مواجع الشتات ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـــ وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية – دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع عشر

"أصيح بالخليج: يا خليج" كان باقر يدندن وهو يسير على مهل شارداً بعيداً عن الخليج "يا واهب اللؤلؤ والمحار والردى". ومع الردى يتفتت قلب باقر لكنه لا يملك إلا أن يتابع "فيرجع الصدى كأنه النشيج" ويلتفت باقر حوله وقد خيل إليه أنه سمع صدى أقرب إلى النشيج: "يا خليج!! يا واهب المحار والردى". "ترى أين ذهب اللؤلؤ؟" يخاطب باقر أشجار الرصيف، حجارة الرصيف، وجوه المارة وهو مصمت الوجه كجدار سجن، مطبق الشفتين كملزمة مشدودة "لماذا لم تعد تهب غير المحار الفارغ والموت الزؤام؟ لماذا يا خليج صرت سيفاً بيد الجلاد؟ أبارغال لدى أبرهة الحبشي، لا يا خليج!!! هذا أخوك العراق فلا تكن عوناً للأعداء عليه!! لا تفرط بأخوته يا خليج!! لا تطعم لحمه للذئاب!! أنت عربي الوجه يا خليج!! عربي اليد!! عربي اللسان، فلا تتحول إلى الأنكلو أمريكان؟ أنسيت يا خليج أن الدم لا يصير ماء؟ أن الأعداء هم الذين يوغرون صدرك، يشبون فيك نار الحقد على أخيك، ابن أمك وأبيك، فكف يا خليج!! المؤامرة قذرة حاكها الأعداء ثم ألقوا يوسف في الجب، للعتمة، للأفاعي، فلا تتركه في الجب!! لا تتركه للموت يا خليج!!".‏

نقرات متتالية على الكتف جعلت سلسلة أفكاره تنقطع وقدميه تتسمران.‏

-معقول!؟ كان مرتضى صديقه وكان يتساءل معاتباً: مائة مرة أناديك ولا تسمعني؟‏

-مائة مرة؟ ردد باقر بمزيج من الاستغراب والدهشة، فأذناه لم تلتقطا همسة واحدة.‏

-من هناك، قال مرتضى وهو يشير إلى الوراء، وأنا لاحق بك، أناديك، لكن لا أحد هنا. بماذا تفكر؟ ها؟ بفادية؟‏

وكان باقر قد حكى شيئاً لمرتضى عن حب جديد ينمو في قلبه، اسمه فادية. فتاة بلون الحنطة، وجنتاها تشتعلان ناراً، قدها أهيف، صدرها ناهد، خصرها ضامر، وجهها صبوح، تنسدل عليه خصلة شعر لا تفتأ ترفعها فتنزل من جديد ترفعها فتنزل.‏

-لا. لا. أنا أفكر بالخليج، رد باقر بعد أن صعد زفرة ثم بدأ ينشد من جديد "أصيح بالخليج... يا خليج!!".‏

-"ما في حدا لا تندهي ما في حدا"، رد مرتضى مردداً، هو الآخر، أغنية فيروز ضاحكاً مقهقهاً، لكن باقراً لم يضحك ولم يقهقه، بل علق وهو يزفر زفرة أشد حرقة.‏

-وهذا ما يؤلمني مرتضى!! الخليج، هذا الأخ الشقيق، يقدم بره، بحره، جوه للأنكلو أمريكان، يضربون العراق.‏

-هم يريدون ضرب صدام، وهو يستاهل. بيننا؟ يتساهل الرأس العنيد ذاك، لماذا لا يستجيب؟ لماذا لا يذعن؟‏

-ها!! بعظمة لسانك قلتها! يذعن! إنه الإذعان ما يريدونه للعراق.. الإذلال.. الإرغام.. توقف وقد عاد يزفر من جديد.‏

كانت الأزمة قد بلغت أشدها.. الأنكلو أمريكان يريدون تفتيش الحرس الجمهوري في بغداد.. مواقع الكليات، مدارس التدريب العسكري، وبغداد ترفض، "كلية عسكرية في قلب بغداد، ما علاقتها بأسلحة الدمار الشامل؟ موقع للحرس الجمهوري هل يمكن أن يكون مصنعاً للأسلحة الجرثومية؟ معهد للتدريب كيف يكون معملاً لغاز الأعصاب؟ "لكن أحداً لم يكن يسمع بغداد "نريد أن نفتش" يقول بتلر، الملكي أكثر من الملك، "يعني سنفتش. كل موقع نشير له بإصبعنا يجب أن يفتح أبوابه لنا. نحن لسنا بحاجة لمن يأذن لنا. نحن هنا الآمرون الناهون وما على الآخرين إلا أن يسمعوا ويطيعوا." لكن بغداد تمنعهم. قيد أنملة لا تتراجع فيتحرك الأنكلو أمريكان، يأتون بالمزيد من البوارج إلى مياه الخليج.. مزيد من الجند المدججين بالسلاح إلى قواعد الخليج، مزيد من القاذفات، المقاتلات، الصاعقات، المرعبات إلى مطارات الخليج وينذرون: معكم ثلاثة أيام، إن لم يدخل بتلر المواقع التي يشاء، شننا عليكم الحرب" يلتسين، شيراك، زيمين، كوفي عنان، كلهم تحركوا، فالعراق الجريح لم يعد يحتمل الجراح. طعنة واحدة تجهز عليه، ولا يريد أحد الإجهاز على العراق. صحيح، هم يرونه مثخناً، متكوماً على الأرض وعشرات الكاوبوي يتعاورونه لكماً، عفساً، رفساً.. لكن الصحيح أيضاً أنهم لا يستطيعون التدخل. الكاوبوي أنفسهم يخيفونهم، فمن يدري؟ قد تأتي المخلص لكمة أو رفسة، بل ربما تصيبه رصاصة مما يطلقه الكاوبوي العابث المتغطرس الذي لا يرى أحداً ولا يعجبه أحد.‏

من بعيد كانوا يتوسطون، ليس مع الكاوبوي فهؤلاء لا يعطون أذناً لأحد ولا يعجبهم أحد، بل مع المثخن بالجراح، المتكوم على الأرض يتلقى اللكمات والرفسات وكل ما يفعله هو أن يحمي رأسه فلا تحطم ضربة رأسه. هم يضغطون عليه "كفاك مقاومة!! حسبك عناداً!! لا جدوى إلا أن تذعن!! لا حل إلا الاستسلام!!" وينفر نشامى بغداد، رغم الجراح، رغم الآلام، رغم الجوع والعطش، تنفر بغداد شائلة برأسها رافضة الإذعان والاستسلام. بغداد لا تنسى أنها قلعة الأسود، لا تنسى أنها أخت الرشيد.. سيد الناس.. من كان يقول للغيوم "اذهبي أني شئت فحيث سقطت يأتينا خراجك". بغداد لا تستطيع أن تنسى جذورها تمتد عميقاً في تراب الكبرياء، تستمد منه نسغ الكبرياء. تستمر الوساطات والضغوط ويستمر الصمود والتحدي، ويبدو العالم كله وكأنه على كف عفريت.‏

-أتظن أنها الحرب؟‏

-بالتأكيد. وإلا لماذا هربت من العراق؟ أجاب مرتضى ممتعضاً هازاً رأسه. قبل شهرين، ومع تفاقم الأزمة، كان مرتضى قد شمر عن ساقيه وولى الأدبار إلى عمان فدمشق، حيث التقى به باقر ذات يوم. كانا زميلين يدرسان في المعهد الصناعي معاً. سنون طويلة كانت قد مضت على ذلك العهد لكن ما إن التقيا في حي السيدة زينب حتى عرف واحدهما الآخر واحتضن واحدهما الآخر. ثمة ذكريات. نضال ومناشير، هروب من المخابرات وتخفٍ. باقر يذكر الكثير عن تلك المرحلة. ذات مرة كانا في المقهى معاً يلعبان النرد وكان باقر متحمساً. "شيش بيش" صاح بالنرد فلباه النرد، وفي الحال هب ملء طوله ضاجاً صاخباً. مع حركته تلك أفلت مسدسه من مكانه، منحدراً مع الفخذ فالساق إلى أن سقط على الأرض. بخبطة واضحة سقط على الأرض، لكن مرتضى كان أسرع بديهة وأشد خبطة فقد أسقط نفسه على الأرض متكوماً على المسدس، مخفياً إياه عن العيون وكم في بغداد من عيون!!) حاشراً إياه تحت سترته من جديد.‏

باقر لا ينسى تلك الواقعة. لقد أنقذه مرتضى آخر لحظة وهو على شفا الهاوية. بعدئذ فرقهما الزمان، إلى أن جمعتهما السيدة زينب. ورغم أنهما وجدا نفسيهما على طرفي نقيض، أفكاراً ومواقف إلا أن الصداقة القديمة كانت أقوى: "اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية". مرتضى رأى الحرب قادمة بأم عينه فهرب منها "لم يعد بالإمكان التحمل. الحياة في الجحيم ولا الحياة في العراق. لا أمل مع نظام راكب رأسه سادر في غيه فقلت انج بنفسك سعد!! انج بنفسك".‏

فيما باقر يرى الأمر أكثر خطورة مما يتصور مرتضى. "لم تعد المسألة مسألة نجاة فرد أو خلاص مجموعة، بل هي مسألة نجاة وطن.. خلاص شعب بأكمله". كانت الفكرة قد بدأت تسيطر على رأس باقر. "ما الفائدة أن يجد الفرد خلاصه إن كان الوطن كله يهلك.. الشعب كله يموت؟" وشيئاً فشيئاً بات لديه ما يشبه الهاجس. "الهرب أخطر ما يفعله المرء ووطنه سفينة تشرف على الغرق"، قال لمرتضى في لقائهما الثاني فرد مرتضى "تدينني على هربي؟ أنت نفسك فعلت ذلك" " أنا أخطأت.. وأنت أخطأت.. بل المعارضة كلها أخطأت.. كان عليها أن تعمل من الداخل.. أن تحاول إنقاذ السفينة.. لا تركها والنجاة بنفسها." حين ذاك هز مرتضى رأسه "أفكارك عجيبة باقر!! مائة درجة تغيرت.. لا عجب إذن أنهم فصلوك من الحزب" وضحك مرتضى. لكن باقر قطب حاجبيه عابساً. كان يعلم أنه تغير حقاً ليس مائة درجة فحسب بل مائة وثمانين. ما كان يقبله حين فر من العراق لم يعد يقبله اليوم. تصوراته.. مفاهيمه.. أفكاره.. كلها مرت بتحول عجيب كتحولات الفصول. لم يعد صدام ما يعنيه بل العراق. لم يعد إسقاط النظام يعنيه بل الحفاظ على الوطن. كان قد رأى بأم عينه تكالب الأعداء على وطنه. وكان قد تابع ما يكتبون، وما يخططون. وكانت خططهم مرعبة: يريدون تقسيم العراق، إرجاعه دويلات ضعيفة ممزقة لا تستطيع مقاومة استعمار فيعود الاستعمار جيوشاً، شركات بترول، أخطبوطات.. شبكات.. تمتص دم العراق.. وتنهب ثروات العراق، فما تراه يفعل؟ أيكون مع العراق أم مع أعداء العراق؟‏

-لكنها الحرب، يراها الطاغية المستبد بأم عينه، مع ذلك يقود البلاد كلها إليها.. يلقي بها في أتونها. فلماذا يفعل ذلك؟ سأل مرتضى صاحبه وقد وصلا إلى نهر بردى، يسيران على ضفته ولا ينظران إلى مجراه، فقد تحول النهر إلى جثة هامدة.‏

-تعلم مرتضى؟ أنا على يقين الآن أن العراق يُجَر جراً إلى الحرب.‏

-نعم!؟ قاطعه مرتضى بكثير من السخرية. والحرب مع إيران من جره إليها.‏

-تهديدات إيران، أم نسيت تصريحات طهران يومذاك؟ "نريد العراق جمهورية إسلامية تابعة لنا" نسيت الشعار الذي طرحه الإمام يومذاك "تصدير الثورة الإسلامية إلى الخارج" ومن الخارج؟ العراق.‏

-حسن. هناك أنا معك. كان العراق يدافع عن نفسه لكن ماذا فعل في الكويت حين غزاه؟ هل كان يدافع عن نفسه أيضاً؟‏

-اسمع، مرتضى! أنا لا أريد الدفاع عن نظام صدام، لكنني بت على يقين أن العراق هو الهدف يا صاحبي. هذه القوة الاقتصادية، العسكرية، السياسية يجب أن تزول من الوجود. العراق يا صديقي، على مفترق طرق: أن يكون أو لا يكون، فهل ترى خطورة الأمر!؟.‏

-أرى، صحيح. لكن على صدام أن يرى، فلا يضع البلاد كلها على كف عفريت. ولم يجب باقر. كانت أفكار في رأسه تدور وكان يكره أن يطرحها للنقاش "ترى ماذا يفعل المرء إن وجد نفسه أمام خيارين: أن يكون أو لا يكون؟ ألا يغامر، ألا يقامر؟ بغداد وجدت نفسها هكذا: مستهدفة من كل الأعداء في الشرق، الشمال، الجنوب. من البحر.. البر.. الجو.. إذن ماذا تفعل؟ ترفع الراية البيضاء ليدخل هولاكو يغتصب نساءها من جديد.. يقتل رجالها.. يدمر قصورها.. يصبغ بالأحمر دجلتها أم تقف في الزاوية وظهرها إلى الحائط تقاتل أعداءها حتى آخر رمق تدافع عن نفسها حتى آخر لحظة؟".‏

السؤال يدور في الفضاء.. يسير في شوارع دمشق جنباً إلى جنب مع باقر ومرتضى. كما تتردد أصداؤه في القاهرة، عمان، كل عاصمة عربية، ما عدا عواصم الخليج تلك التي حط بها الأنكلو أمريكان جنداً وطائرات.. صواريخ ومدمرات. البصرة تنظر إلى مياه الخليج فترتعد فرقاً. فوهات المدافع موجهة إليها. رؤوس الصواريخ مشرئبة بأعناقها نحوها، تنتظر كبسة زر، وباقر يفكر. "متى يكبس الزر، فتشتعل النيران من جديد تلتهم الأخضر واليابس في العراق؟"‏

-هو يتحمل المسؤولية، قال مرتضى على حين غرة وكأنما وصلته أفكار صاحبه. وحده صدام يتحمل المسؤولية!!‏

-لا، مرتضى! حرام عليك! هذا كلام الأنكلو أمريكان، أترضى أن تردد كلامهم؟ هذا منطق أمراء البترول، ترى منذ صرت تتحدث بمنطق أمراء البترول؟‏

-لكنها الحقيقة باقر. هم يريدون تفتيش مواقع الحرس الجمهوري، دعهم يفتشوا تلك المواقع.‏

-لكنه افتئات.. محاولة واضحة للتمريغ بالوحل، لا يرضاها إلا الذليل الجبان.‏

-سيدي، مائة كلمة ذليل جبان ولا كلمة الله يرحمه. ثم إن قبطان السفينة البارع يروغ من الصخور.. يلف.. يدور، حتى لا ترتطم سفينته بها فتهلك.‏

-في هذا أنت على حق. يجب تجنب الارتطام. بأي شكل ينبغي إنقاذ السفينة.‏

-لكن قبل أن تنقذ السفينة، أنقذ صاحبك، قال مرتضى وهو يضع يده على بطنه، أو هلك جوعاً؟‏

-خسئ الجوع!! هتف باقر بنخوة نشامى العراق. قل. تذهب إلى البيت أم إلى المطعم.‏

-بل المطعم أقرب وطعامه أطيب.‏

وفي المطعم الأقرب، كان الفول المدمس والبصل خير ما ينتظرهما. كان كلاهما جائعين وكان الفول لذيذاً إلى درجة غرقا معاً في الطعام فلم ينبسا بحرف. بعد الفول شربا الشاي.‏

-الآن يطيب النوم، واقترح مرتضى، فهل نذهب إلى بيتك أم بيتي؟‏

-بل نذهب إلى السيدة زينب.‏

فوجئ مرتضى، ففسر باقر:‏

-ربما نجد أحداً قادماً من هناك، وأشار إلى الشرق والبعيد، نسأله.. نعلم منه شيئاً عن الوطن. مرتضى!! أنا خائف!! خائف كثيراً على الوطن.‏

-شيء يخيف. عقب مرتضى وقد بدت علائم الخوف على محياه. المهلة تنتهي غداً. وأسرع الصديقان وقد جمعهما أخيراً قاسم مشترك أعظم.‏

عند مقام السيدة زينب نزل الصديقان من "السرفيس" الذي يدعونه الفأر الأبيض والذي يمرق كالسهم هنا وهناك، رائغاً، زائغاً، مكراً مفراً كأنه جلمود صخر حطه السيل من عل.‏

باقر معتاد مذ جاء إلى دمشق أن يجيء إلى هنا، فالقادمون من العراق غالباً ما يؤمون السيدة زينب، عتبة مقدسة كتلك العتبات المقدسة التي يؤمونها في كربلاء والنجف. وعند المقام كثيراً ما كان يلتقي بأناس من العمارة، بغداد، البصرة.. يمد معهم جسور التعاون وحبال المودة. يتشمم منهم رائحة البصرة، فينتعش، يستعيد ذكريات البصرة فيرفرف جناحاه فرحاً، لكن هذه المرة فوجئ الصديقان بالندب والولولة.‏

-واحسيناه!! وافجيعتاه!! وامصيبتاه!! قتلوك يا حسين!!‏

وتسمر الصديقان في مكانهما.‏

-اليوم عاشوراء!! هتف باقر وهو يقترب بحذر وتمهل من النادبات والمولولات.‏

(ذات يوم من أيام الصبا كان عاشوراء، أتذكرين يا فاطمة؟ أمك ذهبت إلى مقام الإمام تندب، وأنت ظللت في المنزل. أردت أن تذهبي لكنها أخذت رقية وتركتك أنت. كان عليك أن تساعدينا. موكب عاشوراء كان سينطلق من جامع الحسين القريب ماراً بمجالس العزاء، أتذكرين يا فاطمة؟ كان على أخي جبار أن يحمل صندوق التبرعات.. يدور مع اثنين على المحلات.. يجمع النقود من الناس، ثم يخبئ قسماً منها ليشتري لنا بها البوظة والحلويات. طوال عمره جبار جبار، لا يخاف من دين ولا وازع. كل مرة كان يخبئ قسماً من التبرعات لنا وكنا نفرح. هو الكبير، إذن هو الأعرف. فقط كان يقول لنا "لا تخبروا أمي، فأمي ستغضب." نحن نعلم أنها كانت ستغضب. يوم عاشوراء مقدس لديها.. طقوسه مقدسة.. حتى الأموال التي يجمعونها لصندوق التبرعات مقدسة. هي تقول "الأموال كلها تذهب إلى الفقراء والمحتاجين" لكن أبي يشكك "معظمها يذهب إلى جيوب أصحاب العمائم والجبات" ويثور بينهما جدال. كلاهما على يقين مما يقول، وكلاهما لا يتراجع عما يقول. نحن نسمع ونفرح "إذن، ما نأخذه من تبرعات حلال، فنحن أولى بها من أصحاب العمائم والجبات!!".‏

في عاشوراء تلك، كان علينا أن ننضم إلى الموكب، أن نشارك في الطقوس. وكان عليك أنت أن تلبسينا الملابس المناسبة: الدشداشة، الكوفية، العقال... أخي كاظم كان سيأخذ دور الحسين وأنا دور الشمر، قاتل الحسين. أتذكرين يا فاطمة؟ لم أكن أريد ذلك الدور، لكنهم فرضوه علي. ألبستني ثياب الشمر: دشداشة سوداء وكوفية سوداء، فلباس الشر أسود، فيما ألبست أخي الدشداشة البيضاء والكوفية البيضاء، فلباس الخير أبيض. في الموكب سرنا. النساء ينثرن عليه الأزاهير والورود، وأنا يكلن لي الصفعات ويقذفنني بالبصاق، فاطمة!! أتذكرين كم تأسيت، كم بكيت!! لماذا يصفعونني؟ لماذا يبصقون علي؟ أنا لم أفعل شيئاً. الشمر قاتل، لكن، أنا ما قتلت أحداً. هذا ظلم.. ظلم. وحفر ذلك الموكب عميقاً في نفسي، فأقسمت: لا أشارك في موكب عاشوراء بعد ذلك!! لا أقبل الظلم أبداً!!).‏

وأمسك باقر بيد مرتضى وهو يبتعد سريعاً عن الموكب. هو لا ينسى أبداً ما فعله ذلك الموكب. كم تغير بعدئذ!! كم صب من عتب ولوم على نابشي القبور، يعودون إلى الماضي، يعيشون بكل ما فيه، يثيرون أحقاده وضغائنه وكأنما هم بلا حاضر، بلا مستقبل. منذئذ آلى باقر على نفسه أن ينظر دائماً إلى الأمام لا إلى الوراء، أن يضع نصب عينه المستقبل لا الماضي.‏

-مالك؟ سأله مرتضى وباقر ما يزال يدفعه بعيداً عن الموكب.‏

-لا أدري. لا أطيق رؤية مواكب كهذه. لي معها ذكريات مؤلمة.‏

-الحمد لله!! أنا بغير ذكريات كهذه.‏

كان مرتضى من الشمال وفي الشمال لا يعزون بالحسين ولا يندبون في عاشوراء ولا يولولون وكأنه اليوم ذاته الذي قتل فيه الحسين.‏

-ترى.. أما زالوا يحتفلون بعاشوراء هناك؟ وأشار من جديد إلى الشرق البعيد.‏

-وماذا تغير؟ عالمنا الثالث يراوح مكانه. يتقدم العالم كله وهو مكانه لا يتحرك قيد أنملة. واكتسحت موجة حزن جديدة نفس باقر. "أجل. هي ذي المشكلة: التحجر، فلا تتبدل ولا تتغير، لكن أليس ناموس الطبيعة التغير؟ فينقلب الربيع إلى خريف والصيف إلى شتاء، ثم يدور الدولاب وتتغير الفصول من جديد. وحدنا في هذا العالم المتخلف لا نتغير، حجارة مرمية في زاوية من زوايا التاريخ.‏

-هلم!! أسرع قال باقر أخيراً وهو ما زال يدفعه.‏

-ألم تعد تريد رؤية أحد؟‏

-لا، لا، الموكب أصابني بالاكتئاب. صورة واحدة تسيطر على خيالي.‏

-أية صورة؟‏

-العراق هو الحسين. في الماضي.. في الحاضر.. هو الحسين. أمس قتله الشمر واليوم يقتله الأمريكان، فأي بلاء تعيشه يا عراق؟‏

لم يعلق مرتضى، بل سارا جنباً إلى جنب صامتين. منزل مرتضى قريب. "غرفة تحت الدرج!! أي بؤس أيضاً!" لكنها كانت أقرب فمضيا إليها.‏

-لدي عرق ريان وبزر مالح.. مالح!! اقترح مرتضى فهتف باقر:‏

-هات ما عندك!! قليل من الخمرة ينعش قلب الإنسان.‏

وكان مرتضى يؤمن أن الكثير منها ينعش كثيراً أيضاً. صب كأساً له وكأساً لباقر. لم يكن لديه ثلج، فالبراد قطع نادر قلما يدخل الغرف تحت الدرج. مرتضى يعرف ذلك وهو راض به. ألم يترك بلده وموطنه؟ ألم يلقِ بنفسه في عالم الشتات؟ إذن ليرضَ بما في عالم الشتات: الشح، الضيق، المواجع. بصعوبة وصل مرتضى إلى دمشق، بصعوبة لقي هذه الغرفة، بصعوبة يؤمن قوت يومه. المعارضة تعطيه، لكن ما تعطيه لا يكفيه. فقط ثمة أمل. "ترحل إلى أمريكا؟" سألوه في قيادة المعارضة. "لم لا، العالم كله يحمل بالرحيل إلى أمريكا؟" "حسن. هيئ أوراقك" وهيأ مرتضى أوراقه. جاء بها إلى القيادة فهشت القيادة وبشت "ظروفك، شروطك، خلفيتك كلها مناسبة. سيفرحون بك هناك". "من الذي سيفرح؟" سألهم وقد عصي عليه الفهم "المسؤولون الذين سيدربونك" "على ماذا سيدربونني؟" "على أعمال التخريب.. فنون القتال.. حرب العصابات" وفغر مرتضى فاه. كان يحسب أنه سيهاجر إلى أمريكا يعمل ويعيش هناك ككل خلق الله الذين يهاجرون، لكن القيادة شرحت له "لا.. لا.. نحن لدينا خطة جديدة: إدخال قوات، مقاتلة النظام حتى إسقاطه". وتلجلج مرتضى لا يدري ما يقول "النظام ضعيف، صدام نمر من ورق، وليس علينا إلا أن ندخل إلى العراق ونشعل النار في نمر الورق فيحترق"، وبدا له الأمر صعباً لكنه لم يجد جواباً لكلام القائد العتيد الذي بدا مؤمناً أشد الإيمان بأن النصر بات وشيكاً، طالما قوى المعارضة كلها عقدت مؤتمراً موحداً اتفقت فيه على أن تفعل أي شيء، فقط لإسقاط نظام بغداد. وافق مرتضى وقد وجد نفسه محشوراً في الزاوية لا يملك إلا أن يوافق، لكن ما إن روى القصة لباقر حتى فتح هذا عينيه على سعتهما:‏

-وتذهب إلى أمريكا تتدرب على حرب العصابات؟‏

-كلهم يذهبون، ثم الراتب مغر: ثلاثة آلاف دولار وتعويضات ومكافآت أخرى. افرض أنك ظللت سنتين ثلاثاً في أمريكا، تعود بثلاثين أربعين ألف دولار.‏

-وافرض أنهم أدخلوك بعد شهرين، ثلاثة في العراق.‏

-لا، لا، قطاعه مرتضى. التدريب لا يقل عن سنة.. آلاف العراقيين ذهبوا الآن إلى أمريكا.‏

-أعلم، أعلم، وقد عرضوا علي ذلك.‏

-إذن دعنا نذهب معاً.‏

-أنا أذهب إلى أمريكا!؟ أنا أصبح عميلاً أمريكياً!؟ صاح باقر، فقاطعه مرتضى:‏

-ولماذا تنظر إلى الأمر من هذه الزاوية؟ لماذا لا تنظر إليه باعتبار أمريكا صديقة تمد لك يد المساعدة؟‏

قهقه باقر قهقهة السخرية، بعدئذ قال:‏

-صديقة!؟ منذ متى كانت أمريكا صديقة الشعوب؟ منذ متى كانت صديقة شعبنا العربي في العراق أو خارج العراق؟ أليست هي الوحش الامبريالي الفتاك في كل ما علمنا إياه حزبنا عبر تاريخ حزبنا؟ أليست هي صانعة إسرائيل وحاميتها ومرسخة وجودها مذ وجدت حتى الآن؟ أليست هي القوة الرأسمالية الاستغلالية النهابة السلابة لكل ثروات الشعوب في العالم؟‏

-باقر!!! باقر!!! قاطعه مرتضى صائحاً بصوت أعلى من صوته. ما هذا الذي تقوله؟ أنت تتحدث وكأنك في الستينات أو السبعينات. ثمة متغيرات يا صاحبي.. مستجدات قلبت تلك المفاهيم كلها.‏

-إلى درجة صار العدو صديقاً والصديق عدواً!!؟‏

-نعم!! باقر!! الاتحاد السوفيتي انهار، المعسكر الاشتراكي رحمه الله. أتريدنا أن نظل نراوح في أرضنا؟ لا، يجب أن نتغير مع المتغيرات.. أن نتكيف مع الظروف.‏

-إلى درجة نصبح فيها السيف الذي يقطع به الجلاد رقبة شعبنا؟‏

-نحن نريد إسقاط النظام.. التخلص من صدام.. وأمريكا تريد ذلك، إذن لم لا نكون حلفاء؟‏

-وأمريكا تريد تقسيم العراق. القضاء على وحدته الوطنية.. نهب ثرواته البترولية فهل نكون حلفاءها في ذلك؟‏

-لا. لا. أمريكا لا تريد إلا رأس صدام. فإن سقط سلمتنا كل شيء.‏

-وانسحبت بعيداً زاهدة عفيفة النفس؟‏

-أجل، هم شرحوا لنا. القوات التي تتدرب الآن سيتم إنزالها في الجنوب، في الشمال، سراً وخفية. هذه القوات تتغلغل إلى الداخل.. تجرى اتصالات مع قواعد المعارضة هناك.. مع ضباط الجيش المعارضين. توزع أموالاً.. أسلحة.. وحين تحين اللحظة المناسبة تضرب ضربتها.‏

-والنظام العراقي نائم؟ عيناه مغمضتان؟ أذناه مسدودتان؟ لا، لا، يا صاحبي! في اللحظة التي ينزلونكم فيها ستجدون قناصتهم بالمرصاد، يقنصونكم وأنتم تنزلون من طائرات الهيلوكبتر.‏

-لن يكون فارغاً لذلك. يشغلونه بمائة مشكلة ومشكلة.‏

-ها!! إذن، مشكلة التفتيش الآن مفتعلة والإنذار بالحرب حقيقي؟‏

-ماذا إذن؟ هو مزحة؟ لا. أمريكا لا تمزح. إن لم يذعن انصبت الصواريخ على رأسه كوابل المطر. اشتعل العراق كله ناراً لا تبقي ولا تذر.‏

-اللعنة!! ويسركم هذا؟ يسعدكم أن يدمر العراق؟ يحترق العراق من جديد؟ لا. لا. أنتم عملاء.. خونة. كلكم عملاء!! خونة!!‏

وترك باقر كل شيء خلفه متفتفاً باصقاً ثم خرج. صدره مطبق.. قلبه ممزق.. أنفاسه ثقيلة وقد غدت الدنيا كلها في عينيه سحابة سوداء.‏

في المنزل وجد الدكتور زياد مطبق الصدر مثقل الأنفاس، الدنيا كلها في عينيه سحابة سوداء.‏

-ما بك؟ سأله وقد ظن أن هم العراق هو الذي يشغله.‏

-ما بي؟ طردتني اليوم. بصقت في وجهي.‏

-من؟ سحر؟‏

-أجل.. زفت!! رد وهو يزفر زفرة حارقة.‏

-لكن، آخر مرة، كنتما على أحسن ما يرام.‏

ولوح زياد برأسه حزيناً كئيباً كأنما لم يعرف الفرح قط. آخر مرة كان عيد ميلاد ابنة الوزير، وكان زياد قد تحمم وتعطر، لبس أفخر ما لديه من ملابس، أفخر ما لديه من أحذية، أغلى ما لديه من ربطات العنق، ثم مضى إلى الحفل. وحين عاد كان يرقص فرحاً. روى لباقر كيف استقبله أبوها الوزير، كيف رحبت به هي نفسها، كيف قدم لها هديته: زجاجة عطر باريسي، دفع ثمنها بالدولار، بل همس في أذنه وكله ثقة بالنفس: "من الواضح أنهم يريدونني. من المؤكد أنني سأصبح صهر الوزير". صوته ما يزال في أذن باقر وهو يهتف فرحاً مسروراً: "سأصبح صهر الوزير" بل هو في اليوم التالي طلب إليه أن يرافقه إلى الجامعة" ستخرج من محاضرتها الساعة الواحدة. ننتظرها هناك فنراها" قال حينذاك لباقر فرد باقر مستغرباً "ننتظرها؟" "أجل أريدك أن تذهب معي كي يبدو الأمر وكأنه مصادفة" "لا.. لا.. مالي علاقة. لست فارغاً لأمور كهذه." "أرجوك، باقر!! ساعدني باقر فلا تظن أنني مراهق أطاردها"، وذهب باقر معه. رصداها إلى أن خرجت، ثم تعرضا لها. كانت معها رفيقتها. سلما عليهما، وحين طلب إليها زياد أن يحدثها على انفراد، ظل باقر مع رفيقتها. تعرف واحدهما إلى الآخر. تبادلا النظرات.. البسمات وكانا على وشك أن يتبادلا المواعيد. أليس هو عصر السرعة؟ "ماذا تدرسين؟" "التاريخ" "تأتين كل يوم؟" "بالطبع، الجامعة أرحب والحياة فيها أعذب" "يمكنني أن أراك؟" "لم لا؟ تبدو شاباً مثيراً للاهتمام" "وأنت فتاة جميلة ساحرة" ثم لم يعد زياد وسحر حتى كان باقر قد اطمأن إلى أن باستطاعته أن يلتقي بفادية، طالبة التاريخ متى شاء.‏

ذلك اليوم عادا فرحين: زياد وهو يقترب من تحقيق هدفه، وباقر وهو يضع نصب عينيه جديد هدفه. كانت لورا قد تركته في فراغ راح يثقل على صدره يوماً بعد يوم، وللتو بدت له فادية قادرة على سد ذلك الفراغ: حنطيتها الجذابة، شعرها الفاحم، عيناها الحوراوان، كل ما فيها يذكره بآمال بغداد، تلك التي علمته ذات يوم مبادئ الحب والجنس فكانت خير معلم.‏

بعد ذلك التقى مرتين أو ثلاثاً بفادية، فيما تعذر على زياد أن يلتقي بابنة الوزير، لكن دون أن ييئس هو يجد لها الأعذار دائماً، يبني عليها الكثير من الآمال. باقر يعلم أنه يريدها سلماً يتسلق درجاته إلى أعلى السطح، لكن ما شأنه هو؟ ليتسلق ما شاء. حسبه أنه يستمع إليه وهو يرسم الخطط، يفكر بصوت عال ويبني قصوراً في الأندلس. الوزير يفيد منه: "اذهب بهذا الخبر إلى الصحيفة الفلانية. اكتب لي في المجلة الفلانية." وبدا زياد الدكتور الذي لم يعمل دكتوراً والصحفي الذي لم يكن يوماً صحفياً، نشطاً قادراً على تحريك دوائر الدعاية والإعلام، وماذا يريد الوزير غير الدعاية والإعلام؟‏

-لكن كيف حدث هذا؟ كيف طردتك؟ سأله باقر وهو يتفحص سيماه الحزينة ووجهه المدلهم هماً وغماً.‏

-لا أدري. الحق علي. أنا غبي. أنا فأر جبان.‏

-وأوشك باقر أن ينفجر ضاحكاً وهو يرى صاحبه ينحو باللائمة على نفسه لاطماً خديه مغرورق العينين بالدمع، نادبة من نادبات الحسين في عاشوراء.‏

-فأر جبان!؟ كيف؟ قل لي.‏

-يا سيدي. كنت في مكتب والدها أكتب له كلمة يريد أن يلقيها في مناسبة الغد. فجأة دخلت ابنته ومعها كلب.. كلب كبير كأنه الضبع. بول.. فـ.. رغ.. يسمونه، لا أدري ماذا.‏

-لا، لا، بول دوغ. الكلب- الثور. رد باقر مبتسماً وقد تصور ما جرى.‏

-تصور. كلب كالثور يأكل كل يوم ثلاثة كيلو غرامات من اللحم.‏

-معقول؟ قاطعه باقر باندهاش بالغ: ثلاثة كيلو غرامات؟‏

-هي قالت. هذا الكلب تريدني أن آخذه للنزهة!!‏

-وماذا في ذلك؟ خذه للنزهة.‏

-لكنني أخاف الكلاب. أنا رجل يخاف أي كلب حتى ولو كان ابن عم القط.‏

-طيب، وماذا حدث؟‏

-ما إن رأيته حتى ابتعدت محتمياً بالطاولة، أرتجف خوفاً.‏

-وهي، ماذا فعلت؟‏

-وصمتني بالجبان الرعديد. تخاف من كلب مدلل مثل بوغي هذا؟ أنت لست رجلاً؟ أنت أرنب رعديد.‏

-مشكلة!! عقب باقر وبالابتسامة ما تزال على وجهه.‏

-والمشكلة الأكبر حين اقترب مني وعوى في وجهي. تعلم؟ كدت أقع أرضاً. ذلك الكلب اللعين مخيف!! صدقني. لم أر كلباً مخيفاً مثله في حياتي.‏

-ولاحظت هي ذلك؟‏

-كيف لا وأنا أرتجف أمامها؟. أسناني تصطك!! ركبتاي ترتعشان!!‏

-وهزئت منك؟‏

-بل بصقت في وجهي سابة شاتمة. "متخلف.. جبان.. رعاعي" ثم طردتني شر طردة. "لا أريد أن أرى وجهك. لا تعد إلى هذا المنزل أبداً."‏

وانكب زياد على وجهه سفينة محطمة الأشرعة ممزقة الجنبات.‏

تلك الليلة نام زياد وباقر على الحزن والهم. الأول للشر الذي أصابه والثاني لما يتوجس من شر سيصيبه. ففي اليوم التالي كان له موعد مع فادية وكان أخشى ما يخشاه أن تفعل ما فعلت سحر بزياد، لكن ما إن رآها في اليوم التالي حتى ذهبت من نفسه كل خشية، فقد جاءت فادية هاشة باشة، متثنية القد متراقصة الخطا وكأنما يشعلها الشوق والوجد.‏

-خفت أن تخلفي الوعد، بادرها وقد جلسا وجهاً لوجه في زاوية معتمة من زوايا كهف موغل في العمق معتم الرؤى يدعونه "الكافتريا".‏

-ولماذا أخلفه؟‏

-لا أدري. الشيطان وسوس لي أمس.‏

-الشياطين هكذا دائماً. شغلها الوسواس في صدور الناس.‏

-في هذه الحالة، ماذا تفعلين أنت؟‏

-ألوذ بالمعوذات، قالت ثم بدأت ترتل: أعوذ برب الناس.. مالك الناس.. إله الناس فلحق بها باقر إلى أن ختما السورة، ثم ضحكا كلاهما.‏

كانت فادية تبدو مشرقة فرحة، فضحك باقر من نفسه "لم ربطت بينها وبين سحر؟ لماذا يكون موقفهما واحداً"؟ لكنها لم تدعه يكمل تساؤلاته، فقد عاجلته لائمة:‏

-ماذا، تشرد وأنت معي؟‏

-لا تؤاخذيني، أرجوك!!‏

-بماذا شردت؟ أصدقني.‏

ولم يجد باقر بداً من أن يصدقها.‏

-الحقيقة!؟ برفيقتك سحر.‏

وضحكت فادية:‏

-حكى لك؟‏

-كل شيء.‏

-يستاهل؟‏

-حقاً!!؟‏

-بالطبع. وإلا كيف يخطر بباله، وهو في الحضيض، أن يمد يده إلى نجمة في السماء؟‏

-هم شجعوه.‏

-لم يشجعه أحد. اسألني أنا. أبوها ينظر إليه نظرته إلى فتى يمكن أن يكون بين يديه تابعاً سميعاً مطيعاً.‏

-وهي؟‏

-هي أيضاً تريد استخدامه.. الاستفادة منه. تذكر أول مرة تعارفنا؟‏

-طبعاً، أذكر. يومذاك ظلت تتمشى معه أكثر من ربع ساعة، بل كانت تضحك معه وتقهقه لماذا؟ سألته فادية ثم أجابت، لأنها تريد إغاظة حبيبها.‏

-إغاظة حبيبها؟‏

-وإثارة غيرته أيضاً، هو الذي كان ينتظرها في سيارة الشبح في الطرف المقابل من الساحة.‏

-آ!! فهمت. وأنت؟‏

-أنا، ماذا؟‏

-أتريدين إثارة غيظ أحد؟ غيرة أحد؟‏

وانكمشت للتو. وجهها كظم، حاجباها قطبا، ثم مدت يدها إلى الخلف تبحث عن حقيبتها وكأنها تهم بالرحيل.‏

-ماذا؟ لا، لم أقصد إزعاجك. أنا أعتذر، أعتذر، بادرها باقر وهو يمسك بيدها الباحثة عن الحقيبة.‏

-أنت تعلم. أنا شيء مختلف. صحيح هي صديقتي، جمعتنا مقاعد الدراسة مذ كنا صغيرتين، لكن أنا ابنة مخيم بالأصل، الحظ فقط ساعد أباها فرفعه إلى مرتبة اجتماعية جيدة.‏

وفغر باقر فاه وهو يستمع إلى قصة فادية. "ابنة مخيم؟" لم يكن قد خطر بباله ذلك. مذ لقيها أول مرة ظنها دمشقية ابنة دمشقية ودمشقي. لكن على الطاولة، وفي الزاوية المعتمة من زوايا الكافتريا عرف باقر أن فادية ابنة دمشقية حقاً لكن لأب فلسطيني تترح مع النازحين وسكن المخيم مع الساكنين. ذكاؤه، جده، تحصيله العلمي، حماسته للقضية كلها ساهمت في رفعه إلى الأعلى فصار مسؤولاً لدى إحدى الجهات.‏

-يا إلهي!! كم هذا العالم صغير!! هتف باقر استغراباً وقد عادت إلى ذهنه فجأة صورة أبيها، أحد قادة الجبهة، يزورهم في جولة من جولاته على معسكرهم في البقاع.‏

-بعدئذ فرحت فادية كل الفرح وهو يروي لها كيف تعرف إلى أبيها ذات يوم حين كان فدائياً يقاتل في صفوف الجبهة، ويخطط للإغارة على قلعة الشقيف.‏

-أرأيت؟ ثمة قاسم مشترك بيننا، شعرت به منذ أن رأيتك.‏

-قولي: أكثر من قاسم مشترك.‏

-ماذا أيضاً؟‏

-أنت ابنة فلسطين وأنا ابن العراق!! كلانا مشرد، كلانا ينتمي إلى عالم الشتات.‏

-الشتات!! أجل!! ثم بدأت تترنم: يا أنت يا خارطة الفتات يا أمة الشتات.‏

-الله!! أنت سياسية؟‏

-ماذا تريدني إذن؟ ابنة قاسم الرحال، ابنة المعاناة والشتات ولا أكون سياسية؟‏

-إذن تعرفين أبا الليل؟‏

-أنا التي أعرفه. قالت وهي تستعيد ذكرياتها عن الرجل الذي كان يزورهم دائماً وهي طفلة صغيرة، وكان باقر يتذكر أيضاً أبا الليل.. الآمال التي بناها على استعادة غزة والخيبة التي صدمته بعد ذلك. "اتفاق أوسلو كان ينبغي أن يطبق: الضفة الغربية تعاد إلى السلطة الفلسطينية. على ترابها تقام دولة فلسطين ويرفع علم فلسطين، لكن ها هي ذي الأيام تمر ونتنياهو يسوف ويماطل. لا اتفاق أوسلو ينفذ ولا انتفاضة الحجارة تعود، فأية ورطة سياسية وجدت نفسك فيها يا أبا الليل؟".‏

بعد ذاك تشعب الحديث شعباً شتى. شربا عصير البرتقال، أكلا البوظة، شربا القهوة، والحديث لما ينته بعد "آه يا لأحاديث القلوب تبدأ ولا تنتهي، لكأنها الدماء في القلوب، ينابيعها الثرة لا تنضب طالما القلوب تنبض!! الله!! يا أحاديث القلوب كم أنت عذبة سلسبيل!!".‏

-هه!! أنت من جديد تشرد، عاتبته لائمة، فماذا تقول هذه المرة؟‏

-أحبك، قال باقر فجأة، وهو يمسك بيدها في زاوية الكافتريا المعتمة فتستكين اليد العصفورة في عش دافئ.‏

-وأنا أيضاً؟‏

-حقاً؟ سأل باقر غير مصدق.‏

-منذ اللحظة الأولى أعجبتني. لكن الآن، أنا واثقة أنه الحب.‏

-وما الحب؟ سألها باقر من جديد وفضول شديد يدفعه لأن يعرف كيف تفكر.‏

-قواسم مشتركة تجمع بين اثنين.. رغبات مشتركة.. مفاهيم مشتركة.. آمال.. آلام.. أم تراني مخطئة؟‏

-بل تقولين عين الصواب.‏

وحين خرجا من الكافتريا، كانت يد كل منهما تشد على يد الآخر، أصابع كل منهما تتخلل أصابع الآخر، عصفورين تدغدغهما أنسام الدفء والربيع فيزقزقان معاً ويحلقان عالياً في السماء، وحين ودع واحدهما الآخر كانا فرحين ففي غد موعد. لكن فرحاً أشد كان بانتظار باقر، إذ ما إن وصل إلى منزله حتى فاجأه صوت المذيع يلعلع من غرفة زياد:‏

-وافق العراق على طلب لجان التفتيش.‏

-ماذا؟ أسرع إلى زياد سائلاً. ماذا قال؟‏

-كما سمعت، أجاب زياد. الخبر تبثه المحطات الفضائية كلها. سيسمح العراق لبتلر بتفتيش مواقع الحراس الجمهوري.‏

-يا إلهي!! أي خبر مفرح!! انتهت الأزمة!! انتهى إذن خطر الحرب!!‏

-لكن أين الكرامة الوطنية؟ أين السيادة!؟ احتج زياد، لكن قاطعه باقر:‏

-لا يهم. المهم أنهم فوتوا عليهم الضربة.‏

وشرع باقر يدور على نفسه فرحاً: نجا العراق!! نجا العراق!!‏

***‏

في العراق فرح. الشوارع، الساحات، المدن القرى، كلها تغرق في بحيرة من الفرح يسبح فيها الناس وهم يهزجون ويرقصون.‏

-فُرجت!!‏

-الحمد لله!! لم يعد هناك حرب!!‏

-لك الشكر يا الله!! أنقذتنا من الصواريخ والطائرات!!‏

وكانت تملأ أجواء الحلة، تكريت، السامرا زغاريد وأهازيج. النساء يخفن الحرب. دوي الطائرات ما يزال يطن في آذانهن، هدير المدافع، أزيز الرصاص كله ما يزال من أيام الحرب ملء مسامعهن فكيف لا يفرحن؟ رقية، رئبال، فاطمة، الأولاد هنا.. الأولاد هناك كلهم فرحون. سيعود النفط مقابل الغذاء وستتدفق المواد من جديد تسد الأفواه الجائعة. وحده عبد المحسن غير فرح.‏

-لماذا؟ سألته فاطمة.‏

-نحن نتراجع أمام الوحش الامبريالي.‏

-لنتراجع، أليس خيراً من أن نلقي بأنفسنا بين فكيه؟‏

-لكن إلام؟ إلى أين؟ سيأتي يوم ونجد أنفسنا بين فكيه لا محالة؟ وأحست فاطمة بالصدمة. محسن يمدها دائماً بالتفاؤل، فلماذا تشاؤمه هذه المرة؟‏

-محسن يا ابن العم!! اليوم أنت متشائم لا ترى إلا نصف الزجاجة الفارغ.‏

-وهل ترك لنا الأنكلو أمريكان شيئاً في الزجاجة؟ لا فاطمة!! زجاجتنا كلها فارغة، فكيف أرى النصف الملآن؟‏

-ثمة قسم منها ملآن. أنت نفسك كنت تقول لي ذلك.‏

-صحيح، كنت. لكن الآن، أرانا نتقهقر على الدوام. العدو يتقدم ونحن نتقهقر، وأخشى ما أخشاه فاطمة، أن نكون قد وصلنا إلى حافة الهاوية. فأين نتقهقر؟ إذا ما طلبوا منا مطلباً أدهى وأدق رقبة، ماذا نفعل؟‏

-وماذا سيطلبون؟‏

-من يدري؟ ما أدريه أنهم لن يدعونا وشأننا، ما أدريه أنهم سيحاصروننا حتى النهاية، فماذا نحن فاعلون؟‏

-أنا واثقة أننا سنجد المخرج دائماً، فلنتفاءل.‏

لكن عبد المحسن لم يكن ليتفاءل. هو يعلم ما يعني التراجع، يعلم ما يعني دخول الأنكلو أمريكان إلى مواقع الحرس الجمهوري، إلى الثكنات العسكرية في قلب بغداد، يعلم أن اللجان كلها جواسيس وعملاء، سيرصدون كل شيء، يحددون، يدققون، ثم تصل كل شاردة وواردة إلى واشنطن. يعلم أن كرامة العراق تداس، سيادته الوطنية تمرغ بالتراب فأي هوان!! أي هوان!!.‏

ذلك الهوان أحس به ضابط الحرس الجمهوري وهو يستقبل بتلر عند باب الموقع. أحس به الجند، ضباط الصف، بل حتى الأسلحة، الذخيرة، المهاجع، المخازن أحست به وأيدي الأنكلو أمريكان تتلمسها، أقدام الأنكلو أمريكان تطأها. "ها قد دخلناك عنوة! ها قد دسناك رغماً عن أنفك" وكان كل ما في مواقع الحرس الجمهوري يحرق الارم غيظاً "المفترون الظالمون!! يعلمون أن لا أسلحة تدمير شامل هنا، فكيف يشكون أو يفتشون"؟ لكن بتلر كان قد جاء إليها بإذن من طين وأذن من عجين وكان في عينيه حقد وعلى شفتيه بسمة تشف "لن تفلتوا منا أيها العراقيون!! أنى ذهبتم سنلاحقكم. كيف هربتم سنكون في إثركم إلى أن تنبطحوا أرضاً.. تستسلموا استسلامكم لليأس، تذعنوا إذعانكم للموت".‏

عبد المحسن يلتقي ببتلر، يرى ما في عينيه من حقد، يسمع ما يدور في تلافيفه الدماغية من هسيس انتقام، مع ذلك لا يستطيع أن يرد. بوده لو يفقأ عينيه بأصابعه، أن يأكل تفاحة آدمه بأسنانه، لكنه لا يستطيع. الأوامر واضحة، "دعوهم يفتشوا. لا تستفزوهم. لا تفتعلوا معهم أية مشكلة"، وكان ضباط الحرس الجمهوري ملتزمين. عبد المحسن ملتزم، هو فقط يكظم غيظه، يرقب كلاب الأنكلو أمريكان وهي تتشمم، تنداح في هذا الموقع، في ذاك، دون أن يستطيع إيقافهم، فيطلق الزفرات، زفرة إثر أخرى.‏

فاطمة تطلق أيضاً الزفرات. هي حامل. بطنها شبران أمامها، ولا تدري متى يبدأ الطلق.‏

-اذهب فائت برقية، قالت له وقد عاد كاتماً للزفرات.‏

-تشكين بقرب الوضع؟‏

-طبعاً. أنا ممسية مصبحة. ترى ما أفعل إن جاء الطلق وأنا وحدي؟‏

أحس محسن بنوع من وخز الضمير. "صحيح، كيف غاب ذلك عن بالي؟" لكن كيف لا يغيب عن باله، ومعركة لجان التفتيش أخذته كله!؟.‏

-غداً اتصلي بها، وإن كانت جاهزة أرسل لها السيارة.‏

وتنفست فاطمة الصعداء. في السابق كانت أمها تأتي، تساعدها في الوضع. حماتها جاءت ذات مرة من العمارة، لكن لا أمها ولا حماتها ظلت على قيد الحياة. العراق حقل من قمح، ومنجل الموت يحصد القمح حصداً. شظف العيش، شح الموات، نقص الدواء، انعدام الغذاء، كل ذلك كان يمهد الطريق للموت فيعمل منجله في الحقل، يحصد ويحصد. ابن فاطمة وابنتها كانا قد حصدهما منجل الموت. لكنها تحدت الموت وها هو ذا حملها الثالث يصيح بصوت تكاد تسمعه: استعدي، أنا على وشك الخروج، فماذا تفعل فاطمة؟‏

الصباح التالي اتصلت بأختها، فرحة أن الهاتف عاد إلى العمل. مرافق كثيرة كانت قد عادت إلى العمل: جسور، أسلاك كهرباء، قنوات مياه، مستشفيات، مدارس.. كان العراق يعمل ليل نهار لإعادة البناء وكان الطريق طويلاً لكنه كان يسير، وكله تصميم على أن يقطع ذلك الطريق.‏

-أختي رقية، هتفت بها، أنا على وشك الوضع ومالي غيرك.‏

-تكرم عيونك فاطمة. تريدينني أن أذهب الآن؟‏

-لا. الظهر تصلك السيارة.‏

-ولماذا تبعثين السيارة؟ أنا أذهب بروحي؟‏

-رقية!! ايش هذا الحكي؟ محسن ما يرضى.‏

-زين. أجهز نفسي لحين وصول السيارة.‏

-هاتي معك الأولاد. هاتي رئبال. نحن اشتقنا لكم كثيراً.‏

-لا. لا. رئبال، ما أظنه يجيء. عنده شغل بالحقل. أخليه مع الأولاد.‏

وحين أطبقت السماعة تنفست هي الأخرى الصعداء. رقية تشعر أنها بأمس الحاجة لفراق العمارة ولو إلى حين. هي مشتاقة لبغداد. شوق عارم كان يؤجج صدرها لرؤية العاصمة التي أحبتها طوال حياتها. دار السلام، مدينة المنصور، عاصمة الدنيا ذات يوم، كانت تفتنها دائماً. لألاؤها، بهرجها، سحرها ذاك الساكن في العينين، العصي على الفهم يشد عينيها دائماً، لكأنها مسمار قرب كتلة هائلة من المغناطيس. شارع الرشيد، أبي النواس، الشورجة، حيفا، المنصور، كلها تسكن خيالها ولا تفارقه. رقية غادرتها مكرهة. الخروج من بغداد أشبه بخروج أمها حواء من الجنة.‏

لكن رقية لم تكن قد ارتكبت إثماً. هي تقسم أنها لم تغر آدمها بأكل تفاحة ولا بالاقتراب من شجرة معرفة. لكنه سوء الحظ، جعلهم ولا خيار لهم سوى الخروج من الجنة.‏

في العمارة أرض يمتلكونها وحقول يمكن أن تزرع لتعود غذاء يسد الأفواه الجائعة وقوتاً يمنع الأطفال من الموت. رئبال مهندس صناعي، مارس كل شيء إلا الزراعة. لكن، للضرورات أحكام، والضرورة حكمت عليه أن يعود مزارعاً يعتني بشجر النخيل، يزرع الحقول حنطة، ينمي الخضراوات أو مات هو وأطفاله جوعاً. هو رهين حصارين: حصار الآخرين للعراق وحصار العراق له. ألم يكن مدير مكتب حسين كامل؟ ألم يكن عليه أن يكتشف ما يخطط له في الخفاء؟ حسن حظه فقط أنقذه من دفع الثمن كاملاً. هو دفع بعضه: سجناً، تعذيباً، إذلالاً، لكنه لم يدفع الثمن كاملاً: الحياة في بلده الإنسان رخيص. هو يعلم ذلك. حياة الإنسان بخسة الثمن. منذ الحجاج، والسيف يقطع الرقاب دون حساب، لكأن النساء يحبلن ويلدن، فقط كي تقطع السيوف الرقاب. سيف الحجاج لا يكف عن القطع. هو آلة متحركة دائماً لا تصعد إلا لكي تنزل، فكيف لا يحمد ربه ورقبته لم تقطع؟.‏

في الأرض يعمل. إلى الطبيعة يهرب، ففي العمارة عيون ترصد وآذان تتنصت. العمارة مسقط رأسه، والكثيرون يعرفونه.. إن جلس في المقهى سيسألونه بل ربما سيجرونه للكلام، ثم ماذا يفعل في المقهى؟ هو يكره المقاهي.. يكره التبطل.. التسكع. حياته كلها كانت دأباً متواصلاً إلى أن تخرج بتفوق، ثم عمل بتفوق، بل لم يكن اختيار حسين كامل له أمين سر إلا لمعرفته بذلك التفوق. حسين كان يريد أن يبني العراق. رئبال يذكر جيداً خطة "المعلم": نقلة نوعية تنقل العراق من العالم الثالث إلى العالم الأول أو الثاني على الأقل: "وكيف ذلك؟" "بالصناعة". كانت الصورة واضحة في ذهن حسين كامل. "نهضة أوروبا ماذا تعني؟ الصناعة، فلماذا لا نقيم نحن المصانع؟ ندخل التكنولوجيا؟ نأخذ بأسباب العلم كاملة وندفع بلدنا على طريق التطور؟" وبدأ حسين المشوار. استقدم خبراء، جاء بأدمغة أجنبية، استقطب أدمغة عربية وتحول العراق إلى خلية نحل تعمل ليل نهار. كان حسين كامل يعلم أن عليه أن يسابق الزمن.. أن يحرق المراحل فالأعداء يتربصون. إن رأوه لن يتركوه. في لعبة الشطرنج التي يريدونها، العراق بيدق فكيف يتحول إلى فرس أو وزير؟ مصيره، هم الذين يحددونه، مساره، هم الذين يقررونه، فكيف يعمل على تحديده بنفسه أو اتخاذ قراره بذاته؟‏

رئبال يذكر أيام العز تلك، يذكر الحيوية، النشاط، الحماسة منقطعة النظير تلك التي كان يعمل بها الجميع: عراقيون، عرب، أجانب.. كلهم كانوا متحمسين، مندفعين. تجربة النقلة النوعية تلك كانت تغريهم. حرق المراحل كان يفرحهم. بثلاث سنوات تجتاز مرحلة ثلاثين سنة، بعشر تجتاز مائة سنة، أية تجربة رائعة؟ أينشتاين نفسه سيفرح لها وهو يرى كيف يمكن للإنسان أن يتلاعب بالزمان؟ "إيه، يا أيام العز كم كنت رائعة!! كم كانت آمالنا فيك كبيرة!! مطامحنا عظيمة!! فلماذا خنتنا يا زمان؟ لماذا غدرت بنا أيها الدهر؟ "وأطلق رئبال آهة طويلة وهو يضع المعزق جانباً ليستريح. كان، كعادته، يفيق مع الشمس، يحمل زوادته: خبزاً وتمراً أو خبزاً بلا تمر ففي الحقول بصل كثير. رئبال قنوع زاهد، بل الدنيا كلها أزهد لديه من عفطة عنز. هو يعذر من هم فوق إن مسكوا بأحد أو قسوا في حكمهم على أحد. كثرة الأعداء علمتهم الحذر والشك، تلاحق المؤامرات علمهم القسوة في الحكم. حسبه أنهم عفوا عنه. أخرجوه إلى الحرية، حيث يمكن أن يعمل ويتحرك ملقياً بنفسه بين أحضان الطبيعة، أماً رؤوماً تفيض عليه رعاية وحناناً، بل أحياناً يشعر أنه سعيد، حظه حسن. ساعات فصلت بينه وبين الموت. "ماذا لو صار الهجوم وأنا في منزل حسين كامل؟ ماذا لو زرته قبل يوم واحد وعرفوا بتلك الزيارة؟" ويحمد رئبال ربه من جديد. "هي حسنة هؤلاء الأطفال، فمن يعيلهم إن مت؟" وعاد من جديد يعزق الملفوف الذي لم تلتف أوراقه بعد. كان الحقل على ضفة دجلة. وكانت التربة خصبة. "يقولون رأس الملفوف يكبر حتى ليزن عشرين كيلو غراماً. لدي ألف رأس، إذن ستكون الغلة وافرة: أطناناً من الملفوف سأنتج، ولسوف أقبر الفقر". وغرق رئبال في عمله، حافراً عازقاً، فالأعشاب ضارة، تتطفل.. تسلب النبات غذاءه ككل المتطفلين في الأرض الناهبين السالبين.‏

فجأة جاء صوت طيران: دوياً ملء السماء والأرض. رفع رئبال رأسه عله يرى شيئاً. العمارة في منطقة الحظر. محرم أن ينصب فيها رادار.. يتربص مدفع، يتحرك عسكر. الأنكلو أمريكان يرقبون المنطقة. كل يوم تأتي الطائرات، لكن دويها هذه المرة مختلف. "هي قريبة من الأرض أعدادها كبيرة"؟ وشرع رئبال يمسح السماء بناظريه محدقاً نحو الغرب، فجأة أحس بصوت انفجار وموجة هائلة من دوي تدفعه إلى الوراء، ملقية به أرضاً.‏

وصلت السيارة من بغداد ولم يصل رئبال من الحقل. رقية تنتظره بفارغ الصبر. مذ اتصلت بها فاطمة تدعو الله أن يصل بسرعة. رئبال يعود عادة مع أذان الظهر. أحياناً يصلي في الجامع وهو في طريقه إلى المنزل، وأحياناً يقعده التعب عن ذلك. رقية تريده أن يعود. لكن لم يعد بعد. هي قلقة عليه، سألت عنه بعض الجيران، الأقرباء، لكن أحداً لم يره. "ما سبب تأخره؟ أتراه قصف الطيران؟ "لكن الكل قالوا إن القصف بعيد. أين الحقل من مكان الرادار؟ خمسمائة متر.. ثمانمائة متر، المسافة الفاصلة. مع ذلك أحست رقية بالقلق. الانفجارات الشديدة هزت حتى بيتها في العمارة. بعض بيوت الأطراف تحطم زجاجها، هذا ما يقوله الناس. "فهل تحطم زجاج رئبال وهو الأقرب بكثير؟".‏

رئبال لا يدري ماذا تحطم فيه، لكنه فتح عينيه فوجد كل ما حوله خواء، صمتاً وسكوناً. هز رأسه نافضاً تلافيفه الدماغية فوجدها ما تزال خواء. تلمس رأٍه، صدره، رجليه، كل شيء فيه صحيح سليم. لا دماء.. لا كسور.. الدوي وحده كان ما يزال ملء أذنيه. هز رأسه، شد الشحمتين، خض ببنصريه الثقبين، حاول فتح الأذنين لكن الأذنين لم تنفتحا. سدادة هائلة قد توضعت على الغشاء الطبلي في كل منهما، والدوي الهائل ما يزال ملء أذنيه. الخواء ملء رأسه، الفراغ ملء عينيه، وهو منبطح على الأرض "ما الذي حدث؟" بعد لأي فقط جاءه الجواب: الانفجار. "لكنني سليم.. لم أصب بأذى"، يداه اللتان تلتمسا جسده عادتا بالجواب الشافي. "لأنهض" ونهض رئبال فارغ الرأس خاوي العينين أصم الأذنين، لكنه نهض. الأفق صاف.. السماء خاوية. لا آثار انفجار، لا دخان، لا غبار، والشمس عالية في السماء تشق طريقها ببطء ولا مبالاة كأنما لم يحدث تحتها شيء.‏

-هلم نبحث عنه، قالت رقية للسائق وقد نفد صبرهما حتى آخر قطرة، وأسرعت السيارة برقية على طريق ترابي يشق حقولاً خضراء تسير مع دجلة العظيم، وهو يهدر بمياه الخريف الأولى. عند طرف الحقل توقفت السيارة، وحين نزلت رقية تنفست الصعداء كان رئبال يسير باتجاهها، بطيء الخطا، خاوي العينين، لكنه يسير، بغير معزق، بلا جعبة، فرحاً مرة أخرى بأنه ما يزال قادراً أن يسير.‏

-ما الذي أخرك؟ سألته وهي تحدق إليه ممسكة بذراعه، لكنه لم يجب. الصوت الذي جاء مشوشاً مبهماً تراكبت أحرفه بعضها فوق بعض، ومن جديد نفض رأسه، هز أذنيه يمنة ويسرة، أدخل بنصريه في ثقبيهما وشرع يحركهما، يخضهما.. يريد أن يخلصهما من ذلك الدوي الهائل وقد بدا أشبه بجدار مصمت ترتد عنه الأصوات.‏

-ما بك؟ قل لي. لماذا تأخرت حتى الساعة؟ عادت تسأل بمزيج من الخوف والإلحاف. هذه المرة، عيناه رصدتا شفتيها، أذناه تنبهتا لكل حرف من كلماتها. واستطاع رئبال أن يفهم. هو لم يسمع جيداً لكنه فهم. الدوي كان ما يزال جداراً صاداً راداً لا تخرقه الكلمات. وبتمهل شديد وتلجلج واضح حكى لها ما حدث.‏

-يا إلهي الانفجار قريب منك؟ كاد يقتلك؟ حمداً على سلامتك إذن، حمداً على سلامتك. وبيدين راعشتين راحت تحيطه.. تسنده، دافعة به إلى السيارة..‏

في المنزل غسلت له وجهه.. رأسه.. يديه.. عنقه. ثمة تراب.. غبار. نتف من نبات علقت بشعره. موجة الانفجار الطافية حملت معها الكثير ولا شك لكن حسن حظه جعلها أخف من أن تمزق غشاءه الطبلي.. أبعد من أن تستطيع رفعه عالياً في السماء ثم تخبطه على الأرض فيتحطم. بعد ذاك، سقته رقية الماء.. المنعشات، وشيئاً فشيئاً بدا رئبال يشعر أن الفراغ داخل رأسه ينسد، الخواء في عينيه يمتلئ، الدوي في أذنيه ينحسر ليسمع من جديد ما كانت رقية تريد إيصاله.‏

-لا بأس، لا بأس، يمكنك أن تسافري إليها. قال أخيراً وهو يحملق بنفسه في المرآة متعجباً أنه ما يزال على قيد الحياة.‏

-أسافر؟ كيف وأنت في هذه الحال.‏

-لا، لا، أنا بخير. رد باذلاً كل جهده كي يبدو مرتفع المعنويات، وأعين الأولاد كلها تحملق فيه. كل شيء على ما يرام.‏

-أتسمعني جيداً؟ سألت وهي تحاول الاطمئنان.‏

-أجل!! أشعر أن الغمامة انقشعت، شيئاً فشيئاً انفتحت المغاليق، رقية، أذناي انفتحتا فلا تشغلي بالك. أنا بخير.‏

-لا.. لا أستطيع. سأتصل بها أعتذر.‏

-لا، رقية. لا، فاطمة بحاجة إليك. اذهبي، قلت لك. ولنحمد الله أنها جاءت سليمة.‏

طوال الطريق ظلت رقية تحمد الله: "رئبال نجا بأعجوبة وكيف لا أحمد الله؟ لو أخطأت الطائرة، لو قصفت أقرب قليلاً ما الذي كان سيجري لرئبال؟ رباه، لم هذا كله يا رباه؟ العراق مباح: ترابه.. مياهه.. نباته.. حيوانه.. كل ما فيه مباح للسيد الكاوبوي امبراطور العالم فإلى متى يا رباه؟" رقية تفكر وخوف غامض يتسلل إلى كل ذرة من نفسها. "ماذا إن قصفوا سيارتي الآن؟" وشعرت بنفسها ترتعد وهي تتصور جسدها أشلاء تختلط بأشلاء السيارة والكل يتطاير في الفضاء.‏

-ما بك؟ تساءلت فاطمة وقد رأت رعباً شديداً في عيني أختها.‏

-رئبال!! كان اليوم.. وأشارت بيدها إشارة الطيران بعيداً في الفضاء.‏

-فأل الله ولا فألك!! ماذا حدث؟‏

حينذاك روت رقية لفاطمة تفاصيل ما حدث.. فكادت تولول.‏

-مسكين!! رئبال!! حتى في الحقل لم يخلص!؟ كم هو سيئ الحظ!!‏

-ومحسن!؟ إن شاء الله بخير؟ ما من مشاكل؟‏

-لا، الحمد لله. محسن حسن الحظ.‏

-أجل، احمدي الله. احمديه. الدنيا يا أختي حظوظ، ومن كان سوء الحظ يلاحقه، لا يتعب ولا يشقى.‏

-إن شاء الله تتحسن الأحوال ويرجع رئبال، محسن لم ينسه، ها!!‏

-صحيح. محسن رائع. هو أخ وليس ابن عم. أين هو؟ ألن يأتي إلى العشاء؟‏

-بل سيأتي. أجابت فاطمة ناظرة إلى الساعة وكلها توقع أن يظهر محسن بين اللحظة وأخرى.‏

وإلى أن ظهر شغل الأختين بطن فاطمة: الوضع وشيك، أخبار الجنين، يتحرك؟ لا يتحرك؟ فيما رقية لا تفتأ تتلمس البطن الذي هبط إلى الأسفل حتى صار بين فخذي فاطمة. ثم ما إن جاء محسن حتى عادت أسطوانة الأسئلة تدور حول رقية وأسطوانة الأجوبة تدور هي الأخرى. محسن يريد أن يعرف كل شيء عن القصف.. عن الطيران الذي يحظر منطقة الجنوب.. عن حادث رئبال، ولم يتوقف سيل الأسئلة إلا وقد حط ملاك النوم.‏

فاطمة سعيدة برقية ورقية سعيدة بفاطمة: أختان توءمان ترى واحدتهما الدنيا في عيني الأخرى.. تجلسان فتستعيدان الماضي، تقلبان الذكريات وتضحكان، تبكيان. ثم تنظر رقية إلى بطن فاطمة "ماذا؟ ألن تضعي؟" وفي صميم قلبها تود ألا تضع، عل فرصة أكبر تتاح لها لرؤية بغداد.. للاستمتاع بأحضان بغداد.. رقية تترك أختها وتخرج إلى الشوارع. تجوب هنا وهناك، تطمئن على السليم من بغداد، تحلم بترميم ما خرب من بغداد وتماشي دجلة. تعبر الجسور التي أعيد بناؤها: الرصافة، المعلق، الثورة، كلها تتفقد المواضع العزيزة على قلبها. "هنا تنزهت مع رئبال. هنا أكلنا المن والسلوى. هنا قصقصنا البزور والموالح." وتعود مع الظهيرة إلى فاطمة.‏

