|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث عشر أنا من بقايا أمة تاهت على درب الردى صارت لماضيها صدى لا تذبحوا صحوي وأغنيتي، لأني مذ رأيت وجوهكم تلد الدمار مع الحصار تحكي بألسنة الرطانة وتبيح للنفس الخيانة هذي الحياة غدت سدى عبثاً.. سدى.. عبثاً.. سدى كان باقر يردد وهو يتسكع نازلاً شارع الصالحية.. سعيداً وحزيناً في الآن نفسه: هو سعيد لتلك النفثات الشعرية التي راحت تنبجس منه دون سابق إنذار مثلما ينبجس نبع ماء عذب سلسبيل، فيبرد شيء ما داخل صدره ويستكين، كما تبرد الحصى بماء الينبوع وتستكين. وهو حزين لأنه يوماً بعد يوم بات يشعر أن الحياة تفرغ من المعنى إطاراً بلا لوحة. "أين اللوحة التي ضحيت بحياتي كلها، بهناءتي، بطمأنينتي، كي أراها أمامي؟ أين المطامح الكبيرة التي بدأت بها حياتي، أريدها أن تتجسد واقعاً فتتحقق العدالة وتسود المساواة؟ يغدو الكل سواسية كأسنان المشط لا طبقات ولا تفاوتاً طبقياً، لا رأسمالياً ولا فقيراً، لا برجوازية ولا بروليتارية، بل الكل متساوق متناغم في مجتمع موحد، من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته!! يا لتلك الأحلام، ما كان أجملك!!". باقر يشعر بأن دنياه اليوم هي دنيا الواقع، وشتان ما بين الأحلام والواقع!! في تلك الدنيا كانت اللوحة قوس قزح زاهي الألوان، حسبك أن تنظر إليه لتأخذ بمجامع نفسك الراحة والنشوة: العالم كله نور وسكينة.. شعوب الأرض كلها أمة واحدة: تعايش وسلام. الغني يعطي الفقير، العالم يعلم الجاهل، البصير يرشد الضرير.. يداً واحدة وصفاً متراصاً. لكن تلك الأحلام ولت كلها. بل عكسها هو الذي حدث. دول الاشتراكية ذهبت. معسكر التقدم والأممية انفرط انفراط سبحة، ومع انفراطه انفرط الأتباع والحواشي. الأحزاب في شرق الأرض وغربيها، راحت تتداعى تداعي أكواخ اكتسحها طوفان. كلها صارت تتخبط، بل قيادته، قيادة "ليلى مراد"، صارت حليفة واشنطن. "من يصدق؟ القيادة المؤمنة بالأممية والبروليتاريا تصبح حليفة الرأسمالية والامبريالية؟" ويشعر باقر بسكين تحز لحمه. كانت الخيوط كلها قد انقطعت بين وبين الحزب. وكان الزمن يزيد الطين بلة، فالخلاف الذي بدأ بزاوية حادة بات الآن زاوية منفرجة. صار هناك أعداء. أحقاد وضغائن. بل بات الرفاق السابقون كلهم يشنون عليه هجمات شعواء. يلصقون به شتى النعوت، يتهمونه بأحط التهم. "لماذا؟ فقط، لأن لي رأياً مخالفاً؟ فقط لأني أشرت إلى الخطأ؟ احتججت على الانحراف؟" ويجرض باقر بريقه. مقاطعة الرفاق له كانت مؤلمة. هو يحن إلى صحبتهم. عمراً طويلاً كان قد قضاه معهم. لكن ها هم أولاء يقطعون كل صلة به. يحاصرونه كما يحاصر العراق. "أتراهم يحسبون نسغ حياتي منهم، يقطعونه فأموت؟ "نسغهم قطعوه لكنه لم يمت. باقر نشيط.. قادر على الحركة. له أيضاً أنصار، أصدقاء. بعضهم يوافقه الرأي. بعضهم الآخر يسبقه، حب الديمقراطية كان يجمعهم وعلى حب الديمقراطية وضعوا أيديهم بأيدي بعض ثم أقسموا أن يعملوا ليس من أجل الاشتراكية والأممية فحسب، بل من أجل الديمقراطية والحرية أرقى نماذج الديمقراطية وكل أشكال الحرية: بدءاً من حرية التعبير وحتى حرية الوطن. التيار الديمقراطي الوطني يتحرك، يحاول كسب الأنصار. باقر أمين سره. هو يكتب النشرات بيده، يطبعها بيده. ثم يوزعها الأصحاب. العمل بحاجة إلى المال وهو لا يملك مالاً. الفقر وحش فاتح فكيه يهدد بالانقضاض دائماً. مع ذلك يعمل. يغمض عينيه ويهجم. الحياة موقف، والموقف الشجاع رأس كل موقف. طوال عمره كان يؤمن بذلك. لكن الشجاعة لا تكفي. في العمل الحزبي.. السياسي.. لا بد من المال." من أين كان الحزب يأتي بالمال؟ " ليلى مراد" "من أين تأتي بالمال؟ "بالأمس كان الاتحاد السوفيتي، أما اليوم فالولايات المتحدة.. لكن من يعطي المال لباقر ورفاقه؟ واشنطن تعلنها صريحة: "كونوا معنا، نفذوا أوامرنا نعطكم ما تشاءون من المال"، وكانت في ذلك العام قد رصدت تسعة وتسعين مليون دولار!! وهو ما تعلنه، فكيف بذاك الذي لا تعلنه؟ شباط بارد، رغم جفافه، رغم غياب أمطاره وثلوجه، جاء بارداً. رياح شرقية وغربية ما فتئت تتعاوره، مع ذلك شارع الصالحية لا يعرف البرد. أولئك الذين بنوه عباقرة. لم يتركوا مجالاً فيه لريح شرقية أو غربية، هو محايد موارب. يحميك من الريح والبرد. ثم جاء بعضهم بفكرة عبقرية "لماذا لا نرصفه فلا تمر به سيارة ولا حافلة.؟ نتركه للمارة فقط، للتسكع فقط." وخلت الصالحية من السيارات. صارت متنزهاً ومتسكعاً. باقر يحب التسكع. به يهرب من الوحدة.. من الهموم. يأتي إلى الصالحية كل مساء.. يلقي بنفسه في زحام الناس فيشعر بالأنس.. يحس براحات دافئة تمسد له عنقه، تمر على ظهره فتسري فيه رعشة دفء. لكنهم يغلقون باكراً. هو يعجب: كيف لعاصمة كبيرة قديمة كدمشق، أن تغلق باكراً؟ بغداد لم تكن كذلك.. بيروت.. القاهرة.. كل المدن التي عرفها باقر لا تغلق باكراً. ولا يفتأ يتساءل. "لماذا دمشق وحدها؟" لكن من يجيب؟ مرة واحدة أجابه أحدهم ضاحكاً: "هل سمعت بقصة أوعَ الزيت؟" "لا" أجابه باقر. "يا سيدي!! أحدهم بنى بناية ثم قرر أن يدهنها دهاناً زياتياً، ولكي لا تتلوث ثياب الناس، وظف عاملاً يحذرهم من الدهان بترداده الدائم: "أوعَ الزيت.. أوعَ الزيت" انتهت البناية وسكنها الناس والعامل في مكانه يردد "أوعَ الزيت" بعد ثلاثين عاماً عتقت البناية صارت كالحة اللون مسودة من الدخان والعامل ما زال يردد "أوعَ الزيت". ضحك باقر حينذاك وقد فهم مغزى القصة، لكنه لم يفهم لماذا لا يفطن أحد إلى أن الداعي، الذي دعا ذات يوم لإغلاق أسواق دمشق باكراً زال وانتهى، وقد توفرت الكهرباء!! باقر يود أن يظل شارع الصالحية ساهراً حتى الصباح. إذن... بإمكانه أن يتسكع حتى الصباح، الفراغ من حوله قاتل والوحشة في منزله مريعة. هو لا يحب الذهاب إلى المنزل. لم تعد تغريه اللقاءات الحزبية أو السياسية. لكن ماذا يفعل والصالحية تهم بإغلاق محالها؟ أصوات السواتر المعدنية وهي تنزل من عليائها على أبواب المحال تملأ الأجواء من حوله. الأنوار المشعشعة، وهي تنطفئ، واحداً تلو الآخر، تبعث الوجل في قلبه. بعد دقائق، ستكون الصالحية كلها معتمة.. صامتة.. خاوية كمقبرة باردة. "أين تذهب يا باقر؟ أين تذهب؟ "لكن قبل أن يجيب، بدت ساق امرأة غضة بضة وهي تنزل من سيارة فاخرة. عينا باقر طارتا إلى الساق الغضة البضة وقد انكشفت إلى منتصف الفخذ. بعدئذ صعدت العينان إلى الصدر الكاعب بنهدين تطاولت قبتاهما عالياً على سفح أبيض محمر. "يا إلهي!! هذه صفية! ونظر إلى الرجل بجانبها "رباه!! إنه يسار!!". -يسار!! -باقر!! هتف واحدهما بالآخر وهو يسرع نحوه يأخذه بالأحضان ويشبعه لثماً. -ألن تدع لي شيئاً؟ احتجت صفية على زوجها وتبادل باقر وصفية القبلات على الوجنتين رغم أعين الناس المتطفلة وقد انفتحت على مصاريعها. -لندخل.. همست صفية وهي ترى الأعين المتطفلة تسلقهما بنظراتها. أسرع الثلاثة يدخلون المبنى الواسع متوارين عن الأنظار. كانت السيارة قد وقفت أمام ملهى لم يلفت نظر باقر من قبل.. ملهى بدت لوحته في الخارج قديمة باهتة الألوان، فيما كان صدر صفية مشعشعاً بشتى الألوان.. ذهب، ألماس، زمرد، ياقوت.. أصناف الجواهر الثمينة كلها كانت تتلألأ على صدر الراقصة التي بدت وكأن الزمن لم يمر عليها البتة. شعرها قبة عالية فوق الرأس، أذناها مئذنتان من أقراط انقلبتا رأساً على عقب، ساعداها، أناملها، كلها مهرجان من حلي وجواهر. -الله!! ما أصغر هذه الدنيا!! هتف يسار وقد صاروا على درجات سلم يهبط إلى ملهى يغوص في أحشاء الصالحية عميقاً عميقاً لا تراه عين ولا تسمعه أذن. -صحيح!! العالم قرية صغيرة! ثنى باقر وهو يتفحص كلاً من يسار وصفية. كانت قد مرت أكثر من ثلاث سنوات لم يرهما باقر فيها ولم يسمع عنهما. كانا فصي ملح وذابا. أبو جوني.. أصحاب الحانات كلها في بيروت كانوا قد أضاعوهما. باقر سأل أكثر من مرة عنهما لكنهما كانا قد غابا، ثم ها هما فجأة يظهران. "حقاً!! العالم قرية صغيرة!!". أسئلة عن الصحة.. الأحوال.. العمل.. دارت وهم واقفون على السلم. كان كل منهم يريد أن يعرف شيئاً عن الآخر قبل أن ينزلقا إلى الملهى، ففي الملهى رحى صاخبة تدور ويصعب مع دورانها حوار أو حديث. مع ذلك روى يسار لصاحبه هناك قصتهما مع العالم الخارجي. قبرص، تركيا، اليونان، والميازيب التي تتدفق دولارات.. دولارات. -زوج الملكة إذن؟ سأل باقر مازحاً، وقد جلسا إلى طاولة قرب المنصة، فيما مضت الملكة إلى ما وراء الكواليس. -وما زوج الملكة؟ إنه الملك!! رد يسار مطلقاً قهقهة مجلجلة، لم تلفت نظر الندل الذين كانوا قد اعتادوها ولا شك. -لكن ألا تمل؟ ألا تشعر بالفراغ وأنت لا تعمل شيئاً؟ -من قال إني لا أعمل؟ لا.. لا.. لا.. أنا أعمل ليلاً نهاراً فقط. وغمز بعينه، ضارباً كفه بكف باقر، معيداً قهقهته المجلجلة وكأنما يغطي بها شيئاً. "صحيح، أن تكون زوج امرأة كصفية: عمل، وعمل يستغرق وقتك وجهدك كله. "باقر يعلم من هي صفية؟ يعلم كم هي امرأة متطلبة! يسار نفسه، حين بدأ علاقته بها، كان يروي له كل شيء. "امرأة من نار!! إطفائيات بيروت كلها لا تطفئها"، كان يقول له: "أتراها ما تزال امرأة من نار؟ إطفائيات دمشق كلها لا تطفئها؟". -تدري باقر؟ وأنا في لارنكة.. أثينا، اسطنبول، كنت أتذكرك دائماً. أتذكر أيامنا الحلوة تلك. ترى ما أخبار أبي الليل؟ -أوه.. أبو الليل في غزة يقيم دولة فلسطين!! -يقيم.. ماذا؟ دولة فـ.. فلسطين؟ رد مقهقهاً هازاً مثل صفية كتفية وخاصرتيه. -ولم لا؟ ألم يوقعوا اتفاق أوسلو؟ -ذلك كان رابين، أما اليوم فنتنياهو. "إذن!! لم يغص يسار في حمأة اللهو وحسب، ها هو ما يزال يتابع السياسة... يفهم بالسياسة. "راح يسار يتحدث عن نتنياهو... بيغن الجديد الذي يود أن يجمع ما في فلسطين من عرب ثم يمر عليهم بجنازير الدبابات، مداحل الطرقات، فيسويهم جميعاً بالتراب. -حقاً!! أنت تعتقد ذلك؟ سأل باقر أخيراً بشيء من استغراب. -ماذا إذن؟ تظنني جاهلاً؟.. لا.. يا صاحبي. في أثينا، كنت أقرأ الصحف.. صحف عربية تأتي من لندن، باريس، القاهرة. وأنت تريد أن تتسلى.. تشاهد التلفاز، تسمع الأخبار. لا.. نتنياهو أكثر صلفاً وغروراً من أن يقدم الأرض مقابل السلام. جل ما يحلم به العرب مع نتنياهو: السلام مقابل السلام. -هم.. في غزة يعلمون ذلك. أبو الليل نفسه يعلم، مع ذلك رفض الشتات. أتدري ما قال وهو يودعني؟ -ما قال؟ -اللعنة على الشتات! أموت على أرضي ولا أعود للشتات. -غبي!! أبو الليل غبي!! -غبي!؟ معقول؟ -لماذا إذن يلقي بنفسه في جهنم؟ انظر إلي. سنوات طوال وأنا خارج بلدي. ما الذي جرى لي؟ صرت أحسن.. أغنى.. باقر! أنا الآن ألعب بالذهب لعباً. سأبني قصراً في بلدي، وحين تكبر صفية قليلاً، نذهب ونعيش هناك. -يعني عاجلاً أو آجلاً ستعود إلى بلدك؟ سأله باقر، وقد عاد بذهنه سريعاً إلى البصرة. فطن يسار إلى المنزلق الذي انزلق فيه: -لعين!! أنت لعين!! ثم ضرب بكفه كف باقر ضربة جعلته يصطدم بالطاولة. -اللعنة عليك!! صاح باقر، تريدني أن أتقيأ ما سقيتني؟ وضحكا كلاهما. كان باقر قد شرب كأس الويسكي الأولى دفعة واحدة، لكن راح يرتشف الثانية ارتشافاً وقد أحس بأنامل الشراب تدغدغ أطرافه، ثم لم يبدأ البرنامج إلا وهو يشعر بدبيب الويسكي في أوردته وشرايينه. المطرب الأول كان سمجاً قبيح الصوت حتى بدا لباقر وكأنه حمار ينهق. صرح بذلك ليسار راغباً في أن يوصله للمطرب نفسه غير أن يساراً وضع يده على فمه: -لا.. أرجوك.. هذا يؤذي صفية.. يؤذيني. وسكت باقر شاغلاً نفسه بصب كؤوس الويسكي ثم عبها حتى الثمالة. صفية راقصة مبدعة. تلك السنون الطوال أكسبتها مهارة وخبرة. جسدها صار أفعواناً حقيقياً لا عظام فيه، لا غضاريف، لا لحم، بل هو سلم من نايلون يتحرك كيفما شئت. ساقاها، فخذاها، خصرها، صدرها، كل ما فيها يشع أبيض كالثلج "من أين جاءت تلك المصرية بالثلج ومصر لا تعرف الثلوج؟" لكن أحداً لم يهتم بالجواب. حتى يسار لم يكن يهتم بشيء. تعرض لحمها.. تتعرى حتى من ورقة التوت.. لا يهم. المهم أن يصفق لها الجمهور.. أن يرضى عنها صاحب الملهى، أن يظل ميزاب المال يتدفق. أنهت وصلتها، فلوح لها يسار أن "تعالي.. نحن بانتظارك" لكن صفصف لم تأت. كان زبون آخر على طاولة أخرى في زاوية الصالة يشرب النبيذ وحيداً وكان بحاجة لمن يؤنسه فمضت صفصف تؤنسه. تطلع باقر إلى يسار. وتذكر للتو حانة أبي جوني وتلك المعركة التي خاضها يسار من أجل صفصف. يسار يهمس بشيء في أذن فتاة أخرى تنحني قربه على الطاولة كاشفة رجليها حتى أعلى الفخذين وصدرها على أسفل النهدين ثم يضحكان كلاهما مقهقهين، وكأنما يختمان بقهقهتهما اتفاقاً. -اشرب!! بصحة قاعدتنا العظيمة!! صار يسار، وهو يربت براحته كفل الفنانة التي غادرت طاولته متراقصة، هناك في البقاع!! تابع غامزاً باتجاه البعيد ثم مطلقاً ضحكته المجلجلة. شرب باقر لكن دون أن يجد في تلك النكتة ما يدعو للضحك. "يا إلهي!! كم يتغير الإنسان!! قاعدة النضال تلك تتحول إلى كفل امرأة!! من كان يصدق أن يصير يسار إلى مثل هذه الحال؟" لكن صاحبه لم يدع له فسحة أكبر للشرود. كان يريده أن يشرب أكثر فأكثر، أن يستمتع أكثر فأكثر. -ليلة حمراء سنقضي مع أجمل فتاتين من فتيات الملهى. همس في أذنه وعيناه على كفل الفنانة التي غادرت. -وصفية؟ سأل باقر وقد وجد نفسه عاجزاً عن فهم أي شيء. -مالها صفية؟ -أترضى أن تأخذ معك سواها؟ -لا.. يا صاحبي.. لا.. قال يسار وهو يهز رأسه ساخراً. صفية ليست فارغة لنا.. لديها زبون دسم الليلة. أنا أعرفهم.. هؤلاء الرجال المتوحدين الذين يشعرون بالوحشة لا يذهب واحدهم إلا ومعه من يؤنسه. تذهب معه صفية فنذهب نحن مع هذه. -لـ.. لكن.. يسار.. قاطعه باقر متلعثماً قليلاً.. كيف ترضى لزوجتك أن تذهب مع رجل آخر؟ ضحك يسار ضحكته المجلجلة ثم أجاب بهزة ساخرة أخرى من رأسه. -ما هذا الذي تقوله باقر؟ لكأنك ما تزال في معسكر الحاصباني.. بعقل الفدائيين أنفسهم. انظر حولك يا رجل. العالم كله متغيرات. -متغيرات؟ -طبعاً.. وحده الحجر لم يتغير.. ما عداه كل شيء تغير، القيم، الأفكار... المفاهيم.. بل حتى المصطلحات تغيرت. -كيف؟ -قبل سبع سنوات هل كنت تسمع بمصطلح العولمة؟ -لا، أجاب باقر وقد فاجأه سؤال يسار. -الشرق أوسطية؟ -لا. -اعتراف الأردن بإسرائيل؟ اعتراف حتى عرفات بإسرائيل؟ -لا.. لا.. لكن ما قصدك؟ -قصدي.. تلك المفاهيم القديمة: زوجة.. زوج.. رجل آخر.. ترضى.. لا ترضى.. كلها صارت بالية.. الآن هناك مصلحة فقط.. بيزنس.. مال.. فقط. وأحس باقر بشيء كالغثيان يجيش أعلى بطنه ثم يرتفع مع المريء.. المريء.. إلى أن وصل إلى البلعوم.. الفم. في الفم سوائل تفرزها غدد. يشعر باقر أن إفرازات غدده مفرطة. هي تتجمع في فمه شيئاً كالبصاق، بوده أن يقذفه في وجه يسار، قذيفة مدفع تنفجر بين عينيه، لكنه يكبح نفسه آخر لحظة. -اللعنة عليك وعلى البيزنس!! والمال!! قال من بين أسنانه وهو ينهض عن الطاولة، لكن دون أن يستطيع منع الغضب داخله من أن يقذف بالكأس التي كانت في يده لتتناثر على الأرض شظايا ودوياً ظل يلاحق صاحبه حتى درجات الملهى. -إلى أين؟ سأله سائق السيارة وقد أشار له على عجل، ثم ألقى بنفسه في المقعد الخلفي على عجل. -حي الزهور، أجاب دون أن يدري كيف أو لماذا؟ بيته ليس في حي الزهور، مع ذلك نطلق لسانه بالاسم.. أتراه كان جواباً على سؤال سابق.. سؤال عبر ذهنه قبل أن يلتقي بيسار وصفية؟ باقر لا يعلم.. كل ما يعلمه أنه ممتلئ غيظاً من يسار.. من صفية. "العاهرة!! لم تقعد معي لحظة واحدة!!" كم ألقت حوله من شباك إغواء!! لم تكن يومذاك قد قررت الزواج من يسار بعد، ولم يكن يعنيها إلا أن تصيد. صيد الرجال مهنتهن. هو يعرف ذلك، وهي تتقن المهنة". في الماضي.. الحاضر.. المستقبل.. ستظل بارعة في صيد الرجال، ويسار ذو القرنين. يوفر لها الغطاء. لكن كيف؟ يا إلهي! مائة وثمانين درجة تغير الرجل!! الفدائي المناضل يصبح عاهراً قواداً؟ لا.. لا.. ليس هذا تغييراً، هو الانقلاب الكامل الذي ينذر بالخراب". -هذا هو حي الزهور، قطع السائق عليه سلسلة أفكاره. -قدام!! قدام!! أجابه باقر وقد عرف أخيراً لماذا أراد الذهاب إلى حي الزهور. عند باب من حديد وقف باقر هاماً بقرع الجرس. فجأة لاحظ أن باب الحديد موارب قليلاً. فتحه أكثر ثم دخل. غرف الطابق السفلي مطفأة الأنوار. غرفة الطابق العلوي منارة "الحمد لله.. ما تزال سهرانة" وبنقرة خفيفة أوصل الرسالة إلى الداخل. -ادخلي.. ما بك؟ جاءه جواب الرسالة فضحك، "تحسبني أختها" ثم دخل. لورا تنبطح ملء طولها على السجادة. قميص نومها ينحسر عن جسدها حتى أعلى الفخذين. أمامها منمنمة تعمل بها، والمدفأة تشتعل ناراً تملأ الغرفة دفئاً. -مرحباً لورا! بادرها باقر وهو يلقي بنفسه إلى جانبها. لم تجفل كما أرادها أن تفعل، لم تهتز كما توقع. بل تحركت إلى جانبها الأيسر متكئة على مرفقها ثم شرعت تتأمله. -وجدت الباب مفتوحاً.. بدأ وكأنه يريد أن يفسر. -تركته كذلك من أجل لبنى. -فإذا بلبنى تتحول إلى باقر؟ مازحها ضاحكاً. -خير بديل لخير بديلة، داعبت ذقنه متوددة. -يعني لم أزعجك؟ -تزعجني؟ بالعكس. مجيئك يسرني. على الأقل يؤنسني، قالت وهي تمسح بناظريها الغرفة الخاوية على ما يبدو، لبنى لن تأتي؟ تابعت وهي تنظر إلى ساعة الحائط، حيث العقربان يتعانقان على الرقم اثني عشر. -يعني.. هي تنام في الخارج؟ -ولم لا؟ أنا أنام أحياناً في الخارج؟ -ولا تسألك؟ ولا تسألينها؟ -لا.. لا.. بيننا اتفاق جنتلمان، لا تسأل ولا أسأل. -لكنكما أختان. -صحيح. لكن لكل منها حياتها الخاصة.. علاقاتها.. مغامراتها.. فلماذا تتدخل أي منا بحياة الأخرى؟ -صحيح، لماذا؟ ردد باقر وهو يتذكر كم هناك في العالم من متغيرات!! -لكن، ما الذي جاء بك في مثل هذا الوقت؟ سألته وهي تبحث عن شيء في منمنمتها على الأرض. -الغربة. -إذن، أنا الوطن؟ -تدرين لورا؟ أحياناً أشعر أنك وحدك وطني. لا أحد يلغي غربتي سواك، لا أحد يؤنس وحشتي إلاك. -ها!! ها أنت ذا تنظم شعراً!! تعلمين، أنت أروع قصيدة وأجمل شعر. الله!! كم أنا بحاجة إليك!! ودون أن يدري وجد يده، تمتد إلى الفخذين العاريين، تتلمسهما. "يا إلهي!! ما أنعم هذه البشرة!! ما أدفأ هذا اللحم البشري!!" ثم وجد نفسه يهتف "أنا بحاجة إلى دفئك لورا.. حنانك.. أحضانك؟. وبلمحة عين، وجدا نفسهما عاشقين يضم واحدهما الآخر، يشده بين ذراعيه كما لم يشد أحد أحداً، يلتهم شفتيه كما لم تلتهم شفتان شفتين.. ثم يستغرقان كلاهما في معزوفة للوصل والغرام مجنونة الأنغام. في الصباح وجدا نفسيهما ما يزالان على السجادة يضم واحدهما الآخر ويلتحمان ظهراً لبطن وبطناً لظهر. وسرعان ما عادا عزف معزوفتهما الليلية لتنطلق أنغاماً أحلى في الصباح وموسيقى أبدع. "الله!! ما أروعك يا وطناً تسكن إليه النفس فتمّحي آلام الغربة وأشباح الوحشة!!". نهضت لورا بوجه مشع كالنار وجسد متوهج كرغيف خارج لتوه من فرن، ورشاقة كرشاقة الغزلان. اغتسلت.. سرحت شعرها.. ثم جاءت بالقهوة. -ها.. أنت تقومين بدور الزوجة!! -لم أجد من يقوم بدور الزوج؟ ردت ضاحكة، مداعبة عنقه، معبرة بعينيها عن كل امتنان. في الليل كانت هي نفسها قد داهمتها الوحشة. لم تكن قد أعدت نفسها للبقاء وحيدة في المنزل، لكن لبنى فاجأتها. ورقة صغيرة أخبرتها أنها ربما تتأخر، ولم يكن باستطاعة لورا أن تبحث عن رفيق. بحثت عن سلوى، فجاءت بالمنمنمة، تعمل بها تعديلاً هنا.. تحسيناً هناك، لكن ظل الشعور بالوحدة يفترسها. ظل شبح الوحدة يطاردها، ولكم سرها وقع الخطا وهو يصعد الدرج. ثم كم كانت مفاجأة سارة حين اكتشفت أنه باقر!! شيء فوق الأحلام.. فارس أحلام يأتي هكذا دون أن يخطر حتى بالأحلام؟ -تتزوجينني؟ سألها وقد رشف أول رشفة قهوة. -ماذا؟ ردت باستغراب وقد فاجأها السؤال. -اسمعي، لورا، صحيح، نحن كنا مجرد أصدقاء. لم نفكر إلا مرات قليلة بممارسة الجنس معاً، لكنني الآن أعلم أننا أكثر ما نكون انسجاماً وتفاهماً، فلماذا لا نتزوج؟ -باقر!! أنت تعلم رأيي بالزواج!! -أعلم. الزواج أسوأ مؤسسة صنعها الإنسان. الزواج مرساة سفينة. الزواج قيود وأصفاد تلغى بها كل حرية. أليس كذلك؟ -وأكثر. هل تريدني أن أكمل؟ -أعرفها.. أعرفها.. كلها. بل هو رأيي نفسه. لكن للزواج أيضاً حسنات لورا.. فلماذا لا نرى إلا السيئات؟ -اسمع. المثل يقول ثلاثة لا يؤخذ برأيهم. لكنها توقفت فجأة متفحصة إياه. -هه!! أكملي. حثها باقر: من هم الثلاثة الذين لا يؤخذ برأيهم؟ -الجائع والحاقن ومن ضاقت عليه خفه. -الجائع والحاقن فهمناهما، عقب باقر، لكن من ضاقت عليه خفه!!؟ ورسم إشارات تعجب واستغراب. -لا.. لا تستغرب. من ضاقت عليه خفه يصبح عقله في خفه، وفي خفه وحسب. -لكن ما أنت بمن ضاقت عليك خفك؟ سأل باقر وهو ينظر إلى رجليها العاريتين من الفخذين حتى القدمين. -لا.. أنا الجائعة. وشرعت تفرك بطنها فوق السرة. -خسئ الجوع، صاح بنخوة المعتصم ومروءته. لحظة واحدة وأعد الإفطار. -بل نعده معاً. ردت وهي ترشف الثمالة من فنجان قهوتها ثم يسرعان معاً متخاصرين متراقصين إلى مطبخ يعج بالفوضى ورائحة العفن. على طاولة نصف صغيرة وضعا بعض صحاف من الزيتون، الجبن، المكدوس ومقلاة قلي فيها باقر البيض. بنهم شرعا يأكلان. لم تكن لورا وحدها الجائعة بل هو أيضاً كان جائعاً. الجنس يستهلك طاقة كبيرة، وهو يعلم ذلك. كل مرة يمارس فيها الجنس يشعر أن ذئاباً تسكن معدته، تتناهشها. كيف؟ لماذا؟ أتراها الحاجة لمصدر طاقة جديدة تعوض ما فقده. -ها!! ها هو ذا طلبك يتحقق!! قالت لورا مبتسمة غارزة عينيها في عينيه، فنبدو وكأي زوج وزوجة. -نبدو!! لكن لسنا حقيقة كذلك! فلماذا لا نتزوج فعلاً؟ -أنا أتزوج؟ ردت ضاحكة متمايلة برأسها ذات اليمين وذات الشمال. -لم لا؟ ألا أعجبك؟ جنسياً، ألا أرضيك؟ -بلى.. بلى.. ردت لورا وهي تملأ فمها بلقمة كبيرة من البيض ثم تشغل نفسها بمضغها، ربما مستعيدة في ذهنها المرات القليلة التي التقت فيها مع باقر في الفراش. أنت ترضي المرأة، تابعت وقد مضغت لقمتها نصف مضغة. على صعيد الفراش، أنت فارس، لكن ليست هذه هي المسألة؟ -ما هي إذن؟ -مسألة الحرية، قالت وهي تطلق تنهيدة طويلة. تعلم باقر؟ يخيل إلى أن على المرأة أن تخوض معركة حريتها بشراسة أكبر، بضراوة أشد وإلا ظلت رهينة العبودية. -عبودية.. ماذا؟ لورا.. رد باقر بانكماش وهو يتذكر قصتها مع رفيقها المسؤول في الرابطة. -لا.. لا تنكر. أنت نفسك اعترفت لي بذلك ذات مرة. آلاف السنين والرجل يرسخ عبودية المرأة.. دونيتها بالنسبة إليه. يضع في عنقها القيود أطواقاً وعقوداً، في معصميها الأساور أصفاداً، في أناملها الخواتم، في آذانها الحلق، في ساقيها الخلاليل، لا لشيء إلا لكي يوثقها جيداً بقيوده فلا تستطيع حراكاً إلا بإذنه، تعيش من خلاله، تتنفس، تأكل، تشرب، تفكر، وكله به ومنه وبأمره. فيكف تكون لها شخصيتها الخاصة؟ كيف تنعم باستقلالها؟ كيف يكون لها وجود أصلاً؟ -وأنت تريدين الوجود والاستقلال؟ -أنا أريد أن تكون المرأة صنو الرجل... نصفه الحقيقي الآخر الذي ينعم بالحرية كما ينعم بها هو، بالاستقلال، بالقدرة على تحقيق الذات. لا مجرد تابعة خاضعة له.. أمة بين يديه. -وهل تحسبينني أريدك تابعة أو أمة؟ -لست أنت المشكلة باقر. المشكلة هي في النظام الاجتماعي، ذاك القائم على مفاهيم، عادات، أعراف... معظمها خاطئة، صنعها الرجل لكي يمرغ المرأة بالوحل. يسحقها سحقاً فلا تستطيع أن تكون إلا عبدة. -ربما هي القاعدة، لكن نحن الاستثناء. أؤكد لك أنني أنا الاستثناء، وأنا أضمن لك حريتك، فلماذا لا نعمل معاً من أجل حرية المرأة، خلاصها من عبودية الرجل؟ -والالتزام؟ الاستقرار؟ الأولاد؟ -بصراحة، هذه لا بد منها. -وأنا ضدها كلها. -لكن الزواج التزام.. استقرار.. أولاد. -لهذا لا أتزوج، هتفت بنوع من النصر. باقر! صدقني، أنا لا أكره شيئاً كرهي لأن أكون رهينة أحد، أسيرة رجل طوال حياتي. ما هذا؟ مجرد تصور ذلك يصيبني بالقشعريرة. لا. باقر. أنا اشعر أنني طائر حر عليه أن يتنقل.. يجوب السموات.. يجرب.. يغير.. يبدل. التجربة تغني حياته.. التنقل يوفر له شروطاً أفضل.. يجعله كثير الخيارات.. يحقق ذاته كما يشاء.. يعيش حريته كأفضل ما يشاء. -هذا صحيح، لكنه يفقده الانتماء.. الارتباط.. -هذا العصر عصر اللاانتماء. الناس كلهم يكرهون الارتباط.. القيود، خاصة إن كانوا مثلي، ينتمون للفن وللإبداع والفن والإبداع هما الحرية. بغير الحرية لا يساويان شيئاً، صدقني. -أنا أصدقك، لكن أنت صدقيني، أنك تبخسينني حقي.. تشكين في إيماني بتحرر المرأة. -لا، أنا لا أشك بك، ولا بإيمانك. أعلم أنك ناضلت وما زلت تناضل من أجل الحرية.. التقدم.. ليس للمرأة فقط، بل للمجتمع كله.. للبشرية كلها. لكن صدقني.. الزواج ليس مشروعي. مشروعي شيء آخر.. وتوقفت فجأة غارزة عينيها في عينيه، بعدئذ استأنفت: أنا راحلة إلى اسكندنافيا!! -ماذا؟ -أجل. إلى النرويج. في مثل هذا اليوم من الأسبوع القادم سأكون. وشرعت ترفرف بذراعيها وكأنهما جناحان تطير بهما في السماء. فجأة شعر باقر بغصة. اللقمة وقفت في منتصف الطريق من بلعومه. وبعيني عاتبتين راح يحدجها وكأنما وجهت له طعنة في الظهر. باقر يعلم أن لورا فتاة شديدة المطامح.. كثيرة المشاريع، متعددة المواهب. هي سياسية، صحافية، رسامة... لكن مذ تخرجت من الجامعة مهندسة ديكور وهي تحلم أن تضرب ضربتها. هي تزخرف البيوت، تصنع المنمنمات، ترسم اللوحات. لكن لا تنسى أبداً كيف قتل أبوها وأخوها. كيف شردت من مدينتها، تشعر دائماً أن دمشق.. بلادها كلها.. بل الوطن العربي كله لا يسعها. هي تريد آفاقاً أرحب، عالماً أجمل. وفي ذهنها دائماً أن تبحث عن تلك الآفاق، عن ذلك العالم. قبل عامين شاركت في معرض للمنمنمات في بلجيكا، قبل أشهر زارت إيطاليا. كانت تطمح لأن تشارك بلوحاتها في معرض ولكنهم لم يحققوا لها طموحها، فشاركت حضوراً. لم يفتّ ذلك في عضدها، بل ازدادت إصراراً، وظل العالم الأجمل هو مبتغاها. هي تكره القبح وعالمها قبيح. حيثما تنظر تجد القبح، الفوضى، التخلف، الجهالة، الأعراف، التقاليد، وكلها أطر للقبح لا تتعدى في ذهنها أن تكون مدعاة نفور واشمئزاز. -أنا لا أصدق، قال أخيراً وقد فزع بآماله، كعادة كل الناس، إلى الكذب لم تجب لورا، بل مطت جذعها كله مادة يدها إلى حقيبتها القريبة، أخرجت منها بطاقة طائرة ثم مدتها إليه. حتى إذا لم يدع لي صدقه أملاً شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي الخبر صحيح. تفحص باقر البطاقة جيداً ثم أعادها إليها، ودون أن ينبس بحرف، نهض. وضع يده في جيب بنطاله ثم خرج مطأطئ الرأس حاني الظهر كأنما هو مفرغ حتى من القدرة على السير. في المنزل استقبله الدكتور زياد وقد لبس أفضل ما لديه من ثياب: -هه!! قل لي. هل أبدو "شيكاً"؟ بادره وهو ينظر إلى نفسه في المرآة القريبة من الباب. على مهل، تفحصه باقر. بشرود ذهن بعيد تأمله، ولم يملك إلا أن يعجب "الذوق موهبة.. وأنت بلا موهبة، فكيف يكون لديك ذوق؟". كان الطبيب يلبس الطقم الكحلي مع القميص البني، ربطة العنق الحمراء مع الجوارب الزيتية، لكن ما عساه يقول باقر؟ -شيك.. جداً.. جداً. قال أخيراً وقد أعاد الطبيب سؤاله. لكن.. خير؟ لماذا كل هذه "الشياكة"؟ -أنا مدعو للغداء... عندهم. رد زياد وهو يشير برأسه إلى جهة معينة، ضحوك المحيا باسم الثغر. تلك الجهة المعينة يعرفها باقر. مذ سكن لديه بات يعرف جهاته تلك. هو كل شهرين أو ثلاثة يبدلها، فتكون الجهة شرقاً ثم تصبح شمالاً، غرباً فجنوباً. لعلها تتغير بتغير اتجاه الريح.. تغير اتجاه المصلحة. أول مرة كان الطبيب قد أفضى له بسره. "كل ما أريده هو أن أتزوج وأستقر". "تزوج واستقر من يردك؟" "لا أحد، لكن مثلي لا يتزوج أي فتاة.. أية زيجة" "بيدك حق"، قال له باقر حينذاك، وهو يتلقى أول إشارات غرور الرجل، "أنت ترى. كل فتيات الأرض يمكن أن يحلمن بي. أنا شاب كامل الأوصاف، مكتمل السجايا.. أخته تعشقه.. فلماذا أبخس نفسي حقها؟" "أنت محق. على المرء ألا يبخس الناس حقهم فكيف بنفسه؟" "لهذا أريد فتاة كاملة الأوصاف مكتملة السجايا، مثلي" "ماذا تعني؟ كاملة مكتملة؟" سأله باقر، وهو يرغب في أن يفهم جاره أكثر ويتغلغل إلى أعماقه أكثر. "أقصد: الجمال، المال، السلطة، الحسب والنسب". يعني.. تطبق الحديث الشريف؟" "أجل. أنا مؤمن أسير على هدي القرآن وأطبق سنن الحديث الشريف: تنكح المرأة لأربع.." ولم يكمل المؤمن الحديث الشريف. جاره يعرفه.. كما يعرف أن الفتاة التي أراد نكاحها من قبل هي ابنة مدير عام تتوفر فيها الشروط الأربعة جميعاً: جمال، مال، حسب ونسب، ثم سلطة أبيها واسع النفوذ كثير الأسفار لا يحط في بلد إلا ليطير إلى بلد آخر. يعقد الصفقات ويغرف الأموال ليضعها هناك في البنوك لكن حسابات القرايا لم تنطبق على حسابات السرايا. فالطبيب وأمه، جيرانه وأصدقاؤه كلهم كانوا موافقين على خطبته لابنة المدير. لم يبق أمامه، شأنه شأن جحا، إلا أن توافق هي وأمها وأبوها. حاول على مدى أشهر ثلاثة، تقرب، تودد.. لكن عاد باقر ذات ليلة إلى المنزل فإذا بجاره "يا كباه!! يا تعساه!!" لقد طرده المدير العام من المنزل طرد كلب أجرب. ميزة الطبيب أنه لا ييئس.. آماله دائماً تتجدد كالفطور على المزابل.. فلم تمض أيام حتى جاء لباقر بخبر سعيد. "وجدتها"، صاح بصوت ثاقب كصوت الفيلسوف الإغريقي القديم فرحاً يكاد يتواثب تواثباً "من هي؟؟" سأله باقر فأجاب: "ابنة مغترب عاد لتوه من البرازيل.. يملك أموال قارون وتملك هي جمال فاطمة المغربية". وطوال أشهر أيضاً ظل زياد الخنفساء التي لا تعرف اليأس. تطرد وتعود.. توضع في وجهها الحواجز فتتسلقها إلى أن أفاق ذات يوم، فإذا بالمغترب وابنته قد عادا إلى البرازيل دون خبر أو أثر. هذه المرة هي ابنة وزير. حكى له الطبيب القصة منذ البداية. "الوزير يحبني" "أبوها معجب بي" "صرنا صديقين". "لا يستطيع مفارقتي"، راح الطبيب يقول له بين الفينة والفينة "وهي؟" سأل باقر أكثر من مرة لكن كل مرة كان يتهرب "هي ليست مهمة. المهم أبوها وأمها"، "لكن. هي التي ستتزوج". "صحيح. لكن الأم هي التي تدبر الزيجة، والأب هو الذي يوافق أو يرفض" وبدا لباقر أن الرجل واثق هذه المرة من نفسه، الأب يأخذه معه إلى المكتب، يصحبه في جولة، يدعوه إلى عشاء في مطعم، ويأتي الطبيب في كل مرة بأنبائه المفرحة "تقدم مطرد يتحقق" "خمسون خطوة إلى الأمام" الوزير يزداد إعجاباً بي يوماً بعد يوم". وها هو ذا ينبئه "دعوني اليوم إلى الغداء". -حاول أن تعرف رأيها، أوصاه أخيراً بعد أن طمأنه على أناقته وجمال مظهره. -بالتأكيد.. دعوتهم هذه لا تعني إلا ذلك، وعلى ذلك الأمل مضى الطبيب المعجب بنفسه حتى درجة الغرور، المتسلق كعرائش الدوالي، الراغب في الصعود إلى الأعلى ولو على خازوق. ستة أيام ظل باقر حبيس المنزل. لا يرغب في خروج أو دخول. شعور الاكتئاب كان يتملكه ولا يدري سببه. في اليوم السابع نهض: حلق ذقنه، لبس أحلى ملابسه ومضى يودع هريرة. "إذن، هو ذا سبب اكتئابك؟" راح يخاطب نفسه وهو يسير إلى منزلها "لا تريد الاعتراف.. لكن ها هو ذا يظهر من تلقاء نفسه" ووجد باقر لورا وقد تهيأت للسفر يحيط بها عدد من الأصحاب، جاءوا كلهم يودعونها: عدنان، منذر، خليل واثنان لم يكن قد التقى بهما من قبل. لبنى أيضاً كان لها أصحاب، وكان ثمة صاحبات. خرجوا معاً فإذا بقافلة من السيارات تخرج بلورا. لورا تعرف جيداً كيف تنتقي أصدقائها. هي تؤمن بالانتقاء "الطبيعة كلها تقوم على الانتقاء: انتقاء الأفضل، انتقاء الأجمل، انتقاء الأقوى". ومضى الركب إلى المطار. أكثر من مرة راح باقر يقلب ناظريه برهط الأصدقاء أولئك. هو يعلم أنهم كلهم ضاجعوها، وهم غيض من فيض "إذن!! كيف أعرض عليها الزواج؟" وأطرق برأسه أرضاً "صحيح، يمكن أن يكون المرء متحرراً لكن أن تكون له قرون؟ لا.. لا.. مثل هذه العلاقات تحد يومي للزوج، شوكة في الخاصرة، مخرز في العين، كلما نظرت، كلما تحركت وخزتك الشوكة، فقأ عينك المخرز. ولأول مرة مذ رفضت عرض الزواج شعر باقر بالراحة وتنفس الصعداء "الحمد لله أنها لم تقبل بي زوجاً". لورا لم تكن تخدعه.. سلوكها واضح صريح فكيف غاب عن ذهنه ذلك السلوك؟ كيف غلبته العاطفة؟ عشرات المرات رآها تخرج مع هذا الصديق أو ذاك. بل كثيراً ما كانت تصرح له "بودي أن أجرب الرجال كلهم فأحيط بكل معرفة". لكنه قلما كان يأخذ كلامها على محمل الجد. "وهل باستطاعة امرأة أن تجرب الرجال كلهم؟" هو على يقين أن لورا تكره أحادية العلاقة، ترغب في تعددية التجربة، تنويع الخبرات. لكن أن يسمع ذلك شيء وأن يراه شيء آخر.. رؤيته لأصحابها مجتمعين ولكل منهم دالته وبصمته جعلته يحمد ربه "أجل.. ما كان بإمكانك أن تتحمل ذلك زوجاً". في ردهة المطار، خطر بباله أن يعطيها عناوين أصدقائه، هناك في اسكندنافيا، فحركة الهجرة كانت قد استنزفت الكثير: سعدون، شاكر، كريم، رباح.. كلهم كانوا قد رحلوا إلى هناك. كلهم كانوا يكتبون له.. يغرونه بالمجيء.. بل في أكثر من رسالة وجد شيكاً من هذا أو حوالة من ذاك وكلها بالدولار. "تعال، تتخلص من فقرك، عذاباتك" كانوا يقولون له. لكنه لم يكن يلبي الدعوة. كان يفرح بالشيكات التي كانوا يرسلونها له لكنه يرفض الدعوات، فهل يرسل لهم صديقته؟ هل يجعلها هي تلبي الدعوة؟ "لا.. لا.." هز رأسه أخيراً "لا أحتمل ذلك" ونفض رأسه وهو لا يستطيع أن يتصور كيف يمكنه أن يرسلها إلى صديقه يلغ فيها. "ليلغ فيها الرجال كلهم، لكن أصدقائي لا" وأحس بنفسه يتعجب حتى حدود الدهشة "أأحبها إلى هذه الدرجة؟ أأغار عليها إلى هذا الحد؟" لكنه لم يستطع الإجابة، فقد ارتفع صوت مكبر يهيب بركاب الطائرة المغادرة إلى استوكهولم أن يتجهوا إلى البوابة رقم /12/. -رافقتك السلامة لورا، قال بانكسار، وهو يأخذها بين أحضانه مثلما فعل أصدقاؤها الآخرون جميعاً. -أنت حزين!؟ يجب أن تفرح لي. -أنا لا أفرح لغربة.. لا أفرح لشتات. -تدري باقر؟. أنا أشعر بالغربة، وأنا هنا في وطني. -كلام!! هذا كلام!! وحدها الغربة خارج الوطن، وحده الشتات هناك!!!. ومضت لورا، وصوت المضيفة يملأ القاعة الشاسعة الواسعة نداءات وأصداء، فيما راح باقر بيد متعبة وعين مغرورقة بالدموع، يلوح لفتاة بدت له ذات يوم قادرة أن تكون له الوطن، أن تخلصه من الغربة والشتات. لم يستطع باقر العودة إلى المنزل. كان يخشى الوحشة.. يخشى أن يعود إليه الاكتئاب. فمضى إلى المقهى. مقهى "الهافانا" ملآن دائماً: شتات العالم العربي يجتمع فيه كما يجتمع في مقاهي الحمراء في بيروت. الفلسطيني، العراقي، اليمني، السعودي، الجزائري.. كلهم يؤمون الهافانا. -مرحباً يا صديقي، بادره بلقاسم وهو يجلس وحيداً إلى طاولة قرب الباب. -مرحباً.. كيف أنت؟ رد باقر فرحاً ببلقاسم، فرحاً بلهجته الجزائرية اللذيذة.. بقصصه التي يجد فيها دائماً الأنس.. -لا بأس.. لا بأس، قال بلقاسم دون أن يبدو عليه اللابأس ذاك. مبدأه: "لا تأخذ الدنيا على محمل الجد" وكان ذلك المبدأ قد أراحه كثيراً ذات يوم. لكن في تلك اللحظة بدا وكأنه تخلى عن ذلك المبدأ. على وجهه كانت مسحة من حزن وآثار من هموم، هو الذي لم يكن يكره كالحزن والهموم. في صحيفته، هناك في العاصمة، كان يتابع الأخبار المفرحة دائماً: أخبار المجتمع المخملي، أفراحه، أعراسه، ندواته، أمسياته الشعرية، وكان حسبه أن يظهر في أي مكان حتى تفتح له أبواب ذلك المكان. الرئيس الشاذلي نفسه كان يحبه، فلا تقام مأدبة في القصر إلا ويدعى إليها بلقاسم. لا يجري احتفال.. مناسبة، إلا وبلقاسم ضيف في ذلك الاحتفال أو المناسبة. بلقاسم يعيش بالراحة.. عمله بالراحة، زواجه بالراحة علاقاته بالراحة. وكان لا يفتأ يردد: "Take it easy, Take it easy". لكن ما إن جاءت الانتخابات واكتسح الأصوليون الأحزاب الأخرى، حتى بدا وكأن كل شيء ينقلب رأساً على عقب. سبعون بالمائة من المقاعد لهم. أين إذن جبهة التحرير؟ أين الأحزاب العلمانية؟ أين حركة التقدم والديمقراطية؟ الأصوليون واضحون. يريدون العودة بالبلاد إلى حيث عادت إيران والسودان، باكستان وأفغانستان.. شريعة إسلامية كما كان يطبقها عمر وعثمان: أيد تقطع وظهور تجلد ونساء ترجم، وأحست النخبة الحاكمة بلهب النار يصل إلى ثيابها فانتفضت. النار تحرق، وهم لا يحبون أن تحرقهم النار. لكن ما عساهم يفعلون؟ هم أنفسهم من نادى بالديمقراطية، بالانتخابات الحرة النزيهة، وها هي الديمقراطية تشعل في ثيابهم النار. لم يكن أحد منهم قد ظن أن الناس برمت بهم، سئمت فسادهم، سرقتهم لأموال الشعب، نهبهم حتى تراب الوطن، فمضت تبحث عن بديل تحسب أنه لا يسرق، بديل تزعم أنه سيمنع عنها أهوال الفساد. وكان البديل مشايخ ذوي لحى، رجالاً يتمسكون بأهداب الدين. أليس الدين هو الأخلاق؟ أليس غاية الأخلاق مكافحة الفساد؟ نشر الصلاح وضرب الطلاح؟ إذن، لم لا ينتخبون من يصومون ويصلون، يحجون ويزكون؟ الخطر داهم. أحست النخبة بذلك: قادة البلاد، قادة الجيش، قادة الأحزاب الأخرى.. الأصوليون سيمسحونهم عن وجه الأرض.. سيهدمون كل ما بنوه. صحيح، هم سرقوا، نهبوا، أفسدوا، لكنهم في الوقت نفسه بنوا. أدلة كثيرة تشهد على ذلك: مدارس، جسور، مستشفيات، جامعات، مراكز ثقافية، صحف، مجلات.. كل شيء يدفع بالمجتمع قدماً كانوا قد بدؤوه. صحيح، أنهم لم يكملوه.. شغلتهم مصالحهم الخاصة عن المصالح العامة، لكن الصحيح أيضاً، أنهم كانوا قد وضعوا قواعد وأسساً إن جاء من يطورها تقدمت البلاد وإن جاء من ينسفها تراجعت. هم على مفترق طرق. الديمقراطية التي أرادوها هي تلك التي تساعد على التقدم لا التي تدفع في طريق الرجعة.. فماذا يفعلون؟ أمامك فانظر أي نهجيك تنهج طريقان شتى: مستقيم وأعوج المستقيم هو أن يتابعوا الانتخابات ثم يسلموا البلاد لرجال ذوي لحى طويلة عريضة وآفاق محدودة ضيقة، والأعوج هو أن يوقفوها. بهذه الحجة، بتلك يوقفونها فلا يستغل الديمقراطية أناس لا يؤمنون بالديمقراطية. "لا لمن لا يؤمن بالديمقراطية" بدأت "مانشيتات" الصحف تخرج في الجزائر، وهران، عنابة، قسطنطينة.. وكان ما يزال على بدء المرحلة الأخيرة من الانتخابات خمسة أيام. "الديمقراطية للديمقراطيين فقط." وكان الأصوليون الفرحون بنتائجهم الأولى قد أفلتوا العنان لتصريحات لاهبة في الصحف، وخطب حماسية في الجوامع تندد بالنظم المستوردة من الغرب... تنادي بالعودة إلى عصر الأسلاف وشريعة الأسلاف "فكل ما عداها كفر.. وكل ما هو خارجها باطل." إذن الديمقراطية باطل؟" سأل صحفي أحد رجالهم بلحيته الطويلة العريضة وآفاقه المحدودة الضيقة، فقال: "بالطبع. الديمقراطية، الحرية، الصحافة، علوم الغرب، أزياء الغرب، مشروبات الغرب، كل ما جاءنا من الغرب هو باطل". وأدركت النخبة أن الخطر يقرع الباب "إن جاءوا سينسفون كل شيء: الدستور، القوانين، النظم، سيعودون بالبلاد مئات السنين إلى الوراء" ومضت كل من نسائهم تولول "كيف سنلبس الحجاب؟ نحرم من العمل؟ التعليم؟ بل حتى الخروج إلى النور؟" وللتو انطلقت أصوات، علت احتجاجات، صدر إثرها أخطر قرار عرفته الجزائر منذ أن قررت فرنسا الرحيل: إلغاء الانتخابات. بلقاسم فرح لإلغاء الانتخابات، هلل له وصفق. لكنه لم يهلل ولم يصفق حين بدأ رد فعل الآخر: اغتيالات ومذابح.. صغيرة متفرقة بدأت: ضابط أمن هنا، شرطي هناك، ثم صحفي هنا، كاتب هناك.. أشباح لا يدري أحد من أين تأتي، بيدها سواطير، خناجر، سكاكين لتمارس فن الذبح. هي تتقن فن الذبح. تغير على بيت فتذبح كل من فيه ذبح النعاج. هم يؤمنون بالعدالة والمساواة، والعدالة والمساواة أن لا يفرقوا، فيذهب الجميع ذبحاً. من قلب الليل، من قلب الدغل، تخرج الأشباح مدججة بالسلاح، رؤوساً بلا وجوه.. صدوراً بلا قلوب.. أفواهاً بلا ألسنة فتهجم على القرية. تخرج رجالها، نساءها، شيوخها، أطفالها تصفهم في الساحة.. تلقيهم أرضاً ثم تعمل فيهم خناجرها وسكاكينها ذبحاً وطعناً لتسيل دماء لم تعرف الدنس، وتخرج أرواح لم ترتكب الإثم. بعدئذ تمضي الجماعة لتصلي لربها وتشكره، هو الذي مكنها من أعداء أشرين ضلوا طريقهم واتبعوا الكافرين. بلقاسم تابع مسلسل المجازر، رأى الدماء وهي تسيل، سمع الأنات وهي تنطلق، آهات الجرحى استغاثات الأطفال. بل رأى بأم عينه خنجراً يقطر دماً وقد شرخ عنق صديقه حمروش، وكان حمروش مجرد حارس مسكين لصحيفة مسكينة لا ناقة لهما ولا جمل. شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة راحت الدائرة تتسع، الذبح يشتد، المجازر تكبر، حتى بدا وكأن الناقمين المنتقمين يريدون أن يبنوا أهرامات مصر من جماجم القتلى وجثث المذبوحين. أصدقاؤه بدأوا يتساقطون: شمراي.. الميهوب.. بن سعدة.. كلهم سقطوا على درب القلم. واحداً إثر الآخر كانوا يسقطون. بالرصاص، السكاكين، القنابل كانوا يجندلون لتجري دماؤهم حمراء قانية لا تقف حتى البحر. الأمن، الشرطة، الجيش، الأحزاب المنظمات، كلها اندفعت تقف في وجه الخنجر والسكين. لكن الخنجر والسكين لم يتوقفا. كانا يتسللان إلى كل قرية، كل شارع، كل ساحة، وكانا ينغرزان عميقاً في اللحم، يحزان عميقاً في الرقاب، يقطعان عميقاً في الأوصال، ولا يتركان في إثرهما إلا الجثث والدماء. حاجز مفاجئ ينتصب وسط الطريق. أشباح الليل خلفه ينتظرون. تمر حافلة ملأى بأهل القرية: هذا يحمل إوزة، ذلك تيناً، ثالث سطل لبن، رابع سلة بيض، لكن الحاجز ينتصب وسط الطريق، ويقف السائق. يحسبهم رجال أمن. يقف لتظهر الأشباح. ينزلون السائق، الفلاحين، الفلاحات، ثم يبدؤون الذبح.. الذبح.. وتجري دماء حمراء قانية لا تقف حتى البحر. مع الحواجز، الغارات، الهجمات، راح ينداح شيء آخر، اسمه الرعب. وحش لا وجه له، لا قامة، لا شكل، لكن لونه أسود، طعمه حنظل، رائحته كريهة. عن بعد يشم الناس رائحته. عن بعد يذوقون مرارته، يخفيهم لونه الأسود الكالح كقروح جذام.. فيهربون. من يستطع يهرب، لكن من تراه يستطيع؟ بلقاسم هرب. أصدقاؤه كانوا يسقطون، والدائرة تدور حوله. كتاب، صحفيون، فنانون، مبدعون.. كلهم يصرعون. "ماذا؟ لكأن الأدمغة المبدعة وحدها هدفهم، العقول النيرة وحدها مبتغاهم. هي ثمار يانعة يريدون قطافها، فلماذا أدعهم يقطفونني؟" وركب بلقاسم الطائرة. قبل قرن ونصف كان ثمة أمير أعلن الحرب على الاستعمار وقاتل، لكن برهن الاستعمار أنه يملك عدة وعتاداً أقوى، وحوصر الأمير، ثم خيِّر: "أي منفى تختار؟" واختار الأمير دمشق. بلقاسم، كالأمير، اختار دمشق. فقط لو كان مطمئناً، لو كان مستريحاً، إذن لذاب بها عشقاً كما ذاب الأمير. لكنه دائماً في بلبال. عقله دائماً هناك.. عيناه على مجازرها.. أذناه لأخبارها.. والجزائر فريسة بين جزارين. بالأمس كان بلقاسم يشهد أخبار التلفاز، وكان يتصدرها خبر مجزرة. سبعون ذبيحاً في قرية "بونجيلة" ورأى بلقاسم بأم عينه الجثث ملقاة على الأرض، الوجوه معفرة بالتراب، الدماء تلطخ الجدران، الأرصفة، الطرق حتى خيل إليه أنها تلطخ العالم كله، وضمير العالم نائم، عين العالم مغمضة، فم العالم مطبق.. أمريكا، فرنسا، بريطانيا، الغرب كله يحتضن قيادات الجزارين. هو يعلم ذلك، يعلم أنه يقدم لهم المأوى، المال، السلاح، بل يقدم لهم قواعد التدريب حيث يتعلمون فنون الذبح، يتدربون على أساليب القتل، وحين يتقنون تلك الفنون والأساليب يرسلهم إلى وهران، عنابة، سهول الجزائر، جبال الجزائر ليقتلوا ويذبحوا. الغرب يغض الطرف، يزعم أنه لا يرى شيئاً، لا يسمع شيئاً. بلقاسم يرى ويسمع ولا يملك إلا أن يحزن. يسهر الليل ويحزن، فقد غدا العالم كله وليس فيه سوى الحزن. -ما بك؟ سأله باقر وهو يعلم سبب حزنه. -ما الذي ليس بي؟ أنت ما سمعت بمجزرة بونجيلة؟ -لا، أجاب باقر، وقد شغلته شجون وشؤون منعته حتى من رؤية التلفاز. روى له بلقاسم أخبار المجزرة، وصف له ما رأى بأم عينه على الشاشة ثم صرخ وكأنه يصرخ من فم سكين: -يا رب السما!! إلى متى يذبح الأبرياء؟ يقتل العزل؟ الشيوخ؟ الأطفال؟ تلك الصرخة لم تنطلق من مقهى الهافانا وحسب، بل من كل قرية وبلدة من قرى وبلدات العالم المتحضر ذاك الذي خرج منذ زمن طويل من ثياب البربرية، خلع منذ زمن طويل جلد الوحوش ليلبس البزة وربطة العنق ويقول إنه ترك الغاب وشريعة الغاب، ليعيش في كنف المدنية وشرائع المدنية. -أهي الجزائر فقط عزيزي بلقاسم؟ سأل باقر وهو يرى بأم عينه، كما في فيلم سينمائي، صوراً شتى للمعاناة والعذاب: شرقي الوطن، غربيه، شماله، جنوبه، وكله معاناة وعذاب. -لكن الأفظع هناك في الجزائر، رد بلقاسم وقد ازداد وجهه اربداداً وحزناً. هناك حيث الأخ يقتل أخاه.. الابن أباه. -ربما، بلقاسم، ربما. لكن ثمة شعوب بكاملها تقتل: في ليبيا، السودان، فلسطين، العراق.. شعبنا يقتل بلقاسم.. يقتل. -أجل، يقتل، أنا معك. لكن سامحني. جرح الجزائر موجع. أشعر به هنا سكيناً في صميم القلب تمزق.. تمزق. وشرد باقر. وسكين في صميم قلبه تمزق.. تمزق. بعيداً راح خياله. والألم القاتل يعتصره. هناك طاف فوق الفرات. جنوباً جنوباً حتى البصرة، حيث العشار.. شط العرب.. البيوت الجميلة ذات الشناشيل.. ألم تحترق بمن فيها؟ ألم تسقط على رؤوس أصحابها؟ ألم تصبح مضغة لصواريخ تتفجر وقذائف تتطاير؟ بيتهم ذاك الذي دفع أبوه دم قلبه حتى اشتراه، ألم يتناثر حجارة وشظايا؟ ألم يحرق كاظم بناره؟ ألم يصبح في قاعه رماداً؟ باقر لم ير بعينه، لكنه سمع. بعد سنين جاء من يخبره أخبار الأخ الذي مات والأم التي تشردت لكي تعود من جديد وتموت. قنابل الأنكلو أمريكان ما زالت تجوس البصرة. تقتل هذا وذاك، تحرق البيوت، النخيل، الأشجار، الأزهار. "الفاجعة في كل مكان من وطننا العربي!! الكارثة في كل مكان.. يا صديقي!!". -ماذا باقر؟ أنت لا تسمعني؟ سأله بلقاسم وقد رأى صاحبه شارداً بعيداً. -اعذرني. كنت أفكر: كل ما حولك يدمي القلب. فأين تنظر؟ على ماذا تحزن؟ -أجل، بيدك حق. في فلسطين نتنياهو يحاصر شعبنا، يقتل أطفالنا.. نساءنا. في مصر أخوان مسلمون أيضاً يقتلون ويذبحون. -وفي العراق، قاطعه باقر وهو يزفر زفرة حرى، كل يوم طائرات الأنكلو أمريكان تقصف وتدمر. الأطفال يموتون جوعاً ومرضاً. -آه!! يا إلهي!! لماذا نحن هكذا مستضعفون ممزقون؟ مذلون مهانون؟ وبدت الهافانا، الصالحية، دمشق كلها تردد صيحة بلقاسم بكثير من الغيظ والاحتجاج.. العالم كله يتكلم عن رفاه الإنسان، سعادة الإ،سان، ازدهار الإنسان.. وحده الوطن العربي يتكلم عن ابسط حقوق الإنسان: حق الحياة، ولا يعطى ذلك الحق. اليهود في القلب خنجر يمزق أبداً، الأمريكان في الشرق والغرب، الانكليز في الجنوب، الفرنسيون في الشمال وكلهم يتربص بالوطن شراً، يريد سلب حرياته، نهب ثرواته، إبقاءه مطية أبد الدهر. -نحن موتى وشر ما ابتدع الطغيان موتى على الدروب تسير. ردد باقر ثم نهض معتذراً من بلقاسم. كان قد شرب القهوة لكنه لم يجد السلوان الذي جاء يبحث عنه. شتات المقهى لا يحمل معه إلا الهم والغم.. وجوههم.. عيونهم.. جباههم كلها تقطر هماً وغماً، فلماذا يجلس باقر في المقهى؟ لماذا لا يعود إلى منزله يدفن فيه أحزانه؟ لورا سافرت حاملة معها آخر شعاع من أمل في أن يجد الوطن والسكن.. فأين يجد الوطن والسكن؟ أين يجد السلوان؟ -الله بالخير باقر!! بادره اثنان وقد صار على الرصيف. -الله بالخير جواد! الله بالخير عمر! حياهما، صديقين من عراقه المقطع المجزأ وقد اقتلعاه من شروده. -أسمعت الأخبار؟ وخيل إليه أنه سيحدثه عن مجزرة "بونجيلة" فقطب جبينه. -سمعت أخبار الجزائر المروعة. -لا.. لا.. خبر عن العراق، يمكن أن يكون مفرحاً، قاطعه جواد هاشاً باشاً، هو الذي كان يشاركه الموقف والرأي في تياره الوطني الديمقراطي. -مفرح؟ شاكو؟ ماكو؟ شنهو الخبر جواد؟ سأل بلهجة عراقية مفاجئة دفعت بجواد لأن يقترب من أذنه هامساً. -حسين كامل عاد إلى العراق. -تقول الحق؟ صاح بلهجته العراقية ذاتها وكأنما هو في أزقة البصرة. -الحق والصدق. -يعني.. تصالحوا؟ -هيج يقولون؟ رد عمر باللهجة نفسها. تاري.. هناك مفاوضات سرية.. اتصالات. صدام ما يقدر يتخلى عن حسين كامل وحسين كامل ما يقدر يتخلى عن صدام. -أحسن، أحسن ما يصير الرجل عميل أمريكا. -هاه!! ما قلت لك؟ خبر مفرح. -إي، أنا أفرح بهذا الخبر.. أفرح به. ومضى باقر في طريقه وقد انفرجت أساريره. أخيراً ثمة شعاع من أمل يخترق حجب تلك الظلمة. ليس من أجل صدام ولا من أجل حسين كامل، بل من أجل رئبال. كانت أخبار رئبال قد وصلته. أثناء زيارته لعمان حاول رؤية حسين كامل، لكنه لم يفلح في أيام ظل وهو يحاول لكنه كان يرتد خائباً كل مرة. آخر مرة، التقى بعراقي مثله كان يريد رؤية حسين كامل، وكان قد جاء لتوه من بغداد، هارباً هو الآخر. "آه ما أكثر الهاربين!! كلهم يريدون النجاة بجلودهم!! وحوش تطاردهم وهم عزل. لحم قبالة أنياب.. جلد مقابل مخالب. فكيف لا يهربون طلباً للنجاة"؟ ذلك الهارب حكى له كل شيء عن هرب حسين كامل.. عن رئبال.. عن أخته "آه!! لك الله يا رقية!! كم عانيت وقاسيت وقد وصلت إليك مخالب الوحوش تنهش وتمزق!!"، فكيف لا يفرح باقر إذا اصطلح كامل وصدام؟ كيف لا يسر إذا عادت مياه رئبال إلى مجاريها؟ مياه رئبال عادت، لكن ليس إلى مجاريها، بل جرت مع دجلة منحدرة من بغداد إلى العمارة حيث تشق المدينة شقين: غربياً وشرقياً. بيت رئبال في الغرب وبيت آل الوضاح في الشرق، لكن قرابة نسائية كانت تجمع بينهما وتجعل من محسن ورئبال صديقين وتجعل رقية تلتقي برئبال وهو طالب جامعي يدرس الهندسة ويصبح شيئاً فشيئاً فارس الأحلام. فارس الأحلام خرج من السجن، رجلين من قصب ويدين من عيدان، فغدا هم رقية أن تعيد الرجلين نخلتين واليدين هراوتين. كانت مصائب رقية كمصائب الناس جميعاً قلما تأتي فرادى. هي تأتي مجتمعة، تتنادى ثم تنقض سرباً من الضباع. ليلة خروجه مات ابنهما بالتيفوئيد، بعد ثلاثة أيام جاء أمر تسريحه من العمل ليبقى بلا عمل، بلا راتب، بلا حتى تعويضات. سعى محسن لإصلاح الوضع "معقول؟ تدعونه بلا معاش يعيش به هو وأطفاله؟" "احمد ربك أنهم لم يدعوه بلا يدين ولا رجلين" وكانوا على حق. محسن، رئبال، كلهم يعرفون أنهم على حق. المحظوظ منهم من يدخل معتقلاتهم ويخرج برأسه. رجال الأمن في بغداد لا يعرفون المزاح. عقوباتهم: الموت أو الموت. يدهم والمسدس، كل متهم مدان حتى تثبت براءته، ورئبال مدان. هو في قناعتهم مدان. مائة مرة سأله المحقق بلسان كله حقد وأصابع كلها اتهام "بريء؟ كيف؟ ألست سكرتير حسين كامل؟ إذن كيف لا تعرف كل شيء عن حياة حسين كامل؟ كيف تجري المياه من تحت رجليك وأنت غافل؟ أليس من واجبك أن تكشف خيانة الخونة؟ غدر الغادرين؟ أليس من حق الوطن عليك أن تحميه من متآمر قذر كحسين كامل فتبلغ عن كل ما يشتبه به؟" ولم يكن باستطاعة رئبال أن يرد على سيل الأسئلة تلك، فتنكتم أنفاسه ويبدو متلبساً بجرم لا شك فيه. محسن وحده هو الذي أنقذه من رصاص الإعدام. "الرصاص!!" كم سمعه رئبال وهو في السجن!! فجأة تنطلق زخة من رصاص في مكان ما، من قلب الظلمة والسكون، أو رصاصة مفردة ثم أخرى ثم ثالثة، ويرتعش كل ما في رئبال: لحمه.. عظمه.. جلده.. شعره.. كله يرتعش فقد كانت تقفز إلى ذهنه صورة بائس من بؤساء السجن، والرصاص يجندله متخبطاً بدمه. كل مرة، كانت تمسك به البرداء فيرتجف في زنزانته ويرتعش مصطك الأسنان مصطك الركبتين وكل ما يتصوره أن الرصاص قادم إليه، فوهة المسدس تقترب من صدغه لتصرعه هو الآخر أرضاً متخبطاً بدمه. "يا إلهي!! لماذا هم قساة هكذا، جلاوذة بغداد؟ كيف يخرجون من صدورهم القلوب ليغدوا بلا قلوب؟ كيف يحولونهم إلى وحوش فاتكة لا ترضى إلا بالدم البشري"؟ لكن ما من أحد كان يرد على رئبال. جدران السجن مصمتة. خلفها الغموض، الخوف، الظلام، المجهول، وحسب رئبال أن يظل في زنزانته مفرداً موحشاً لا يفتح عليه الباب أحد ولا يقاربه أحد. هو أعزل لا خنجر لديه ولا سيف فكيف يستطيع الدفاع عن نفسه؟ هو في غابة لا قانون فيها ولا نظام. نزوات الوحوش وحدها تحكمها، أمزجة الوحوش، شهية الوحوش.. أهي بحاجة لطعام؟ إذن يمكنها أن تمزقه. شكله لا يعجبها؟ إذن يمكنها أن تمزقه. وكانت الكوابيس تلاحقه، حتى في نومه كانت الوحوش تلاحقه وكلها تريد تمزيقه. لا طعام، لا شراب، لا نوم إلا مع الكوابيس فكيف لا يخرج رئبال، رجلين من قصب ويدين من عيدان؟ عشرين، ثلاثين يوماً ظلت رقية تسقيه حباً، تحقنه حناناً، تحشوه طعاماً، إلى أن بدت الأوراق المصفرة تخضر، والنبتة الذابلة تنتعش رافعة رأسها للشمس والريح. "لنرحل من بغداد"، قالت رقية فوافق رئبال. لكن كان محسن ما يزال يسعى وكان ما يزال لديه أمل "لن أتركهم حتى يعيدوا لك راتبك ووظفيتك" "لا.. لا.. أرجوك.. لا أريد راتبهم ولا وظيفتهم. دعني أبعد عن الشر وأغنِّ له" وذات صباح ركبت الأسرة التي فقدت ابنها بالتيفوئيد وابناً آخر بالحصبة، سفينة بائسة مخرت بهما دجلة إلى العمارة، وكل همها أن تبعد عن الشر وتغني له. في العمارة ما تزال العائلة أكثر تماسكاً، هي جزء من العشيرة والعشيرة هي الوحدة الأساس في المجتمع. أفرادها متكافلون متضامنون. إن قتل أحدهم قتيلاً دفع الكل ديته. إن قتل منهم قتيل عملوا كلهم للثأر له. هم كل واحد: في السراء.. الضراء.. الأفراح.. الأتراح.. فهل يتركون رئبالاً بلا سند أو دعم؟ المهندس الذي كان ذات يوم في رأس الهرم، هل يتخلون عنه وقد رأوه يسقط إلى الحضيض؟ هو بلا عمل، بلا راتب فهل يتركونه يجوع؟ النظام العشائري لا يسمح بذلك. هو يكفل الفرد حيث تتخلى الدولة عن الفرد. وفي العمارة سرعان ما تلقت العشيرة الأسرة العائدة كسيرة حسيرة، لتحضنها مقدمة لها الدفء، الحنان، الرعاية. "ارحموا عزيز قوم ذل" وبدأ رئبال يخرج شيئاً فشيئاً من حضيض الذل.. بدأ شيئاً فشيئاً يستعيد، عافيته، توازنه، كبرياءه. في العمارة طبيعة أيضاً، والطيبعة أم رؤوم.. حضن دافئ يلقي الإنسان بنفسه فيه يستمد الدفء والحياة. رئبال يخرج كل صباح إلى الحقل الصغير، ذاك الذي تركه له والده على ضفة دجلة. لم يعد الرجل مهندساً أو صناعياً. لم يعد يفكر ببناء المصانع المتقدمة والمعامل المتطورة في العراق، بل صار همه كله أن يزرع بضعة أنواع من الخضراوات... أن يعتني بنخلاته القلائل... أن يطعم دجاجاته السبع فتوفر له دجاجاته، نخلاته، خضراواته شيئاً من الاكتفاء الذاتي. بيت العائلة الواسع كان قد كفل له المأوى. رغيف الخبز كان يأتيه. حليب الغنم كان يصله. هو لا يسأل كيف أو من أين؟ حين ترك بغداد كان يعلم أن العمارة شيء آخر غير بغداد مدينة كبيرة يضيع فيها الفرد والعائلة، العشيرة والقبيلة. هو غريب فيها ليس له سوى محسن. محسن شهم صاحب مروءة ونخوة، لكن إن كان صاحبك عسلاً فلا تلحسه كله. حرام!! محسن احتج، فاطمة ذرفت الدموع الغزار. "أنتم في عيوننا. اللقمة نقتسمها بيننا وبينكم" لكن رئبال لا يريد البقاء في بغداد. المنزل الذي رأى ضعفه وسقمه، دفن فيه ابنيه الاثنين، لم يعد يتصوره إلا بيت أشباح. بدل بغداد كلها، المدينة التي شهدت ذله، رأت بأساءه تحولت إلى بيت أشباح لا تطيب فيه الحياة. العمارة ملاذ لكن، شأنها شأن بغداد، شأن البصرة، الموصل، تعاني الحصار، الحظر الجوي، العدوان الغاشم الدائم، فلا يمر يوم أو يومان إلا وتهدر في سمائها طائرات أشباح أو تدوي على أرضها انفجارات صواريخ وقنابل. الأنكلو أمريكان حريصون، وقد جعلوا العراق عظماً بلا لحم، أن يجردوه حتى من الجلد. فإذا تحركت قافلة عسكرية ضربوها، وإذا رفع رادار رأسه قصفوه، وإذا شال مدفع بسبطانته حطموه. حقداً قديماً، قدم نبوخذ نصر، كان الأنكلو أمريكان يحملون على العراق. أتراهم اليهود لا ينسون؟ لكن كيف ينسون ومقولتهم: "لتنسني يميني أن نسيتك يا أورشليم". إصرارهم على الانتقام لا يكل ولا يمل. في تلمودهم، زبورهم، مزاميرهم، توراتهم غرسوا شتول تلك الأحقاد فنمت مع الزمن وترعرعت حتى صارت غابات متشابكة يسكن جنباتها اليهود وأتباع اليهود جميعاً: ماسون، شهود يهوه، سبتيون، أنجليكان، بروتستانت.. والكل يريدون الانتقام من نبوخذنصر في نسل نبوخذنصر. يريدون الثأر من بابل في ما بقي من بابل وكل من يمت إلى بابل. بابل السبي واليهود لا ينسون السبي. لا ينسون قوافلهم وهي تساق إلى بابل، جذورهم، وهي تجتث من الخليل والسامرة فكيف لا ينتقمون الآن وقد صارت بيدهم القوة؟ الأنكلو ساكسون.. الأمريكان.. الفرنساوي.. الطليان كلهم في خدمتهم. أليس بيدهم مصارف العالم؟ إعلام العالم؟ أقوى قوتين في العالم؟ إذن، ليسخروا العالم لخدمتهم. ليجعلوه المطية لتنفيذ مآربهم ونفذ العالم مآربهم، مع ذلك لم يقنع اليهود. قتل لهم العراق، لكنهم لم يقنعوا. "يرضى القتيل وليس يرضى القاتل" هم يريدون أن يسحقوه سحقاً، لكن العراق لا ينسحق، يضربونه بقنابل الليزر.. بالرؤوس المشعة، بقذائف اليورانيوم المنضب مع ذلك لا يموت. يحاصرونه.. يمنعون عنه الطعام والشراب، مع ذلك يظل حياً. يسممون نباته، يزرعون ترابه جراثيم، يبثون في أوصاله الفيروسات والميكروبات، مع ذلك لا يموت. العراق كبير.. العراق واسع.. شعبه حي.. قاوم المغول.. التتار.. الغز.. الترك.. الفرس.. الانكليز.. قتل الكثير من أبنائه.. جرت دماؤهم أنهاراً.. جثثهم تراكمت تلالاً مع ذلك ظل حياً لا يموت، فهل يميته اليوم حصار أو حظر؟ رئبال يرى الفقر من حوله، يرى الجوع، المرض، الطرق المسدودة في وجوه الناس، الآفاق المغلقة، البحار والأنهار المطوقة، مع ذلك يشعر أن العراق لن يموت. الناس يعانون.. يمدون أيديهم لبعضهم بعضاً.. يقتسمون حبة التمر.. كسرة الرغيف ويظلون على قيد الحياة.. نخيل العراق معطاء.. عراجينه تتدلى.. حقوله تعطي قمحاً.. أهواره تنمي أرزاً. وفي دجلة سمك.. في الفرات سمك.. في الأهوار سمك فكيف يموت العراق؟ في الأهوار أهل لرئبال، مثلما في العمارة له أهل. ذات يوم خطر بباله أن يزورهم فذهب رئبال إلى الأهوار. جزيرتهم لا تبعد أكثر من سبعة أميال داخل الماء "والبلم" ينقله بهدوء لتغيبه أدغال القصب والبردي، تحته الماء وفوقه السماء. ذلك العالم من الماء والسماء يفتنه.. تلك الدنيا من البردي والقصب تبهره. هايك الجزر من العيدان المشبوكة والأخشاب المحبوكة تسحره.. كيف لا وهو يحس أنه انتقل بأمياله السبعة إلى جزر الواق واق؟ حيث لا ساكسون ولا أمريكان، لا حصار ولا عدوان. أقرباؤه في جزرهم لا علاقة لهم بكل ما يجري على البر. أهوارهم عالم مغلق. كأن بحر الظلمات يفصله عن بر العراق.. لا جسور تصلهم بذلك البر.. لا خطر يأتيهم من ذلك البر. "بأبلامهم" يجوبون الأهوار. بشباكهم يصيدون أسماكاً وضفادع، بطاً وإوزاً وعلى جزرهم يستريحون الليالي القمراء، يسهرون ويرقصون، يغنون ويهزجون. وخيل لرئبال أنه قادر أن يعيش في الأهوار طول العمر.. قادر، إن اشتد الحصار، أن يلجأ إليها، بل العراق كله قادر أن يلجأ إلى الأهوار. يعيش على سمكها وبطها، ضارباً عرض الحائط بكل ما يفعله أعداء العراق لخنق العراق. رقية لم توافقه. "ماذا؟ نحقق للاستعمار مخططاته؟ ننفذ بأيدينا أهدافه فنستسلم له ونعود إلى الحياة البدائية، حياة السماء والماء.. أيام جلجامش وأنكيدو؟" "آه!! ليتنا نعود إلى أيام جلجامش وأنكيدو!! نذهب إلى غابات الأرز نبحث عن نبع الخلود!! فلا نسمع باستعمار ولا أنكلو أمريكان. ونخلص من الحصار والحظر" "بالعكس، علينا أن نواجهه لا أن نهرب. أن ندك أسوار ذلك الحصار بأيدينا، أن نفتح فيه الثغرات لكي نخرج إلى النور والهواء" "كيف وقد صرنا لا حول ولا طول؟" "العراق لا يعدم الحيلة. أنا أعلم، ثمة دائماً منفذ، الذكي الحاذق هو من يجد ذلك المنفذ" "يا إلهي!! أنت دائماً متفائلة، دائماً لديك أمل. ليت شعري من أين تأتين بذلك الأمل؟" "من الحياة. رئبال، الحياة نفسها أمل. مد يدك إليها فقط هي تعطيك الأمل. أتذكر؟ حين بدا لكل الناس أن العراق مختنق لا محالة.. ميت لا محالة.. انفرجت الأزمة وجاء الخلاص: النفط مقابل الغذاء" "صحيح!! لكنه غير كاف. هم يعطوننا بالقطارة. قوت اللايموت" "صحيح.. لكنهم يعطون. صار لدينا شيء، وشيء دائماً خير من لا شيء" "الضيق شديد يا رقية، الفقر مدقع. المرض مستفحل" "لكن الشعب يقاوم، الحكومة تكافح، الكل يعمل لكسر الطوق، لتوسيع تلك الفرجة. أتعلم؟ فاطمة حدثتني أمس. بدأوا بإعمار البصرة" "حقاً!! إذن لن تظل البصرة خراباً؟" "لا.. الآن سيعمرونها. بيتنا هناك سيعمرونه وفاطمة ذاهبة إلى هناك تشرف على إعماره" "اذهبي أنت أيضاً" "حقاً؟ تريدني أن أذهب؟" "لم لا؟ ألست أختها؟ ألست شريكتها؟ اذهبي أذهب معك" وبدا الاقتراح مغرياً لرقية. كانت أشهر طويلة قد فصلتها عن الأخت. لا فاطمة تجيء إلى العمارة ولا رقية تذهب إلى بغداد. لكن ها هي ذي البصرة تعود فتجمعهما. البيت الذي هدمته بوارج الأمريكان في حي الخندق كان يدعوهما لإعادة بنائه. "أنعيده كما كان أم تريدان تعديلات وتغييرات؟" جاءهما السؤال وكانت قد اتفقتا. "بل يعود كما كان: غرفه، ممراته، ردهاته، قبوه" فيستعيدانه: مرتعاً للصبا وأثراً يحمل رائحة الوالدين. وحدها الغرفة- الكوخ، تلك التي قضت فيها الأم آخر أيامها كانت ستزال.. قبحها كان سيشوه الفيلا ذات الشناشيل، بسطوحها الواسعة وشرفاتها الجميلة، حيث كانوا يقضون أمسيات الصيف على السطح ونهاراته في الداخل والعاقول على الشبابيك يرطبونه بالماء فيبترد الداخل وتخف حرارته. "الله!! كم كنت جميلة يا تلك الأيام!! ما ألذ برودتك يا أنسام العاقول!!" في اليوم التالي التحق بهم محسن. -سمعت؟ همس في أذن رئبال وهو ما يزال يضمه في عناق حميم. -ماذا؟ أعاد رئبال الهمسة، وهو يبتعد عنه، ناظراً في عينيه. -"المعلم" عاد.. -غير معقول!! هتف رئبال غير مصدق، فأسرعت رقية وفاطمة تسألان ما هو غير المعقول ذاك، وفي كنف نخلة كانت ما تزال تشمخ برأسها متحدية صواريخ الأنكلو أمريكان وقذائفهم، روى لهم محسن القصة: -مذ فر "المعلم" إلى عمان، علم أنه ارتكب خطأ فادحاً، فأنت حين تلقي بنفسك في تيار لا تستطيع أن تقف وسط التيار، بل عليك إما أن تمضي إلى النهاية أو تعود. وهو كان عليه إما أن يكون أمريكياً أو عراقياً ولا توسط بينهما. كانوا يريدون أن يمضي إلى النهاية.. أن يقدم كل ما لديه من معلومات.. أن يفشي كل ما لديه من أسرار، لكن هل كان باستطاعته ذلك؟ لا، حسين لا يستطيع. كان يظن أنه سيجد في عمان القاعدة التي يمكنه الانطلاق منها لتصحيح أخطاء بغداد، لفك الطوق عن بغداد، لكن أمله خاب، هم يريدون أن يأخذوا منه لا أن يعطوه.. أنه يستغلوه لا أن يساعدوه. وأعاد الرجل حساباته. القائد هنا أيضاً أعاد حساباته. بعد التهديد والوعيد لان قلبه، غير موقفه، كان صهراه وابنتاه، أحفاده، كلهم غصة في حلقه وشوكة في ظهره. وبدا على أتم الاستعداد لأن يقدم كل تضحية لاستعادة الفارين. بل إن بعضهم قال: القائد اعترف بالخطأ.. همس في آذان بعض المقربين بأن حسين كامل أغلى من عينيه، وأنه لا يوفر شيئاً من أجل استعادته. "خسارة، حسين!! خسارة، هذا العبقري الفذ!! أنا لا أنسى إنجازاته!! لا أنسى إسهاماته في بناء صناعة العراق، في تطوير العراق، فاذهبوا إليه. فاوضوه.. كل ما يملي من شروط أقبل بها. المهم أن يعود" وذهب المفاوضون إلى عمان. تحت هذه الحجة، بذلك القناع، كانوا يذهبون، يلتقون ويتفاوضون وها هو ذا حسين كامل قد عاد. -إذن، عاد عزك يا رئبال!! هتفت رقية فرحة مستبشرة. -لا تتفاءلي كثيراً!! رد رئبال وقد انكمش شيء في داخله لسبب لم يعرفه. -ولماذا لا تتفاءل؟ سألت فاطمة وقد تملكها فرح طاغ، عودة حسين تعني عودة رقية إلى بغداد.. تعني لم الشمل، وماذا يفرح فاطمة أكثر من لم الشمل؟ كانت بغداد قد أصبحت خواء بعد رقية، فالأختان التوءمان روحاً كانتا تعرفان جيداً كيف تذللان الصعاب معاً، تزرعان الابتسامات على الوجوه معاً، وتكافحان من أجل حياة أهنأ معاً. لكن وحدها فاطمة، ماذا تفعل؟ وحدها رقية، ماذا تفعل؟ هما تعلمان أن يداً واحدة لا تصفق فكم هو رائع: تعود اليدان فتجتمعان!! نقاش في السيارة، نقاش في المنزل، رقية وفاطمة تضغطان على رئبال للإسراع إلى بغداد، فيما رئبال خائف متوجس شراً: -مالي وللعودة إلى بغداد؟ لا.. لا.. ما عدت أطيق بغداد. لكن المرأة لا تحب كالمماحكة. هي لا تستسلم بسهولة. يغريها شيء فتعمل المستحيل للوصول إليه. -اذهب مع محسن فاستطلع الجو على الأقل، اقترحت فاطمة فثنى محسن على الاقتراح: -صحيح، ماذا يضيرك أن تستطلع؟ -لا أدري. أنا غير مطمئن، محسن. -السجن يرعبه، صرحت رقية أخيراً. هو حتى اليوم يفيق مذعوراً يصرخ وقد جاءه كابوس من كوابيس السجن. -أجل أنا أعترف، صاح رئبال دون استحياء. السجن يرعبني.. الموت يرعبني.. أنا أكره السجن والموت. أحب الحياة والحرية، فهل يعيبني أن أحب الحياة والحرية؟ -كلنا نحب الحياة والحرية، ردت فاطمة، لكن ليس أي حياة، بل الحياة الحرة الكريمة التي ينبغي أن نسعى إليها دائماً.. أم تراك استمرأت الخمول والقعود؟ -أنا استمرأت الخمول والقعود؟ رد بشيء من عصبية. لا، لا، الحقيقة، أنا خائف. -مم تخاف وحسين كامل عاد؟ معززاً مكرماً "معلمك" صهر القائد عاد، فلماذا لا تسارع إلى الرجل؟ لماذا لا تقتنص الفرصة فتعوض ما فات؟ كان ذلك سؤال رقية، وقد أخذت منها الحماسة كل مأخذ. رقية تريد العودة إلى بغداد.. العودة إلى العز. النساء يحببن العز. لا يرغبن إلا فيه بكل ما يعنيه العز من مال، جاه، سطوة. "آه منك حواء!! أبداً يبهر عينيك الذهب والماس" وطأطأ رئبال رأسه، وقد بدا أنه لا بد من أن يسبح مع التيار. تيار دجلة يتجه نحو الجنوب، مع ذلك اتجه رئبال نحو الشمال وهم جميعاً على قناعة أنهم يسبحون مع التيار.. هم جميعاً على قناعة أن عودة حسين كامل ستنهي أزمة كبيرة كان رئبال قد وجد نفسه فيها. كلهم في العمارة، بغداد، البصرة، يريدون أن يعود إلى حيث لا فقر ولا عوز، ولا تقنين مواد ولا ركوب باصات ولا خوف من مخابرات. أنت في السلطة، إذن الكل يسلس لك القياد، يحني ظهره لتمتطي، فلماذا يعزف رئبال عن السلطة؟ لماذا لا يسعى للعودة إليها؟. رقية في العمارة بانتظار أن يسبر رئبال الغور، فاطمة حلت محلها، وطوال الطريق ظلت تحثه، تحرك الكوامن الخامدة فيه، فلم يصل إلى بغداد إلا وهو يشتعل حماسة للعودة "صحيح، بيدها حق رقية. على المرء ألا يستسلم أبداً. بل عليه أن يسعى" وكان على وشك أن يسعى إلى حسين كامل لولا أن كبح محسن عجلاته "الصباح رباح يا رجل.. فانتظر حتى الصباح." في الصباح فتح محسن المذياع فإذا بصوت المذيع يلعلع "ولقي الخائن المصير الذي يستحق، مصير كل خائن." نبرة الصوت، طريقة الإعلان، فرح النبرة كلها دفعت بالعديلين المستيقظين لتوهما من النوم لأن يشحذا آذانهما. -من هو الخائن؟ سألتهما فاطمة وقد سمعت طرف الخبر. -تفصيل النشرة، أجاب المذيع بنبرة فرحة، في الصباح أفاق السكان في حي الثورة على أفراد من عشيرة حسين كامل يهجمون على منزله صابين عليه غضبهم ورصاصهم منتقمين لشرف العشيرة وكرامتها، ثائرين من الغادر الخائن الذي سدد لهم طعنة في الظهر، وقد سقط الخائن قتيلاً. -يا إلهي!! ماذا أسمع؟ هتف رئبال مذعوراً. -شيء لا يصدقه عقل، عقبت فاطمة وقد فتحت فمها على اتساعه. -لكن يجب أن نصدقه، علق محسن، المذياع يذيع الخبر في نشرة أخبار رسمية. --لكن كيف؟ لماذا؟ أليسوا هم من جاءوا به؟ أليسوا هم من فاوضوه؟ قال وهو يشير إلى الأعلى والأبعد حيث صورة صدام تفترش الحائط. -وما ذنبهم هم، إن كانت عشيرته هي التي هاجمته؟ سألت فاطمة بقناعة من لا يدخله شك. -عشيرته؟ منذ متى كانت العشائر تحمل السلاح وتهاجم الخونة؟ سأل رئبال. -العراق ما يزال عشائر وقبائل. هذه حقيقة، حاججته فاطمة، وتلك العشائر والقبائل سلحها النظام لمواجهة الغزو الخارجي، أم نسيت؟ -هذا في الريف، في البادية، لكن في بغداد؟ وتوقف رئبال هازاً رأسه إلى الأعلى والأسفل، محركاً سبابته يميناً وشمالاً. -ما التفسير إذن؟ سألت فاطمة وهي أكثر حيرة. نظر رئبال إلى محسن وكأنما يطلب منه التفسير، لكن عبد المحسن التفت بدوره يمنة ويسرة، وكأنما يقول: الحيطان لها آذان، فلماذا أتكلم؟ -أنا أقول لك، رد رئبال وقد اقترب منها متطلعاً حوله بخوف، مشيراً بطرف سبابته إلى الصورة المعلقة على الحائط، قائدنا يعرف كل شيء إلا المغفرة، شأنه شأن حقل الألغام لا يحتمل أي خطأ، بل كل من يخطئ يعاقب دون تسامح أو غفران. -احمد ربك على كل حال، تدخل محسن. لو ذهبت الليلة والتقيت به لطالك العقاب لا محالة. -أجل.. أحمد ربي. الحمد لك يا رب!! شرع رئبال يدعو فاتحاً يديه رافعاً عينيه إلى السماء. فقد سرى خوف شديد في نفسه لم يستطع إخفاءه.. قلبي كان يدلني، تابع وهو في أشد حالات الخوف. إحساسي كان يحذرني. لم أكن أريد المجيء. أرأيتم؟ علي أن أبتعد.. علي أن أبتعد. ولم ينم رئبال تلك الليلة إلا وهو في العمارة، فيما كانت الإذاعات، المحطات التلفزيونية في العالم كله تتناقل أخبار الانتصار الجديد لحاكم بغداد وقد ساق طريدته إلى شرك محكم سرعان ما سقطت فيه. -الغبي!! صاح كلينتون محمر الوجه مزرد الرقبة وهو يذرع مكتبه جيئة وذهاباً. يسلم نفسه بنفسه لجلاده؟ -قلنا له ذلك فلم يقتنع. ردت صاحبة الحفظ والصون، مادلين أولبرايت، وهي ترفع براحتيها ضرعين أشبه بضرعي البقرة. غرر به صدام!! -اللعنة!! هو يغرر بالعالم كله!! يمثل دور الحمل فيشفقون عليه. -ثعلب هو يا سيدي!! ثعلب.. مراوغ!! وما علينا إلا أن نشدد عليه النكير. -قد شددنا، لكنه يفلت دائماً. -ينبغي ألا يفلت يا سيدي. فوهات وكره يجب أن تسد كلها، النيران يجب أن نشعلها بها فيختنق مكانه ويموت!! -يا ليت!! منى نفسي أن يختنق ويموت!! -دع الأمر لي. أنا أرتبه سيدي. ردت وزيرة الخارجية بحماسة وانفعال قل أن رآهما فيها. -كارت بلانش!! هتف كلينتون بفرنسية مؤمركة، رغم أنه لم يكن يحب الفرنسية ولا الفرنسيات. ذلك أن مونيكا البيضاء البشرة، السوداء الشعر، الرشيقة القد، الهيفاء القوام كانت قد سحرت لبه حين مضى ذات يوم إلى مكتب "الوايت هاوس" يتفقد أحوال الموظفين، خليفة يتفقد أحوال الرعية، وفي مكتب مونيكا ذي السجاد الأحمر والرخام المرمر أرخى لنفسه العنان وهو يرى أمامه أفروديت الحب والجمال. عيناها غابتان، شفتاها كرزتان، نهداها حمامتان وهو يحب الحمام، يحب الكرز، يحب الغابات، فيولج في الغابة يأكل الكرز ويصطاد الحمام. -أشكرك سيدي!! هتفت صاحبة الحفظ والصون، أولبرايت مادلين، وقد دغدغ "الكارت بلانش" شغاف قلبها، ذاك الذي حملته من تشيكوسلوفاكيا لأم يهودية غرست في ذهنها تعاليم التلمود ونمت في قلبها أحقاد اليهود. أعدك يا سيدي. هذه المرة سأجعلها القاضية لصدام. في اليوم التالي حطت طائرتها "الشهاب" في أرض الأعراب. إلى يمينها كوهين وإلى يسارها مورين، وكلهم شحنة من كهرباء تكفي لدفع سفينة إلى الفضاء. -يا مرحبا!! يا مرحبا!! طفوا نور الكهربا!! رحب الأمير الهمام بالركب القادم على أجنحة الحمام، فكادت لفرحتها تأخذه مادلين بالأحضان مقبلة لاثمة، وهو لا يخشى نكراً، فأحضان الأمريكان لا تذهب بوضوء ولا يفسد بها إيمان. العرب كرماء، حاتمهم الطائي ذبح فرسه الغالية لضيفه ذات يوم، وهو لا يملك غيرها من شاة أو معزاة فماذا يفعل الأمير وهو يملك الكثير؟ مناسف لحم كويتية، كبسة سعودية، أطباق فرنسية، شرائح بقر انكليزية.. كافيارات قزوينية، المائدة عامرة بكل ما لذ وطاب.. (وكلوا من طيبات ما رزقناكم( الرزق كثير والوزيرة ذات الردفين كردفي فرس، الضرعين كضرعي بقرة تحب الطعام ولا يمتعها كموائد الكرام. تزينها كؤوس الويسكي والمدام. -هه!! قل لي أيها الأمير المفدى. أنتم مرتاحون.. مطمئنون؟ -نرتاح؟ كيف، والوحش على حدودنا يفتح فكيه؟ نطمئن، أيش والغول بجوارنا يزمجر؟ -هي ذي المشكلة. تدخل كوهين ملوحاً برأسه حرقة وحسرة، هي ذي المشكلة. قلوبنا معكم والله!! لكن ماذا نفعل؟ -أمريكا!!؟ امبراطورة العالم!؟ ماذا تفعل؟ أجاب الأمير المفدى وقد عب كأساً مترعة من الويسكي، لا يا سيدي!! أنتم تراخيتم!! -نحن؟ تساءلت أولبرايت مستنكرة وكل همها أن تشعل فتيل حماسه. -طبعاً، وإلا ما هذه التخريجة التي طلعتم لنا بها: النفط مقابل الغذاء؟ أما كان أحرى بكم أن تستمروا في شد الأنشوطة حول عنق الوحش؟ أما كان أجدر بكم أن تلقموه الرصاص بدل الغذاء؟ -بيدك حق يا طويل العمر، هتف كوهين وقد اشتعلت عيناه فرحاً، هوذا رأيي يا طويل العمر الوحش لا يستحق إلا الموت. فلنجهز عليه.. لنطلق عليه طلقة الخلاص. لكن سامحه الله، وأشار بيده إلى الأعلى والبعيد. رئيسنا قلبه رقيق، فيه الكثير من الرحمة. -وماذا كانت النتيجة؟ ها هو ذا الآن يضرب المعارضة، واحداً تلو الآخر يضرب عناصرها. -أنتم آسفون على حسين كامل، آ؟ سألته هذه المرة أولبرايت وهي تختلس إليه نظرة مراوغة كنظرة ثعلب. -نحن نأسف على كل معارض لصدام.. على كل منافس له. وحسين كامل عدو.. منافس. -لكنه أحمق، تدخل مورين غاضباً. نصحناه ألا يعود فعاد. فماذا كانت النتيجة؟ -المهم، ما العمل الآن؟ كيف نعكر له فرحه؟ نحول انتصاره إلى هزيمة؟ سأل الأمير الهمام، وقد نفد صبره. -أجل!! هتف كوهين هتفة كاوبوي أرعن، هوذا السؤال: ما العمل؟ -الاغتيال. همس الأمير المفدى وهو يشير برأسه إلى الوراء والبعيد. لا علاج لصدام إلا الحسام. -لكننا فشلنا، أجابت هذه المرة أولبرايت، مرات عدة حاولنا، مكافأة مالية وضعنا، خمسة ملايين خصصنا، مع ذلك أخفقنا. -نضع خمسين مليون يا سيدتي!! رأس صدام يساوي أكثر من خمسة ملايين بكثير. -وتدفعون؟ سأل مورين المهتم بالدولار والدينار. -غب الطلب. ما تشاءون ندفع. أوقفوا النفط مقابل الغذاء.. أعيدوا إحكام الحصار.. ضيقوا الخناق على العراق.. اغتالوا وحش بغداد.. ولكم كل ما تطلبون. -ما يطلبون، وأشارت إلى الوراء والأعلى، خمسة آلاف مليون!! همست مادلين وقد ارتفعت بها نشوة الويسكي والنصر. -وهو كذلك!! أجاب الأمير المفدى دون أن يرف له جفن، ثم التفت إلى يساره، أيها الأمير الهمام، اصرف لهم خمسة آلاف مليون!! -حاضر!! سيدي الأمير المفدى. بعد ست ساعات، كان بتلر في بغداد يهدر ويزمجر: "بغداد لا تتعاون معنا.. صدام يغلق في وجوهنا الدروب. نحن عاجزون عن المراقبة والتفتيش" وكان كوفي عنان حريصاً كل احرص على أن يخضع نظام بغداد لكل ما تطلبه لجان المراقبة والتفتيش. -لماذا لا تلتزمون بقرارات مجلس الأمن؟ لماذا تعرقلون أعمال اللجان؟ نزل السؤال الحانق على أذني طارق عزيز نزول المطرقة على السندان. -نحن ملتزمون. اللجان فتشت كل شيء. دمرت الأسلحة الكيماوية، الجرثومية، الصواريخ.. كل شيء فماذا تريدون بعد؟ -لا أدري. أجيبوا بتلر؟ اتفقوا مع بتلر.. أجاب كوفي عنان وهو نافذ الصبر غاضب، فقبل ساعة واحدة كانت أولبرايت قد قرصت أذنه مهددة إياه بالطرد، وما عساه أعظم من الطرد؟ سأل طارق بتلر: -ماذا تريدون؟ -أن نفتش، رد الآخر مستنفراً متشنجاً. -لكن أية مواقع لم تدخلوها؟ أية قواعد لم تفتشوها؟ -ثمة الكثير، أجاب بتلر، أوسترالي الجنسية، انكليزي الهوية، أمريكي المصلحة والقضية. -مثلاً؟ -مواقع الحرس الجمهوري في بغداد!! -الحرس الجمهوري في بغداد، رد نائب الرئيس، المعتد كثيراً بنفسه، الواثق كثيراً من معلوماته، لديه أسلحة دمار شامل؟ -بالتأكيد!! معلوماتنا أنكم أخفيتم أسلحتكم تلك هناك، في بغداد، حيث الحرس الجمهوري وثكناته العسكرية. -لكن عزيزي!! ريتشارد!! هذا مستحيل!! ثكنات الحرس في قلب بغداد.. في وسط المساكن والناس، فكيف نعرض هذا كله لخطر الدمار؟ -هذا السؤال تطرحه على نفسك. نحن واثقون مما نقول، ولا بد من التفتيش لإثبات صحته. -لكن هذا ظلم.. هذا افتئات. -افتئات أم غير افتئات!! غداً نتوجه إلى الحرس الجمهوري. -ونحن نمنعكم. -إذن تحملوا العواقب، رد وهو يكتم فرحه فقد بلغ الغاية المرجوة. -يدكم وما تطول، صاح وهو يطبق السماعة في وجه الأسترالي الجنسية، الانكليزي الهوية، الأمريكي المصلحة والقضية. وللتو فتح هذا هاتفه الخليوي ليتصل بكوهين. -البشرى لك سيدي، هم يرفضون، هتف مبشراً فرحاً. -إذن!! علقت السمكة!! رد، يكاد يرقص فرحاً وقد أفلحت خطته. وللتو بدأت نذر العاصفة: برق.. رعد.. رياح.. غيوم.. راحت تنتشر في الآفاق وتملأ العالم، فيما شرارات تنطلق هنا.. صواعق تنقض هناك، وكلها تهدد: إذعان صدام أو الحرب الزؤام. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |