مواجع الشتات ـــ عبد الكريم ناصيف

رواية ـــ وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية – دمشق 2002

Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الخامس عشر

"اغتيل صدام"، "تحطم الصنم"، "هوى الطاغية" راحت وكالات الأنباء تتناقل الخبر العجيب بسرعة الضوء. اليونايتد برس، الأسوشيتد برس، الفرانس بريس وكل ما هنالك من "بريس" في العالم راح يتناقل الخبر، فالرجل الذي بدا عصياً على كاوبوي العالم سنين طويلة يخر أخيراً صريعاً، أية معجزة؟ كيف حدث ذلك؟ ملايين الدولارات كانت قد رصدت للتخلص منه. ملصقات الأنكلو أمريكان في كل مكان، عليها كلها صورة صدام وعبارة كبيرة بأحرف سوداء "Wanted dead or a live" وخمسة ملايين دولار بانتظار من يأتي برأسه حياً أو ميتاً، مع ذلك، أخفقت كل المحاولات من قبل، فكيف أفلحت هذه المرة؟‏

كلينتون اتصل بالخليج مهنئاً مباركاً، فصورة الديكتاتور المستبد وهو يهوي أرضاً وقد تفجر جسده ينابيع من دماء تتناقلها الفضائيات كلها. مصور التلفزيون العراقي كان قد تابع مراسم افتتاح المصنع: نزول القائد من السيارة، هتاف الجماهير، استقباله بالتصفيق، القائد وهو يمسك المقص ثم زخات الرصاص وهي تنهمر وابلاً من مطر.‏

الصورة انطلقت عبر الأثير رغماً عنه، ثم تناقلتها المحطات الفضائية، فهلل ملوك وهزج أمراء، فيما طار الفرح بكلينتون كما لم يطر به وهو مع مونيكا ليونسكي، "ألم أقل لكم؟ سننال منه. يهرب منا إلى أين، ونحن وراءه؟ تهاني الحارة. ألف مبروك!! ألف مبروك"، راح يوزع التهاني والتباريك وهو يدور على نفسه فرحاً! الأمير المفدى.. الملك المعظم.. صبي لندن المدلل.. كلهم كانوا يدورون على أنفسهم فرحاً ويرقصون: أخيراً سحق البعبع. لم يعد هناك من يعكر الأمن والاستقرار في الخليج. النغمة النشاز ولت، ليبقى الكل في أحسن تناغم وانسجام. تريد أولبرايت مقام النهاوند، الكل يعزفون النهاوند. يريد كوهين السيكا، يعزف الكل السيكا فأي انتصار عظيم!! أي إنجاز رائع!!‏

باقر في دمشق، سعدون في النرويج، كريم في انكلترا.. المعارضة في الخارج، في الداخل، سمعت الخبر فهزجت ورقصت وبدأت تتبادل التهاني. "بسقوط الرأس يسقط الجسد"، "لا بقاء لنظام بغداد بغير طاغية بغداد"، راحوا يتداولون فيما بينهم وكلهم أمل وتفاؤل، "الآن نعود إلى العراق"، "الآن ينتهي الشتات"، "المحنة تزول أخيراً"، "لا منفى بعد اليوم، بل نحن عائدون إليك يا عراق" راحوا يتحدثون فيما بينهم حيث التقى واحدهم بالآخر. المعارضة كبيرة.. ملايين العراقيين فروا بجلودهم من الموت.. انتشروا في أصقاع الأرض كلها وعيونهم تتلفت إلى العراق، قلوبهم تنشد إليه، لكن الموت الزؤام يحول بينهم وبين العراق، فيلوون أعناقهم ويتحسرون. الآن، انكشفت الغمة، سقطت العوائق والحواجز، فماذا بعد صدام؟‏

سؤال كبير راح هو الآخر يتردد، بدءاً من امبراطور العالم وحتى رعاة الأغنام داخل العراق. في الداخل، كان ثمة من سمع الخبر وتنفس الصعداء، بل منهم من راح يتواثب في مكانه فرحاً وقد تأكد أن بابه مغلق وحيطانه ليس لها آذان، لكن معظم الناس سمعوا الخبر فكظموا ووجموا وكأن على رؤوسهم الطير: "هي ذي الطامة الكبرى!!" "هو ذا الخراب الأعظم!!" "يا رب أنقذ العراق من الفتنة!"" "يا رب أبعد العراق عن الحروب." راحت الأقوال تتردد بين خائف على العراق ومتشائم من المجهول الأسود ذاك الذي ينتظر العراق.‏

فاطمة لم يصبها الوجوم حين سمعت الخبر وحسب بل أصابها الذهول: عيناها تحجرتا في محجريهما، فمها انفتح على مصراعيه، سيماها كلها سماء تلبدت بغيوم الاستغراب والدهشة.‏

-معقول؟ أفلحت أخيراً بالإفصاح لرقية، ذلك الصرح العظيم ينهار بزخة رصاص؟‏

-لا.. أنا لا أصدق!! كررت رقية، المنذهلة هي الأخرى. هو الزعيم الملهم، القائد الأعظم، يسقط صريعاً كأي رجل. لا. لا. أنا لا أصدق.‏

-أنا أيضاً لا أصدق. هو البطل خارق القوة، أخيل الإغريق، زيوس الأولمب، لا يمكن أن ينال منه الرصاص. تابعت فاطمة، وهي تقفل المذياع برمة مشمئزة، ناسية الطلق الذي كان قد جاءها، ناسية الجنين الذي كان قد بدأ يشق طريقه إلى الخارج. لكأن الرحم عاد به القهقرى وقد تشنج الجسد كله.‏

رقية أخذت المذياع من فاطمة لتفتحه من جديد:‏

-يجب أن نتأكد فاطمة. الخبر فظيع إن صح. وراحت تدير قرص المذياع. إذاعة بغداد تبث برامجها المعتادة، تلفزيون بغداد لم يضع قرآناً كريماً.‏

-يا إليه!! ما السر؟ هتفت فاطمة وقد خطرت ببالها فكرة: لا تلاوة قرآن.. لا انقطاع برامج، إذن الخبر كاذب. وانفرجت بعض أساريرها.‏

-لكن المحطات كلها تؤكده. هه، اسمعي.‏

وكان صوت أمريكا يلعلع كرصاص الأعراس. صوت لندن يطن ويرن كأنما يريد أن يؤكد: لا أحد يقف في وجه لندن. كل من يرفع رأسه نحطم له رأسه، وعاد الوجوم، والحزن أطباق غيوم تتكدس في سمائها. لكن فجأة تنبعث من التلفزيون موسيقى نشرة الأخبار، فتتحول فاطمة ورقية إلى آذان صاغية وحسب، ثم يظهر للتو صدام بكامل عنفوانه وكبريائه يخاطب شعب العراق: يا نشامى العراق!! يا ماجدات العراق!!‏

-يا إلهي!! هذا صوته!! هذا وجهه!! هذا هو!!‏

-إنه حي يرزق!!‏

هتفت الأختان وهما تريانه يجلس وراء طاولة مكتبه يوجه كلمة بمناسبة الذكرى السابعة للعدوان الأنكلو أمريكي: "تريد أمريكا عدوة الشعوب.. عدوة الحياة أن تنزع منا الحياة، تريد تركيع رجالنا، تجويع نسائنا، قتل أطفالنا، لكن خسئوا!! قبلهم حاول جنكيز خان أن يبيد العراق.. هولاكو، مماليك الغز، سلاطين بني عثمان كلهم حاولوا إبادة العراق، موت العراق، لكن كلهم ذهبوا وظل العراق حياً لا يموت."‏

-الصورة حية، النقل مباشر!! انظري!! قالت فاطمة لرقية، وهي تشير إلى أكثر من علامة على أن الصورة حية والنقل مباشر.‏

-أجل. القائد لم يمت!! الزعيم حي!! والحديث كله حديث إفك!!‏

ردت رقية وقد قفزت فرحاً من مكانها لتدور على نفسها هازجة راقصة.‏

-حمداً لك يا رب!! لم يمت القائد!! خاب فأل الأعداء الحاقدين!! هتفت بدورها فاطمة وقد هبت تشارك رقية الهزج والرقص، لكن ثقلاً في الرحم جعل ظهرها يلمع وجرساً كأنه جرس إنذار يقرع، فالجنين الذي نسيته فاطمة لم ينس هو نفسه. كان الرحم قد قبض عليه، شاداً متشنجاً، لكن ما إن نهضت فاطمة حتى ارتخى وانفتح مطلقاً قذيفة من ألم اخترقت الجسد كله حتى الرأس.‏

-آخ!! آخ!! شرعت فاطمة تصرخ هابطة بكل ما فيها على الكرسي الذي غادرته للتو، اطلبي عبد المحسن. الحقيني، رقية، قبل أن أضع، راحت تصيح وهي تتلوى ألماً.‏

-آلو!! آلو!! شرعت رقية تخاطب المهتاف وقد تملكها الخوف. محسن!! أسرع الحق بفاطمة. أسرع فوراً إلى البيت.‏

لكن حين وضعت السماعة فقط أدركت أن الصوت الذي رد عليها لم يكن صوت محسن.‏

-هل سيأتي؟ سألت فاطمة.‏

-أجل. قال، مسافة الطريق فقط. ردت رقية وكلها فضول لأن تعرف لمن ذلك الصوت.‏

-آخ!! يا يما!! يا بوي!! راحت فاطمة تصيح وقد جاءتها طلقتان متتاليتان كلمعتي برق، تلحق واحدتهما بالأخرى.‏

-تحملي أختي!! اصبري أختي!!‏

لكن فاطمة كانت تعلم أن المسألة ليست مسألة صبر أو تحمل، بل مسألة وجع وألم. أنت مع الوجع لا تملك إلا أن تفتح فمك وتصرخ، مع الألم لا تستطيع إلا أن تنفث وتصيح. فلماذا تكتم فاطمة؟‏

رن الجرس فتهلل وجه رقية وهي تجري جرياً إلى الباب، فيما بدأت فاطمة تستعد للنهوض.‏

-من أنت؟ ماذا تريد؟ سألت رقية الطارق طويل القامة متجهم الوجه وقد فوجئت به ضابطاً ذا رتب ونجوم دون أن تربط بينه وبين صاحب الصوت الذي رد عليها قبل قليل.‏

-أنا العقيد سلام، من القصر الجمهوري. بدأ وقد ازداد حيرة وتجهماً.‏

-نعم، تشرفنا. ماذا تريد؟ حثته رقية وهي تشعر أن في فمه كلاماً.‏

-أهو السائق؟ أهي السيارة؟ صاحت فاطمة من الداخل لكن دون أن تعيرها رقية انتباهاً، فالعقيد المتجهم طويل القامة كان كل ما يستأثر بانتباهها، ومن جديد حثته:‏

-قل. تكلم. أرجوك.‏

-للأسف!! العميد عبد المحسن تعرض لمحاولة اغتيال!!‏

-محاولة اغتيال؟ رددت صائحة كإوزة تختنق.‏

-ماذا؟ اغتالوا عبد المحسن؟ مات عبد المحسن؟‏

صرخت فاطمة مقتربة من الباب وقد سمعت آخر كلام رقية، فيما كانت لمعة كلمعة البرق تنطلق من رحمها من جديد ومن جديد تصل إلى دماغها فتفجه فجاً.‏

بعد ذلك نسي العقيد ورقية كل شيء ما عدا فاطمة التي انهارت متكومة على الأرض. رفعاها بسرعة، حملاها بسرعة، وبسرعة أوصلاها إلى المستشفى ليسعفها المسعفون وهي في آخر رمق.‏

بعد خمسة عشر يوماً فقط سمح لها الطبيب بمغادرة المستشفى، لكن خلال الأيام الخمسة عشر تلك كانت أجفانها قد تقرحت وعيناها قد احمرتا، وشفتاها قد يبستا، بكاء وتأوهاً. فالمصائب على ما يبدو لا تأتي فرادى:‏

إذا نكبة جاءتك جاءت بأختها وتلك دعت أترابها والحواشيا‏

مصائب تأتي جملة وكأنها تداعى كما الأفكار تأتي تداعيا‏

كان الجنين قد مات رافضاً أن يخرج إلا بعملية قيصرية تركت بطنها شبه مفتوحة أياماً وليالي.. فمها صارخاً متوجعاً أياماً وليالي، المستشفى بلا أدوية ولا معدات، وأبسط العمليات تسبب أشد الأوجاع، لكن الأدهى والأمر كان انشغالها على عبد المحسن. هم حلفوا لها إنه لم يمت. رقية أقسمت أغلظ الأيمان إنه حي يرزق، لكنها لم تكن تصدقها. كانت قد سمعت بأذنها كلمة "اغتيال" وكانت على يقين أن رقية تريد فقط أن تخدعها.‏

-إن لم يكن قد مات، فلماذا لا يظهر؟‏

-هو مصاب، يعالج في المستشفى، رد رئبال الذي جاء يحمل عن رقية بعض الأعباء، حاملاً معه عشيرة أولاده إلى بغداد. فمن غير المعقول أن تظل الأسرة ممزقة: الأم في بغداد، الأب في العمارة، والمصائب أحمال ثقيلة لا بد لها من أشد الجمال كي تحملها.‏

