق الزجاجة لكن دون ذلك خرط القتاد. يفتحون له سدادة الزجاجة، يتنفس بعض الهواء، يغلقونها فلا يملك إلا أن يصرخ مستنجداً وقد أوشك على الاختناق. طعامه، شرابه، تموينه، عمالته، كلها بيد رابين. يفتح الصنبور فيسيل الماء، يدير مفتاحاً فتشتغل الكهرباء، يعكسه فتغرق غزة كلها في الظلام. هو لا يملك من أمره شيئاً، فكيف لا يرتد طلب أبي الليل المرة تلو المرة مذموماً مدحوراً "أنا ذاهب إلى مصر"، قال لباقر بعد سهرة تسكع في شوارع دمشق كادت تتلف لها قدما باقر. "ماذا تفعل في مصر؟ "من هناك أتسلل إلى غزة" ولم يمض يومان حتى كان أبو الليل قد صار قرب حدود مصر يتسلل منها إلى غزة. باقر يتسلل أيضاً. هو يعرف التسلل جيداً. ذات يوم كان قد تسلل من بيت رجوة وأمها، الجرم البشري الهائل، هرباً من عقاب قد يحط عليه حط السيل من علٍ. فمن يدري؟ قد ترغمه المرأة الشكاكة المعقدة أن يصلح خطأ لم يرتكبه؟ ألم تحاول ذلك مع رجلها الطبيب الذي لم يجد أمامه من خيار سوى الفرار؟ كان باقر قد ظل شهراً أو بعض الشهر في بيروت. رأى هناك صحبه، ذهب إلى قاعدته، عاش مع أبي الليل في بيته، قصد حانة أبي جوني، سهر مع يسار وصفية، مع هذه الراقصة وتلك ولم لا؟ كلهن راقصات. ألم يكتب سارتر يوماً مسرحية بعنوان "كلهن فاضلات"؟‏

باقر يتسلى في بيروت. يقطع الوقت مع صاحب قديم بات كل همه أن يجمع المال، والراقصة المبدعة تعرف كيف تجمع المال. تعرض جسدها في سوق النخاسة وعلى حلبات الملاهي والكازينوهات فينصب المال عليها صباً. "سأدعها تعمل إلى أن نجمع قدراً من المال، نعيش به حياة النعيم والرفاه في دمشق دون أن تضطر للعمل". شرح له يسار خطته فبارك باقر تلك الخطة وفي نفسه شك كبير في أن تغير الدجاجة "كارها" حتى لو قطعوا منقارها.‏

غادر باقر بيروت وهو يعلم أنه لا بد مما ليس منه بد. وصل إلى دمشق فمضى إلى حيث تعمل رجوة. قبل انتهاء الدوام بدقائق وصل. وانتظر على ناصية الطريق يرقب المدخل. خرج الموظفون والموظفات، الآذنون والآذنات فأسرع إلى رجوة لمحته من بعيد فتأخرت عن السرب متشاغلة بحقيبتها تبحث فيها عن شيء.‏

"رجوة" "باقر" هتف كل منهما بالآخر وهما يسلكان زقاقاً قريباً يبعدهما عن أعين المتطفلين والمتطفلات. "هكذا تهرب وتتركني وحيدة في الساح؟" "وماذا باستطاعتي أن أفعل؟" "الفارس يدافع عن ظعينته". ليس أمام غولة كأمك.‏

"غولة؟ لا تقل عن أمي غولة" "أعتذر.. كنت أحسبك تشاركينني الرأي" "كيف وهي لا تريد إلا مصلحتي؟" "مصلحتك أن تصبحي عبدة لها، مزرعة لعقدها؟" "أمي تدافع عن شرفي.. تريد لي زوجاً صالحاً وبيتاً مستقراً، فلماذا لم تثب إليها بنخوة العربي ومروءته قائلاً: دعيها.. سأبني بها الليلة؟ "ها.. هكذا إذن.. كنت تريدينني أن أتزوجك" "ولم لا؟ الزواج حلم كل فتاة" "لكن لم نكن يعرف واحدنا الآخر "لا يهم، نتعرف بعد الزواج"، وبدت رجوة مرآة تعكس أفكار أمها، تلك التي شربتها مع الحليب الذي رضعته. فآثر باقر الصمت وفي نيته أن لا يثير ضده الفتاة. "هل أستطيع العودة إلى الغرفة؟" "بشرط واحد: تطلب يدي". وخيل لباقر أن وراء الأكمة ما وراءها منذ البدء، تشديد الأم على الفتاة، تقرب الفتاة منه، تسللها إليه في الصباح، كل ذلك بدا كأنه مدبَّر وبغاية وحيدة: إدخال العصفور إلى القفص. دعاها إلى الغداء. فكادت تولول "وماذا أقول لأمي؟" "لكنك فتاة ناضجة، عمرك فوق الثامنة عشرة فكيف تتصرفين كقاصرة؟" "أنا أطيع أمي" "أنت عبدة تابعة تنفذ وتخضع"، "وهل تريدني أن أعارك أمي؟" "أريدك كائناً حراً مستقلاً له رأي وموقف"، "وأعصى أمي؟" "اعصي.. تمردي.. كسري القيود.. أجل.. فقط لا تكوني خاضعة خانعة" "أنت مجنون" "أنا رجل يحب الحرية.. يريد الناس كلهم أحراراً.. رجالاً.. نساءً.. كلهم يجب أن يقاتلوا من أجل الحرية.. كي ينالوا الحرية" "لا، أنا لا أقاتل. أنا ضلع قاصر لم تخلق للقتال" "إذن، ابقين أيتها الضلوع القاصرة إماء وجواري" ومضى باقر لا يلوي على شيء.‏

في الصباح التالي تسلل إلى المنزل وقد رأى الغولة تخرج لشراء حاجات البيت. أخذ حقيبته ومضى إلى منزل جديد لا غولات فيه ولا معقدات. صاحبه صديق لورا وبيته أشبه ببيت لورا: أربع غرف: الغرف الخارجية لباقر والثلاث الداخليات لعبد الرحيم. عبد الرحيم أعزب لا امرأة له ولا ولد. "عجيب، لم لم تتزوج حتى الآن؟" سأله باقر. فأجابت عنه لورا ضاحكة "ومن تتزوجه؟ عبد الرحيم عكس اسمه: عبد إبليس، نصاب محتال، وأنا أحذرك منه". فغر باقر فاه متعجباً لكن عبد الرحيم فتح فاه مقهقهاً "الصديقة لورا تحت الدعابة دائماً"، لكن حين اختلى باقر بلورا أكدت له الصديقة أنها كانت مازحة مداعبة ولا شك، لكن في مزاحها الكثير من الجد، وأن عليه أن يتخذ كل حيطة وحذر، فالرجل الأنيق الجميل، الفارع الطويل، الرهيف الخصر لا يتورع عن نصب أية أحبولة تعود له بصيد، بخساً كان أم ثميناً.‏

شهر، شهران، خمسة عشر شهراً مرت ولم ير باقر ما يشين سلوك الرجل.‏

هو غاية في الدماثة، غاية في الكياسة، يلتقيان قليلاً، صحيح، لكنهما يلتقيان صديقين حميمين. عبد الرحيم بارع في كسب الأصدقاء، ذلق اللسان، واسع المخيلة، سريع البديهة، يستطيع بكل يسر أن يخلق الجو الملائم والمناخ المريح لحديث يتجاذبانه أو قهوة يشربانها. بل أحياناً لغداء أو عشاء يأتي به عبد الرحيم من المطعم.. هو ينفق بسخاء، ثيابه من أرقى المحلات... ربطات عنقه، أحذيته.. كلها تدل على ذوق رفيع ومال وفير. "من أين تأتي بالمال؟" سأله ذات مرة وهما يشربان قهوة الصباح. "أعمل" "وماذا تعمل؟" "بيزنس" والبيزنس واسع الأمداء رحب الآفاق أوله على شاطئ البحر الأبيض المتوسط وأخره على الجانب الآخر للمحيط الهادي، حيث كاليفورنيا والمكسيك. لم يستطع باقر أن يتغلغل أكثر: عبد الرحيم دهليز ملتوٍ عميق لم يعرف قط الكهرباء. هو يتحدث كثيراً عن الماضي لكن قلما يتحدث عن الراهن. شغوف باستشراف المستقبل، بتخيل الغد، لكنه حريص على إبقاء الحاضر طي الكتمان. "لماذا؟" نظرية عبد الرحيم واضحة "الماضي ملكك، يمكنك التحدث عنه، إفشاء أسراره، لكن الحاضر لا. هو عجينة ما تزال قيد التشكل فكيف تبوح بأسرارها"؟ وعرف باقر عن ذلك الماضي أشياء وأشياء. بعضها روته له لورا وبعضه الآخر رواه له بنفسه.‏

كان أبوه قد أودعه صغيراً لدى شيخ من مشايخ الصوفية، يعلمه طريقة الصوفيين ويربيه على أخلاقهم هو الذي كان يرى في ابنه مخايل الذكاء وأمائر الفهم، فلماذا لا يكون شيخاً ذا طريقة وأتباع، حواريين ومريدين؟ عاش الصبي ابن الثامنة في كنف الشيخ الجليل، يعلمه القراءة والكتابة، الدين والشريعة، ثم أشياء وأشياء.. بدا معها الصبي يتفتح، وجهه يزداد نضارة، بشرته تشتد ألقاً، حتى بات أبوه يتوسم فيه أن يخرج من لدن الشيخ نوراً على نور تضيء أشعته العالمين.‏

كبر الصبي، صار غلاماً يافعاً ثم بلغ سن الرشد، وهو يتعلم على يد الشيخ الجليل، يرى الشيخ الجليل، يخدم الشيخ الجليل، حتى صار يده ورجله، عينه ولسانه. هو للداخل، هو للخارج، موضع ثقة، ومؤتمن أسرار. في رغد وهناءة عاشا، طعامهما واحد، شرابهما واحد، ينامان معاً، يقومان معاً، وعبد الرحيم في الجنة إلى أن دخلت حواء وأخرجته من الجنة. حواء عبد الرحيم ابنة الجيران رأت الفتى يشتد عوداً ويحسن وجهاً فبدأت تنصب الشباك: نظرة من هنا، غنجة من هناك واشتعلت النار في قلب الغلام. "هناك جنس آخر، إذن؟" وبدأ المغناطيس يجذب المسمار.. قانون الفيزياء يقول:‏

إن وضعت مسماراً بين كتلتي مغناطيس جذبته الأقوى، وكانت حواء الأقوى. عبد الرحيم لم يكن يعلم. شيء ما بالفطرة كان يدفعه نحو تلك الكتلة التي تلبس الثياب الهفهافة الشفافة، شعرها يتطاير في الهواء، عيناها تذبلان وتغمزان، لينشد إليها مبتعداً عن كتلة أخرى كانت تحسب أنها الوحيدة في ساح عبد الرحيم لا منافس لها ولا منازع.‏

لكن ما إن اكتشفت أن هناك كتلة أخرى حتى هاجت وماجت. "تدع الشيطان يغويك..؟ ألا بئس من أغواه الشيطان" وانقضت صواعق الشيخ الجليل على رأس الفتى الذي كان قد ذاق تفاحة حواء فأعجبه مذاق التفاح، عائفة نفسه كل ما عداه من مذاق. "اللعنة عليك!! اخرج من جنتي. كما خرج آدم من جنته". خرج عبد الرحيم تلحقه لعنات الشيخ، وتتلقاه لعنات أبيه: حديداً محمراً بين مطرقة وسندان فكيف لا يحاول النجاة من المطرقة السندان؟.‏

سافر إلى المغرب.. سنوات سبعاً ظل هناك.. لا خبر.. لا علم.. لقد ترك عبد الرحيم البلاد بمن فيها كأية امرأة ترك زوجها. كان لديه معارف في المغرب وكان ثمة عناوين تركها العرافون الحسابون.. مشايخ الطرق الذين كانوا يؤمون شيخه في غدوهم إلى المشرق ورواحهم منه، وكان قد عقد صداقات مع بعضهم فلماذا لا يفيد منها؟ هناك، اكتشف عبد الرحيم العجب العجاب. عرف أن معظم أولئك الذين ذهبوا إلى المشرق حاملين علوم الفلك وفنون السحر، أسرار الكنوز المخبأة وألغاز الماضي المحيرة.. ليسوا إلا يهوداً ترسلهم منظمات هناك في فاس ومكناس، مراكش والرباط. لكن ما بث في نفسه الروع أكثر وأكثر اكتشافه الأخطر: شيخه الصوفي الجليل، شيخ الطريقة والعرافة، لم يكن سوى يهودي ابن يهودية أرسلوه قبل ثلاثين عاماً ليصبح معلماً من معالم دمشق القديمة. أسرع عبد الرحيم إلى دمشق يكشف السر لكنه وجد الأوان قد فات، فقبل أشهر فقط كان الشيخ قد وري الثرى ليصبح قبره ضريحاً يزار.‏

وفتح باقر عينيه على سعتهما "معقول"؟ سأل لورا وقد روت له ذلك الجانب من قصة عبد الرحيم. "معقول ونصف.. ولديه الوثائق". "يا إلهي!! إذن كم من ألغام يزرعون بيننا ولا ندري!!" تابع باقر وكأنما يخاطب نفسه "أجل جئت بها، زراعة الألغام، هو ذا ديدنهم عبر التاريخ". ردت لورا، المعنية كثيراً بالتاريخ والجغرافيا، علم السياسة وعلم الاجتماع. "أتذكر عبد الله بن سبأ؟ كعب الأحبار؟ اليهود الذين تسللوا بإسرائيلياتهم إلى تاريخنا وتراثنا، ديننا وفقهنا، فعاثوا فساداً؟" "أجل أنا الذي يذكر" باقر قرأ التاريخ ذات يوم ولا ينسى أبداً ما فعل علي بن أبي طالب بابن سبأ حين دعا هذا لتأليهه، فانقض عليه يريد قطع رأسه بالسيف، لكن، وقد حالوا بينه وبينه نفاه إلى اليمن. "في الماضي، في الحاضر، اليهودي يعيش على التآمر، الدسائس، المكائد، تخريب الشعوب، أتدري لماذا؟" سألته لورا، التي تعلم لماذا، فالمسألة اليهودية كانت قد شغلتها ذات يوم حتى قرأت كل ما كتب فيها ماركس وأنجلز، لينين وستالين. "لا، لماذا؟" سألها وهو يعلم، راغباً فقط في أن يعرف أفكارها أكثر فأكثر. "لكي يبقوا الأقوى... السادة الذين لا منازع لهم" "كيف؟" "ها.. ها.. تقول لي كيف؟.. حين يكون الآخر ضعيفاً، بأقل قوة لديك تكون أنت الأقوى.. وحيث يكون جاهلاً بأقل معرفة تكون أنت الأعلم، فقيراً تكون أنت الأغنى. وهكذا.. ينفث اليهود سمومهم في صدور الناس، يبتزون أموالهم يبثون الفرقة والشتات، ينشرون الفساد والإفساد.."‏

"ها.. ها.." قاطعها باقر "لهذا السبب، المحطات الفضائية المختصة بالبورنو والإفساد كلها لليهود" "طبعاً.. طبعاً.. يبثون الأفلام الإباحية والجنس، يلهون الناس ويفسدونهم، ليظلوا السادة المهيمنين ويظل الآخرون "الغوييم" البهائم، الضعفاء المستضعفين" "العجيب كيف يتوصلون إلى ما يتوصلون إليه؟ "بسيطة. الغاية تبرر الوسيلة. هذا قانون مقدس لديهم، وهم يعرفون كيف يوظفون جيداً ذلك القانون.. المكيافيلية، أليسوا هم وراءها؟، البراغماتية أليست من صنعهم؟" كيف؟ "البراغماتية فلسفة الأمريكان وفلاسفة الأمريكان جلهم يهود" "معقول لورا؟" "لم لا باقر؟ اليهود يملكون مفصلين أساسيين في المجتمع الأمريكي: المال والإعلام، فما الذي لا يستطيعون فعله في ذلك المجتمع بالمال والإعلام؟" "بيدك حق.. لكن أن يملكوا مثل هذه المفاصل هنا؟" سأل باقر وهو يعود بذاكرته إلى شيخ عبد الرحيم وإلى العراق حيث كان اليهود يخربون ويفسدون. "لم لا والتربة هنا مناسبة؟ التخلف يولد السحرة والمشعوذين. يوفر لهم شروط الحياة والاستمرار..‏

فلم لا يستغلها يهود المغرب ويهود المشرق؟" وأطلق باقر تنهيدة طويلة هو الذي كان يحز في نفسه على الدوام أن يكون هناك أناس يستغلون شعبه الطيب ويضللونه.‏

كان عبد الرحيم قد روى له شيئاً عن رحلته إلى المغرب، مركزاً خصيصاً على نيته في أن يتعمق أكثر في العرافة وكشف الغيب. لكنه فوجئ بما اكتشف من خبايا يقف لها شعر الرأس فعاد لا ليجد سيده الجليل قد مات وحسب، بل ليجد أباه وأمه أيضاً.. وليجد أخواته الثلاث قد تزوجن فظلت الدار الواسعة قفراً خاوية، اضطر أن يسكنها وحيداً، والوحدة موحشة.. بل الجنة بلا ناس لا تداس. "لكن ما تراه يعمل عبد الرحيم؟ أي بيزنس يمارس؟" مرة ثانية سأل باقر لورا. "كل شيء ولا شيء". "كيف؟ لم أفهم". "يا عزيزي، هو بذلاقة لسانه، وسعة معارفه، وما تعلمه من فنون العرافة والشعوذة، قادر أن يدخل كل دائرة، يقيم علاقة مع كل ذي شأن، وما الذي لا يفعله من يعرف ذوي الشأن؟".‏

"مع ذلك ترينه متواضعاً لبقاً، أنيساً، كيساً". "هي ذي شروط المهنة.. تلبس أفخر الملابس، تحمل بيدك السمسونايت، تشرع في فمك الغليون.. فأي باب لا ينفتح أمامك؟". وكان باقر يعلم أن الأبواب كلها تفتح أمام عبد الرحيم، هو الذي يعرف جيداً كيف يقطع رؤوساً ويركب رؤوساً، يصل ما انقطع ويقطع ما انوصل لا يجاريه في ذلك أحد.‏

"لكن لماذا؟" عاد في مرة أخرى وسأل لورا "لماذا يفعل ذلك وهو وارث غني؟ وحيد وليس بحاجة إلى مال؟" "لا، هنا تخطئ. المال ليس حاجة بل هو طمع.. جشع، والطمع والجشع لا يقفان عند حد. ظمأ أبدي لا يعرف الارتواء.‏

لعل معلمه اليهودي هو الذي زرع في نفسه ذلك الجشع.. رعاه ونماه حتى صار أرسخ جذوراً من أن يستطيع اقتلاعه".‏

"ألهذا لم يتزوج؟" "لا، للزواج قصة أخرى لا علاقة لها بالجشع والمال" "أية قصة؟ "عبد الرحيم غير معني بالمرأة" فسرت لورا وهي تغمز ضاحكة، "هو معني بالرجل إذن؟" سأل باقر وقد لمعت في رأسه الفكرة فجأة. "هنا يقوم حدى ولا أتجاوزه. وعليك أنت أن تجيب على سؤالك؟" "خربه ذلك اليهودي إذن؟" "لا أحد يدري.. هو متكتم كثيراً لا يقارب أمراً كهذا مطلقاً" "تقصدين أنه لم يحاول مغازلتك أو التقرب إليك؟" "أبداً" "لكنكما صديقان حميمان، بل حين رأيتكما أول مرة خيل إلي أنكما عاشقان متيمان" "هو يبدو كذلك، لكن في حقيقته هو لا يبالي بالمرأة، لا يفكر بها كأنثى، هكذا قال لي وهكذا سلوكه" وشرد باقر بعيداً..‏

في العراق بذر الإنكليز بذرة الفساد تلك. نمت وترعرعت حتى كان بإمكان باقر أن يرى نباتاتها متناثرة هنا وهناك.. لكن لم يكن يقاربها فتربيته البيتية المتشددة، أصوله العمارية، نضاله الحزبي، كل ذلك جعله دائماً في منأى عن تلك النبتة. "لعله خنثى لا ذكر ولا أنثى؟" سأل لورا فسارعت إلى إجابته للتو "لا.. لا.. هو ذكر. لكن ككل ذكر حصل لديه في سن معينة ما يسميه علم النفس: الاستقطاب" "لورا.. أنت تدهشينني" "لا، لا تندهش. أنا فقط أنقل لك ما قرأت. ذلك الاستقطاب يكون في أحد اتجاهين إما: نحو الأنثى وإما نحو الذكر، وعلى نحو يلغي واحدهما الآخر. المستقطب ذكورياً يصبح محايداً تجاه الأنثى والعكس بالعكس". "لورا.. بالله عليك صارحيني. أعرفت ذلك عن تجربة؟" "أجل.. سأصارحك" بدأت ثم توقفت وهي تشرد بناظريها بعيداً. بعدئذ تابعت: "ذات يوم دعاني إلى نزهة في السيارة. كان لديه سيارة فاخرة لا أدري من أين أتى بها" "هو دائماً يأتي بسيارات فاخرة" علق باقر ضاحكاً، "ثم يوماً أو يومين وتختفي كما ظهرت" "وهكذا كان. سألني إن كانت تعجبني السيارة، فقلت: حلم أن يركبها المرء". دعاني لركوبها ثم مضى بي إلى أحد المنتزهات، غابة صنوبر كان الربيع يزيدها ألقاً وأريجاً. هناك تمشينا. الأرض تحت أقدامنا بساط من سندس أخضر، العبق من حولنا بخور ينعش الصدور وشمس الربيع ترسل دفئها مناخس تحرك الحياة والشباب. ساعة وبعض الساعة ظللنا نسير في غابة الصنوبر، مواضيع كثيرة طرح، آراء عجيبة أبدى. وكنا نتناقش وكأننا كهلان يدبان إلى الشيخوخة. بكل موضوعية، بكل حياد، بكل برود، كان ينظر إلي. وكانت شمس الربيع قد فعلت فعلها في عروقي فثارت في داخلي الأنثى. "اللعنة عليه!! لم هو جامد كالجلمود؟ سأثيره.. سأغويه" وبدأت بيده أتلمسها.. أفرك بين أصابعي أصابعه. ثم صعدت إلى خصره طوقته بذراعي.. ألصقت جسدي بجسده. وحين شببت بقامتي أريد الوصول إلى فمه وضع بيننا راحة كفه "لا، لورا" قال بكل برود "أنا لا تعنيني فيك الأنثى" "ماذا يعنيك إذن؟" "الصديقة، فلنكن صديقين لورا" "لكن الجنس يدعم الصداقة" قلت له وقد ازددت توهجاً واشتعالاً "ربما، لكنه كثيراً ما يجر الويلات، فاسمعي مني.. دعينا بعيداً عن هذه الويلات لورا" وأدركت، وهو يبتعد عني، أن الأمر مبتوت فيه، وأنه غير معني بالمرأة على الإطلاق.‏

معلومات لورا مدهشة، حوارها مدهش، باقر لا يملك إلا أن يستعيده، وينكمش أكثر وأكثر من عبد الرجيم. نظرته تتغير أكثر وأكثر لعبد الرحيم. هو ينظر إليه بحذر، يتحاشاه بلطف. عقدة قديمة كانت تسكن في نفس باقر من قوم لوط وأصحاب لوط لكن لشد ما فوجئ حين جاءه عبد الرحيم ذات صباح:‏

-صباح الخير جار- حياه ببشاشته المعهودة وكياسته غير المحدودة.‏

-صباح الخير.. أهلاً وسهلاً، رحب به باقر وقد نسي حذره وتشنجه كله.‏

تفضل.‏

-لا.. شكراً.. لدي أعمال. فقط أردت أن ألفت نظرك، وتوقف الجار الطويل الجميل، الأسيل الخد، الأشقر الشعر فكاد يتوقف معه قلب باقر.‏

-تلفت نظري.. إلى ماذا؟ هل أخطأت معك لا سمح الله؟‏

-لا.. لا.. بل ألفت نظرك إلى أنني أريد الغرفة.‏

-تريد الغرفة؟ لماذا؟‏

-أريد أن أكمل نصف ديني؟‏

-معقول؟‏

-لم لا؟ ألست رجلاً؟ ألا يحق لي أن أتزوج؟ أن يكون لي أولاد؟‏

وشعر باقر بخديه يحمران وجبينه يتفصد عرقاً. كان سؤاله قد أثار أكثر من ريبة في نفس جاره وأكثر من حدة في نبرة صوته، وإجفالة في أوصاله.‏

-بلى. بلى. هو كذلك. هو كذلك، يا صديقي.‏

وغادر باقر الغرفة وهو يشعر أنه يسير على سطح ماء.. كل شيء دونه رجراج.‏

كان عيد الأضحى يدق الأبواب: أراجيح ودواخات، قلابات ودوامات، أصحابها مشغولون.. يلهثون وهم ينصبونها في الساحات. باقر ينظر إليها ويعود إلى الوراء.‏

(ايه.. يا بصرتي الحبيبة؟ ايه يا شارع العشار! يا كورنيش الشط!! يا ساحة أسد بابل!! أتذكريننا ونحن صغار نجيء إليك؟ نصعد الدواخة، ندوم بالدوامة، نتأرجح بالأراجيح، نركب الخيل، نأكل الحلو.. البزر.. الكازوز.. ونلعب.. نلعب ونضحك.. كما لم يلعب أحد ولم يضحك أحد). باقر يتنهد وهو يعلم أن بصرته الحبيبة قد أصبحت خراباً.. صور التلفاز، الصحافة، الأقمار الصناعية كلها تعرض بعضاً مما فعلته بها قذائف البوارج وصواريخ المدمرات، دك المدفعية وقصف الطائرات. هو يشعر أنه لم يبق من البصرة شيء. بيتهم القديم في حي القشلة.. بيتهم الجديد في حي الخندق.. بيوت أصدقائه.. أحبائه.. (مهيجة.. ماذا حل بك يا حبيبتي؟ وأنت يا أختي.. أخي.. أمي.. آه!! كم أحن إليكم جميعاً!! كم أنا مشوق لمعرفة أخباركم!! أبيع عمري لو تتكحل عيناي بمرآكم!) ويتابع باقر تسكعه في أزقة دمشق الضيقة.. حيث الباب الصغير وباب الجابية. مسالك أضيق من عيون الخزر وبيوت متلاصقة تتزاحم صدوراً ومناكب، ولا يملك باقر إلا أن يعود إلى حي القشلة القديم وإلى البصرة القديمة حيث حرقها الزنج ذات يوم، قلبوا عاليها سافلها، لكنها عادت من جديد تتحدى الفناء. باقر يستعيد في ذاكرته لحظة بلحظة احتفالات الربيع في المدينة التي تحدت الخراب وقاومت الفناء. صبية وفتيات يتجمعون في زوارق تمخر العشار، هذا يدق الدف، تلك ترقص، الثالث يغني.. وكل على ليلاه.. ("آه!! ما أحلى تلك الليالي!! مهيجة.. كم كنت حلوة يا حبيبتي!! يا حباً أولاً لا ينافسه حب!! بيتك كان ملاذي، بيتي كان ملاذك وكانت الأواصر متينة. أهلنا معاً تجمعهم عقيدة واحدة. نضال واحد.. وأعياد واحدة، فنخرج، نمرح معاً، نفرح معاً. نرقص معاً. تنتهي رحلتنا الزورقية فنتمشى في الكورنيش.. أتذكرين مهيجة؟ ذلك الكورنيش حيث يلتقي العشار بشط العرب، وحيث الدنيا كلها صفصاف ونبق، نخيل وتوت.. أشجار من كل صنف ولون تحيل الدنيا إلى رياض والشوارع إلى جنان نستفيء فيئها ونختبئ بين أغصانها، نختلس النظرات، البسمات، القبلات. أتذكرين مهيجة؟ وفوقنا طيور أبي الزعر ترصدنا.. البلبل المبقع بالأصفر يغرد لنا؟ أتذكرين البلبل؟ كم كنا نحبه رغم كل ما كانوا يتقولون عنه من خيانته للرسول، من سرقته لمنديله، ثم معاقبته بتلك البقعة الصفراء وصمة تلحق به إلى الأبد، كنا نحبه بألوانه الزاهية، بأغاريده الجميلة، كنا نتعلق به، وذلك الطير الآخر، أتذكرين مهيجة، طير السمرمر وهو يمرق بنا مروق النيزك فلا نملك إلا أن نضحك. إيه مهيجة!! أتراك تتذكرين؟".‏

عند باب الجابية، مر بمطعم، روائح الشواء أيقظت فيه أحاسيس وذكريات.‏

أبوه وهو يشوي لهم لحم الضأن، أمه وهي تضع على المائدة صينية التمن الأصفر تغطيه طبقة من الدجاج المحمر والصنوبر المقمر، اللوز والجوز.. طعمها كلها ما يزال ملء فيه يشعر به باقر ويتلمظ. بهارات الهند كلها في أنفه يستطيع أن يتنشق رائحتها وينتعش. (لكن.. ما حل بك يا أم وقد خربت البصرة؟ في أي أرض أنت وقد أحال الأعداء مدينتنا الجنة إلى جحيم؟)‏

أمه في البصرة لكنها لا تستطيع جواباً، البصرة خربت دوراً وجسوراً، أبنية وشوارع، لكنها لم تخرب أرضاً ومقابر. ترابها ما يزال ذلك التراب الذي عرفه باقر، وبنوها الذين يفارقون الدنيا بشظية قنبلة أو رصاصة رشاش أو نار حريق مما يفعله الأنكلو أمريكان بالبصرة وأهلها يعودون إلى ذلك التراب فيضمهم أباً حنوناً وأماً رؤوماً. أم باقر عادت إلى مثواها، التراب، تتخفف في طياته من كل ما علق بها من أدران الدنيا وأحزان الحياة. كان حزنها على باقر الذي لم تره عيناها منذ أزمان، جبار الذي لا تعرف له أرضاً منذ سنين، كاظم الذي طمره التراب والحصى قبل أن يطمره تراب القبر وحصاه، تلك الأحزان كلها كانت قد أذبلتها شيئاً فشيئاً حتى غدت قصبة متيبسة عجفاء لا تحركها حتى الريح. فاطمة.. رقية.. زوج هذه، زوج تلك، كلهم حاولوا إعادتها إلى بغداد.. إبعادها عن البصرة علها تنسى. لكن القصبة اليابسة العجفاء أبت التحرك.. "إذا اقتلعتموني من أرضي مت." وأبقوها في أرضها، شجرة بلا أوراق، بلا فروع، كل ما حولها خراب ودمار، بكاء وعويل، وهي بحاجة لأن تبكي.. تبكي، فكيف تغادر البصرة؟‏

ثلاث سنوات ظلت هناك وحيدة فريدة.. تندب حسينها وتدق على عترته صدرها، حتى تحطم الصدر وانكتم على أنفاس لم تعد ترغب في الخروج.‏

حين سمعت بناتها بالموت كان الجيران قد دفنوها. لم لا وإكرام الميت في دفنه؟ بل الإسراع أكثر في الدفن زيادة أكبر في الإكرام.. ومن العمارة، بغداد، أطراف الأهوار جاء أهل وأقرباء يقومون بواجبهم تجاه الموت الذي كان عزرائيله مقيماً في العراق.. لا ينفك يجوب سهوله، جباله، جنوبه، شماله، ولا يفتأ يصرع ويجندل أطفالاً بلا أمهات، أمهات بأطفال صدورهن بلا حليب، فيذوي واحدهم جوعاً وعطشاً يهبون لمعالجته فلا يجدون دواء للعلاج كما يصرع ويجندل رجالاً بلا نساء ونساء بلا رجال فينكشفن.. في أرض عراء، لا سقف يحميهن ولا جداراً يسترهن. يشرد بعضهن في الأزقة والشوارع، ماجدات كما لم يعهد المجد مثيلاً لهن. لكن الجوع كافر، والحياة غالية يفعل المرء كل ما يستطيع للتشبث بحبالها فلا تنقطع. الأنكلو أمريكان يعملون على قطعها. بكل وسيلة.. بكل سبيل يعملون على قطعها، فلا تجد الماجدة لقمة خبز ولا حبة تمن. حصارهم يضربونه منذ سنين. لا طائرات تطير في سماء العراق ولا باخرة تسير في بحار العراق. الطوق أحكموه فمن أين يأتي الغذاء؟ من أين يأتي التمن وقد تحولت أهوار العراق شهوراً وسنين إلى محارق تشتعل ناراً. برديها، قصبها، ماؤها، مستوطناتها، كلها تشتعل ناراً.. العراق كله رهين النار والحصار: حصار من داخل وحصار من خارج.‏

"إما أن تسقطوا حكامكم أو نبيدكم عن بكرة أبيكم"، كان الأنكلو أمريكان يقولون في إذاعاتهم وتلفازاتهم. صحفهم ومجلاتهم وكانت ماجدات العراق يولولن "نسقطهم، كيف وهم يدافعون عنا؟ نعاديهم، كيف وأنتم أعداؤنا؟ نقتلهم كيف وأنتم الذين تقتلوننا"؟ لكن الأنكلو أمريكان لا يولون أهمية كبيرة لما يعتمل في صدر الماجدة، في ذهن الطفل، في رأس الرجل في بغداد أو البصرة.. كان لديهم هدف ولم يكن يعنيهم سوى أن يتحقق ذلك الهدف.. ماتت نساء العراق، قضى أطفاله، أبيد رجاله، كلهم، كلهم، لا يهم. المهم أن يصل الكاوبوي إلى هدفه، يركع خصمه، يجعله يزحف عند قدميه، يلثم حذاءه. ثم يطلق عليه طلقة الخلاص. حينذاك يرقص فرحاً وهو يراه يتخبط على الثرى في بركة من دماه.‏

رأت فاطمة المدينة المثخنة بالجراح تضمد جراحها، لكن ما إن تفعل ذلك حتى تأتي الطائرات الأنكلو أمريكية لتنكأها من جديد. عدة مرات دوت صفارات الإنذار، وعدة مرات دوت الانفجارات هائلة مروعة وكأنهم ما يزالون في الحرب.‏

البصرة جنوب، والجنوب مصطاف ومتربع لطائرات العم سام تسرح فيه وتمرح..‏

إن رأت عربة جر حسبتها عربة مدفع فقصفتها، أو رأت طائرة ورقية يلعب بها طفل حسبتها صاروخاً موجهاً إليها فقصفت الطائرة والطفل، أو رأت صحن التقاط للمحطات الفضائية حسبته راداراً فصبت عليه جام غضبها. ثمة جنون. فاطمة، رقية، محسن، رئبال يرون ذلك الجنون بأعينهم، يسمعونه بآذانهم ويرثون حظ المدينة العاثر.. حظ الشط الكبير وهو يتحول إلى أمواج من دم، نهر العشار وهو يتحول إلى مياه من دم. لا سفن ولا زوارق، لا أعياد ولا احتفالات.. بل أحزان.. أحزان.. أحزان.‏

محسن، رئبال، رقية كلهم عادوا إلى بغداد. وحدها فاطمة لم تعد. كانت تريد التكفير عن ذنب بات يؤرقها ليلاً ويعذبها نهاراً. لقد ماتت الأم دون أن تجد من يسقيها كأس ماء، يسمع آخر وصاياها.. يطبق شفتيها وأجفانها. قبل نصف شهر كانت قد أرسلت إليها تموينها من تمّن وسكر، شاي وطحين.. وكان السائق قد طمأنها. "هي على حالها. لا جديد". وكانت حالها كما تعلم فاطمة، حال قصبة ذابلة، لكنها لم تحسب أن القصبة الذابلة قد جفت حتى لم يبق فيها عرق يحمل نسغاً ولا جذر يمتص غذاء. لم تكن الأم قد نبست ببنت شفة، لم تشك، لم تبك.. فكيف تعرف فاطمة أن القصبة على وشك الموت؟‏

كانت فاطمة تحس بقلق يعتمل في الصدر، بانشغال بال على الأم، لكن ماذا تفعل والأنكلو أمريكان لم يدعوا جسوراً ولا اتصالات. بين البصرة وبغداد صارت بحار وقفار، فكيف تقطعها فاطمة؟ محسن في انشغال دائم، هو في القصر، في ثكنات الحرس الجمهوري، هنا، وهناك. فاطمة وحيد.. فريدة.. وهل تصفق يد وحيدة فريدة. "لو كان ثمة هاتف"، كانت لا تفتأ تردد سراً وعلانية، حزينة ومتحسرة وكان محسن يرد "ثمة هاتف" "لا.. لا أقصد هنا، بل بين بغداد والبصرة فأطمئن على أمي" لكن الأنكلو أمريكان حريصون أن لا تطمئن البنت على الأم أو الأم على البنت فقطعوا كل الجسور الاتصالات. وحيدة عاشت أيامها الأخيرة، موحشة قضت لياليها لتموت أخيراً وحيدة موحشة ويصل النبأ إلى فاطمة فتهرع وشعور الذنب يلاحقها. "لماذا لم أكن إلى جانبها؟ لماذا لم أطبق لها أجفانها؟" وتبكي عليها الدموع السخان.‏

كانت كل صباح تذهب إلى المقبرة، ترى كم اتسعت ونمت، كم تتسع كل يوم وتنمو، تريد أن تصبح كمقابر النجف، حيث الموتى يؤمونها من كل حدب، وهي تمتد، طولاً وعرضاً تمتد، حتى لتكاد تملأ بادية السماوة كلها؟ فاطمة تجثم على رأس القبر.. تعفر بترابه شعرها، تلطم صدرها، خديها وتبكي الدموع السخان.‏

أخوها.. ابنتها.. ابنها.. عمها.. كلهم يتحولون إلى صور تمر أمام ناظريها.‏

هذا قتلته رصاصة، ذاك مزقته قذيفة، ذلك حرقه نابالم، وتجيش في نفس فاطمة الأحزان، تثور المواجع. فاطمة تسير بمحاذاة نهر الخندق.. نهر العشار.. ترى الأبنية التي تحولت إلى أنقاض.. واجهات العمائر المسودة.. هياكل السفن المحترقة.. بقايا الجسور المحطمة فلا تملك إلا أن تتمتم: "هو ذا خراب البصرة يعود من جديد!! "ثم تولول على البصرة وتبكي الدموع السخان فاطمة لا ترقأ لها دمعة. كل ما تراه محزن. الشوارع مقفرة.. الساحات خاوية. العيد بلا أراجيح..‏

بلا دوامات بلا دواخات، وتتذكر أيام زمان. تتذكر أطفال البصرة وهم يلبسون أزهى الثياب.. يرقصون، يلعبون، يركبون الأراجيح ويهزجون. "لكم الله! أنتم يا أطفال البصرة!!".‏

أطفال البصرة حزانى. هي تراهم بأسمالهم، بجوعهم، بوسخهم الذي لا تجد أمهاتهم له صابوناً للتنظيف. ترى فاطمة ذلك وتحزن. أحدهم رسم لنفسه ملعباً يلعب فيه "الروة"، لكن من يلعب معه "المحيبيس"؟ من يلعب "الولي جاك"؟‏

"ليس ثمة أحد أيها الطفل الذي يلاحقه الأنكلو أمريكان بطائراتهم وصواريخهم!!‏

ليس ثمة أحد أيها البريء الأعزل الذي يحاسبه الأعداء على ذنب لم يرتكبه، يشدون حول عنقه الأنشوطة، يقتلون فيه البراءة، يقتلون السعادة، يقتلون الحياة!!".‏

سبعة أيام ظلت فاطمة تطفئ نار الحزن بدموعها السخان. سبعة أيام ظلت تكفكف شعورها بالذنب وهي تنوح وتنشج، بصوت حيناً وبغير صوت أكثر الأحيان، لكن كان عليها أن تعود إلى بغداد، فهناك البيت، الأولاد، الزوج، هناك الأحياء، والأحياء أبقى من الأموات.‏