يومين، ثلاثة، أربعة أيام؟ وفاطمة لم تضع. ثقيلة متعبة في آخر رمق، مع ذلك لم تضع.‏

-ماذا؟ هل غيرت رأيك؟ سألها محسن ضاحكاً وقد جلسا إلى مائدة الغداء.‏

-اسأله هو. ردت فاطمة وهي تشير إلى أسفل بطنها. ولد عنيد.. ابن أبيه. وضحكت فاطمة ورقية، فالعناد هو السبة التي كانتا لا تفتآن تلصقانها بمحسن.‏

-ولم العجلة؟ من هو في بيت أهله، على مهله. رد محسن ضاحكاً، هو الآخر، متجاوزاً غمزة فاطمة.‏

-أنا أيضاً في بيت أهلي، عقبت رقية، وفي نيتها أن تطمئنهما أنها ليست في عجلة من أمرها. هي تتصل كل يوم بالعمارة، تطمئن على الأولاد. الابنة الكبرى تسد مسدها، تعمل كل ما ينبغي عمله في البيت. إذن لم السرعة، وهي في بغداد؟‏

رن الهاتف. همت فاطمة بالنهوض، لكن يد محسن أسرعت وقد نهض بنفسه للرد:‏

-ألو! نعم. حاضر سيدي. مسافة الطريق سيدي. وأطبق محسن السماعة متجهاً مباشرة إلى غرفة النوم.‏

-ماذا؟ ألن تكمل طعامك؟ سألت رقية وقد استغربت ردة فعله السريعة.‏

-مهمة عاجلة. هم يريدونني الآن. أجاب من غرفة النوم وهو يبدل ثيابه.‏

-ما هذه المهمة العاجلة الآن؟ هذه المرة سألت فاطمة. هل من أزمة جديدة مع لجان التفتيش؟‏

-لا. لم يحن الوقت بعد، رد وهو يتجه إلى الباب.‏

-هل تتأخر؟‏

-لا، لا أعتقد ذلك. قال وهو يميل على خدها يطبع قبلة سريعة، ربما مكافأة على حملها لنفسها ثقيلة، متعبة، في آخر رمق، كي تودعه.‏

لم تأكل فاطمة بعد ذلك، "سدت نفسي". رقية أكلت حتى الشبع، فالتجوال في شوارع بغداد كان قد استنفذ كل ما لديها من طاقة وكانت بحاجة إلى تعويض.‏

-ايه!! رقية!! أرأيت ما أبشع حياتنا!؟‏

-حياتكم أنتم بشعة؟ ردت رقية باستنكار، ملايين الناس يحسدونكم. لديكم سيارة جميلة، تموين وافر: لحوم.. فراريج.. أسماك.. هنيئاً لك يا أختي!!‏

-بل هنيئاً لك أنت!! أنت البعيدة في العمارة، لا سلطة ولا مسؤولية. تعلمين رقية؟ أنا أحسد كل من هو بعيد عن السلطة.‏

هزت رقية رأسها وفي صدرها شيء من غيظ:‏

-ونحن الذين نحلم بأذيال السلطة، ماذا نقول؟‏

-لا.. لا تحلمي ولا يحزنون. على الأقل زوجك يظل إلى جانبك. يأكل.. ينام. لا أحد يخطفه منك وهو على مائدة الطعام. لا أحد يستدعيه وهو في عز النوم.‏

-لكن، لماذا يستدعونه؟ لماذا يخطفونه؟ أليس له نظام عمل ثابت؟‏

-لا، لا، هو يدعى إلى مهمة، لا يدري متى، كيف، أين، وعليه أن يلبي، رقية!! تعلمين بت أكره هذه الحياة.. بت أكره نفسي.‏

-لا، فاطمة! لا تقولي ذلك.‏

-وماذا أقول إذن، أنا التي لا تشعر بالأمان؟ كأنما هي في قلب الخطر.. تسير في حقل ألغام.‏

وتعجبت رقية. كانت أول مرة تشكو فيها فاطمة، وكانت الشكوى مرة، في ثناياها حرقة وحسرة أحست بهما رقية فامتنعت عن الكلام.‏

كانتا تشربان الشاي. بعد الطعام تحب رقية كثيراً أن تشرب الشاي. فرغت من تنظيف الأواني.. ترتيب المطبخ، وفاطمة في غرفة القعود مستلقية، تريح جسدها من حمل بات ثقيلاً متعباً يقطع الأنفاس.‏

-تعلمين رقية؟ عادت فاطمة للحديث بعد فاصل من صمت. لمن أنا مشتاقة حتى الموت؟‏

-لناصر، ردت رقية، هي التي تعلم مقدار حبها لأخيها.‏

-أجل. أدفع نصف عمري لو أعلم أخباره، أسمع صوته.‏

-بيدك حق. أنا أيضاً مشتاقة إليه. لم يعد لنا سواه.‏

وشردت كلتاهما، ربما تستعرضان ما فعلت بهما الحرب؟ ما فعلت سبع سنين عجاف. حصدت فيها أقرب المقربين: أماً، أخاً، عماً، أبناء، بنات كما حصدت معهم الرغد، الهناء، السعادة، لتزرع الخراب والدمار ليس في البصرة، مربع الصبا والطفولة وحسب، بل في كل مكان من أرض العراق.‏

-تعلمين؟ آخر مرة سمعت صوته كان قبل الحرب، بيوم أو يومين.‏

-كان يتكلم من عمان؟‏

-أجل. أما اليوم فمن يدري أين هو؟ في بيروت؟ دمشق؟ واشنطن؟‏

-لا، هو ليس كجبار.. لا يمكن أن يرتكب خطأه، فيبيع نفسه للأمريكان.‏

-تظنين ذلك؟ سألت فاطمة، وكأنما يخيفها بعض الشك في النسف.‏

-بل أنا واثقة. جبار يمكن أن يبيع نفسه للشيطان، لكن ناصر لا.‏

-أرجو ذلك رقية. أرجو ذلك، فما أصعب أن تري أخوتك أعداء!! أشقاءك عملاء للأعداء.‏

-ناصر لا يصير.‏

-لكن جبار صار.‏

جبار بلا.. وأشارت إلى جمجمتها إشارة الفراغ والخواء.‏

-خسارة جبار!! كل عمره كان فارغ الرأس، وأطلقت فاطمة زفرة. كانت أخبار ما قد وصلتهم من الشمال عن وصفي- جبار التنكجي- الذي تزوج كردية وباع نفسه للأكراد. الأكراد باعوه لأمريكا فمضى إلى واشنطن يغريه الذهب ويغويه الدولار. حينذاك هاج محسن وماج "عار يلطخنا به جبار!! سبة في جبيننا!! ماذا أقول للقيادة؟ بماذا أرد على اتهامات الرفاق؟" ولم تستطع فاطمة أن تهدئه إلا بالكاد. هي تعلم أنه على حق. أخواها الاثنان خارج البلاد. كلاهما معارض. لم يحتج محسن في البداية ولم يحنق. المعارضة من حقهم. كل مواطن حر. يوالي، يعارض.. هي حرية الرأي، فليمارس كل حريته، لكن أن يصبح مطية للاستعمار؟ أن يبيع نفسه وجسده للاستعمار؟ لا وألف لا. محسن لم يستطع تقبلها. فاطمة نفسها لا تستطيع ذلك. وظل أملها الوحيد أن لا يكون ناصر قد باع نفسه للأعداء.‏

-آخ!! آخ!! انطلقت الآخات على حين غرة.‏

-يا إلهي!! لا، فاطمة ليس الآن!! هتفت رقية وهي تهب ملء طولها خائفة.. مرتعدة.‏

-بل الآن، رقية!! إنه المخاض رقية! اتصلي بمحسن.‏

-محسن!! أجل. محسن!! وأسرعت إلى الهاتف تدق رقماً.‏

محسن بعيد، لا يسمع رنين الهاتف. هو في مهمة عاجلة لم يكن يدري بها من قبل. مثل تلك المهمة تحدث مرتين أو ثلاثاً في العام. لكن يمنع عليه منعاً باتاً أن يعرف بها من قبل أو يتحدث عنها من بعد. القائد، مسؤول القصر الأمني، وحدهما يعرفان المهمة. يحددان زمانها ومكانها ثم ينفذ محسن.‏

هذه المرة كان عليه: تدشين مصنع أعيد بناؤه، العمال، المدراء الوزراء، كلهم سيكونون هناك يستقبلونه. يحييهم من بعيد ثم يتقدم فيقص الشريط فيما الإذاعات تنقل وقائع الحفل، التلفزيونات تبث صورة القائد الملهم، زعيم البلاد الأوحد، وفي اليوم التالي تخرج الصحف تتصدرها جميعاً الصورة نفسها: القائد بين صفوف العمال.. في قلب الجماهير، هو ابن الشعب البار. حضوره ضرورة. وجوده ملهم. به ترتفع معنويات العمال، يرتاح الشعب ويطمئن. القائد معه. في كل معركة. كل إنجاز، كل ملمة. هو مع الشعب. ومضى محسن. موكب السيارات طويل، وهو البديل. نظاراته، سترته العسكرية، شارباه، سمرته، نظرته، كلها تحاكي ما لدى القائد.. تجعله يتماهى معه. من مقعده الخلفي، يلوح بيده للجماهير.. يحيي الشعب. تصل السيارة إلى باب المصنع. تسرع أكثر من يد لفتح الباب. يخرج القائد من السيارة، تصفيق الأكف يشق عنان السماء، الهتافات تدوي: بالدم، بالروح، نفديك يا صدام!!‏

ويتقدم صدام إلى الشريط، منتصب القامة، مرفوع الهامة يتقدم إلى الشريط، تقدم له طفلة صغيرة، وعلى صينية من فضة، مقصاً من ذهب، يمسك به صدام، لكن قبل أن يصل المقص إلى الشريط تنطلق زخة من رصاص، ترتطم بالقائد ثم تهوي به وقد تفجر جسده ينابيع من دماء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244