-رئبال، أرجوك، أصدقني القول. راحت فاطمة تتوسل إليه وهي لا تصدق القصة كلها. "عبد المحسن يتعرض لمحاولة اغتيال؟ كيف؟ لماذا؟ ومن هو عبد المحسن كي يغتالوه؟" ولم يجد رئبال بداً من أن يشرح لها، وكانت صدمة أخرى أشد تعذيباً.‏

-عبد المحسن بديل القائد؟ همست فاطمة وهي تتلفت حواليها، لكن لماذا؟‏

-أليس هو شبيهه؟ رد رئبال بنبرة الهمس ذاتها، أنت نفسك كنت تشيرين إلى ذلك: كم يشبه القائد، كم يشبه القائد؟‏

-إذن، محاولة اغتيال التي أذاعوا عنها كانت صحيحة؟‏

-طبعاً، وكان المقصود القائد.‏

-فأصيب البديل، والبديل زوجي؟‏

-هي ذي الحقيقة، لكنها ليست للنشر، أو.. وأشار رئبال بيده وقد حولها إلى ما يشبه النصل الذي يحز الرقبة. وأحست فاطمة بسكين أخرى لا تحز رقبتها وحسب بل تنغرس عميقاً في قلبها. "إذن، كان عبد المحسن يخدعني!؟ مذ جاء إلى بغداد كان البديل ولا يخبرني!؟ سر خطير كهذا يخفيه عني؟" واسودت الدنيا في عينيها أكثر وأكثر. "صحيح، يا مؤمنة على الرجال يا مؤمنة على الماء في الغربال" لكن لم يكن باستطاعتها أن تبوح بما يجول في نفسها. عبد المحسن بين الموت والحياة، وهي تريد له الحياة. موته يعني ترملها.. يتم أطفالها.. نهاية حياتها هي. أياً كانت خطيئته، المهم أن يظل على قيد الحياة. سأموت إن مات. سأفعل ما تفعله هندية مخلصة يموت زوجها: أقدم نفسي بنفسي للمحرقة. يحرق جسدي مع جثمانه ليختلط رمادهما معاً وينثرا على مياه الرافدين معاً". وكانت دموعها لا ترقأ. ليلها بلا فجر.. نهارها بلا شمس. تريد فقط أن تخرج علها ترى عبد المحسن بعينها فيطمئن قلبها. "قال له ألم تؤمن ياإبراهيم؟ قال بلى، لكن ليطمئن قلبي".‏

لكن قلب فاطمة لم يطمئن وهي تدخل غرفة عبد المحسن وتنظر إليه، فالرأس الذي تحول إلى كرة من جبس ولفائف، الكتف التي اختفت ترقوة وصدراً وعضداً في الجبس واللفائف، الحوض الذي صار قالباً من جبس، الرجلان اللتان صارتا بدورهما جبساً ولفائف، كلها أطلقت أمواجاً من رعب في قلب فاطمة، كل موجة تلاحق الأخرى، مكتسحة شواطئ نفسها تاركة عليها الزبد والحطام.‏

-يا إلهي!! ماذا فعلوا بك؟ المجرمون!! القتلة!! السفاحون!! شرعت تندب داقة على صدرها، لاطمة خديها، كأنما تندب الحسين في يوم عاشوراء.‏

-لا، ليس هكذا فاطمة!! سارع رئبال يهدئها، مشيراً إشارات تحذير من سبابته وحاجبيه.‏

-أجل. فاطمة، ليس هكذا. ثنت رقية على قول زوجها وحركاته، فالغرفة في مستشفى، والمستشفى مكان عام لا يعرف المرء من يراه فيه أو يسمعه. أوقفت فاطمة الندب وهي تقترب من محسن. عيناه فقط كانت تتحركان. حركتهما بثت في نفسها شيئاً من طمأنينة.‏

-أنت حي!! الحمد لله!! أنت لم تمت!! لم تمت!! وانهمرت دموع فاطمة سيلاً عرماً ليس مثله سيل مأرب.‏

-اجلسي. اجلسي. قال رئبال وهو يقدم لها كرسياً، لكن فاطمة لم تكن ترغب في الجلوس. كان كل ما ترغب فيه أن تتلمس عبد المحسن، أن تقترب بوجهها من وجهه. أن تمسك بكفه، فتشعر بذلك الدفء يسري إلى أناملها من أنامله.‏

-محسن!. حبيبي!! زوجي!! طمئني. قل لي: كيف أنت؟ راحت تحدثه رشاً وهي تنحني بجذعها كله عليه، لكن محسن الحبيب.. الزوج، لا يستطيع الرد. رأسه كرة من جبس ولفائف، لا يظهر منها إلا العينان والأنف، فكيف يتكلم، بل من أين يخرج الكلام؟‏

-بأعجوبة نجا. رد رئبال وقد وجد من واجبه أن يرد بدلاً من عبد المحسن، ولم تكن فاطمة بحاجة لمن يقول لها إن عبد المحسن نجا بأعجوبة، فالرأس الذي تحول إلى كرة كان يصرخ بذلك صراخاً.‏

-لكن أين الإصابة بالضبط؟ سألت فاطمة وهي تشير إلى الرأس، ومن جديد رد رئبال موضحاً لها بحركات يديه.‏

-يا ستي!! الرصاصة دخلت من هنا، ومن أسفل الحنك. اخترقت محطمة بعض الأسنان في الفك السفلي، صاعدة إلى أسنان الفك العلوي محطمة سنين، ثم خارجة من جانب الأنف.‏

-يا إلهي!! إذن تحطم فكاه؟‏

-احمدي ربك. حادت ميليمتراً واحداً عن لسانه وسنتيمتراً واحداً عن رقبته وأقل من ثلاثة عن دماغه!!‏

-الحمد لله!! أجل. الحمد لله!! قالت وكل ما فيها يرتعش فلو صعدت الرصاصة إلى الدماغ لما رأته عيناها قط. وهذه؟ سألت مشيرة إلى الكتف.‏

-أيضاً، احمدي ربك. الرصاصة مرت فوق الرئة بنصف سنتمتر فقط.‏

-أوه!! يا الله!! يا رحمن يا رحيم!! هتفت فاطمة، ودموعها تنحدر سيلاً عرماً لا يقف في وجهه سد مأرب، فلو نزلت الرصاصة نصف السنتمتر ذاك لما رأته عيناها أيضاً.‏

-وهذه، تابع رئبال مشيراً إلى الأسفل، حيث كان الجبس يمتد حتى الخصر، رصاصة في كل ساق ثم رصاصتان، إحداهما أصابت أعلى الفخذ والأخرى عبرت أسفل البطن حيث لم يفصلها عن الفقرات القطنية سوى مليمترات.‏

-يا إلهي!! خريطة من رصاص!! محسن خريطة من رصاص!! معقول يا ربي!!‏

-أجل معقول، ولو انحرفت هذه الرصاصة مليمترات لضربت النخاع الشوكي وشلته عن الحركة.‏

