مواجع الشتات ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـــ وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية – دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني عشر

يا أيها المشردون‏

بأي أرض تدلجون‏

أرصفة، شوارع‏

تلفظكم، تمانع‏

وأنتم تسكعون‏

حياتكم بلا قرار‏

وليلكم بلا نهار‏

يا أنتم يا أيها المشتتون‏

معذبون دائماً مشردون‏

وكان باقر قد صار مشرداً حقيقياً: لا وطن، لا بيت، لا حزب. هو، منذ تلك الليلة البائسة، اضطر أن يترك البيت. عبد الرحيم لم يعد يستطيع رؤية وجهه، وكيف يراه وقد خذله أيما خذلان؟ هو نفسه لم يعد يستطع رؤية عبد الرحيم، وكيف يراه وقد لمس حقيقته لمس اليد؟ وما تلمسه غير ما تسمع عنه.‏

باقر يكره الشذوذ. أمه في البصرة أرضعته من حليبها كره أبي نواس وهو يلاحق الغلمان، كره الإنكليز وهم يسنون سنناً مخالفة للطبيعة. أبوه، أخوته، أعمامه في العمارة، أقرباؤه كلهم كانوا يحذرونه. وانغرس في ذهن الصبي الصغير الخوف من رجال قد يكونون أخطر من ثيران حادة القرون، هائجة... ذلك كان أيام الطفولة في البصرة، لكن ما إن جاءت أيام النضال الحزبي في بغداد، ثم موسكو، بلغاريا، لبنان وسورية حتى غاب ذلك كله عن ذهنه، وكأن العالم كله صار سوياً لا يعرف شذوذاً ولا انحرافاً، فجأة يظهر عبد الرحيم ليقول له "أنتم –العراقيين- تحبون ذلك الشيء" "لا.. من قال لك ذلك يا عبد الرحيم"؟ كان لا ينفك يخاطبه كلما تذكر تلك اللحظة وهو ينتفض مجفلاً مرتعشاً كأنما لامسته حية.‏

في الشوارع تسكع، على الأرصفة سار وقد أقسم ألا ينام مع عبد الرحيم تحت سقف واحد. أمله كان تامر، لكن الآخر خيب أمله. كان يقضي ليلة حمراء مع إحداهن. هو يعرفها. رفيقة مندفعة متحمسة تركت أهلها هناك في جبل أشم وجاءت إلى دمشق عل دمشق تفتح لها الأبواب. تامر الصديق الرفيق، سد في وجهه الباب. ذريعته أن الأوامر صارمة من قيادة الحزب: فصله وعزله.. بعيراً أجرب ينبغي ألا يقربه أحد. حاول باقر إقناع صاحبه من وراء الباب "فقط مأوى ليلة". لكن تامر ملتزم بأوامر الحزب سميع مطيع. "أبداً" "لكن.. تامر.. ما الذي يجعل الحزب يدري؟" "للحيطان آذان وللأبواب ألسنة" "تخشى صاحبتك هذه؟ وصرخ تامر من وراء الباب محمراً مزرداً.‏

"أنا لا أخشى أحداً.. فقط دعني وشأني" وكانت الصرخة قوية إلى درجة ارتجت لها فرائص باقر. ومن جديد، وجد نفسه على الأرصفة. رصيف يأخذه ورصيف يأتي به إلى أن هده التعب، فألقى بنفسه على أقرب مقعد من مقاعد الحدائق.‏

في اليوم التالي وجد غرفة، انسل إلى منزل عبد الرحيم انسلالاً.. أخذ ماله من حاجات ثم مضى. أربعة أشهر أمضى في الغرفة، على مضض أمضاها، فالدار العربية مسرح لعدد لا يحصى من الأطفال، كأنما الأم ملكة نحل.. مهمتها إكثار الذرية. وكان الأطفال يصرخون.. يبكون.. يعولون.. وكان ذلك كله يتحول إلى مطارق تطرق رأس باقر، فحمل متاعه ذات ليلة ومضى إلى غرفة ثانية.‏

في الغرفة الثانية أمضى سبعة أشهر. غرفة فسيحة، مريحة، هادئة، لا أطفال فيها ولا صراخ، بعيدة عن ضجيج السيارات وصافرات القطارات.. في آخر منزل من منازل مخيم اتخذ اسم أشهر معركة من معارك التاريخ بين العرب وبيزنطة، وكان باقر سعيداً. أهل المنزل لطفاء. شعارهم: "ابعد عن الجار وغنِّ له". ولم يكن يسر باقراً كهذا. لم يقيموا جسوراً معه ولم يقم هو جسوراً معهم، يدخل غرفته لكي ينام، وإذا أفاق يجلس إلى كتابه.. مجلته.. جرائده.. يقرأ ويكتب.. باقر صار يمارس الكتابة شعراً حيناً، ونثراً أكثر الأحيان. هو المهندس الصناعي صار كاتباً.. شاعراً.. سبحان الله!! يغير ولا يتغير. وأحس باقر أنه وجد ضالته. في تلك الغرفة يمكنه أن يقيم ما دام من أهل الشتات... لكن فجأة جاءهم قريب من نابلس. باقر لا يدري كيف يأتون من الضفة إلى دمشق؟ تلك تحت الاحتلال ودمشق ترفض أي علاقة مع من هم تحت الاحتلال. لكن جاء، طالباً يريد أن يدرس الطب. وأتى صاحب المنزل. "أنت تعلم، جار! الطالب قريبي والأقربون أولى بالمعروف" ولأنه أولى بالمعروف وجد باقر نفسه يبحث من جديد عن غرفة.‏

محنقاً مغيظاً كان يبحث، ومحنقاً مغيظاً كان يرتد.. إما لأجر لا يستطيع دفعه أو لشروط لا يمكنه تحملها، ووجد نفسه أمام حائط عال مصمت لا شباك فيه ولا باب. "رجوة، ما رأيك أصالح أمك وأعود إلى المنزل"؟ سألها وقد قصدها في مكتبها فعل اليائس. "أمي لديها لاءات ثلاث لا تتنازل عنها أبداً: "لا مفاوضات، لا صلح، لا اعتراف" وضحك باقر وهو يتذكر لاءات مؤتمر القمة العربي في الخرطوم. "لكن المواقف تتغير واللاءات تصبح نعمات". "عند ملوك العرب وليس عند أمي" واحمر وجه باقر وازرد "ها هو ذا باب آخر يسد". لكن فكرة جديدة لمعت في ذهنه فجأة "حسن.. رجوة!! ما رأيك أن نتزوج؟" لحظة من الزمن ارتعشت شفتا العانس المزمنة. هنيهة بدت متلجلجة حائرة لا تعرف الرد، فتابع باقر: "ماذا؟ أنا لا أعجبك؟" "لا تعجبني،؟ أنت تعلم باقر أنك تعجبني كثيراً، لكن هل هذه هي المسألة"؟ "ما المسألة إذن؟" "أمي" "ما لها أمك؟ هي تحتج أن تحبي..‏

تقيمي علاقة مع رجل.. لكن الزواج، أهي ضد زواجك بشكل مطلق؟" "لا.. لكن، المرة الماضية حدثتها بما دار بيننا.." "حدثتها؟ لماذا؟" "لم أستطع إلا ذلك، فازدادت كرهاً لك وحقداً عليك، كما اشتدت تعصباً في مسألة زواجي، حتى صار لها اثنا عشر شرطاً..".‏

"اثنا عشر شرطاً؟ ما هي؟" "أولاً، أن يكون مسيحياً أرثوذكسياً. ثانياً.."‏

"لا.. لا.. حسبك.. حسبك". قاطعها باقر يائساً هو شرط كاف واف لأن ترمي بي إلى الجحيم" "ألم أقل لك؟ أمي صنعت منها الخطيئة امرأة متعصبة زميتة".‏

"وأنت، أليس لك شخصية؟ أليس لك رأي؟" "شخصية؟ رأي؟ ما هذا الذي تتحدث عنه باقر؟" "يا إلهي!! لكنها حياتك رجوة!! وحياتك تمضي. سريعاً سريعاً تمضي، قطاراً بلا محطات". "أعلم. لكنها أمي، ولا أستطيع أن أخالف لأمي رأياً". "مع ذلك دعيني أحاول" "تحاول وأنت تعرف النتيجة سلفاً؟ لماذا؟" ولم يقل لها باقر إنه يريد أن ينهي تشرده.. يريد أن يجد بيتاً يؤويه.. أهلاً يلقي بنفسه بين أحضانهم فيمنحونه الدفء والحنان وقد افتقد منذ زمن طويل الدفء والحنان.‏

من جديد أنقذته لورا. "تبحث عن غرفة؟" سألته وهما يشربان القهوة في مقهى لا يجتمع فيه إلا الشتات. "يدي بزنارك". "وصلت!! لدي غرفة" "حقاً؟" "حقاً وصدقاً" "لكن، ليست عند جارٍ كعبد الرحيم؟" "لا، بالتأكيد.." وقهقهت لورا.. فقد روى لها باقر قصة صديقها بأدق التفاصيل. لم تفاجأ لورا. حدس المرأة كان قد أوصلها لتلك النتيجة من قبل. "المواصفات؟" "ما تحب وتشتهي" "ماذا تنتظرين إذن؟ هلمي نذهب إليها". وذهبا إلى شمالي شرقي دمشق.. حيث بقايا الغوطة ما تزال تفصل جناح دمشق الأيسر عن جسد دمشق، فتحلق به عالياً حتى مناكب قاسيون. "دكتور زياد، صديقي باقر" قامت لورا بتعريف واحدهما بالآخر. وكاد باقر يفغر فاه دهشة، فالدكتور صغير السن، ربما لم يتجاوز السابعة والعشرين. تخرج قبل عام أو عامين من بلد في المعسكر الاشتراكي. لوحة عيادته تقول إنه طبيب عام: داخلية، نسائية، أطفال، لكن لورا أخبرته، وهما في الطريق، أن أحداً لا يدخل عيادته: لا الداخلية ولا النسائية ولا الأطفال. "لماذا؟" "لا أحد يدري" "وماذا يفعل إذن؟" سألها وهو أكثر استغراباً. "يتسلق" "ماذا؟" عاد يسأل وقد فاجأه التعبير. "أرأيت العرائش كيف تتسلق؟ هو كذلك.. عريشة تبحث دائماً عن دعامة ما، عمود... سقيفة... فتمد استطالاتها وتتسلق". "أيضاً لم أفهم". "يا عزيزي، زياد معجب بنفسه، بجماله، وهو يحسب أن كل فتاة تراه تقع صريعة هواه، لكنه هو لا يريد أية فتاة. يريد ابنة عمود، أقصد ابنة مسؤول يمكن أن يكون عموداً له يرتكز عليه ويتسلق فيصل إلى أعلى المناصب" "آ!! هكذا إذن؟" "لهذا، تراه يبحث دائماً عن عمود.. أقصد مسؤولاً، لديه فتاة في سن الزواج؟" "ألم يجد ابنة عمود.. عفواً... مسؤول؟" "بل وجد أكثر من واحدة لكن في كل مرة يكتشفه الأب. تصور. قبل شهر فقط كان قد علق على إحداهن. فتاة عانس أكبر منه بسبع سنوات: شبه بلهاء، عجفاء، لا تقرأ ولا تكتب. مع ذلك أبدى لها كل علائم الحب والغرام، أقنعها أنه قيس بن الملوح، عارضاً عليها أن تكون ليلاه.‏