في الطريق إلى بغداد كانت لا تنفك تسمع أزيز طائرات تحوم عالياً في السماء. "هذه شبح، تلك تورنيدو، هاتيك هارير"، كان يشرح لها السائق وهو يراقب الطريق بعين والسماء بعين أخرى، فالمنطقة المحظورة على طائرات الأصدقاء مباحة لطائرات الأعداء. غابة نخيل محترقة هنا.. غابة نخيل مخترقة هناك كانت تملأ عينيها شوكاً، لكن ما ملأ قلبها نفسه شوكاً كانت الرؤوس المقطوعة لغابة نخيل كان الأنكلو أمريكان قد حكموا عليها بالإعدام فوجهوا إليها صواريخ تقطع الرؤوس. رأتها فاطمة فلم تملك إلا أن تذرف الدموع السخان "آه يا نخيل العراق، يا رمز شموخه وإبائه، ماذا فعلوا بك؟" مع ذلك كانت فاطمة ترى فلاحين يعملون هنا، فلاحات يعملن هناك.. قطعاناً ترعى إلى اليمين، قطعاناً ترعى إلى الشمال "هنيئاً لكم!! أنتم يا من لا تخشون طائرات ولا قاذفات!! الأرض حياتكم فتتمسكون بحياتكم.. تحرثون.. تبذرون.. تحصدون، وكأن شيئاً لم يكن!! كأنما ليس ثمة أعداء. أأنتم أقوى من الخوف؟ أشد مضاء من الدهر. فلا تنحني لكم هامة ولا تنكسر قامة؟ أجل.. أنتم كذلك يا زنود بلادي السمراء، يا قلبها النابض أبداً بالحرارة والدم لنستمد منه الحرارة والدم!!" وأعجبت فاطمة بما رأته. كانت الطبيعة الممتدة سهولاً خضراء على مد البصر، بكراً كأنما لم يمسها أحد. غابات هائلة من نخيل العراق كانت ما تزال هناك لم تحرق ولم تقطع رؤوساً. أنهار العراق.. حقوله.. زروعه، فلاحوه، عماله.. كانوا ما زالوا هناك يعملون بدأب.. بصبر.. بشجاعة. حتى رؤوسهم لا يخبئونها إن مرت بهم طائرة، وكأنما لسان حالهم يقول: "خسئت!! ماذا باستطاعتك أن تفعلي؟ يقتل منا عشرة.. مائة.. ألف.. مليون.. نحن هنا باقون منذ الأزل وإلى الأبد.. أقوى من الصواريخ، الطائرات، أقوى حتى من الموت".‏

نهر دجلة هادر، تراه فاطمة وهي تتجه إلى بغداد فترى في امتلاء ضفتيه امتلاء وطن بكامله زخماً وقوة. ترى تدفقه فترى فيه تدفق الحياة في شعب رفض على مدى الزمن أن يموت. هولاكو.. تيمورلنك.. سامان.. أرسلان.. عثمان.. كلهم جاؤوا يدكون العراق.. يبيدون شعبه، يوقفون أنهاره. لكن لا العراق دك ولا شعبه أبيد ولا الأنهار توقفت، بل ظل كل شيء كما كان. مضى هولاكو.. تيمورلنك.. أرسلان.. عثمان وظل كل شيء كما كان. فماذا تستطيع فعله طائرات الأنكلو أمريكان؟‏

محاريث الفلاحين، معازق الفلاحات، عصي الرعاة.. وجوه هؤلاء وأولئك، أعينهم التي لم يخبُ لها بريق. كل ذلك بعث في نفس فاطمة الأمل من جديد، جعلها تعيد حساباتها.. "العراق ليس بغداد ولا البصرة، بل هو كل هذه الجبال والسهول، البوادي والأهوار، السهوب والوديان... فماذا تفعل الطائرات؟‏

قد تحرق أبنية، تخرق جسوراً، تحفر شوارع، تدمر قصوراً، لكن ما يدمر غابات النخيل كلها؟ ما يحفر هذه الحقول، يخرب هذه الزروع، يمسح هذه السهول والجبال؟ لا.. العراق أقوى من كل الأعداء".‏

بتفاؤلها ذاك مضت إلى بغداد، وكأنما استمدت من شمس البصرة، هواء السواد، أنفاس النخيل، زخماً جديداً دخلت به إلى المنزل وكلها عزم أن ترضعه حليباً لأطفالها، غذاء لزوجها، لأصحابها، لجيرانها. "لا تخافوا. العراق أوسع من أن يحشروه في زاوية. أكبر من أن يضعوه في قنينة. العراق هو الشمس التي تستطيع التجدد كل يوم، الطبيعة التي تعود إلى الحياة كل ربيع". وفرح رئبال بالفكرة. فرح محسن. فرحت رقية.‏

-تعلمون؟ هتفت رقية. حقاً. الطبيعة وحدها هي التي تمدنا بالقوة، فلماذا لا نلجأ لأمنا الطبيعة دائماً؟‏

-هذا ما تفعله الحكومة اليوم، عقب محسن. تدعم الزراعة.. تدعم الفلاح.. تعيد الاعتبار للطبيعة، تعيد الاهتمام بالأرض.‏

-كلنا يجب أن نفعل ذلك، تابعت الفكرة رقية، بل كل من جاء إلى المدينة يجب أن يعود إلى الريف، يعمل، ينتج، فنحقق الاكتفاء الذاتي.‏

-يا إلهي!! ما أبدع أن يفعل الكل هذا، هتفت فاطمة بدورها، هجرة معاكسة يتحقق فيها التوازن من جديد، فلا يبقى في المدينة إلا المضطر، من تقتضي المصلحة الوطنية بقاءه والآخرون يذهبون إلى الحقول، يزرعون، يحصدون.. يَطَعمون ويُطعِمون. فماذا يساوي حينذاك حصار الأنكلو أمريكان؟‏

طوال السهرة ظل ذلك شغلهم الشاغل: الاكتفاء الذاتي.‏

-لماذا لا نحققه؟ تساءلت رقية الأكثر حماسة واندفاعاً. ليس في العراق فحسب بل في كل مكان من هذا الوطن المهدد بالحصار، المهدد بالدمار.‏

-أجل. لماذا؟ تابع محسن، ولدينا كل ما يحتاجه الإنسان: حبوب، خضار، بقول، فواكه.. بل غابات النخيل تكفي عشرات الملايين تمراً والتمر غذاء كامل.. كاف واف.‏

-وقطعان الغنم، قاطعته فاطمة مكملة. بأم عيني رأيت مئات القطعان.. آلاف الشياه.. وكلها تعطيك اللحم، اللبن، الصوف.. فلماذا نحتاج الاسترال أو الطليان؟.‏

-وماذا لا يوجد في العراق؟ عقبت رقية من جديد. لا.. لا شيء يحتاجه الإنسان إلا وهو فيه. الماء، الخشب، النحاس، الحديد.. وقبل كل شيء النفط.‏

النفط أعظم ثروات الدنيا.‏

-صحيح، كلامكم كله صحيح، الزراعة وافرة، الطبيعة خيرة. تدخل رئبال فجأة وكأنما تذكر شيئاً، لكن هناك الصناعة.‏

-أيضاً لدينا صناعة، صاحت فاطمة.‏

-للأسف. لا.. رد رئبال والحسرة على سيماه، مصانعنا مدمرة وليس باستطاعتنا إعادتها إلى الحياة. كل ما أنجزناه خلال العقدين السابقين من صناعة وتقدم عملت به الآلة الأنكلو أمريكية خراباً ودماراً لتعيدنا إلى الصفر.‏

-لكننا لم نعد. نحن نعيد المصانع.. نبني المعامل من جديد، ردت رقية.‏

-صحيح، لكن بغير معدات.. بغير آلات، وهذا ما يقض مضجع "المعلم".‏

قال رئبال وقد تجهم وجهه كأنما قاله مرغماً:‏

-وزيرك، يقض مضجعه؟ سأله محسن وقد شعر به متأسياً حزيناً.‏

-بل هو لا يعجبني هذه الأيام، لكأن هناك بذور شقاق معه، وأشار إلى الأعلى والبعيد، مطبقاً شفتيه بكثير من الحزن، ناظراً حوله وكأنما أفشى سراً لا يريد إفشاءه.‏

-شقاق!! ما الذي تقوله؟ همس محسن وقد اقترب بفمه من أذن عديله.‏

-هذا ما أشم رائحته.‏

-لكن هل هناك من يجرؤ على التفكير بشقاق، بل حتى بنقاش؟ سألت فاطمة بكثير من الاستغراب، وهي تشير بعينها إلى صورة القائد المعلقة على الحائط، فالإذاعات، محطات التلفاز الخارجية لا تفتأ تقول إن زعيم العراق واحد أحد فرد صمد لا يناقشه أحد ولا يجادله أحد.. بل كل من يخطر بباله أمر كهذا يذهب مع الريح.‏

-بالطبع هناك، أجاب رئبال بكثير من الثقة.‏

-أين المسدس الذي سرعان ما يشهره فيردي كل من يناقشه صريعاً؟.‏

-فاطمة!! ما هذا الذي تقولين؟ سألها بكثير من العتاب.‏

-لست أنا من تقول، بل هم، وأشارت إلى البعيد والأعلى. هم الذين يصورونه وحشاً كاسراً لا كلام معه ولا حوار.‏

-غير صحيح. الصحيح أنني أسمع "معلمي" يحاوره على الهاتف، ويعلو صوتهما أحياناً حتى لأحسبهما في اشتباك.‏

-شجاع معلمك!! تدخلت رقية وقد جاءت بصينية وفناجين يشربون قهوة آخر السهرة.. بل ربما هو الوحيد الذي يجرؤ على مخالفته الرأي.‏

-لكن فيمَ يخالفه الرأي؟ سأل محسن فجأة وكله حب استطلاع.‏

-المصانع والغذاء. رد رئبال من إطراقته وقد بدت أطراف سحابة من هم تمر بسيماه.‏

-ما لها المصانع والغذاء؟ حثته فاطمة وقد رأت أطراف تلك السحابة.‏

-أنتم تعلمون، مصانعنا أعدنا بناءها، معظمها عاد كما كان. فقط، ينبغي أن نأتي بالآلات، وهي وحدها لا تستطيع توفيرها بإمكاناتنا الذاتية.‏

-لكن يمكن توفيرها من الخارج؟ عاد محسن يسأل:‏

-أجل يمكن. طريق تركيا مفتوح.. طريق الأردن.. بل حتى عبر الخليج يمكننا تأمين كل شيء. فقط يريد "معلمي" المال.‏

-ولا يعطيه القائد؟ سألته رقية.‏

-القائد يقول: علينا أن نوفر الغذاء أولاً والدواء ثانياً. أطفالنا، نساؤنا، شعبنا كله يموت جوعاً ومرضاً. لهذا، الأولوية المطلقة للغذاء والدواء.‏