-لا، لا يفعلها ربك، هو الذي يحمي الأبرياء. هو الذي يحرس من لا ذنب لهم!! حمداً لك يا رب!! حمداً لك يا رب!! وانكبت فاطمة على الأرض تقبل البلاط، شكراً وامتناناً لله!‏

لكن الأمير المفدى لم يكن يلهج بمثل ذلك الشكر ولم يكن يمتن، بل هو حانق مغيظ. سبابه يصل عنان السماء. "قط بسبعة أرواح!! ما كان يموت ونخلص منه!! تباً له من ثعلب مراوغ!! أرنب جبان!! يخدع الناس بأنه هو الذي يدشن ويفتتح وإذ به سواه.‏

"شبيه من أشباهه يحل محله! يا للثعلب!! يا للأرنب!!" وكان كوهين وزير حرب العالم، يسير في ركابه، يحاول تهدئته. هو مذ انكشفت حقيقة الخدعة وظهر صدام يخطب ويهدد، دون أن يتنازل ويذكر محاولة الاغتيال، يحاول تهدئته. بالهاتف أولاً، بالفاكسات ثانياً ثم بنفسه ثالثاً. فالخليج كله يئن أنيناً كالنشيج، يريد من صدام أن يموت، وصدام لا يموت.‏

-خيرها بغيرها!! قال كوهين للأمير المفدى وهو يهدئه. الآتيات أكثر من الذاهبات. اطمئن.‏

-كيف أطمئن، والبعبع ما زال على قيد الحياة؟ هو المخيف، سيدي الوزير. صدقني، لا أنام الليل من الكوابيس التي يظهر لي فيها. أنا لا أنسى ليلة الغزو.. لا أنسى كيف هربت من مخدعي بثياب نومي: حافي القدمين.. عاري الرأس.. سيدي الوزير.‏

-أعلم. هو بعبع مخيف، أكيد. لهذا نحن حريصون على التخلص منه.‏

-السؤال: متى؟ متى؟.‏

-التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان سيدي الأمير؟‏

-آه!! ليتني أعلم أين يباع التأني فأشتريه!؟‏

-أنا أشتريه لك. فقط ادفع أربعة مليارات دولار، سيدي الأمير.‏

ودفع الأمير لوزير حرب العالم كوهين بن اليعازر بن يهوذا أربعة مليارات من الدولارات، فالتأني غالي الثمن والصبر لا يشتري بالرخيص.‏

بعد حين من الزمان قدرته الحاسبات والمخابرات رفع بتلر المهتاف متحدثاً مع طارق عزيز:‏

-سيدي النائب!! نريد تفتيش مقر الحزب: قيادة وفروعاً.‏

-ماذا؟ هل تحولت مقرات الحزب إلى مصانع كيماوية؟‏

-التقارير تقول يا سيدي إن كل قبو أو شقة لديكم يمكن أن تكون مقراً لمصنع تصنعون فيه أسلحة الدمار الشامل.‏

-تقاريركم عجيبة، سيد بتلر!! علمي، أن التفاعلات الكيماوية والجرثومية تطلق غازات وأبخرة سامة تضر بكل من يتنشقها. علمي أن هناك شروطاً لإقامة مثل هذه المصانع لا تتوفر لأية شقة أو بناء في قلب المدينة!!‏

-أنتم تخرقون كل الشروط. فما الضمانة ألا تكونوا قد أقمتموها في قلب بغداد؟‏

-هذا هراء!! وأنت، سيد بتلر تعلم أنه هراء.‏

-أنا أعلم أن هذه أوامر وعليكم التنفيذ.‏

-التنفيذ فقط؟‏

-بالطبع، ولا تنس سيدي النائب، مع القيادات الحزبية سنفتش مقر المخابرات أيضاً!!‏

-برافو!! قال نائب رئيس الوزراء مصفقاً ضاحكاً: مقرات المخابرات معامل لغاز الأعصاب؟ مفاعلات الذرة؟‏

-ما الضمانة أنها غير ذلك؟‏

-سؤال وجيه، سيد بتلر!! نعطيك الجواب فيما بعد.‏

وبينما كانت القيادة في بغداد منشغلة بإعداد الجواب، تبحث ليل نهار كيف ترد على الاستفزاز الأنكلو أمريكاني، كانت فاطمة منشغلة بعبد المحسن الممدد على سريره. نصفه جبس ونصفه دبس. الدبس حلو لذيذ تحب فاطمة أن تأكله دائماً، لكن الجبس لا يؤكل. تأتي فاطمة إليه، تحاول أكل الدبس فيحول بينها وبينه الجبس، مع ذلك فاطمة سعيدة. لقد نجا عبد المحسن. أصابته قاسية؟ صحيح. صعبة؟ صحيح، لكنه لم يمت. نسيت جنينها الذي مات، بطنها الذي شق، صدمتها بالسر الذي أخفاه عنها، كل ذلك نسيته فاطمة. هي كل يوم معه. في الليل تعود إلى بيتها، تهيئ الطعام لأولادها، ترسلهم في الصباح إلى المدارس ثم تسرع إلى المستشفى. محسن بانتظارها. هو لا يتكلم. رأسه ما زال كرة مغلقة ليس فيها سوى عينين ومنخرين، لكنها ترى البسمة في عينيه، تقرأ الأفكار في مقلتيه. ألا يقولون: العين مرآة الدماغ؟ فاطمة واثقة من ذلك، فعلى صفحة عينيه تقرأ كل ما يعبر تلافيفه الدماغية من أفكار، وفي حالات الاضطرار يخربش محسن بيسراه شيئاً ما.. شيئاً قد تفهمه فاطمة وقد لا تفهمه. لكنهما دائماً يتفاهمان. بالحدس، تعرف ما يدور في رأسه، بالشم، باللمس، بالنظر تفهم مشاعره، وهو يتقدم خطوة خطوة على طريق الشفاء.‏