وجنت الفتاة بالعرض. صار لها قيس، هي التي لم تعرف قيساً من قبل، وهامت به حباً. الأم موافقة، الأخوة موافقون، فهم لم يصدقوا أن أحداً يمكن أن يحب أختهم. لكن الأب وحده طلب مهلة. درس الدكتور، أخذه، جلبه. ليكتشف أنه يريده سلماً يتسلق درجاته". "أبهذه السهولة كشف أوراقه؟" "غبي، وثق بحميه، فصارحه برغباته وطموحاته".‏

لم يكن باقر معنياً برغبات الدكتور وطموحاته. كل ما كان يعنيه هو غرفة توفر له المأوى، تمنع عنه التشرد والضياع ووجد في غرفة زياد ذلك. زياد على الطرف النقيض من عبد الرحيم. هو معني كثيراً بالمرأة لكن فقط بالمرأة التي تفتح له أبواب المجد والسلطة، الثروة والمال، وكان يبحث. "أؤجرك الغرفة"، قال لباقر: "لكن بشرط: تتركها حين أجد زوجة" "على راسي وعيني" وافق باقر، هو الذي يعلم أن مشرداً مثله لا يستطيع رفض أي شرط، أن ابن الشتات لا يطمع باستقرار أبدي، وأن مع الشتات والتشرد كل شيء زائل، عابر: الزمان.. المكان.. الأصحاب.. الأعداء.. كلهم زائلون عابرون.‏

رفاقه في الحزب لم يعودوا رفاقه.. أصحابه منهم لم يعودوا أصحابه. لقد غضب أبو العز منه.. أرغى وأزبد فأفرغت القيادة كلها وأزبدت وصدر "الفرمان الهمايوني"، الذي يقضي بإخراجه من جنة الحزب، إلقائه إلى جحيم الضياع. تامر صفق في وجهه الباب تلك الليلة.. زهير.. مزاحم.. حليم.. كلهم باتوا يرونه فيزورون عنه وكأنهم لم يعرفوه قط. "يا الله!! ألهذا الحد تصل سلطة الحزب؟ يقطع الرحم ويهدم الجسور، يحطم السلاسل ويمزق العرى؟" وكان باقر لا يملك إلا أن يحزن. كم قاتل في سبيل الحزب!! كم عانى!! كم ضحى!! وها هو ذا بجرة قلم يمسح من كتاب الحياة كله، يلغى من تاريخ الحزب وكأنه لم يكن بالأمس!! "لكن أين المناشير التي وزعتها؟ أين الرفاق الذين نظمتهم؟ أين المظاهرات التي سرت فيها وأنا أهتف لعبد الكريم قاسم ضد علي صالح السعدي وأحمد حسن البكر. حردان وصدام؟ أين عذابات السجون؟ التخفي، الملاحقة، الفرار، المنفى؟ كله يذهب فسوة نسر؟ لا.. لا.. يا حزبي الجميل!! أيها الحزب الذي نذرت لك حياتي!! أهلي كلهم نذروا لك حياتهم!! قدموا الغالي والرخيص لكي يرتفع مجدك، أتتخلى عنا هكذا أيها الحزب العظيم؟" وكان كل مرة يذرف دمعة. يذكر أباه وهو على فراش الموت يوصيه "بني!! لا تنسَ الفقراء، ناضل من أجل الفقراء. كن دائماً مع حزب الفقراء". وكان باقر يظن أن لا حزب للفقراء سوى حزبه، لكن ها هو نفسه فقير، مشرد، مشتت، مع ذلك يتخلى عنه حزبه لافظاً إياه لفظ النواة، فماذا يفعل؟.‏

أشهراً طويلة ظل باقر يقلب الأمر "أذهب وأعتذر من القائد"، ثم تبين أن القائد لا يقبل اعتذاراً، بل رد بكل غطرسة وصلف "يركع ويخضع، يسمع ويطيع بعد أن يعلمن انحرافه وتوبته على صفحات الجرائد". لكن شيئاً أكبر من باقر كان يمنعه من الاعتراف بالانحراف والإعلان عن التوبة. "لكنني لم أخطئ مواقفهم السياسية هي الخاطئة. مد يدهم للأعداء هو الخاطئ. تحالفهم مع الإمبريالية والاستعمار هو الجريمة". لكن لا أحد يسمعه. الناس من حوله كلهم آذان صماء، هم يعلمون أنه على حق، لكنهم لا يتكلمون. مزية جديدة حملها معه القرن العشرون: تسمع دون أن تتكلم.. المذياع، السينما، التلفاز، الفاكس، التليكس.. كلها تسمع منها دون أن تتكلم. الحضارة الجديدة تقوم على موهبة الاستماع والإنصات، لا أحد يطلب منك رأياً. حسبك أن تمتثل.. أن تخضع.‏

واللجنة المركزية الملقبة "بليلى مراد"، بنت هذه الحضارة فكيف لا تريد من جماعتها ذلك؟ "اسمعوا وعوا" كانت تقول لهم "لا نريد نقاشاً أو مجادلات.‏

الامتثال والخضوع هو كل ما نريد" لكن باقراً كان قد نشأ على أن أعظم مبادئ الكون مبدأ وحدة الأضداد، فلا ليل يكتمل بلا نهار، ولا شتاء بلا صيف، ولا رجل بلا امرأة، والأعظم الأعظم من تلك المبادئ. هو الجدل الديالكتيكي، فالأضداد تتجادل، تأخذ وتعطي، تتماحك وتتصارع والأصح، الأجدر بالحياة يبقى، فكيف يريد أبو العز أن يلغي أعظم مبادئ الكون؟ هل أصبح رجلاً من رجال الكهنوت؟ من أتباع الإمام الغزالي؟ "يكفيك في منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي ويفهمك موارده وإشاراته، فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف ولازم الأتباع فلا تسلم إلا به"، هكذا قال الغزالي ذات يوم. "اتبع.. اتبع.. اتبع.. لا تجتهد.. لا تُعمل عقلك.. لا تجادل.. لا تجتهد.. الاجتهاد حرام.. إعمال العقول جريمة.. الجدل جريمة، فهل صرت كذلك يا أبا العز؟" ولا يملك باقر إلا أن يشفق على الحزب الذي قدم له الكثير، ضحى من أجله بالكثير...‏

ليراه وهو يصبح آلة للقمع.. للتسلط.. لارتكاب الأخطاء. من قبل، كان قد رأى حزباً آخر في بلاد أخرى، وهو يتحول إلى مثل تلك الآلة، أداة بأيدي الأعداء، مطية للحاقدين المتآمرين حتى أفسدوه، مضحين بأعظم صرح للتقدم، محطمين أعظم مطامح البشرية. الاتحاد السوفيتي برمته انهار نتيجة أخطاء وارتكابات لم تكن تختلف كثيراً عن ارتكابات أبي العز. غورباتشوف كان يزعم أن هدفه إعادة بناء الاتحاد السوفيتي فهدم كل شيء في الاتحاد السوفيتي. يلتسن كان يتذرع بالإصلاح فخرب كل شيء.. لماذا؟ مدوا أيديهم إلى أعدائهم.. سمعوا نصائح الخصوم وعملوا بمخططات الحاقدون وما كان يريد الأعداء الحاقدون؟‏

"بعد انتهاء الحرب، سنسخر كل ما نملك من ذهب وقدرات ذهنية" صرح دالاس للكونغرس الأمريكي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. "من أجل إشاعة الحمق والعته والتفسخ بين الروس، سوف نبذر الفوضى في صفوفهم، وخفية سنبدل قيمهم بقيم زائفة فنرغمهم على الإيمان بها. إننا سنجد أنصاراً وحلفاء لنا في روسيا، ثم حلقة إثر حلقة سندير مأساة هائلة المقاييس هي مأساة أعتى شعب على الأرض وستكون مأساة انطفاء وعيه الذاتي انطفاء نهائياً مبرماً، وشيئاً فشيئاً سنقضي على الجوهر الاجتماعي في الفن والأدب ليصبح كل شيء تعبيراً عن أحط المشاعر البشرية وتجميداً لها.‏

كذلك يجب أن نخلق ونرسخ في الوعي البشري عبادة الجنس والعنف، السادية والخيانة، أي باختصار جميع أنواع الانحطاط الأخلاقي، كما سنزرع الفوضى والتخبط في إدارة الدولة" تصريح آلان دالاس للكونغرس الأمريكي ذاك، لم ينتبه له غورباتشوف ويلتسين بل ربما لم يسمعا به، فقد كانا حينذاك صغيرين لا يقرآن ولا يكتبان. أبو العز نفسه لم يقرأه. لو قرأه لما مد يده إذن إلى الأمريكان ينسق معهم الخطط لغزو العراق، يأخذ منهم الأموال لتفجير القنابل في العراق، إثارة القلاقل والبلابل في العراق، ورأى باقر نفسه يتجه اتجاهاً جديداً.‏

"ليلى مراد هذه، فالج لا تعالج، فلماذا أتحسر عليها؟ لماذا أحاول رأب ما انصدع معها؟" وخطرت بباله فكرة سرعان ما بدأ يعمل لها.‏

كان ثمة آلاف اللاجئين العراقيين في دمشق، بعضهم من الحزب ومعظمهم من خارج الحزب، وكانوا كلهم يشكون عنت الاستبداد وعسف الديكتاتورية، من داخل ومن خارج، فلماذا لا يناضلون من أجل الديمقراطية؟ راح باقر يلتقي بهؤلاء، بأولئك، يتحدث عن تجربته المرة مع "ليلى مراد" والناس الذين يريدون أن يجعلوا من الحزب مزرعة لهم يفعلون بها ما يشاؤون ويمنعون عنها ما يشاؤون. "الديمقراطية هي الحل" راح ينادي "ليسمع واحدنا الآخر، لا هيمنة ولا طغيان، لا فردية ولا تفرد". وبدأ الآخرون يتجاوبون. صحيح لا ينقصنا إلا أن يعترف واحدنا بالآخر، لا أن يحاول إلغاءه، أن نؤمن بأهمية المعارضة، بالرأي والرأي الآخر فتكتمل دائرة الديالتيك". واتفق باقر في اجتماع ضم خمسة من أصحابه الجدد أن يشكلوا تياراً جديداً يسمونه "تيار الديمقراطية" يبينون فيه بسلوكهم لا بأقوالهم الطريق القويم للنضال من أجل الشعب والوطن، مصالح البروليتاريا والكادحين..‏

أول نشرة أصدروها كتب باقر افتتاحيتها، وعمل الكل على طبعها وتوزيعها. تجربة جميلة أحس باقر أنه يبدأ بها حياة جديدة سلخ معها جلده القديم ليلبس جلداً جديداً لا شائبة فيه ولا لطخة. "لا تقدم بلا ديمقراطية.." أضحي بحياتي من أجل أن أتيح لك الحرية كي تعبر عن رأيك". "اختلاف الرأي إغناء للرأي" كان بعض ما كتب باقر شارحاً، محللاً وضع الأحزاب العربية مندداً بالأنظمة العربية التي تسير كلها على نهج واحد: لك ملء الحرية في أن تفعل ما آمرك به" "كلكم سواسية لكن في التبعية والخضوع"..‏

قرأت لورا الافتتاحية فهللت وهزجت:‏

-أخيراً نحطم الأصنام.‏

-أتظنين ذلك؟ سألها باقر فرحاً برد فعلها.‏

-ماذا أظن إذن؟ علة هذه الأمة صاحب السلطة الفرد، سواء كان ملكاً أو شيخ عشيرة، قائداً أو رئيس حزب.. بل حتى رب العائلة لدينا، ما هو؟ فرد متفرد، حاكم بأمره لا يأتيه الباطل من أمام ولا من خلف.‏