-هذا صحيح. كلام حق. هتفت كلتا الأختين.‏

-لكن "معلمي" يقول: المصانع تأتي بالغذاء والدواء. هي أولى برصد الأموال، وبها فقط يعود العراق قوياً قادراً على الصمود.‏

واندلع نقاش حام بين الأربعة كما تندلع معركة فجأة. رشاش من هنا، بندقية من هناك، مدفع من هنالك. وغدت غرفة القعود ساحة صراع، كل منهم يطلق رأيه رشاً حيناً ودراكاً حيناً آخر، لكن فاطمة كانت الأكثر حماسة لفكرة توفير الغذاء والدواء. لقد رأت بأم عينها أطفال البصرة يلتقطون بقايا الطعام من أكوام القمامة، مشوهي الحرب يقتعدون ساحة أسد بابل بما بقي لديهم من أسمال وهزال يمدون أيديهم ويتسولون.. النساء يشحذن، وهن على استعداد تام لتقديم أي شيء مقابل اللقمة التي تسد الرمق. كان الفقر والجوع قد حفرا عميقاً في نفسها، وكانت طوال تلك السهرة تحاول التخلص من صور البؤس والفقر تلك التي رأتها في البصرة.. صور الجائعين والجائعات وقد هزلت أجسادهم إلى درجة تتفتت لها القلوب.‏

قلب باقر يتفتت أيضاً وهو يسمع عن الجوع والجياع في العراق.. عن المرضى والمصابين الذي لا يجدون الدواء، فتشيع بغداد عشرات الموتى كل يوم صغاراً وكباراً، نساء ورجالاً فقط لأنها لا تستطيع إعطاءهم مضاداً حيوياً أو مخفض حرارة. أحدهم كان قد جاء للتو من العراق، روى لهم مآسي شعب يحاصره أعداء حاقدون ولا يرحمه حكام قائمون، فيسقط ضحية الجوع والمرض، العوز والحاجة صارخاً مستغيثاً لكن دون أن يجد من يسمع أو يستغيث. ذلك المساء أمضاه باقر وهو يتسكع في شوارع دمشق.. حدائقها، ساحاتها. في حلقه شجى وفي عينيه قذى. تكاد الدموع تغشى ناظريه وكل ما فيه يردد:‏

هذا طعامي أيها الجائعون‏

هذي دموعي أيها البائسون‏

هذا دعائي أيها العابدون‏

أن يقذف البركان بنيرانه‏

أن يرسل الفرات طوفانه‏

كي تشرق الظلمة‏

كي نعرف الرحمة‏

لكن بدا له العالم وكأنه خال من الرحمة، العراق سيزيف وسيزيف يحمل صخرته على كتفيه. ثقيلة ثقيلة صخرته، يصعد بها السفح، والسفح وعر صعب المسالك، فيسقط تحت الصخرة لينهض ثم يسقط لينهض وليس من أحد حوله ينجد أو يغيث.‏

جيكور يا جيكور‏

شدت خيوط النور‏

أرجوحة الصبح‏

فأولمي للطيور‏

والنمل من جرحي‏

يتابع باقر تسكعه وترنمه، وهو يشعر أن جسده كله مثخن بالجراح مثل بصرته هناك، مثل بغداده حيث الأطفال جياع، النساء معوزات بائسات، الرجال حلقوا شواربهم وقد أصبحوا أعجز من أن يدافعوا عن كرامة الشوارب.‏

وصل إلى المنزل فإذا زهير في انتظاره:‏

-القائد يريدك.‏

-يريدني؟ لكن كل ما بيننا مقطوع، رد باقر باستغراب. أنت تعلم، قال زهير بنبرة من حزم ذكرته للتو بالعتلّين اللذين عالجاه على طريق صيدا.‏

في اليوم التالي مضى إلى أبي العز وكل ما يريده أن ينهي معه أية صلة.‏

مهموماً، قلقاً، حزيناً، دخل مكتب القيادة لكن سرعان ما صدم. ضحكات القائد ملء المكتب تصل غرفة غرفة سكرتيره، فيتساءل باقر:‏

-ماله القائد؟‏

-هو فرح سعيد، يجيب السكرتير الذي لم يكن يعرف ما بين القائد وضيفه.‏

الضحكة تشق شدقيه حتى الأذنين.‏

-خير؟. وماذا هناك يضحك؟ سأله باقر وهو يسحب نفسه من حمأة الصدمة.‏

-الدولارات.. الدولارات. أمريكا ترسل لنا الملايين من الدولارات!!‏

واشتدت صدمة باقر. قبل يومين، كان قد سمع من زهير وسعدون أن أمريكا خصصت خمسة وسبعين مليون دولار للمعارضة التي تعمل للإطاحة بنظام العراق. لكن لم يخطر بباله لحظة واحدة أن حزبه يمكن أن يكون مشمولاً بالقرار الأمريكي. حزبه الذي نذر نفسه طوال عمره لمحاربة الإمبريالية والرأسمالية يأخذ الأموال من الإمبريالية والرأسمالية؟ كان يظن أن المساعدات ستذهب إلى عملاء السي آي إي.. لزعماء التمرد الكردستاني.. لركائز الطائفية والرجعية، لكن أن تذهب للحزب اليساري التقدمي، طليعة الكفاح ضد الاستعمار ورائد التحرر والتقدم، المناضل أبداً من أجل الحرية والاستقلال، فأمر يحمل الكثير من المفارقة؟‏

-لكن، هل نأخذ منهم، رفيق؟‏

-ولم لا؟ المال محرك العالم.. المال هو العصا السحرية التي تغير بها ونبدل.. ومضى السكرتير يعدد مناقب المال كأبرع رأسمالي نذر نفسه للمال، فيما كان باقر يشرد بخياله بعيداً "إذن، هو ذا ما يفسر حركة التملك الجديدة التي بدأت تظهر هنا وهناك: دور نشر، مطابع، بيوت... ولا يدري أحد أين تنتهي السلسلة؟"‏

-لكنهم طوال عمرهم كانوا أعداء فكيف نمد يدنا إلى الأعداء؟.‏

-في السياسة لا أعداء ولا أصدقاء. ألم تسمع تشرشل؟ في السياسة لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة.‏

-ومصلحتنا الآن أن نتحالف مع الأنكلو أمريكان؟‏

-نتحالف مع الشيطان، رد عليه القائد وقد خرج فجأة من مكتبه جهم الوجه مقطب الجبين، تقدح عيناه شرراً.‏

هب السكرتير مرتعد الفرائص وهو يرى قائده يدخل. باقر نفسه هب واقفاً. أربكته المفاجأة، لكن دون أن يتكلم. ألم تذهب إلى الشمال لمقاتلة نظام صدام؟ تابع سائلاً وهو يجلس قبالة باقر.‏

-بلى. رد باقر وقد جلس هو الآخر، وهناك التقيت بضباط إسرائيليين.‏

-ها!! أرأيت؟ نحن نتحالف حتى مع الإسرائيليين لإسقاط صدام. عدو عدوك صديقك، والأنكلو أمريكان الآن أعداء صدام، فلماذا لا نكون أصدقاء؟ ولهم حلفاء؟‏

-كيف نحالفهم وهم يحاصرون شعبنا؟ كيف نمد يدنا لهم وأهلنا يعانون منهم، أطفالنا بسببهم يموتون؟‏

-لهذه الأسباب بالذات، يجب أن نمد يدنا لهم وأن نفرح بهم.‏

-نفرح؟.‏

-أجل، نصرنا بات وشيكاً. معاناة الشعب، جوع الأطفال، تفشي المرض، كل هذا يراكم النقمة، يضيق الخناق، يزيد الضغط فيتولد الانفجار. ألا يقولون. شدة الضغط تولد الانفجار؟. إذن لا بد من أن ينفجر الشعب قريباً.‏

-وماذا إن لم يكن هذا الانفجار قريباً؟.‏

-لا.. لا.. اطمئن. قوى التحالف تشدد الحصار على صدام.. تمنع عنه حتى الهواء. غذاؤه نفد.. دواؤه نفد.. رصيده نفد.. نفطه لا يباع فمن أين يعيش؟ لا.. لا. افرح وامرح.. الأزمة الآن في أشدها واشتدي أزمة تنفرجي.‏

-أخشى أن ننفلج بدلاً من أن ننفرج، رفيق.‏

-ماذا تقول يا رجل؟ أنت تفسد علي فرحتي. لكأنك أعمى لا ترى.‏

-بل أرى. جنازات الأطفال وهي تملأ شوارع بغداد.. ماجدات العراق وقد استباحهن العوز والفقر.. الرجال وقد غدوا أشباه رجال أو لا رجال.‏

-يستاهلون. لماذا يسكتون على ديكتاتور طاغية؟ لماذا لا يهبون هبة الرجل الواحد فيسقطونه؟‏

-عجز الإنسان لا يبرر لنا قتله، فكيف إن كان شعباً بكامله؟‏

-ماذا؟. لكأني بك عدت سيرتك الأولى، صرت مع صدام؟ سأله القائد وقد ازداد وجهه تجهماً وعيناه قدح شرر.‏

-أنا لست مع صدام ولن أكون. لكنني لم أكن مع الأمريكان والصهاينة ولن أكون.‏

-أنت تخالف نهج الحزب.‏

-هذا نهجكم أنتم وليس نهج الحزب.‏

-وما الفرق؟ القيادة هي الحزب والحزب هو القيادة.‏

-ديغول قال ذلك مرة: فرنسا أنا وأنا فرنسا.. لكن ها هو ذا ديغول ذهب وبقيت فرنسا.‏

-تريدني أن أذهب؟ أنت رجل حاقد، لم تتربَّ من المرة الماضية ولم تتعلم. كلامك عن الشعوبية، عن الحقد الشعوبي وصلني، انتقاداتك لي وللقيادة وصلتني. تريد أن تكون أنت القائد. تضع نفسك مكان القيادة. تسب وتشتم.‏

-أنا أنتقد الخطأ. أسب الضالين.. أشتم المنحرفين.‏

-ليس هذا من حقك، صرخ به فجأة فكادت ترتعد فرائص باقر لولا أن شدها آخر لحظة. أتفهم؟ أنت مجرد عضو في تنظيم، واجبك إطاعة الأوامر، تنفيذ التعليمات، دون تردد أو تلكؤ.‏