كان رئبال قد عاد إلى العمارة، وكانت رقية قد عادت معه. خضراواته بحاجة إليه، العمارة لم تعد تستغني عنه. شهراً ثلاثين يوماً، ظل رئبال في بغداد. مكرهاً ظل. محسن في حال لا تسمح بأن يتركه.. فاطمة في حال لا تسمح بأن يتخلى عنها، لكن مع تقدم محسن على طريق الشفا، بات باستطاعة رئبال أن يعود إلى العمارة، يقطف خضراواته ويحملها إلى السوق. الحياة صعبة. كل شيء مفقود وإذا وجد فهو غالٍ. فاطمة أنفقت عليهم وهم في بغداد، لكن أتنفق عليهم وه في العمارة؟ رقية رفضت في البداية أن تأخذ رزمة الدنانير التي حشرتها في عبها "أنت بحاجة إليها أكثر مني" أعادتها إليها وقد أخرجتها من عبها "بل أنت أحوج" ردت فاطمة معيدة حشر الرزمة الكبيرة في الصدر "ثم هم يعطونني. القائد لا ينسى شبيهه.. لا يتخلى عنه وقت الشدة"، وسكتت رقية. هي تعلم أن القائد وفي مخلص لا يتخلى عن أي فرد من الشعب فكيف بأشباهه وبدلائه؟ يتلقون عنه الرصاص فيتلقون منه الرعاية. من ظل منهم حياً، أما من يموت فعلى روحه الرحمة وعلى أهله السلام. أكثر من مرة رأت رقية مسؤولاً من القصر يأتي إلى المستشفى يحمل الهدايا... يقدم الأموال.. يعرض الخدمات، وكانت فاطمة تقبل. هو حقها. ذلك ما تشعر به فلماذا ترفض؟ ثم إن رفضت كيف تعيش؟ كيف يستمر أولادها؟ بيتها؟ الأسئلة كانت تشغلها كثيراً وكانت تتطلب أجوبة سرعان ما وجدتها فاطمة "ليس من أجلي وأجل أولادي وحسب، بل من أجل أختي، رئبال، وأولادهما أيضاً" وصارت تطلب المزيد.." محسن ضحى، إذن من حقه أن يعوضوه عن تضحيته". وكانت على يقين أن القائد لا يضن بتعويض ولا ينسى تضحية.‏

رئبال على يقين كذلك. هو يعرف القائد. "المعلم" كان يتحدث كثيراً عنه، و"المعلم" يعرفه في الصميم: شديد العطاء، جزيل الجزاء. لهذا السبب يفهم رئبال جيداً لماذا يسحب القائد مسدسه ويطلق النار على من يخطئ بحقه.. يفهم جيداً لماذا صفى حسين كامل.. لماذا زج به هو نفسه في السجن، كما يفهم جيداً أيضاً لماذا يحيطون عبد المحسن بكل تلك العناية، يغدقون على فاطمة كل ذلك الخير. رئبال مرتاح. عاد إلى العمارة مطمئن البال، محسن سيشفى. الأطباء كلهم أكدوا ذلك. معيشته مؤمنة. حتى لو يبست الخضار كلها لم يعد يهتم. ثمة فاطمة، وفاطمة أخت حنون رؤوم. رزمة الدنانير الكبيرة شاهد على ذلك، صرر الثياب، رزم المواد الغذائية التي عادت بها رقية إلى العمارة شاهد آخر، والشهود كثر، فلماذا يحمل هماً بعد ذلك؟‏

لكن سرعان ما ارتد السؤال من جديد. "وكيف لا أحمل هماً؟" كان العراق ما يزال في حالة حصار. طائرات الأنكلو أمريكان ما تزال تفرض الحظر الجوي. كلما رأت سبطانة مدفع قصفتها.. قافلة عسكر لاحقتها، منصة للرادار هاجمتها. وكان الرعب منها قد عشش في رأسه. إن ذهب إلى الحقل لا تفتأ عيناه تطيران إلى السماء، إن سمع هديراً سارع إلى أقرب خندق. عودة الطنين إلى أذنيه بين الحين والحين كان ما يزال يخيفه، الانفجار تلك المرة كان قد علمه درساً: في أية لحظة قد ينفجر صاروخ قربك فيمزق لك غشاءك الطبلي إن لم يمزقك كلك.‏

رئبال يرقب التلفاز، يتابع الإذاعات. بتلر ما زال يضغط: نريد تفتيش القيادات الحزبية، نريد تفتيش مقر المخابرات، وجواب القيادة لم يأت. هم يماحكون. "ما لكم والقيادات الحزبية؟ هي إدارات مدنية، وشأنكم أنتم شأن العسكر وصناعات العسكر؟" لكن بتلر لا يرد. الأوامر الصارمة جاءته وعليه هو الأسترالي الجنسية، الأمريكاني المصلحة والقضية، أن ينفذ الأوامر.‏

في بغداد خوف، في العمارة ذعر، والبصرة ترتعد فرقاً من أن تندلع الحرب من جديد فتنصب عليها سيول القذائف والصواريخ. البصرة عرضة لكل الرياح، تأتيها براً، بحراً، جواً وليس حولها من سياج.‏

-سمعتم؟ هناك إنزال!! هتف هاتف في كل شارع من شوارع العمارة. أسرعوا نواجه الإنزال.‏

وهب الناس، من كل زقاق، من كل شارع، لمواجهة الإنزال. رئبال في المقدمة. بندقيته كلاشينكوف، يعرف جيداً كيف يحيل فوهتها إلى الجحيم. يعرف جيداً كيف يقاتل. الكل في العراق عسكر يمكنهم أن يحملوا بواريدهم ويقاتلوا.‏

حشود من العمارة انطلقت في اتجاه الإنزال. بعضهم بالسيارات، بعضهم بالدبابات، بعضهم يمتطون الخيول والبغال. الهاتف الذي هتف في الشوارع قال: الإنزال في الجنوب والغرب. أين؟ قرب الأهوار؟ قرب البصرة؟ لا أحد يدري.. ما يدرونه أن عليهم أن يسيروا نحو الجنوب والغرب. رئبال في مقدمة السيارة. ألم يكن مسؤولاً ذات يوم؟ ألم يحتفظ ببقية من ذلك المجد التليد؟ إذن؟ لينس كل شيء ولينطلق في المقدمة يدفع عن العراق أعداء العراق. "لكن من هم أعداء العراق أولاء؟ الأنكلو أمريكان؟" سأل أحدهم جاره ورئبال يسمع. "الخصوم الحاقدون" أجاب الجار "من يدعون أنفسهم معارضة ويسلمون أنفسهم للشيطان". عشرين، ثلاثين دقيقة سارت بهم السيارات. طرقاً إسفلتية قطعت، طرقاً ترابية اجتازت، حقولاً بغير طرق. أخيراً سمع الكل الدوي، ثم رأوا الطائرات الحوامة تدوِّم وتحوِّم. تحط على الأرض، تنزل مسلحين وتعاود الانطلاق.‏

-ها هو الإنزال!! صاح شاب متحمس لم يعرف رئبال من قبل أنه هو الآمر.. هيا!! خذوا مواقع قتالية. تهيؤوا للهجوم.‏

وتدفقت السيارات، العربات، الخيول، البغال.. ليتخذ الكل مواقع قتالية لهم! في الجانب الأيمن. ثمة قوات أيضاً: ميليشيات شعبية.. متطوعون.. مدنيون، وفي الجانب الأيسر متطوعون.. مدنيون. "سنحيطهم إحاطة السوار بالمعصم"، وهيأ رئبال بارودته، ثم ما إن جاء الأمر بالهجوم حتى وجد نفسه يندفع وقد امتلأت الدنيا لعلعة رصاص.‏