-لهذا قلت: الديمقراطية ولا شيء غير الديمقراطية.‏

-وأنا أشد على يدك. هذه هي البداية الصحيحة والبداية الصحيحة تقود إلى النهاية الصحيحة.‏

-آه.. لورا.. ما أحوجنا إلى أن يحترم بعضنا بعضاً، أن يسمع بعضنا بعضاً، أن نتجادل ونتحاور.‏

-هذا ما آمنت به دائماً: الحوار، ومن أجل الحوار تركت الرابطة التي انتسبت لها ذات يوم، وقاتلت من أجلها بحماسة منقطعة النظير.‏

كانا يتمشيان في شارع هادئ بعيداً عن ضوضاء السيارات وزحام المارة، وكان باقر يعرف طرفاً من تجربتها في تلك الرابطة، لكنه لم يكن يعرف السبب المباشر لتركها التنظيم.‏

-حقاً؟ من أجل الحوار تركت الرابطة؟ سألها.‏

-أجل، فإلغاء الحوار يقود إلى ما هو أخطر: الاستعباد.‏

-كيف؟ لم أفهم.‏

-أنت تعلم، في الاجتماعات كنا نلتقي فتياناً وفتيات وكان ذلك يسرنا: نكسر به طوق التقاليد ونحطم القيود التي كان المجتمع قد صنعها للمرأة فلا تخرج إلى الحياة ولا تعرف الحرية.‏

-إيه!! عقب باقر وقد توقفت لورا لحظة من الزمن، كأنما تستجمع ذكرياتها، ما كان أجمل تلك اللقاءات!! أنا أيضاً أحمل ذكريات جميلة عنها.‏

-ربما ذكرياتي أجمل.. لكن ثمة ذكرى ما تزال إشكالاً بالنسبة إلي، فلا أدري أهي جميلة أم قبيحة؟‏

-معقول؟ ألهذه الدرجة تحيِّر؟‏

-أجل.. عشر سنوات مرت عليها وما تزال كذلك.‏

-ما هي؟ إنك لتثيرين فضولي.‏

تنهدت لورا تنهدة طويلة ثم بدأت:‏

كنا في أحد الاجتماعات وكان المسؤول عنا قد انتهى من قراءة النشرات، إصدار التعليمات موشكاً أن ينهي الاجتماع. فجأة توقف سائلاً إيانا وهو يمر بناظريه، على الفتيات، "هل فيكن من هي عذراء؟" واستغربنا السؤال. كنا سبع فتيات وأحد عشر فتى، وكنا قد اعتدنا أن نخرج من كل اجتماع إلى الطريق العام نتمشى ونحن في أطراف المدينة، إلى بساتين الأشجار القريبة نغيب بين أشجارها، إلى حقل من حقول الذرة يمارس بعضنا حريته على أكمل وجه. وحدي أنا لم أكن قد مارست حريتي على أكمل وجه لا أدري لماذا، لكن ظللت طوال سنة وبعض السنة أخرج مع هذا الفتى، أتأبط ذراع ذاك، نتنزه، نتبادل القبل، المعانقات، المداعبات.. ثم نتوقف. جدار كجدار الصوت كان يقف في وجهي فيمنعني من التمادي أكثر. ولربما عرف المسؤول ذلك، فعيناه، وهو يسأل ذلك السؤال، تركزتا علي أخيراً مصدرتين إشعاعات خارقة أحسست أنني لا أستطيع معها الكذب.‏

"أنا"، أجبت بمزيج من فخر واستحياء.‏

وأطلق للتو ضحكة مجلجلة سرعان ما حاكاه بها الآخرون، فتية وفتيات وكأني ارتكبت إثماً عظيماً.‏

".... ماذا؟ أفعلت ما يوجب السخرية؟" استأنفت بشيء من امتعاض.‏

"بالطبع.. أنت تتصرفين كأية فتاة متخلفة، أمية جاهلة".‏

وانتبهت إلى نفسي "اللعنة!! أنا هكذا ولا أدري؟" لكن صوته الحاد، وهو يتابع، قطع علي تفكيري. "وحدهن الجاهلات المتخلفات يحرمن أنفسهن من الحياة الطبيعية المعطاء، من الحرية التي لا تعرف القيود".‏

مضى المسؤول بعبارات بليغة وجمل طنانة يهاجم العقلية المحافظة والموروثات البالية التي كثيراً ما كنا نهاجمها معاً. لكن لم يخطر في بالي يوماً أن بقائي عذراء هو نتيجة لعقلية محافظة ما تزال تعشش في رأسي، لأحمال من الموروثات البالية ما أزال أحملها على كتفي، فخجلت. صدقني، حينذاك شعرت بجبيني يتفصد عرقاً، بوجنتي تلتهبان ناراً وبكل ما في داخلي ينكمش على ما في داخلي متقوقعاً خجلاً واستحياء. "لكن.. رفيق.." بدأت مدفوعة غامضة في الدفاع عن نفسي.‏

"لا تقولي لكن." قاطعني للتو وهو يتابع تساؤلاته.‏

"ترى كيف نكون طليعة؟ كيف نتميز عن القطيع؟ بل كيف تكونين حرة متحررة، ثائرة متقدمة؟" وشعرت في الحال بوخز الضمير، لكنه لم يدع لي فرصة، فقد تابع: "هذه خطيئة فادحة ينبغي أن تخجلي من ارتكابها، أن تعملي على إصلاحها في الحال".‏

"إصلاحها؟ كيف؟" سألت باستغراب وقد فاجأني طرحه.‏

"بسيطة.. تنفذين ما آمرك به"‏

لحظة من الزمن ارتج علي لا أدري ما أقول.‏

"قلت ماذا"؟ سأل المسؤول من جديد وفي صوته حدة الأمر.‏

"كما تريد، رفيق"، قلت وأنا أشعر أنني مسلوبة الإرادة، لا أملك إلا أن أنفذ ما أؤمر به.‏

"هـ.. يـ.. هـ.. يـ.." صاحت أصوات من هنا وهناك لإناث وذكور ثم انفرد صوت أنثى: "هيا.. أسعد! أنت صديقها. إذن، هي ذي مهمتك".‏

"لا" قاطعها المسؤول، "بل هي مهمتي أنا".‏

-معقول؟ أمام الجميع؟ سأل باقر وقد صار كله أعيناً جاحظة وفماً فاغراً حتى الأذنين. لم تجب لورا بالقول بل بهز الرأس.‏

-تجربة غريبة!!! علق باقر. لم أسمع بمثلها من قبل.‏

-صحيح!؟ ألم يحدث شيء كهذا معكم، هناك في العراق؟‏

-أبداً. كنا نلتقي، صحيح. نمارس حريتنا صحيح، لكن بكثير من الخصوصية، بكثير من الاحترام للجنس..‏

-هذا ما كنت أؤمن به دائماً وهذا ما كنت أتوق له دائماً. لكن هذا ما حصل.‏

-وبعد ذلك؟‏

-بعد ذلك، صار يريد استعبادي. ألم يكن فارسي الأول؟ إذن، يجب أن أظل له الفرس دائماً.. يركب، ينزل، ملكاً شخصياً له، بل ربما جارية من جواريه، ليس من حقها إبداء رأي أو اشتراك في حوار.‏

-لكن ما علاقة هذا بالحزب؟‏

-هي ذي المسألة، فالحزب كان يؤمن بالحرية، شتى أشكال الحرية وكان أكثر ما يغيظني أن أفقد أبسط أشكال تلك الحرية: حريتي الشخصية.‏

كانا قد وصلا إلى مفترق طرق: يذهبان باتجاه بيتها أم يذهبان باتجاه بيته.‏

-بل نذهب إلى بيتي اقترحت لورا، هو أقرب وطعامه أطيب.‏

وضحكا معاً وقد أحسا أنهما على مفترق طرق آخر لا يعرفان أي طريق فيه يسلكان.‏

***‏

العراق نفسه كان على مفترق طرق: الموت جوعاً ومرضاً أو نفض الكفن والانبعاث إلى الحياة من جديد. كان الحصار الذي فرضه الأنكلو أمريكان قد أصبح صخرة على الصدر وأنشوطة في العنق وسلاسل في اليدين والرجلين. المواد ندرت، الغذاء شح، الأدوية فقدت، وكيف لا تكون كذلك ومصانع العراق مدمرة والطرق مقطوعة فلا إنتاج في الداخل ولا واردات من الخارج؟ راتب الموظف أربعة دولارات في الشهر وكيف تعيش أسرة بأربعة دولارات؟ القوة الشرائية للدينار سقطت حتى الحضيض والقوة الشرائية هي محرك الاقتصاد فكيف يسير اقتصاد بغير محرك؟ الجمل إذا جاع يرتد إلى مخزونه. سنامه من شحم ولحم فيذيب الشحم ويأخذ حريراته، يعيش بها إلى أن يجد الكلأ والمرعى. في بغداد، البصرة، الموصل، العمارة.. صار الكل إبلاً تأكل سناماتها. هذا خبأ فلساً أبيض ليوم أسود فمد يده إليه وقد جاء اليوم الأسود. تلك لديها أسوارة فمضت تبيعها وتشتري بثمنها خبزاً وتمّناً. ذلك لديه أدوات كهربائية ثمينة يمكنه الاستغناء عنها، تلفزيون، براد، غسالة صار يبيعها الواحدة تلو الأخرى كي يوفر لأولاده القوت. رابع لديه سجادة، مكتبة، بلوريات، لوحات، كل شيء في العراق صار للبيع، السنام وحده هو ما يرجع إليه الجمل ومن السنام وحده يعيش إلى أن يجد القوت. لكنه يهزل، كل يوم يهزل، مع ذوبان الشحم يذوب، حتى غدا العراق بلا سنام، صار هيكلاً عظيماً لا شحم فيه ولا لحم. نفخة هواء توقعه أرضاً بعد أن كان ذلك الطود العالي، حمال حمائل العرب كلهم، وحارس البوابة الشرقية للوطن كله. العالم كله بحاجة لنفط العراق لكن الأنكلو أمريكان يحظرون نفط العراق.. النفط الذي عرفه الناس في بلاد الرافدين منذ فجر التاريخ، يفتح فتحة هنا وفتح هناك ليسيل أسود كالقطران، الغاز الذي ينبثق من هنا، من هناك انبثاقات لا تراها العين لكن يدور لها الرأس، كله ختم عليه الأنكلو أمريكان بخاتمهم، أدخلوه القمقم ثم سدوا عليه كي لا يفيد منها العراق ولا يفيد العالم، وجفت ينابيع الذهب الأسود تلك التي كانت ترفد دجلة والفرات. الحظر، الحصار، المنع، وحدها الكلمات التي بات يتداولها الناس في العراق. كل شيء محظور: الغذاء، الدواء، اللباس، السيارة، الطيارة.. فطائرات الأنكلو أمريكان تصول وتجول راصدة، مراقبة، متدخلة، ضاربة، وتدوي انفجارات القنابل مبعثرة شظايا القتلى والجرحى هنا وهناك. لجان المراقبة والتفتيش تفجر هي الأخرى، لا الأسلحة الكيماوية والجرثومية التي تضع يدها عليها وحسب، بل مواقع الأسلحة، الثكنات، قواعد الصواريخ، بقايا المصانع تلك التي لم تستطع مسحها عن وجه الأرض من قبل.‏

-قد بلغ السيل الزبى؟ فإلى متى؟ راح السؤال يتردد. في بغداد، العمارة، تكريت.. بل في كل مزرعة وقرية من جنوب العراق إلى شماله. إلى متى يستمر هذا الحال؟.‏

-إلى أن تركعوا. جاءهم الجواب من هيئة الإذاعة البريطانية. إلى أن تذعنوا إذعاناً كاملاً لما نريد.‏

-لكن ما الذي تريدون؟ سأل صوت بغداد وهو يعلم جيداً ماذا يريدون.‏

-نريد رأس العراق. نريد تغيير النظام.‏

-لكن هذا تدخل في الشؤون الداخلية لبلد مستقل!!‏

-تدخُّل.. تخرُّج!؟ لا يهم!! ما يهم هو أن نصلح خطأ أجدادنا.. بيرسي كوكس، تشرشل، مكماهون.. أولئك الذين تركوا العراق بلداً شاسعاً يمكنه أن يشكل قوة حقيقية تهدد مصالحنا.. تهدد حلفاءنا. ترى لماذا لم يقطعوا أوصاله كما فعلوا في بلاد الشام، في ساحل الخليج فجعلوا من كل قبيلة دولة؟‏

-هذا أمر فات، وما فات مات.‏

-لا.. لا شيء فات ولا ميتنا يموت. اليوم نصلح الخطأ. خطأ تشرشل لن يستمر. عراق قوي لن يظل. عراق واحد لن يظل.‏

-لكن ما ذنب الأطفال، النساء، الشيوخ، العجز؟ ما ذنب هؤلاء الناس الذين يعذبون ويجوعون.. يعانون ويموتون؟.‏

-ذنبهم في رقبة صدام. هو يتحمل الوزر.‏

-لكن أنتم الذين تفرضون الحصار، فإلى متى؟‏

-إلى أن ينفذ الشروط.‏

-قد نفذت الشروط.‏

-لجان الرقابة والتفتيش تقول غير هذا.‏

-اللجان متحيزة.. كاذبة.. تنفذ أوامر الحاقدين.‏

وبدا الحوار حوار طرشان، لا بغداد تستطيع إقناع لندن وواشنطن ولا هاتان تستطيعان إقناع بغداد. أخيراً نفد صبر بغداد.. يئست من الحوار فخرج طارق عزيز يعلن:‏

-العراق يكف يد رئيس لجنة الرقابة والتفتيش عن العمل. يمنع لجنته من الرقابة والتفتيش. ووقف العالم مذهولاً. كيف يتجرأ طارق عزيز؟ لماذا فعل العراق ذلك؟ ولم يكن العالم يعلم أن اليأس هو الذي دفع العراق، واليأس يفعل أي شيء، يدفع باليائس إلى حد الانتحار.‏

فجأة اعتكر الماء في بحيرة العالم واضطرب. الحجر الذي ألقاه طارق عزيز، خبط ماء البحيرة، صنع دوائر دوائر اصطدمت بشطآن العالم كله. واختلفت ردود العالم. بعضها مؤيد، بعضها معارض، بعضها مشفق، بعضها لائم. لكن السكون الذي كان يلف العالم تحطم، السكوت الذي ضرب أطنابه سنين ستاً على مأساة شعب يموت كل يوم ألف ميتة ذهب مع الريح. حل محله كلام. أصوات ارتفعت من الصين، اليمن، روسيا، الجزائر، السودان، الباكستان، بل حتى فرنسا التي تراجع ذات يوم "ميترانها" عن مناصرة الحق، أملاً في أخذ حصته من "الطرطة"، وقفت تذكر بحقوق الإنسان وضرورة حماية حقوق الإنسان، فكيف بحقوق شعب كامل لا يقل عن اثنين وعشرين مليون إنسان؟. أصوات أخرى ارتفعت تردد بانبهار وتعجب ما كانت بغداد تردده منذ سنين: الكيل بمكيالين. "حقاً"؟ كيف يكيل الأنكلو أمريكان بمكيالين؟ هم يطلبون من العراق تنفيذ أتفه قرارات الأمم المتحدة، بل يوقفون حياته كلها على ذلك التنفيذ، فيما يربتون كتف إسرائيل وهي تنتهك أخطر قرارات الأمم المتحدة؟ يا للعجب!! عين الرضا عين كليلة والأنكلو أمريكان راضون عن إسرائيل. تسرح وتمرح.. تفعل ما تشاء، ضاربة عرض الحائط بكل شرائع الأرض. بكل قوانين الحضارة. "ماعليش. عرف الحبيب مكانه فتدللا.‏

أليس كذلك يا غسبار واينبرغر"؟ غسبار واينبرغر يجيب بكل وقاحة الكاوبوي وصفاقته: "وماذا إذن؟ تريدوننا أن نعامل خصومنا كما نعامل أصدقاءنا؟ أعداءنا مثل حلفائنا؟ بالطبع نحن نكيل بمكيالين: للأصدقاء مكيال وللأعداء مكيال، ومن لا يعجبه ذلك ليذهب فيشرب ماء البحر الميت".‏

لكن لا أحداً يذهب إلى البحر الميت ليشرب ماءه. هم يعلمون إنه ملح أجاج يقتل الكائنات الحية كلها، فلا سمك يعيش فيه ولا عوالق. في الوقت نفسه لا يقتنعون. وتظل دوائر الماء التي أحدثها حجر العراق تتحرك وتضطرب لاطمة صادمة.‏

-حق الحياة أهم حقوق الإنسان، فكيف نحرم منه شعباً بكامله؟.‏

-الجزاء من جنس العمل، وإذا كان العراق أخطأ، فإن خطأه أتفه من أن يكون جزاءه الإعدام.‏

-أيها الأنكلو أمريكان.. أشفقوا على الإنسان!!‏

-الرحمة الرحمة يا من قدت قلوبكم من صوان!!‏

-ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء!!‏

تتعالى الأصوات وتشتد الجلبة في كل مكان من العالم، ومن كل مكان في العراق سهوله، جباله، مدنه، قراه، يصيح السياب دامع العينين مخنوق الأنفاس، مجرح الصوت:‏

الأقّة صاحَ القصابُ‏

من هذا اللحم بفلسين‏

اقطع من لحم النهدين‏

اللحم لنا والأثواب‏

ستكون لمسح السكين‏

الصوت ينداح، داخل العراق، خارج العراق فترتعش أوصال العالم، يرتجف قصبة في مهب ريح ثم يحبس أنفاسه وهو يرقب أزمة جديدة يهدد فيها الأنكلو أمريكان بضرب بغداد، بتدمير العراق.. لكن الأصوات الأخرى، وقد حركها عذاب الضمير حتى درجة الانفجار، انفجرت فجأة في مجلس الأمن مطالبة ببعض الإنصاف.. ببعض الحق يقدمونه لشعب ألقي طوال سنوات ست عجاف في فوهة الجحيم والكل يتفرجون عليه، بعضهم يفركون أيديهم فرحاً وأكثرهم صامت كاظم لا يستطيع حتى أن يفرك يديه.‏

في مجلس الأمن معركة. ليست بالصواريخ والدبابات، القنابل الجرثومية والكيميائية، بل بالكلام والحجة. وللمرة الأولى يضطر الأنكلو أمريكان، مذ نصبوا فخاخهم لصدام، دافعين به إلى الهاوية، لأن يتراجعوا أمام صدام.‏

الاحتجاجات كاسحة من كل مكان في العالم. أفراد، دول، جمعيات، منظمات، كلها تحتج، تصرخ. الثعلب البريطاني يراوغ، يحس بغريزته الماكرة أن الرياح لا تجري كما تشتهي سفينته. فهل يتابع الإبحار أم يوقف السفينة؟ كانت مارغريت تاتشر، بكل ما في صدرها من غل أسود، قد ولت، وكان جون ميجر تلميذها وتابعها قد ولى هو الآخر. فيما نبق شاب من غامض علم الله يزعم أنه مع العمال والكادحين فاستلم دفة القيادة. رأى الموج يتعاظم من حوله والرياح تعصف، فآثر أن يحيد بالسفينة، أن يلطأ في مرسى من المراسي حانياً رأسه للعاصفة كيلا تقتلعه.‏

في المرسى التقى بكلنتون. همس في أذنه شيئاً. هز كلاهما رأسه بالموافقة، بعدئذ صدر قرار الأمم المتحدة: النفط مقابل الغذاء.‏

زغاريد النساء ملء العراق، هتافات الرجال، صيحات الأطفال وكلهم فرحون يهزجون. "ها هي ذي الأنشوطة تنحل قليلاً. عقدة من عقدها تنفك. قد أجدى اليأس نفعاً. حجرك يا طارق عزيز أصاب مرماه، فافرح يا شعب!! ألف مليون دولار ستأتيك عائدات نفط!! سيأخذون منه تعويضات خسائر الحرب؟ لا بأس. الصنبور مفتوح والخزان مليء.. أرضك يا عراق تقوم على بحر من النفط، أنت ثاني احتياطي في العالم فلماذا تخاف؟ يحسمون حصة الكويت، حصة الأمم المتحدة؟ لا بأس.. أنت لك حصة الأسد. لن يكون بعد اليوم جوع. لن يقطع القصاب بعد اليوم من لحم النهدين ليبيعه بفلسين.. الكوة تنفتح وشعاع الأمل يطل منها، أنفاس الحياة تتسرب فلا تخف يا عراق"!! كان محسن يخاطب تراب العراق، نخيل العراق، دجلة العراق وهو عائد بسيارته إلى بيته. الفرح ملء صدره ينفخه حتى ليشعر وكأنما صنع له أجنحة يستطيع بها الطيران. لكن ما إن دخل منزله حتى تسمر عند العتبة مصدوماً خائباً. كان نشيج رقية في غرفة القعود يرتفع، وصوت فاطمة المهدئ ينخفض، وكأنما يئست من أن تستطيع التهدئة.‏

-رقية!! هتف محسن بها مسرعاً إليها. ماذا هناك؟‏

-ابني يموت. حرارته اثنتان وأربعون. ردت وهي تشير إلى طفل لم يكمل عامه الأول ملقى على الديوان.‏

-لماذا لم تتصلوا بي؟ سأل زوجته أكثر مما سأل رقية.‏

-اتصلنا بك، فلم نجدك. ردت فاطمة وفي نبرة صوتها لوم.‏

-خير!! خير!! ماكو غير الخير!! قومي رقية. قومي نأخذه إلى المستشفى.‏

وقامت رقية. حملت ابنها وأسرعت، فيما مشت فاطمة تودعهما حتى العتبة. بعين دامعة وقلب تقطعت نياطه ودعتهما. قلبها، حبها كله لرقية. هما مذ كانتا طفلتين في العمارة تعلقت واحدتهما بالأخرى. سنة وبعض السنة كانت تفصل بينهما، سنتيمترات أو ثلاثة كانت فاطمة تزيد رقية طولاً، لكن لا العمر ولا الطول كانا يظهران فتبدوان توءمين متماثلين في كل شيء. الملابس نفسها، تسريحة الشعر نفسها، الأحذية نفسها فمن يستطيع تفريقهما؟ في الدروب نفسها درجتا، في المدارس ذاتها تعلمتا، كتباً واحدة قرأتا.. فقط جاء الزوج الأول، محسن، فأخذ فاطمة. ثم جاء الزوج الثاني رئبال، فأخذ رقية. سنتين أو ثلاثاً ثم عادتا لتجتمعا. بغداد جمعتهما لتظلا توءمين، يداً واحدة دائماً، قلباً واحداً دائماً.‏

تفرحان معاً. تتقاسمان اللقمة الواحدة معاً. الحصار.. الحظر.. المنع.. كله لم تشعر به فاطمة ورقية. كان زوجاهما من الصفوة –والصفوة لا تجوع. لها ميزات دائماً، وإلا لماذا هي الصفوة؟ اللحم، السمك، السمن، التمن، الخضار، الفواكه، كلها كانت تصل إلى بيت محسن، كما تصل إلى بيت رئبال وكان كل شيء على ما يرام، إلى أن أفاق رئبال ذات يوم، فإذا الأرض تنخسف تحت قدميه.‏

كان ذلك قبل ستة أشهر، وكان الهزيع الأخير من الليل. رئبال نائم في فراشه. رنين الجرس يفتح عينيه باسترخاء، لكن قرعات الباب بقبضات كالمطارق جعلت عينيه تجحظان وكل ما فيه يتشنج. "من؟" "افتح.. أمن" واصطكت ركبتا رئبال، فيما سرت قشعريرة في جسد رقية، وهي تلبس مئزرها، تلطأ خلف الباب المجاور، تسترق النظر والسمع، فتح رئبال فاندفعت إليه أفراس بحر مشافر كل منها بحجم الرحى وشواربها كشوارب الفقم. "هيا معنا" "إلى أين؟" "تعرف فيما بعد" "ألبس ثيابي" "لا حاجة بك للثياب. منامتك تكفيك" وسحبوا الضيغم الرئبال وكأنه فأر دون حتى أن يستطيع توديع فأرته. "اتركوه!! ماذا تريدون منه؟ حرام عليكم" صاحت فأرته خلفه، وهم يجرجرونه نازلين به السلم، لكن أحداً لم يسمعها.. ومنذ تلك اللحظة ما من أحد سمعها. يوسف غيبه الجب وعلى يد من؟ أخوته. "ايه أيها الأخوة، ماذا فعلتم بأخيكم يوسف؟ هو البريء الذي لم يرتكب ذنباً، كيف ترمونه في الجب؟ ولماذا؟ غيرة؟ حسد؟ لا.. يا أخوة يوسف ما كان يليق بكم أن تفعلوا بأخيكم ذلك"؟ لكن أحداً لا يسمع نجواها. هي تبكي، تعول، ومن جديد لا أحد يسمعها. المنافقون الذين كانوا يأتون إلى رئبال يمسحون له الجوخ، يكيلون له قصائد المديح، كلهم انفضوا عنها، الوصوليون الذين كانوا يتمرغون عند قدميه كي يقول في حقهم كلمة، يجر عليهم منفعة. هم أيضاً اختفوا، ذباباً جاءته موجة صقيع.‏

وحده محسن وقف إلى جانبها. اتصلت به فأسرع إليها، ومعه فاطمة، يحوقلان ويتعوذان من الشيطان، فكلاهما يعلم أنه لا محسن ولا غير محسن يستطيع التدخل. الكل إزاء "الأمن" عاجز لا حول له ولا طول، فكيف إذا كان إزاء القائد نفسه؟‏

قبل أشهر كان رئبال قد سرب نتفاً من أخبار عن خلاف ما بين معلمه والقائد. حسين كامل صهره، زوجته ابنته، أبناؤه أحفاده. إذن لم لا تكون له دالة على القائد؟ لم لا يكون المدلل لديه؟ واعتاد حسين أن يفرش جناحيه دائماً ويطير حيث يشاء، يخطط، ينفذ، يأمر، ينهى، كلمته لا تصير اثنتين وغدا شيئاً فشيئاً أشبه بنجم ساطع يخطف الأبصار. يوسف كان، هو الآخر، نجماً ساطعاً يخطف الأبصار. فأوغرت صدور.. وأثيرت غيرة وأحقاد. الشمس لا ترضى أن يكون في السماء كلها سواها، لتكسف الكواكب كلها.. تمسح النجوم الأخرى، وتبقى وحدها الساطعة المشعة التي تنشد إليها الأنظار. صدام يرضى أن يكون حسين كامل زحلاً، مريخاً، مشترياً... يدور في فلكه ويستمد منه ضياءه، لكن أن يكون شمساً مثله؟ لا. وبدأت شمس بغداد تبعث بسحائب أشعتها إلى الشمس الأخرى، وبدأت تقصفها خفية بنثار صخورها، بغمائم غبارها. أحست الشمس الجديدة بما يحدث، فأدركت أن انفجاراً نووياً آتٍ قريباً، انفجاراً قد يمسحها من كل الكون.‏

ولكي لا تمسح، قررت الهرب إلى فلك آخر وسماء أخرى وأفاقت بغداد على خبر صاعق "حسين كامل يفر من بغداد ليس بمفرده بل مع أخيه". بغداد تعلم أن الأخوين عديلان، كلاهما صهر القائد، وكلاهما يسرى ويمنى القائد. لكن ثمة خطر الموت والمرء يهرب من خطر الموت. وقع الصاعقة وقع النبأ على بغداد.. على القيادة.. على القائد. جملاً هائجاً صار. رغاء وزبداً صنع. صياحاً وصراخاً أطلق. لكن ما الجدوى؟ فالأخوان كامل كانا قد أحكما الخطة وأتقنا التنفيذ.‏

"ائتوا بكل من يلف لفهما"، صدرت أوامر القائد المطاع الذي فاق الحجاج صولة والرشيد جولة، والذي لا يجرؤ ابن أنثى أن يرفع في وجهه وجهاً أو في حضرته صوتاً، وكان رئبال أول من يلف لفهما. هو أمين سر الوزير، موضع ثقة "المعلم" الذي كان ذات يوم عبقري بغداد وصاحب الدالة، كلمته لا تصير اثنتين، أمره لا يرد أبداً.‏

"لكن ما ذنبي؟" قال لهم وهو يحمي رأسه من وابل كوابل البَرد لكمات وصفعات. "أنت تعلم بهربه". "كيف أعلم والقائد نفسه.. حموه نفسه لا يعلم"‏

"تتطاول على القائد؟ تأتي بلسانك على ذكره؟" وانزل يا وابل البرد من جديد لكمات، صفعات، رفسات تركت جسد رئبال كله كدمات زرقاء وأخاديد حمراء.‏

"ما الذي فعله؟ كل ما أود معرفته هو ما فعله رئبال؟" كانت رقية لا تفتأ تسأل: فاطمة، عبد المحسن، نفسها، الجدران، الأبواب.. لكن أحداً لم يكن يعلم ما الذي فعل الزوج. أفراس البحر عندما تنقض لا تقول شيئاً. هي تنقض وحسب. وليس هناك من يمكن سؤاله. عبد المحسن يعلم ذلك. حتى لو سأل عنه، لا أحد يجيب. ظنهم أول الأمر اتجه نحو ذنب ارتكبه رئبال: رشوة.. كلمة تنال من النظام.. انتقاد للقائد. لكن رقية أكدت أن الرشوة لم تدخل بيتهم قط، كلمة لم ينطق ضد النظام، ثم إن إعجابه بالقائد الملهم لا حدود له فكيف ينتقده؟ عبد المحسن تأكد أيضاً من ذلك. "إذن.. لماذا يعتقل رئبال؟" كان عبد المحسن نفسه يتساءل لكن سرعان ما جاء الجواب مع انتشار أخبار الفرار. "لا بد أنه قال لك.؟ شممت رائحة مخططاته"؟ سأله ضابط التحقيق الهمام وقد شمر عن ساعديه لكي يري رئبالاً كم عليهما من شعر، وكم سمرتهما الرياضة تحت الشمس. "أقسم لك، سيدي.. لم يقل لي ولم أشم أية رائحة!!" "كم سرق من الوزارة؟ كم نهب من الأموال؟" "أيضاً لا علم لي ولا خبر.. أقسم لك، سيدي!" "كاذب. أنت كاذب نصاب. التقارير تقول إنه كان يعتمد عليك كل الاعتماد" وانهمر وابل من البرد من جديد على رأس رئبال، كتفيه، ظهره، وهو بلا مظلة. البرد موجع. حباته كبيرة ضخمة يبلغ وزن واحدتها خمسين.. ستين كيلو غراماً. رئبال لا يدري تماماً لكنه يشعر بها ثقيلة موجعة تصيب وجنته فتدميها، كتفه فيزرق. "الله!! ما أقسى الإنسان على أخيه الإنسان!! أتراها الوحوش أكثر وحشية؟"‏

لكن شفتي رئبال لا تندان عن شيء سوى الآهات، ثم تأتي لحظة من الزمن تغيب فيها حتى الآهات وقد غاب صاحبها عن الوعي.‏

شبه غائبة عن الوعي باتت رقية، تمشي كأنها نائمة، تحكي كأنها شاردة، وتحضر كأنها غائبة، ماله الرجل يفعل بالمرأة هكذا؟ يغيب عنها فتصبح رحى بلا قطب.. بيتاً بغير سقف؟ "يا إلهي!! أنا ضائعة فاطمة.. أنا تائهة في بيداء وكل ما حولي كثبان وسراب.. كثبان وسراب". وتعمل فاطمة على تهدئتها، تهدهدها كالطفلة الصغيرة. الضربة الموجعة جاءت فجأة وعلى أم الرأس فكيف لا تضيع رقية؟ كيف لا تصبح بلا وعي؟ لو كانت تعلم ما يخطط له حسين كامل، إذن لأعدت للأمر عدته، لكن أحداً لم يكن يعلم. كانت هي ورئبال يتربعان على قمة جبل، وعلى حين غرة جاءتهما دفعة، فإذا هما يتدحرجان على السفح، يهويان إلى القاع. هي تعلم أرضها. لكن من يعلم أراضيه هو؟ مجرد السؤال عنه حرام.‏

محسن يريد أن يسأل عنه لكنه لا يجرؤ. النقمة عارمة على حسين كامل، الغادر الخائن، على كل من له صلة به فمن يجرؤ على السؤال عن رئبال؟‏

حسين كامل صار في عمان. أخوه معه أيضاً.. زوجتاهما.. أولادهما كلهم صاروا هناك في أمان وسلام. كيف رتبوا كل شيء؟ لا بد أن الرجل عبقري كي يفلت وهو بين أنياب الضرغام. لا بد إنه يملك قوة السحرة كي يضرب بعصاه بحر العراق الزاخر، فينشق ليعبره، كما عبر موسى البحر، وهو فار من فرعون وجلاوذته.. فرعون العراق بكل ما يملك من كلاب بوليسية وأجهزة الكترونية.. عيون رصد وآذان تنصت، وعلى نحو لم يعرفه فرعون مصر قط.‏

في الأردن راح حسين كامل يطلق التصريحات.. يجري المقابلات، يفند مزاعم القائد الملهم ويتهم حجاج بغداد. "الطاغية المستبد يريدنا أن نعبده كما يعبد الله. كل العراق في خدمة واحد أحد فرد صمد والفرد الصمد في خدمة نفسه".‏

"ويطير صواب القائد الملهم!! يسمع تصريحات حسين كامل وينط دون أن يحط.‏

"هاتوه. بأي شكل هاتوه، اقتلوا أولاده، دمروا عمان على رأسه". لكن أحداً لا يستطيع الإتيان به، أو قتل أولاده، أحداً لا يستطيع تدمير عمان وعمان أمنع من عقاب. هي تعلم مذ جاءها فذ الأفذاذ، أن الأفذاذ الآخرين سيلاحقونه ولا بد.. سيدمرونها على رأسه ولا بد، مع ذلك فتحت له أحضانها. الكرم العربي.. حسن الضيافة العربية لا تسمح لمليكها المعظم إلا أن يفعل ذلك. أليس هو في أرومة الكرم ذاتها؟ من ذؤابة قريش وهاشم؟ إذن، لا بد من أن يستقبله حتى ولو كان في ذلك خطر تدمير عمان. وارن كريستوفر وثب فرحاً وهو يسمع النبأ الصاعقة. كلينتون نفسه طيّر قبضتين في الهواء وأرسل صرختين في التلفاز "هورا.. هورا" وهو يسمع النبأ- الصاعقة، فكيف لا تستقبله عمان؟‏