-عسكر.. يعني؟‏

-عسكر.. مسكر.. لا يعنيني.. ما يعنيني الانضباط، الالتزام، أتفهم؟‏

التنظيم بأمِّس الحاجة للانضباط والالتزام، وعليك أن تكون منضبطاً ملتزماً أم تريد أن يتحول التنظيم إلى حارة كل من فيها يده له؟‏

-لكن هناك أخطاء فاحشة.. انحراف قاتل.‏

-كفى!! كفى!! صرخ به من جديد وهو يهب ملء طوله فلم يجد باقر نفسه إلا وهو يهب ملء طوله أيضاً. القيادة لا تخطئ، أتفهم؟ القيادة لا تنحرف.‏

بل الأتباع مثلك هم الذين يخطئون وينحرفون. أفكارك "القومجية" هي التي تدفعك إلى الخطأ والانحراف. أم تحسبنا أهملناك ونسيناك؟ لا. نحن نعرف كل شيء. تخرصاتك على القيادة، إشاعاتك، دعاياتك المضادة كلها نعرفها. والآن يأتي يوم الحساب.. هيا انصرف ولسوف يأتيك الحساب.‏

فكر باقر بألا ينصرف. لكنه نظر في عيني القائد فرآهما عيني ثور هائج. نظر إلى الباب فرأى في العتبة العتلّين نفسيهما وقد ظهرا فجأة.‏

-هيا.. انقلع. لا ترني وجهك بعد اليوم. جاءته صرخة أخيرة من القائد جعلته يلوي عنقه ويمضي. المعركة غير متكافئة. بلمحة عين رأى ذلك، هو الذي كان بوده أن يصفع القائد ولو صفعة واحدة يشفي غله بها. "أنا منحرف؟ أنا أفكاري قومجية؟" وتذكر باقر أيام زمان. كان صبياً ربما لا يتجاوز العاشرة حين تحول إلى "بوسطجي" يحمل نشرات الحزب، جرائده، تعليماته، ليوصلها إلى أعضاء الحزب ولا أحد يشك فيه. تذكر أباه، أخاه، أهله كلهم وقد نذروا أنفسهم للنضال من أجل التقدم والاشتراكية. تذكر بيتهم هناك في حي القشلة وقد تحول إلى خلية نحل، الداخلون إليه أكثر من الخارجين حتى صار اسمه في الحارة كلها "بيت الشعب". والده نفسه قضى نحبه في سبيل الحزب، أخوه وصفي ما يزال في خدمة الحزب، حملاً طيعاً، يفعلون به ما يشاؤون. تذكر باقر، حزيناً حتى الموت، مفطور القلب حتى التمزق، هربه إلى بغداد، معاركه مع النظام في بغداد.. سجنه الطويل المضني. كم شبحوه هناك إلى الدولاب!! كم صدموه بالكهرباء!! جلدوه بالسياط!! غطسوه بالماء!! أساليب تعذيب لم تكن تعد ولا تحصى ذاقها كلها واحدة واحدة. كان يعلم أن السجن هو المحك، يفرز القمح من الزؤان. تصمد فيه تخرج قمحاً يبذر في الأرض، ينبت زرعاً ويطلع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، تضعف وتهن، تتحول إلى زؤان يلقى بك على مزبلة التاريخ.‏

باقر على يقين أنه لم يخرج زؤاناً. شهادات رفاقه كلهم تؤكد ذلك.. أعضاء القيادة المركزية أنفسهم أولئك الذين التقوا به وشدوا على يده.. بل الأمين العام الذي استقبله حينذاك صبوح الوجه طلق المحيا آخذاً إياه بالأحضان، مؤكداً له أنه المناضل الصلب الذي يستحق أعلى أوسمة الحزب.‏

أطباق الحزن في نفسه دفعته بعيداً عن منزله. هو يشعر أنه بحاجة إلى فضاء رحب لا إلى منزل ضيق يكتم أنفاسه. ساعتين، ثلاثاً، ظل في الشوارع متجولاً متسكعاً، لكن التسكع يتعب. "أين أذهب؟" لو كان رباح ما يزال في دمشق لذهب إليه باقر.. لكن، رباح، فاتح، وهاب، حكيم، كريم.. كثير من الرفاق كانوا قد ذهبوا. بعيداً إلى أقصى الأرض كانوا قد ذهبوا يسعون في مناكبها وإليه النشور، لكن متى النشور؟ "رباه!! لو تقوم القيامة، فنخلص من هذا العذاب كله. يمضي كل بكتابه، فإن كان في يمينه ذهب إلى الجنة، وإن كان في يساره ذهب إلى جهنم وبئس المصير" باقر على ثقة أن أبا العز سيحمل كتابه في شماله. أحقاده كلها فجرها دفعة واحدة. "انقلع.. لا أريد أن أرى وجهك بعد اليوم، كيف يخاطبني هكذا؟ أأنا خادم من خدمه؟ عبد من عبيده؟ أجل. هو قالها صراحة. أتباع. نحن الرفاق الذين ناضلنا مثله أو أكثر، ضحينا مثله أو أكثر. نصبح أتباعاً، فأية مهزلة؟ وبلمحة عين، عادت إلى ذهنه ذكريات: رفاق سجنتهم القيادة، رفاق صفتهم.. رفاق سلمتهم للسلطة. صديقه كريم كان خائفاً من أبي العز أكثر من صدام.‏

ذات يوم همس في أذنه بمخاوفه تلك، حاول باقر أن يبددها. أن يطمئنه، لكن كريماً لم يطمئن، مخاوفه لم تتبدد، فآثر الابتعاد. كتب إلى بلد هناك في أقاصي الشمال طالباً اللجوء السياسي وجاء الجواب بالإيجاب. كثيرون مثله فعلوا ذلك وذهبوا لتتسع دائرة الشتات وتزداد بلدان الشتات، أتراه صدام وحده المسؤول عن ذلك الشتات؟ وحده من يوسع دائرة الشتات؟ وبدا لباقر أن الجواب أبعد ما يكون عن الإيجاب.‏

وجد باقر نفسه قرب منزل تامر. تامر رفيق وصديق، فمضى إليه وكل ما في ذهنه أن يستريح. قرع الجرس، لكن أحداً لم يرد. مرتين، ثلاثاً، عشرة.. المنزل أصم أبكم لا يسمع ولا ينطق. "عجيب أين يذهب تامر؟" باقر يعلم أن المنزل لا يخلو من أحد. هو، بشكل من الأشكال، مقر لمجلة الحزب. تامر سكرتيرها، يأتي بالمواد إليها، يرد على هواتفها، يتلقى الفاكسات، رئيس التحرير يذهب، يجيء، يحل، يرحل.. أما تامر فمقيم ما أقامت ميسلون. يعمل في المنزل ويقيم. "إذن، أين أنت يا تامر؟" لكن المنزل الصامت ظل صامتاً فدار على عقبيه حزيناً حتى الموت، ومضى يقطع الطريق شبه المعتم، شبه الخالي في مدينة تنام باكراً وقد فرض عليها ذوو أمرها أن تصبح من فصيلة الدجاج.‏

كان بحاجة إلى أحد يحدثه، يخفف عما في صدره، لكن أين يجد ذلك الأحد وهو في الشتات؟ "إيه بصرة!! لو كنت فيك لالتقيت برفيق هنا، صديق هناك. على ضفة العشار، في الكورنيش، في سوق الهنود.. في سوق المقام، حيثما ذهبت كنت سأجد الأصحاب والأحباب لكن هنا، من أجد يا بصرة؟ الصحب قلة، وأكثرهم ولوا الأدبار، الرفاق لم يعودوا رفاقاً وقد كشروا عن الأنياب؟ لا.. لم يعد ثمة أحد. أنا موحش بعدك يا بصرة!! وحيد يا بغداد، فإلى أين أذهب؟ ومن يفتح لي الأبواب؟".‏

خطر بباله أن يمر بلورا، لكنه نظر إلى ساعته. "التاسعة والنصف، لا بد أنها وأختها هناك تأخذان راحتهما بعد عناء اليوم". الأختان نحلتان عاملتان لا تنفكان تطيران. من زهرة إلى زهرة تنتقلان ولا تأتي العشية إلا وهما مرهقتان بل لورا تعمل حتى في الليل. هواية جديدة كانت قد طغت على اهتماماتها كلها: رسم المنمنمات. رأى باقر بعضاً منها فضحك في البداية. لوحة بقدر راحة اليد إن خلعت منها الأصابع. ترسمها بقلم من رصاص نقاطاً وخطوطاً دقيقة دقيقة حتى لتحتاج لتفحصها إلى مجهر. باقر من تلك النمنمات واحتج، لكن لورا شرحت له الفكرة: "الجدّة، هو ذا ما أبحث عنه. والمنمنمات جديدة، بل هي الجدة بعينها وسأكون صاحبة براءة اختراعها". لم يستطع باقر بعدها أن يضحك بل أبدى إعجابه: "الفتاة تكره القديم.. تحب كل جديد. ومن يملك إلا أن يعجب بما هو جديد؟".‏

"وحده جديد الموت غير لذيذ"، هكذا قال الحطيئة، لكن ما عداه، كل جديد لذيذ. واستغرقت لورا بالجديد "سأقيم معرضاً للمنمنمات. "صرحت له بعد ذلك "أين؟ متى؟ كيف؟" سألها فضحكت لورا "الجواب ما تراه لا ما تسمعه" وأفحم باقر ثم أطبق شفتيه بانتظار الجواب الذي سيراه، لا يسمعه.‏

لم يكن قد رآها منذ أيام. "هاجس المنمنمات يسيطر عليها". بغير الهاجس ربما كانت هي التي تبحث عنه.. تدعوه إلى سندويشة فلافل، يدعوها إلى صحن فول، ويتسكعان في الشوارع يرغيان رغاء الإبل. مودة راسخة صارت تربط بينهما بعد تلك القطيعة، هو معجب بفرادة شخصيتها، هي معجبة بصلابة شخصيته، وكانا يتحدثان، يتفقان، يختلفان، لكن بكل مودة وحب. "كم أرتاح لك يا لورا؟" تمتم باقر وهو يسير وحيداً موحشاً في شارع شبه خال، شبه معتم في مدينة تنام باكراً كالدجاج. أخيراً يقلع عن فكرته "لا، لن أعكر صفوها الليلة. لأذهب إلى المنزل".‏