قاتلاً أو مقتولاً كانت المعركة، ولكي لا يخرج رئبال مقتولاً كان يقتل، زاحفاً، متستراً بأي شيء، لاطئاً وراء كل ساتر كان يطلق الرصاص، وكانت المعركة عشوائية: لا قادة ولا ضباط، لا صفوف ولا أنساق. "غزاة يغزون البلاد. أعداء أنكلو أمريكان." كان الكل يصيحون وكان على الكل أن يردوا الغزاة:‏

تقضي البطولة أن نمد جسومنا جسراً فقل لرفاقنا أن يعبروا‏

وكان الكل يحاولون مد جسومهم جسوراً للوصول إلى الغزاة النازلين على أرض العراق يريدون التغلغل إلى قلبه، غرس خنجرهم هناك، فكيف يدعونهم؟ الكل متحمس.. الكل مندفع.. الكل يضحي، فيما المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم. رئبال نجا من العشواء، فلم تخبطه بخفها.. كيف؟ لا يدري. هو نفسه لم يكن واعياً. كل ما يعيه أن الرصاص كان يئز قرب أذنه اليمنى.. أذنه اليسرى.. عند قدمه اليمنى.. قدمه اليسرى، وكان نثار الغبار في كل مكان من عينيه.. منخريه.. شفتيه. مع ذلك لم يكن يهتم. الدخان سحابة تحجب الرؤية مع ذلك كانت عيناه تخترقان الحجب. يرى عدواً هنا.. عدواً هناك ويهجم. يسدد من بعيد ويقتل. "هي ذي سنة الحياة. قاتل أو مقتول، فاقتل يا رئبال. اقتل الأعداء الغزاة.. ردهم على أعقابهم.. لا تبق منهم أحداً".‏

حين توقفت لعلعة الرصاص، تلفت رئبال حاوليه فإذا هناك جثث ملقاة، تصاعد آهات، وأنات جرحى يستغيثون، أعداء، أصدقاء وقد اختلط الحابل بالنابل، فماذا يفعل؟ مضى إلى أول جريح. كان صديقاً، متطوعاً من قرية قريبة في الأهوار. جراحه تنزف. أناته ملء الفضاء. حمله رئبال إلى أقرب سيارة، هناك حيث قامت نقطة طبية تسعف الجرحى وتساعد المصابين، لكن حين عاد إلى أرض المعركة من جديد كان الجريح من الغزاة، وكان يطلق صرخات كأنها من فم سكين. رصاصة كانت قد مزقت أحشاءه وكان بعضها قد اندلق خارجاً، فلا هو يستطيع الحراك ولا الدماء تتوقف، "تستاهل، أيها الخائن عميل الأنكلو أمريكان"! صرخ صوت داخل رئبال وهو يسرع إليه، يكز على أسنانه وكل ما يوده أن يشفي غله. "تبيعون أنفسكم للأعداء!؟ تقتلون أهلكم!؟ تخونون وطنكم"؟ كانت الصيحات تتعالى داخل رأسه وهو يقترب من الجريح الذي ما انفك يصيح. يده على الزناد. طلقة واحدة ويخرس صوت الخائن. لكن سرعان ما جاءه صوت آخر: "لا.. إن هو إلا إنسان، ولا يجوز قتل الإنسان. إن هو إلا جريح ولا يجوز الإجهاز على الجريح". وفي الحال رفع فوهة بندقيته عالياً، تنكبها ثم انكب على الجريح يبتغي حمله:‏

-من؟ جبار؟ صاح رئبال وقد انفتحت عيناه على سعتهما.‏

-رئبال!! أنقذني صهري!! أرجوك يا ابن العم!!‏

-اللعنة عليك!! ما الذي جاء بك؟ ما الذي حولك إلى خائن؟‏

راح يمطره بالأسئلة وهو يحمله على كتفه، مسرعاً لإنقاذه، جام غضبه صبه عليه وهو يحمله، لاعناً، شاتماً لكن دون أن يأتي من جبار جواب.‏

-تستحي من الرد!؟ تخجل على نفسك!؟ لماذا لم تخجل عليها من قبل؟ لماذا بعت نفسك للشيطان؟ لماذا صرت أبارغال يقود فيلة أبرهة الحبشي إلى الكعبة؟ لماذا؟ لماذا؟‏

لكن دون جواب. فقط حين أنزله عن كتفه، علم رئبال لماذا لم يكن يجيبه، هو الذي كان غائباً عن الوعي.‏

في مستشفى العمارة رقد جبار. عمليات عدة أجريت له. بتخدير، بغير تخدير أجريت له. حصار الأنجلو أمريكان حرم جرحى العراق من التخدير.. من الدواء. من أجهزة كثيرة لا تتم بغيرها العمليات. لكنهم مضطرون. بأبسط الأدوات، كان الأطباء يقومون بالعمليات، الجراح لا تنتظر هي تنزف دماً، والدم، إن لم توقفه، يذهب بالحياة. جبار مهدد. أحشاؤه الممزقة بحاجة إلى خياطة، لكن ليس هناك خيطان لحم. أيخيطونها بخيطان القنب؟ الطبيب يهز رأسه: المهم أن نخيطها معاً.. أن نوقف النزف. بإبر الملاحف.. بخيطان القمصان كان الأطباء يخيطون الجروح، فالحصار منع حتى الإبر والخيطان.‏

رقية سمعت بجبار فهرولت إليه مولولة لاطمة الخدين. فاطمة في بغداد وصلها الخبر فولولت هي الأخرى لاطمة الخدين، زوجها ما يزال في مستشفى بغداد قيد العلاج. أخوها هناك في مستشفى العمارة قيد العلاج، فعلى أي جانبيها تميل؟ قيل لأعرابية أيهم أغلى على قلبك: الابن أم الزوج أم الأخ، فقالت: الابن مولود والزوج موجود أما الأخ فمفقود، ثم جاء المفسرون ليفسروا الأخ من الآخ، والآخ هو الوجع. هو صرخة الألم إن دخل الوجع الجسم فكيف لا تصرخ فاطمة على أخيها جبار؟ كيف لا تسرع إليه وقد أنبأتها رقية أنه بين الموت والحياة؟.‏