لكن كي لا تدمَّر، وكي لا يقتل الضيف المستجير بها، سارعت عمان تقيم متاريس من رجال، وحصوناً من فولاذ لحماية عبقري بغداد، وقد فر بأخبار بغداد، أسرار بغداد، يقدمها لكلينتون فيهتف كلينتون بفرح الأطفال "قد وقعت يا صدام!! ذراعك اليمنى تخلت عنك... حملت إ لي كل ما يدينك: سجن الأبرياء، تصفية الأعداء، مخططات العدوان، صنع الجراثيم القاتلة، إخفاء القذائف المدمرة.. الصواريخ، البيوكيمياء، الذرة.. كلها سيكشفها لي صهرك.. عبقري بغداد"‏

وفي بغداد، كان حموه يتمزق. "حتى أنت يا بروتوس" كان يصيح وهو يرغي ويزبد "أنت يا من وضعتك في عب اللحم.. يا من زوجتك ابنتي.. أمنتك على نفسي.. هكذا تغدر بي؟ بأرخص الأثمان تبيعني؟" وشدد القائد النكير على الصهر الهارب.. على أهله.. أقاربه.. فكيف لا يشدد على رئبال؟‏

أشهراُ ثلاثة ظل رئبال يتنقل بين "السيلون" البارد الرطب وغرفة التحقيق المرعبة بكل ما فيها من عجلات ودواليب، سياط وأسلاك.. يجد فيها المرء كل ما لذ وطاب، "رباه!! لماذا تدخلنا التجربة ونحن لا إثم ولا جريرة؟ ألكي تعلم مقدار إيماننا بك؟ صبرنا وتحملنا؟ لكننا نؤمن بك يا رب!! أنت الواحد الأحد الفرد الصمد.. نصبر كما يصبر أيوب، نتحمل كما لم يتحمل.. فخفف عنا الوطء يا رب!!".‏

طوال تسعين يوماً، ظلت شفتا رئبال تطلقان الدعوات آناء الليل وأطراف النهار. بعد ذلك، استجاب الرب سبحانه. لعله طول المسافة بين الأرض والسماء.. لعلها الأبواب الفولاذية المصمتة التي لا يخترقها حتى الرصاص والتي كان عليها أن تعبرها. لعل... ولعل.. لكن بعد تسعين يوماً بالتمام والكمال توقفت رحلة العذاب. منهكاً غدا رئبال، محطماً، ضعيفاً، سقيماً صار، حتى ليثير شفقة الجلاوذة أنفسهم. رئبال رأى مثل تلك الشفقة في عيني أحدهم. كانوا ما انفكوا يسألونه. يريدون أية معلومات عن حسين.. عن ارتكاباته.. عن آثام يمكن أن يلاحقوه بها، لكن "المعلم"، عمره لم يخطئ أمام رئبال.. لم يبح بسر.. لم يقم بشين، فماذا يقول عنه رئبال؟ "اكتبوا ما تريدون عنه، أوقع لكم. اتهموه بما تشاؤوم أصادق لكم. فقط أريحوني. لم أعد أتحمل. أنا على شفا الموت. صدقوني. أنا أموت.. أموت." ولكي لا يموت فقط أوقفوا تعذيبه.‏

لكن تعذيب رقية لم يتوقف. لديها أربعة أولاد، أكبرهم في العاشرة، الأصغر ابن عام وهي بلا رجل. بيت بلا سقف. مكشوفة للريح.. للبرد.. للمطر.. بل تشعر أحياناً أنها أكثر من مكشوفة. هي عارية.. بلا ستر.. عرضة للأعين، للسهام، للحراب وتطير إلى فاطمة.. إلى محسن. "أرجوك. ابحث لي عن رئبال. اسأل عنه، اعرف ما حل به. أهو حي؟ ميت؟" لكن عبد المحسن ليس بحاجة إلى رقية ترجوه أو تتوسل إليه. رئبال أكثر من أخ، هو رفيقه.. صديقه.. فكيف لا يسأل عنه؟‏

في نهاية الشهر الرابع فقط، عرف بعض الجواب، فهرع إلى رقية يخبرها "اطمئني هو حي يرزق" "أخرج لي أياه. توسط من أجله. أرجوك. أبوس يدك". واحتجت فاطمة "لا.. رقية! محسن نشمة، صاحب نخوة، فلماذا بوس الأيادي؟" وتابع محسن. بهدوء، بحذر، بذكاء تابع جهوده. كلمة هنا.. لقاء هناك. هو رجل ذو أهمية.. ذو مكانة وكلمة. أليس ضابطاً في الحرس الجمهوري؟ ألم يحصل على وسام البطولة؟ وأكثر من هذا وذاك أليس هو الآن في قلب القصر؟ صحيح، أن أحداً لا يعلم ما يفعل، أحداً لا يعرف وظيفته بالتحديد، لكنهم على يقين أنه موضع ثقة. يدخل القصر متى يشاء. يخرج متى يشاء. تحت تصرفه سيارات.. حرس.. مرافقون.. إذن. بإمكانه أن يتكلم. لكن من تراه يسمع له؟‏

بعد ستة أشهر فقط، وجد محسن من يسمع له. "سأحاول، أعدك، سأبذل قصارى جهدي لإطلاق سراحه". وعده رأس الأمن الكبير بعينه الكبيرتين وأنفه الكبير وكل شيء فيه كبير. شكره محسن لكن دون أن ينقل ذلك لرقية.. دون أن يخبر حتى فاطمة، فمن يدري؟ قد تبوء المحاولة بالفشل ويظل رئبال رهن الأغلال؟‏

ابن رئبال مصاب بالتفوئيد. رقية لا تدري من أين جاءت تلك اللعينة التفوئيد. لعلها الأوساخ.. الخضار الملوثة.. من يدري؟ الطبيب زرقه إبرة، أعطاه شيئاً ما، لكنه شكا "أدوية التيفوئيد مفقودة. ربما تفيد هذه"، وقدم لمحسن علبة قرأ عليها كلمة أسبرين، فلم يملك إلا أن يهز رأسه زافراً زفرة الحرقة والحسرة.‏

"أدخلوه المستشفى. خلوه عندكم"، طالبت رقية الطبيب، فقد كانت تعلم أن حمى التيفوئيد تعدي، وكانت أحرص ما تكون على أن تبعد العدوى عن أطفالها الآخرين.‏

"لا شواغر في المستشفى"، أجاب الطبيب وهو يتنهد، كأنما يحمل على ظهره صخرة سيزيف، ففي المستشفى أطفال بلا أسرة ومرضى بلا أدوية، وهو بكل ما في قلبه من رحمة يرى ويلات الإنسان، أوجاع الموجعين ولا يملك لها دفعاً.‏

بكثير من الخيبة حملت الأم ابنها وسار بهما محسن إلى السيارة.‏

لم تكن حرارة الطفل قد خفت، ولم تكن عيناه قد انفتحتا، مع ذلك كان عليهما أن يعيداه إلى البيت فليس في بغداد أدوية وليس في مستشفياتها شواغر.‏

-من؟ رئبال؟ صاح محسن وهو يصعد الدرج سابقاً رقية. هناك، قرب الباب، وكان يتكوم رجل شعره أشعث، وجهه أسود، ثيابه أسمال، رجل خيل لمحسن أنه رئبال.‏

-معقول؟ لا.. ما هذا برئبال. صاحت رقية وهي تقف إلى جانبه تتفحص الرجل المتكوم وقد طوق ركبتيه بذراعيه ووضع رأسه بين خديه.‏

-بل أنا رئبال. رد الرجل المتكوم قرب الباب بصوت مخنوق مجروح كأنما مر على شفرات سيوف.‏

-حمداً على سلامتك، هتف محسن وهو ينحني عليه، يرفعه بين يديه ويحضنه، فيما بدأت رقية تتلمسه شبه مولولة:‏

-يا ويل ويلي!! يا رئبال!! ماذا عملوا بك؟‏

ثم انقضت عليه بيدها الفارغة تشده إلى صدرها وتلثمه هنا وهناك.‏

-حمداً على سلامتك!! حمداً على سلامتك!!‏

هاتي المفتاح، ندخل. صاح بها محسن وهي ما تزال بيدها الفارغة تتلمسه، تحضنه، تلثمه ولا تشبع منه، فيما اليد الأخرى تحمل الطفل الغارق في حمى التيفوئيد. فتح محسن الباب ثم سار برئبال يسنده من جهة ورقية من جهة، فالرجل أضعف من أن يسير على قدميه. مع ذلك تنفس محسن الصعداء. هو، مذ دخل رئبال السجن، أحس بأن أنفاسه تنكتم. صخرة هائلة تحط على صدره مانعة عنه حتى الهواء. محسن يعلم ما معنى السجن.. يعلم ما معنى أن يقع المرء في يد الأمن وأجهزته. خوف شديد تملكه منذ اللحظة الأولى، هم كبير سكن فؤاده، فقد كان عليه أن يعيل أسرة رئبال، أن يوفر لها الغذاء في وقت شح فيه الغذاء، اللباس في وقت لم يعد فيه وفرة من لباس. كان عليه أن يحمل عبئاً جديداً كبيراً وكان هناك الخوف من أن تطوله هو نفسه الشكوك.‏

-إي رئبال!! تكلم. كيف حالك؟ سأله أخيراً وقد أجلسه.‏

-حالي!؟ ردد بصوته الضعيف المخنوق. ثم فجأة بدأ ينشد: من هوى نجمه فكيف يكون؟ وانهمرت دموع من عينيه، جعلت قلب رقية ينفطر. رئبال القوي يضعف؟ الصلب يصبح هشاً؟.‏

-لا.. لا تتكلم. استرح، عقبت وهي تمسد خديه، تمسح بكلتا راحتيها دموع عينيه، فقد تخلصت أخيراً من حمل طفلها.‏

-ما به.. مجيد؟ سأل رئبال وهو ينظر إلى اللفافة البشرية وقد ركنت على الديوان الآخر.‏

-مجيد!؟ لا.. لا شيء.. أجابته رقية، وهي تحاول إشغاله بشيء آخر. قل لي. أين كنت؟ كيف خرجت؟ متى؟‏

-مهلاً عليه!! مهلاً عليه!! أجاب محسن قبل أن يفتح رئبال فمه، فقد أشفق على الرجل الذي كان قد أحاله السجن إلى شبه رجل.‏

-صحيح، ما أغباني!! ما أقل ذوقي!! راحت توبخ نفسها وهي تتفحص رجلها الذي بدا وكأنه شبه رجل. كان كل شيء قد حدث فجأة وعلى عجل: فتح باب الزنزانة، إنهاض الحارس له.. عصب عينيه.. دفعه إلى حيث لا يدري.. ركوبه السيارة، انطلاقها به. إنزاله على الرصيف.. رفع العصابة عن عينيه، كل ذلك حدث على عجل.. حتى الأمر الأخير أطلقه الضابط على عجل: "لم تكن لدينا. لا نعرف عنك شيئاً، مفهوم؟".‏

وعلى عجل أيضاً، هز رئبال رأسه "مفهوم"، وللتو مضى الضابط على عجل. بعدئذ سار كل شيء على مهل.. تلفته حوله.. عبه شهيقاً طويلاً من هواء بغداد.. صعوده الدرج.. رنه للجرس ثم تكومه قرب الباب، ملء صدره الخوف واليأس. "ما الذي حل بعدي؟ هل أخذوا الأسرة كلها إلى السجن؟ هل اكتسحهم كلهم طاعون فلم يبقِ ولم يذر؟" ووجد نفسه مكتوماً خائفاً، لا يدري ما يفعل.‏