وغذا الخطا باتجاه المنزل. هناك خلع ثيابه، لبس منامته ومضى إلى الحمام.‏

لكن قبل أن يدخل سمع صوتاً. تسمر يصيغ السمع. ثمة أنات موجعة. "عبد الرحيم في غرفته.. "عجيب.. ذلك على غير عادته". باقر يعلم أن جاره نادراً ما يعود قبل أنصاف الليالي.. نادراً ما يفيق قبل أذان الظهر. "نهاركم سبات وليلكم معاش" ولم لا؟ أليس كل شيء في الدنيا قد انقلب؟ المفاهيم، القيم، المعايير.. كل شيء تغير باتجاه العكس ليصير الأبيض أسود والأسود أبيض، الحق باطلاً والباطل حقاً. إذن، لماذا لا يكون عبد الرحيم ابن هذه الدنيا؟.‏

-عبد الرحيم، مالك؟ ناداه وهو يقترب من غرفته.‏

-ظهري.. يوجعني.. يا جار.. جاءه الصوت من الداخل.‏

-سلامتك.. سلامتك.. رد الجار الذي كان الدهر عليه قد جار.‏

-آخ.. آخ.. بدأ عبد الرحيم يتأوخ وهو ينقلب من بطنه إلى ظهره.‏

لا.. لا تعرف قيمة الظهر حتى يوجعك. ويل لمن يوجعه ظهره!! ويل لمن ليس له ظهر!!.‏

-لكن ممَّ وجع ظهرك؟ كيف حدث ذلك؟ قال باقر وهو يقترب من سرير الجار الذي كان يتأوه.‏

-لا أدري. بعد الظهر، جاء النجار بغرفة النوم. قلت أساعده، "وبرق ظهري".‏

-برق!!‏

-أجل، صدقني، شعرت بشيء كلمعة البرق تخترق عمودي الفقري من أسفله إلى أعلاه..‏

-إلى هذه الدرجة؟.‏

-قل أكثر. ألم خاطف ضرب دماغي فأوقعني أرضاً وها أنت ذا تراني. لم أتحرك مذ ذاك.‏

-سلامتك!! جار!! لكن عليك أن تذهب إلى الطبيب.‏

-الطبيب جاء إلي، وهذه العقاقير وصفها لي.‏

-سامحك الله!! جار! كنت على خير ما يرام، فما الذي جعلك تفكر بالزواج؟‏

-ألم أقل لك؟ صاحبك لم يعد صغيراً.. خمسة وثلاثون عاماً.. قلت أجيء بولد.‏

-وتأتي المرأة، ومع المرأة يأتي الضرر، الأذى.. الشر..‏

-أعلم. أعلم. قاطعه المستلقي على جانبه، طوال عمري لم تكن تعنيني المرأة، وتوقف فجأة. باقر يعلم ذلك.. لورا شرحت له كل شيء، وكما توقف فجأة عاود الحديث فجأة، لكن ماذا نفعل والولد لا يأتي بغير المرأة؟.‏

وشرد باقر "حقاً!! تريد ولداً؟ إذن، لا بد لك من المرأة، لولا ذلك ربما انشطر المجتمع شطرين، وكل منهما استغنى عن الآخر. الرجال اكتفوا بالرجال والنساء بالنساء.. جيلاً أو جيلين وانتهى المجتمع ثم انقرض الإنسان".‏

انتظر عبد الرحيم أن يتكلم جاره، أن يجلس، لكنه ظل واقفاً صامتاً فاستأنف:‏

-باقر!! مالك.. اجلس!!‏

-لا.. أشكرك. أشعر بنفسي متعباً.. أود أن أنام.‏

-وتتركني وحدي؟ أتألم وأتوجع؟‏

وشعر باقر بشيء ما في داخله ينكمش. لم يدر ما هو تماماً، لكنه أحس به.‏

"ما تراني أفعل لك"؟ وهامت أفكاره بعيداً. لم يكن باقر طوال سنتين قد استطاع أن يقيم آصرة صداقة حقيقية بينه وبين جاره. أسلوب الحياة، نمط التفكير، نظام المعيشة كل شيء كان مختلفاً.. قلما يلتقي واحدهما بالآخر، قلما يدخل غرفته، لكن ها هو ذا يطلب من باقر ألا يدعه وحده.‏

-هل من خدمة أؤديها لك، سأل باقر فأطلق الجار المستلقي على جنبه آهة توجع ممطوطة ثم أردف:‏

-أجل. هذا المرهم.. أرجوك.. دلك لي به هنا، ومد يده إلى فقرات ظهره ما بين الخصر والإلية.‏

كان المرهم على طاولة الرأس، رآه باقر وهو يمسك به ثم يقدمه له.. في الآن نفسه كان ينبطح على بطنه لينحسر قميصه الداخلي عن أسفل ظهره، فيما يده الأخرى تشير بدقة إلى موضع الألم.‏

-هنا!! هنا!! آخ!! آخ!! كم يوجعني باقر!!.‏

أخذ باقر أنبوبة المرهم، وضع شيئاً منها على رؤوس أصابعه، ثم جلس إلى جانب الرجل المنبطح منحنياً على أسفل ظهره. بشرته البيضاء ساطعة.. رقيقة.. ناعمة لا أثر فيها لشعرة واحدة. رآها باقر وهو يكشف القميص الأبيض، ماسحاً برؤوس أصابعه منطقة الفقرات القطنية بادئاً التدليك، فيما كانت تأوهات الرجل الممدد على السرير تتصاعد، فيها مزيج من ألم وشيء آخر لم يستطع باقر تمييزه.‏

-أوه!! أية أنامل!! بدأ عبد الرحيم بين الأنة والأنة، أنت تريحني.. كثيراً تريحني.. تابع.. تابع.. دلّك.. دلّك.. يا إلهي!! ماذا كنت سأفعل لولاك!؟.‏

-كان عليك أن تأتي بخطيبتك!! قال باقر مازحاً.‏

-خطيبتي!! لكنني لم أخطب بعد!!‏

-كيف وأنت تهيء المنزل؟.‏

-أهيء المنزل ثم أخطب.‏

-وإن لم تجد الفتاة؟‏

-الفتيات على قارعة الطريق. فقط أشر بيدك.‏

-تعلم؟ ظننت أنك في عجلة من أمرك وأنك تريدني أن أخلي المنزل غداً؟‏

-تخلي المنزل غداً؟ لا. لا.. بل يمكنك ألا تخلي المنزل البتة إذا تفاهمنا.. توقف ناظراً من أسفل إلى أعلى ثم تابع. أعني إذا كنا متفاهمين، أتزوج وتظل في المنزل.‏

-حقاً جار!؟‏

-طبعاً.‏

ومن جديد شعر باقر بانكماشة. أيضاً لم يعرف لماذا، لكن ذلك الشيء في داخله انكمش أكثر وأكثر. وتوقفت أنامله عن التدليك لحظة، كأنما شردت أفكاره بعيداً.‏

-دلِّك!! دلِّك!! جاءه الرجاء. يا إلهي!! ما أكثر ما في أناملك من دفء.. راحة.. وارتعشت أنامل باقر. فجأة عادت إلى ذاكرته قصة عبد الرحيم. حياته وهو صبي مع الشيخ المغربي، تعلقه به، عزوفه عن المرأة.. وللتو توقفت أنامله.‏

-يكفي؟ سأله وكل ما يوده أن يخلص من مهمة لم يقم بها من قبل.‏

-لا.. لا.. تابع. أرجوك. تدليكك لذيذ.. أنت لذيذ.. وشعر بيد تمتد إلى يده، تمسك بها ثم تدفع بها نحو الأسفل. هنا.. هنا.. وكان ثمة عظم العص ثم منفرج الإليتين.‏

-لكن.. احتج باقر وقد ازداد انكماشه الداخلي.‏

-لا تقل.. لكن.. أنتم العراقيين تحبون هذا.‏

وانتفض باقر‏

-اللعنة عليك!! مأفون!! قذر!! راح يسب ويشتم وهو يغادر الغرفة، فيما كان عبد الرحيم بفغر فاه دهشة ويتجهم وجهه حسرة. لقد وصلت اللقمة إلى الفم، لكن ها هي ذي تسقط على الأرض وتتلوث بالتراب.‏

اللقمة لم تسقط على الأرض وحسب بل خرجت من المنزل كله. ومن جديد راحت تسير على الأرصفة في شوارع معتمة خالية وقد تقدم الليل. "أين أذهب؟ أين أذهب؟" ولم يخطر بباله غير تامر.‏

مسرعاً مضى باقر من حيث جاء، في صدره جيشان، كره أن يجمعه سقف واحد بجار مأفون. وصل إلى منزل تامر. قرع الجرس.. مرتين.. ثلاثاً لكن أحداً لم يفتح. حينذاك فقط تذكر أنه قبل ساعتين، ثلاث كان في المكان نفسه يقرع الجرس لكن أحداً لم يرد. "مستحيل. لا بد أن يكون قد عاد". وعاود قرع الجرس قرعاً غليظاً متصلاً. فجأة فتح الباب وجاءه صوت تامر مغيظاً:‏

-أنت مرة ثانية؟‏

-إذن، كنت هنا تلك المرة؟ قال باقر دون أن يدرك ما وراء لهجة صاحبه المغيظة.‏

-طبعاً. رد الرجل وهو يقف بطوله وعرضه ساداً فتحة الباب.‏

-إذن، لم لم تفتح؟ سأله وهو يحاول الدخول، فيما مرق جسد عار أبيض مسرعاً في الممر.!؟ ألديك دجاجة؟ لا تخف.. لن أزعجك.‏

-لا.. ليس هذا هو السبب.‏

-ما هو إذن؟‏

-ماذا فعلت اليوم هناك؟ سأله وهو يشير إلى الوراء والأعلى.‏

-مـ.. ما.. ماذا؟ لا شيء. رد باقر وقد نسي أبا العز وقيادته كلها.‏

-لماذا فصلوك إذن من الحزب؟؟‏

-فصلوني؟ من الحزب..؟؟‏

-مع أوامر صارمة بأن نقطع كل علاقة لنا بك.‏

وللتو ردد الشارع صوت باب ينطبق بكثير من العنف.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244