أبناء العم.. أبناء العمات.. الجيران.. الجارات، كلهم سمعوا بجبار وجاءوا، كلهم يريدون أن يروا الرجل الذي غادر العمارة منذ زمن طويل، والبصرة منذ زمن أقل طولاً، لكن لكي يلقي بنفسه بين أحضان الأعداء. كلهم لائمون موبخون ولم يكن جبار يرفع عينيه في وجوههم. كان لومه لنفسه قد بلغ لب الوجدان منه، وكان الشعور بالخزي يجلله، فلا يملك إلا أن يطأطئ رأسه. في البداية حاول أن يدافع عن نفسه "من أجلكم ضحيت"، "فداء لكم ناضلت" "بحثاً عن خلاصكم قاتلت" لكن الكل كانوا يستنكرون.‏

حججه كلها بدأت تتهاوى كورق خريف جاءته ريح. لم يكن أي منها يستطيع أن يواجه النظرات اللائمة من أبناء العم.. الأهل.. الجيران. "تأتي لتقتلنا، بسلاح الأعداء تهاجمنا؟ تشارك غزاتنا"؟ فيصمت جبار مطأطئاً رأسه يجلله الشعور بالخزي.‏

رقية حزينة عليه. فاطمة حزينة عليه. كلتاهما تنظر إليه وتذرف الدموع. لم تكن أي منهما تلومه بل تحزن عليه حزناً أعمق من المحيطات. في أعينهما شعور بالقهر.. بالغيظ، وكأنما تقولان له "حتى أنت يا بروتس، تحمل على أهلك السلاح!؟ تنفذ مخططات الأعداء"؟ ولا يرى نفسه إلا وهو يبكي، فتزداد رقية حزناً وتزداد فاطمة بكاء. هما تذكران عبد الجبار، ذلك المناضل العنيد، تذكرانه وهو في ميعة الصبا، يعتلي أكتاف المتظاهرين، يشق صوته عنان السماء، يهتف للحرية، يقود المتظاهرين إلى حيث المواجهات والقتال. تلك الأيام كان جبار، كأبيه، قدوة ومثالاً. كان ابن العراق، المخلص للعراق، المقاتل العنيد من أجل استقلال العراق وحريته. فاطمة تذكر يوم خرج العراق كله يصب سيول نقمته على الانكليز، يريد طردهم من أرض العراق. "اتركوا الحبانية"، "أخلوا الشعبية"، "لا نريد قواعد أجنبية"، واضطر الانكليز للخروج من الحبانية.. الشعبية وكل ما في العراق من قواعد بحرية وجوية كانوا قد أبقوها مسامير جحا في العراق. "لكن ها هو ذا جبار، وقد تحول إلى مسمار جحا للاستعمار، لا الانكليز فحسب بل الأمريكان أيضاً، فكيف"؟ كان السؤال ما يزال يحير رقية، هي التي كانت طوال عمرها متعلقة بجبار، تحبه حب العبادة ولا تتصور يوماً أن تراه خائباً، خاسراً كما رأته وهو ملقى على سرير المستشفى. "كيف؟" أكثر من مرة سألته، لكنه لم يكن يملك الجواب وهو يعلم أن الصمت خير جواب. فقط، هو خائف. الباب مغلق ورقية تراه خائفاً، فكيف يرد؟ كان الحرس لا يغادر باب الغرفة وكانوا بانتظار أن يتماثل للشفاء. إجراءات قانونية ستتخذ بحقه. هو يعرفها. لكن ما تراه يفعل؟ أحشاؤه لم تشف بعد. جراح بطنه قد تنفتح في أية لحظة والحرس على الباب. رقية تعلم ما ينتظره. هو نفسه يعلم، ولا يملك إلا أن يخاف. "قد وقع الحر في الشباك فكيف الخلاص؟ "رقية أخت، وأخت محبة. كل همها أن يخلص حرها من الشباك، ولا تستطيع إلا أن تفكر. أخوها مرتكب.. خائن.. باع نفسه للأعداء، وقد وقع في الشرك فماذا يفعل صاحب الشرك؟ لا أحد يدري. ما ترتكبه المعارضة في الخارج خيانة عظمى، هذا نص القانون، يشرح لها رئبال، والخيانة العظمى عقوبتها الإعدام.‏

-إذن، يجب أن نخلصه. همست في أذنه وقد احتواهما ليل العمارة والسرير الزوجي.‏

-نخلصه؟ مجنونة أنت؟ رد رئبال وقد جحظت عيناه.‏

-مجنونة إن سلمت عنقه لحبل المشنقة.‏

-هو الذي سلم عنقه. بنفسه فعل ذلك، أم أنت التي ركبت طيارة الهيلوكبتر ونزلت في العراق تريدين غزو العراق؟‏

-هو مغرر به.‏

-طفل صغير يغرر به؟‏

-هو حدثني. في كردستان تعرض لغسل دماغ كامل لم يعد بعده قادراً على التفكير.‏

-نعم؟ غسل دماغ؟‏

-أجل. رئبال، صدقني. هناك في الشمال، غسلوا دماغه: أناس حاقدون على كل عربي.. يريدون الانفصال بالشمال كيفما كان وأياً كان. من ورائهم الموساد الإسرائيلي. ضباط كثر يدربونهم.. يرسمون لهم الخطط. هو أسر لي بذلك. مع الموساد هناك الانكليز.. الأمريكان.. وكلهم مزودون بالخبرات مدججون بالحجج، مدربون على غسل الأدمغة فكيف لا يغسل دماغه؟‏

-قولي جيوبهم ملأى بالدولارات، يغدقون الأموال، وكيف لا تغري أخاك الأموال؟‏

-ربما. زوجته كانت تشجعه. هو روى لي. ليل نهار كانت تدفعه للعمل معهم.. للذهاب متطوعاً إلى الولايات المتحدة، كي تذهب معه.‏

-ثم ترسله إلى العراق وتبقى هناك؟ سأل رئبال وفي فمه مرارة الحنظل.‏

-ذلك نفسه يؤكد أنه كان ألعوبة، دمية ليس فيها دماغ. وإلا، لماذا يأخذ زوجته إلى أمريكا؟ لماذا يأتي إلى العراق ويتركها هناك؟‏

-وهذا نفسه يؤكد أنه يستاهل، يداه أوكتاه وفوه نفخ.‏

-رئبال، لا تكن قاسياً.‏

-لا أكون قاسياً؟ كيف وجبار طوال عمره متجبر، عنيد، رأسه كالصوان. أنا أذكره.. أذكر اشتباكاتنا الدائمة معه، مع جماعته أيام عبد الكريم قاسم. كانوا يريدون إبادتنا. يسجنون كل من ينادي بالعروبة، كل من يهتف لوحدة العرب.‏

-ذلك كان أيام زمان. المهم الآن.‏

-الآن، هو خائن، أتفكرين بتهريب خائن؟ أتريدين أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة؟‏

-صحيح، أنا لا أخالفك. لكن.. أقصد.. وتعثرت رقية لا تعرف كيف تتابع. في رأسها فكرة جهنمية لكن لا تجرؤ على إيصالها إليه.‏