-أكيد. هو جائع. تدخل محسن وهو ينتقل بناظريه بين رئبال ورقية وكلاهما ينظر إلى الآخر، متحيراً، متلجلجاً، لا يدري ما يقول أو يفعل.‏

-أوه!! تباً لي!! هتفت رقية في الحال وهي تهب ملء طولها. أنت جائع؟,. أليس كذلك؟‏

-جائع حتى الموت. رد بصوته الضعيف وهو يحاول اغتصاب ابتسامة.‏

أجل. أنا أعلم الآن ما يعني الجوع؟ كيف يمكن للمرء أن يموت جوعاً في الصومال؟ في الحبشة؟‏

-حالاً!! حالاً!! سآتي لك بالطعام، وأسرعت رقية إلى المطبخ.. هدهداً أرسله سليمان إلى بلقيس.‏

-عذبوك كثيراً؟ سأله محسن بنبرة الهمس، كأنما لا يريد لصوته أن يصل إلى الحيطان، تلك التي قد تكون لها آذان.‏

-لا.. لا تسأل عن العذاب. لا تذكرني بشيء.‏

-بيدك حق. أنت بحاجة لأن تنسى.‏

-أنت حكيت بشأني؟‏

-لا.. أنا لم أفعل شيئاً.‏

-بل فعلت. توسطت وحكيت، أنا أعلم. لولاك لم أخرج قط. لكن مع من حكيت؟‏

-لا يهم.. المهم، خرجت. انسَ كل شيء.. لا تتكلم بشيء.. كيلا تخسر مستقبلك.‏

-أجل. المستقبل هو المهم. مستقبلي.. مستقبل أولادي.‏

-أحسنت رئبال. وكن على ثقة. المياه يمكن أن تعود إلى مجاريها. كل شيء يمكن إصلاحه.‏

-افتح فمك. هتفت رقية وقد عادت من المطبخ، بيدها اليسرى صحن وباليمنى لقمة أعدتها من قبل. أنت نصف رئبال. ويل.. ويلهم.. ما كانوا يطعمونك يا ترى؟‏

لكن لم يكن باستطاعة رئبال أن يجيب فقد كانت اللقمة تملأ فمه وكان قد شرع يمضغ بسرعة واستمتاع.‏

-أجل.. رئبال. كل.. كل. حثه عبد المحسن وهو ينهض. لا تتكلم. فقد استرح. أما أنا فسأذهب الآن.‏

-لا، دعك هنا، صاح رئبال من بين فتات طعامه.‏

-بل سأتركك تستريح، وفي المساء أعود.‏

محسن على حق. رئبال بحاجة إلى الطعام.. بحاجة للراحة.. ثيابه المتسخة، شعره الأشعث الطويل. ذقنه النامية كإبر القنفذ، رائحته التي تزكم الأنف، كلها كانت بحاجة إلى علاج وبدأت رقية العلاج. حمت الحمام، قادته كالطفل، نزعت ثيابه، أنزلته في الحوض الممتلئ ماء ساخناً ثم بدأت تغسل.. تدلك، ترغي الصابون.. تفرك.. فارسة في ساحة الوغى. رئبال هيكل عظمي بين يديها، تنظر إليه فيمتلئ قلبها حزناً، تمتلئ عيناها دموعاً "يا إلهي!! أين عضلاته المفتولة؟ أين صدره العامر؟ بطنه، فخذاه.." بين يديها الرجل يثير الشفقة. عظمتا وجنتيه بارزتان. صدره قفص من أضلاع، بطنه ملتصق بظهره حتى لكأنه لم يعرف طعاماً قط.. بل حتى ذاك الذي بين فخذيه لم يكن أكثر من زائدة دودية تكاد لا تراها العين. "ماذا فعلوا به هو الآخر؟" عيناها لم تستطيعا إلا أن تختلسا النظر إليه، هو الذي استولدها أربعة أطفال وأطعمها اللذائذ أصنافاً شتى. أكثر من شيء كان يدفعها لأن تطمئن عليه، هو الذي كان هاجسها طوال غيابه. في النهار كانت تنسى.. تنشغل بالبيت، بالأولاد، لكن ما إن يأتي الليل وتسلم نفسها للمضجع حتى يهزها إليه المضجع، تتذكره فارساً يعدو بها في حلبة سباق. تتذكر نفسها فارسة تمتطي حصان المتعة وتجري.. تجري.. حتى لتشعر أنه يطير بها عالياً، يحلق بعيداً في السماء. لكن ها هو ذا بين يديها الآن. زائدة دودية لا يحركها شيء. لا دفء الحمام.. لا حرارة الماء.. ولا حتى لمسات الأنامل. فلا تملك رقية إلا أن تندبه باكية:‏

-قتلوك!! المجرمون!! السفلة!! قتلوك!؟‏

-لا.. لا تقولي ذلك. أرجوك.‏

-أنت خائف!؟‏

-أنا أموت خوفاً، فلا تزيدي الطين بلة أرجوك!!‏

-ماذا فعلوا بك؟ قل لي. عذبوك؟ ضربوك؟ وصلوه بالكهرباء!؟‏

أفصحت أخيراً وهي تشير إلى ما بين فخذيه.‏

-لا. لا.. لم يصلوه بالكهرباء. صحيح، عذبوني.. ضربوني، لكن. هو.. لا. لم يصلوه بكهرباء.. لم يحدث شيء. وأطلقت رقية زفرة.‏

-الحمد لله!! خفت أن يكون المجرمون.. السفلة..‏

-لا.. لا. قاطعها رئبال وقد استرد بعض أنفاسه. لا تأتي على ذكرهم أبداً.. أرجوك.‏

-كيف لا آتي على ذكرهم وقد فعلوا بك ما فعلوا؟ انظر إلى نفسك.. أنت البريء الذي لم يرتكب ذنباً فكيف لو كنت مرتكباً؟‏

-حين يدخل المرء هناك، يستوي المذنب والبريء.‏

-اللعنة عليهم. كيف ذلك؟ أليس في قلوبهم رحمة؟ أليس في عقولهم قدرة على التمييز؟‏

-لا يهم، رقية. ما يهم أنني خرجت.. سليماً.. معافى..‏

-سليم!؟ معافى!؟ سألته وهي تمسح بناظريها عظام وجنته البارزة وصدره وقفص أضلاعه لتستقر أخيراً على الزائدة الدودية التي تكاد لا تراها العين..‏

-أجل.. أجل.. أنا فقط بحاجة للإنعاش. رجل انقطعت أنفاسه زمناً طويلاً، ما الذي يحتاجه؟‏

لم تجب رقية، فتابع رئبال:‏

-أن يستعيد أنفاسه، ومع أنفاسه ينتعش، يستعيد توازنه، دورته الدموية، حرارة جسده، فيعود كل شيء على أحسن ما يرام.‏

ولكي تعيده على أحسن ما يرام، نقعته في البانيو ساعة كاملة، ثم غسلته المرة تلو المرة حتى بلغت العشر. بعدئذ حلقت ذقنه، قصت شعره، ألبسته منامة جديدة ومثوراً جديداً حتى إذا ما عاد محسن مع فاطمة والأولاد، كان رئبال قد قطع شوطاً حسناً على طريق الراحة والانتعاش.‏

--ها!! هذا هو رئبال!! هتف محسن وهو يأخذه بين ذراعيه من جديد.‏

-بابا!! بابا!!‏

-صهري!! رئبال!!‏

راح القادمون يصيحون، وهو يحضنهم الواحد بعد الآخر.. يقبلهم ولا يشبع، يشدهم إلى صدره ولا يشبع، فالأطفال ينغلون في القلب.. يسكنون في المخ ويملأون تلافيفه شوقاً وحنيناً لشد ما أرقه في ليالي السجن.‏

سألوه، سألهم. أجابوه، أجابهم. كانوا يريدون أن يعرفوا كل شيء عن الداخل: سجنه، تعذيبه، التحقيق معه، وكان هو يريد أن يعرف كل شيء عن الخارج: السياسة، الحصار، الحرب، النفط مقابل الغذاء، وخصوصاً حسين كامل.‏

-وماله حسين كامل؟ أجابته فاطمة بكثير من الحدة. هو في عمان ينعم بالدولارات والدنانير وأنت تتعذب في السجن.‏

-اللعنة عليه!! بكثير من الحقد والغيظ تابعت رقية. هو رأس البلاء، قسماً لو أمسكت الآن برقبته لخنقته.‏

-لا.. لا.. الرجل لا ذنب له؟ تدخل محسن بارماً شفته هازاً رأسه.‏

-لا ذنب له؟ علقت رقية. كيف؟ أليس هو الذي فر؟ أليس هو سبب سجنك؟‏

-صحيح، رد رئبال، لكنه لم يكن يريد أن يسجنوني.. لم يكن يريد بي الشر.. هو لا ذنب له ولا جريرة.. أنا أعلم.. تحمل الرجل حتى لم يعد باستطاعته التحمل ففر بجلده.‏

-فكر بنفسه فقط، فلماذا لم يفكر بك أنت؟ ردت رقية.‏

-كيف؟‏

-يحذرك. يعرض عليك الفرار معه.‏

-أجننت؟ همس رئبال وهو يتلفت حوله هلعاً.‏

لا، لم تجن. بل رقية على حق، ثنت فاطمة على كلام أختها. هو وزيرك وعليه أن يفكر بك كما يفكر بنفسه.‏

-لعله خشي إفشاء السر، تدخل محسن شبه هامس. يخاف رئبال فيشي به إلى الأمن.‏

-ليته فعل. بكثير من حذر غمغم رئبال، إذن لهربت معه.‏

-لذلك هو مسؤول عنك، أكدت رقية بكثير من الحماس، وعليه أن يتحمل تلك المسؤولية حتى النهاية.‏

-ماذا تقصدين؟‏

-أقصد. هو الآن في الأردن، حر طليق، وملك متوج، فلماذا لا نذهب إليه وننعم بما ينعم به هناك؟‏

ولم يجب رئبال، فيما جحظت عينا محسن. "حقاً!! المرأة إبليس رجيم! دائماً تأتيها الأفكار الشيطانية أولاً، وإلا كيف فكرت حواء بأن تجرب طعم التفاح؟".‏

-صحيح!؟ تابعت فاطمة، وكأنما كانت على علم مسبق بما طرحته رقية.‏

لم لا تلتحق به هناك؟ لم لا تفر إلى عمان!؟‏

-لا.. لا.. انتفض رئبال، وكأنما لدغته أفعى. كل شيء إلا الفرار. كل شيء إلا حسين كامل، كل شيء إلا عمان.‏

***‏

باقر ليس بحاجة لفرار كي يذهب إلى عمان. باستطاعته، أن يركب سيارة جهاراً نهاراً ويذهب إلى عمان. هو مذ فر حسين كامل خطرت بباله فكرة الالتقاء به. باقر يعلم أن صهره يعمل لديه أمين سر وثيق صلة. إن رآه عرف منه الكثير عن رئبال، عن أخته، عن العراق، لكن الضجة التي أثارها لجوؤه إلى الأردن جعلته يرجئ الأمر بعض الوقت. "من يستطيع رؤيته الآن؟" فقد كانت الصحف، المجلات، الإذاعات، الفضائيات، كلها مشغولة بالحديث عن عبقري بغداد الذي فر بجلده من جلاد بغداد.. الصهر يهرب بزوجته وأولاده من الأب والجد. أي مضحك مبك!؟ وسائل الإعلام مندهشة من ذلك المضحك المبكي، متعجبة من تلك المفارقة التي لا تضاهيها كل ما في الدنيا من مفارقات. الناس كلهم منصبون على حسين كامل: سياسيون، صحفيون، كتاب، مثقفون، معارضون عراقيون، مخابرات أردنية، مخابرات غير أردنية وباقر يتابع ذلك كله، يترصد أخبار حسين كامل ويدهش: "ما من أحد أثار ما أثاره الرجل من ضجة!!" باقر يسأل عنه القادمين من عمان ودائماً يجيب القادمون أن طوقاً محكماً يحيط بالرجل إحاطة سور الصين بالصين، فكيف الوصول إليه؟ هم يريدون حلبه: معطيات كثيرة يريدون الحصول عليها: معلومات عن الصناعة في العراق، وثائق عن المخبآت في العراق، صورة عن المخططات التي نفذت والتي لم تنفذ في العراق، أسرار صدام العائلية والشخصية وحسين كامل أبو الأسرار، أبو المعرفة. يضعونه على كرسي الاعتراف فيحصلون على كل ما يشاؤون. من السكوتلانديارد، من السي آي إي، من الموساد، جاء رجال بأقنعة ورجال بغير أقنعة يسألون ويستفسرون. من الصحف جاء محررون يقابلون ويسألون، وحسين كامل في البؤرة من عدسة اهتمام العالم.‏

بروتس سدد خنجره إلى ظهر قيصر ودم قيصر ينزف. يصل حتى دجلة.. حتى شط العرب حيث الفرات ودجلة يصنعان أعظم أنهار الأرض. "لاحقوه.. اقتلوه.. أريد رأسه حياً أو ميتاً" كانت تعليمات القيصر ما تزال تتردد. في عمان كانوا يسمعون التعليمات وكانوا يخافون على حسين كامل "زيدوا الاحتياطات. لا تدعوا أحداً يقترب من حسين كامل" وأدرك باقر أن من المحال الوصول إلى الرجل. الطوق المحكم كان يزداد إحكاماً. ضجة الإعلام، الخوف من بغداد، الخوف من غير بغداد كلها شددت إحكام الطوق، وباقر يسأل. بعد أشهر فقط بدأت ضجة الإعلام تخفت، حركة المخابرات تتباطأ، فبروتوس القادم من بغداد كان ما يزال حريصاً على بغداد "لا علم لي.. لا علاقة لي.. لا ذاكرة لي"، وبدت علائم الخيبة على وجوه جاءت من واشنطن، الإحباط على وجوه جاءت من لندن، من تل أبيب، من عمان والكل ينظر إلى الكل. "لماذا جاء إذن إن كان لا يريد أن يخدمنا؟" فجأة بدأت الأسئلة تتطاير في سماء الصحف، أروقة السكوتلانديارد، السي آي إي وحسين كامل يرفض أن يفشي أي سر، هو الذي كانوا يعلمون أنه يعرف كل سر. يرفض أن يقدم أية وثيقة هو الذي كانوا يأملون أن يكون حاملاً معه كل الوثائق، يرفض الذهاب إلى واشنطن أو لندن، هو الذي يريد من مدن الأرض كلها إلا مدينة عمان.‏

-لورا، تذهبين معي إلى عمان؟ سألها باقر وقد عزم على الرحيل.‏

-عمان؟ ماذا تفعل هناك؟ سألته دون أن يخطر ببالها شيء مما يدور في رأسه.‏

شرح لها باقر فكرته لكنها لم تتحمس.‏

-حقل ألغام، وأنا لا أكره كحقول الألغام!! ردت بين المازحة والجادة. ادعني لغيرها.‏

لكنه لم يكن يريد غيرها. عمان كانت قد أصبحت هاجساً. حسين كامل لا يفارق خياله. فضول من نوع لم يعرفه باقر قط كان يسيطر عليه، يدفعه لأن يذهب إلى حسين كامل فيعلم منه ما لا يستطيع معرفته من أحد.‏

وحيداً ذهب باقر إلى عمان، ووحيداً حاول الذهاب إلى حسين كامل المرة تلو المرة، لكن دون الوصول إليه خرط القتاد. القتاد يدمي الساقين فيرتد باقر كسيراً حسيراً. طوق الأمن يشدد عليه، وهو نفسه يرفض اللقاء مع أحد من المعارضة، وصدمت المعارضة "لماذا فر من طاغية العراق إن لم يكن يريد الانضمام إلى معارضة العراق؟" وبدا جواب حسين كامل جاهزاً "أنا ضد طاغية الوطن لكنني لا أتحالف أبداً مع أعداء الوطن". وكما كانت تعليقاته جازمة "معارضة تمد يدها لمن قتل أطفالنا وذبح رجالنا ونساءنا لا يمكن أن يكون لها علاقة بالوطن.. يدها ملوثة بدم الوطن شأنها شأن أعداء الوطن. "وبدا ذلك يقطع الطريق على كثير من الناس، يقطع الطريق حتى على أمل باقر في أن يرى الهارب من بغداد.‏

عزم باقر على العودة، لكن قبل أن يعود رفع السماعة يتصل بلبانة.‏

-باقر!! من زمان هذا القمر ما بان!! أهلاً!! أهلاً بك!! راحت كلمات لبانة تنصب عليه من سماعة الهاتف انصباب مطر الصيف. وقبل أن يستطيع إجابتها أو سؤالها جاءته زخة جديدة. ابن حلال!! أنت.. ابن حلال مصفى!! أتعلم من عندي؟ أتعلم أننا كنا بذكرك قبل لحظة؟‏

-حقاً!! من عندك؟ سألها مستغرباً أن تكون بذكره هو الذي شط به المزار عنها.‏

-أبو الليل، ردت شبه هاتفة: تعال باقر!! تعال!! بل لماذا لا تأتي في الحال؟‏

وذهب باقر في الحال. كانت لبانة قد تزوجت، وكان زوجها ابن عم أبي الليل "الله!! كم هذا العالم صغير!! كم فيه من مصادفات وغرائب!! لبانة التي لم تكن تفكر يوماً بالزواج وجدت نفسها تجري جرياً إلى الزواج، ثم تعدو عدواً لتصبح أماً!! إيه منك أيتها الدنيا!! كم فيك من متغيرات!!".‏

بالأحضان أخذ أبا الليل، رفيق الأيام الصعبة، ذاك الذي أفلح في إنهاء شتاته، والعودة إلى غزة مسقط رأسه. بالأحضان أخذ ابن عمه، زوج لبانة ذاك الذي لم يره من قبل قط لكن عن بعد مد يده يصافح لبانة "عن بعد؟" سأل نفسه فأجابته نفسه "وماذا في ذلك؟" "ثم طافت على شفتيه ابتسامة ساخرة "أليست الدنيا كلها غرائب ومفارقات؟ لبانة التي كانت ذات يوم أقرب من حبل الوريد، صارت اليوم أبعد من الثريا. حقاً إنها المتغيرات".‏

متغيرات أبي الليل كثيرة. طوال ثلاث ساعات ظلوا يأكلون ويشربون ويتحدثون. أو بالأحرى أبو الليل يتحدث وهم يسمعون. في جعبة أبي الليل الكثير مما يسمع، اتفاق أوسلو أجدى نفعاً!! أعطى ياسر عرفات موطئ قدم. غزة صارت له. ولا تستهن بغزة!! غزة دوخت الإسرائيليين. ظلت تطاردهم بالحجارة، ترميهم بالمقاليع والنقافات حتى زهق رابين فصرخ. "تعال عرفات!! تعال خذها بحق الله!! لم أعد أريد غزة!! لم أعد أريد غزة!!" ولو لم يستجب عرفات لخرج رابين تاركاً غزة للسماء والطارق، لا يرغب مقابلها بشيء. لكن عرفات لم يكن يريد غزة وحسب. اتفاق أوسلو حدد مراحل: مرحلة أولى تنسحب إسرائيل من كذا بالمائة من أراضي الضفة الغربية، مرحلة ثانية تنسحب من كذا آخر ثم تأتي المرحلة الثالثة، مرحلة النهاية فينسحب رابين من كل شبر من الضفة الغربية. هكذا قال عرفات وهكذا تقول المفاوضات التي تقدمت كثيراً والتي كانت ستتقدم أكثر لولا أن خرج جني أزرق من بين حشد إسرائيلي يغني للسلام ويصلي للسلام فزرع صدر رابين رصاصاً طار به إلى نوع آخر من السلام.‏

-لكن ألا تعتقد أنه، بموت رابين، ماتت كل مخططات السلام؟ سأله باقر وهما يشربان الويسكي.‏

-لا.. لا.. بالعكس. رد أبو الليل بكثير من الثقة: شمعون بيريز أكثر إيماناً بالسلام من رابين، بل هو المهندس الحقيقي لكل مخططات السلام، ألم تقرأ كتابه "شرق أوسط جديد؟".‏

-لا.. لم أستطع الحصول عليه.‏

-اسمع باقر. اذهب معي إلى غزة تر بعينك الدولة الفلسطينية وهي تبنى.. الشرق الأوسط الجديد وهو يشاد.‏

-أنت متفائل كثيراً أبا الليل، تدخل ابن عمه بتجهم بدا غير منسجم مع تفاؤل أبي الليل.‏

-يجب أن نتفاءل. الضفة الغربية ستعود إلينا.. المطار سيفتح. المرفأ سينشأ، الطريق الواصل بين الضفة وغزة سيقوم. وشيئاً فشيئاً يرتفع علم فلسطين.. تقوم دولة فلسطين.‏

-هذا إن انتصر شمعون بيريز.‏

-سينتصر. الاستطلاعات كلها تدل على ذلك.. مراقبو الانتخابات كلهم أكدوا اليوم ذلك.‏

-بعضهم يقول إن هناك فرصة لنتنياهو، تدخلت لبانة فجأة:‏

-لا.. لا.. رد أبو الليل بحماسة شديدة، نتنياهو ساقط حكماً. بدليل أن كلينتون اتصل بشمعون بيريز يهنئه بالنجاح.‏

-لا أدري، عقب باقر بعد إطراقة من تفكير. أنا لست متفائلاً حتى بشمعون بيريز. أليس هو صاحب عناقيد الغضب؟ أليس هو من كانت طائراته تقصفنا ونحن في الجنوب، أم نسيت أبا الليل؟‏

-لا، لم أنس. لكن هناك دائماً متغيرات، وقد تغير شمعون بيريز كما تغير اسحق رابين من قبل.‏

-وحده نتنياهو لا يتغير، علقت لبانة بنوع من اليقين المطلق. وإن جاء ضاع أملكم كله بالسلام، بل ربما عاد فاحتل غزة.‏

-وعدنا نحن إلى الشتات؟ سأل أبو الليل بكثير من الغيظ.‏

-أو ذهبت إلى القبر برصاصة من رصاص بني إسرائيل؟ تابعت لبانة ضاحكة.‏

-تعلمين!؟ أجاب أبو الليل زافراً. رصاصة وقبر أهون علي من العودة إلى حياة الشتات.‏

-أنت على حق، عقب باقر وهو يزفر بحرقة. ليس هناك أصعب من حياة الشتات.‏

وانقطع فجأة برنامج التلفاز في الغرفة المجاورة ليعلن نبأً عاجلاً صاروا كلهم آذاناً صاغية له:‏

بفارق 0.5% من أصوات الناخبين انتصر بنيامين نتنياهو!! وانفتحت عيون على سعتها، فيما أسرعت أقدام إلى غرفة التلفاز، ربما لتتأكد من النبأ العاجل الذي رجف له قلب أبي الليل وقد قفز إلى ذهنه فجأة ذلك الخيار: الرصاص أم الشتات؟.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244