-تقصدين؟ لا تقصدين؟ دعيني من جبار الآن. دعيني أنم.‏

ونام رئبال. شخيره نما وترعرع حتى بلغ الزقاق.. الشارع الأبعد.. وربما دجلة الذي كان يجري متخبطاً مضطرب المياه وقد ذابت ثلوج الأناضول غاذة خطاها إليه. رقية لم تنم. هي تفكر، وحيدة تفكر "آه!! لو ظلت فاطمة هنا، لفكرنا معاً." لكن فاطمة كانت قد عادت إلى بغداد. زوجها محسن ما يزال في الفراش. صحيح أنهم أخرجوه من المستشفى، لكن الصحيح أيضاً أنه لم يكن قد تماثل للشفاء. ساقاه كانتا قد شفيتا، كتفه كانت قد التأمت، وعاد الجرح فوق الرئة وكأن شيئاً لم يكن، لكن ماذا عن الحوض؟ ماذا عن الحنك؟ هو لا يستطيع الحراك، لا يستطيع الكلام.. لا يستطيع الطعام. "سيروم" دائم ينقل له الشراب والغذاء، وعلى فاطمة أن تغير له السيروم.. تعتني به.. ترعاه.. لا ممرضة فحسب بل أم رؤوم بين ذراعيها طفل رضيع. رقية تود لو ظلت فاطمة في العمارة فقط لكي تستشيرها. فاطمة الأكبر.. فاطمة ذات العقل الأرجح، يمكنهما معاً أن تفكراً جيداً.. تخططا جيداً. في رأس رقية فكرة عبقرية لكنها خائفة. وحدها لا تدري ما تفعل. أرادت أن تشرك رئبالاً لكنها لم تستطع. بدأت ثم أحجمت. الفكرة العبقرية تؤرقها الليل بطوله. هي تتقلب ذات اليمين وذات الشمال "جبار يجب أن يهرب وإلا ذهب مع الريح" لكنها لم تكن تعلم كيف يهرب. هم يوثقون إحدى يديه إلى رأس السرير. غرفته في الطابق الثاني، على الباب حرس مشرع الحربة دائماً فكيف يهرب؟ وقررت أن تبحث معه الأمر. بعد الظهر كانوا يسمحون لها برؤيته كل يوم ساعة وبعض الساعة. كانت تأخذ له الطعام، ومع الطعام الصحف والكتب. أيام زمان كان جبار يحب القراءة، وكان قد تخرج من دار لإعداد المعلمين، يعلم في الإعدادية القريبة من بيتهم في البصرة. رقية تذكر كيف كان يشيل برأسه، كيف كانت الصبايا يحمن حوله. يحكن المؤامرات للإيقاع به، بل بعضهن كن ينتسبن للحزب لا لشيء إلا ليقتربن منه. نجم جبار محبوب. البنات.. الرفاق.. الأصدقاء كلهم كانوا يحبونه، بقدر ما كان الأعداء يكرهونه. هي تذكر كيف حاول الأعداء اغتياله. بعثيون ذاقوا الأمرين منه، وذات ليلة كمنوا له خلف شجرة. اقترب فأطلقوا النار. حسن حظه ربما أنقذه، وربما هي الظلمة.. الخوف.. أو ربما ذلك كله جعل يد المطلق ترتعش والارتعاشة حرفت الرصاصة، جبار ألقى بنفسه أرضاً، إذ ذاك هرب المطلق وقد ظن أنه صرعه، لكن جباراً لم يصرع، بل لم يخمش خمشاً ويومذاك لم يتكلم جبار عن محاولة الاغتيال كان قد صمم على الانتقام سراً، وقد انتقم. جبار جبار. رقية تعرفه. إن بحثت معه الأمر قد يجد لها طريقة. هو بارع دائماً في إيجاد الطرق، قادر دائماً أن ينفذ من خرم الإبرة.‏

-لكنه أضيق من خرم الإبرة، رد وقد فاتحته بالأمر، وأنا جمل، فكيف أنفذ؟.‏

الإنجيل يقول: "لا يدخل غني جنتي حتى يدخل الجمل من خرم الإبرة"، وذلك ضرب من المستحيل تماماً كما بدت فكرة رقية ضرباً من المستحيل. مع ذلك أغرته الفكرة. حب الحياة استيقظ في نفسه للتو، فهمس:‏

-بيدك حق، الأمر مستحيل لكنه يستحق المغامرة.‏

-أجل. يجب أن نغامر. يجب إنقاذك جبار. يجب أن تهرب.‏

-أهرب!! أهرب!! راح يردد هامساً متلفتاً حوله بخوف شديد، متطلعاً إلى الباب بخوف أشد. المسألة كيف؟‏

-هذا ما ينبغي أن نفكر فيه معاً.‏

-ورئبال!؟ ألا يفكر معنا رئبال؟‏

-لا.. رئبال، لا، ردت رقية بنبرة الجزم.‏

-هو ما يزال حاقداً علي، أليس كذلك؟‏

-بل خائف، بدأت رقية لكنه لم يدعها تكمل.‏

-رئبال دعه وشأنه. هل تستطيعين أن تأتي لي بمنشار حديد؟‏

قال بأخفت نبرات الهمس، فيما عيناها لا تفارقان الباب.‏

-أستطيع، قالت وهي تنظر إلى حقيبة يدها مطمئنة أنها تتسع للكثير من الأشياء.‏

-حسن.. وحبل.. تابع بعد لأي غارساً عينه في عينيها.‏

-حبل!! ربما.. لكن. راحت تتعثر وعيناها تتنقلان بينه وبين الحقيبة التي قد لا تتسع لحبل.‏

-ليس حبلاً بطوله، بل تأتين بجزء منه كل يوم.. ثم نعقده معاً قال بمسحة من تفاؤل ارتسمت على شفتيه وهو ينظر إلى الشباك في الخلف.‏

-أجل، يمكن.‏

صباح اليوم التالي، ذهبت رقية إلى السوق، اشترت منشار حديد وحبلاً من ليف. قطعته متراً متراً ثم خبأته حيث لا يمكن لرئبال أن يراه. في اليوم الأول أخذت المنشار. حقيبتها اليدوية الكبيرة واسعة والحرس ألفوها إلى درجة لم يكونوا يدققون أو يفتشون. هي تأخذ لهم شطائر.. تطعمهم فطائر، وأطعم الفم تستحي العين. عيون الحرس تستحي، ورقية تعرف كيف تزيد من ذلك الاستحياء.‏

وحده رئبال لم يعرف الاستحياء. لم تدخل قلبه الطمأنينة. كان يراها شاردة، منشغلة البال، تقوم بحركات لم يعهدها من قبل. رقية زوجته. خمسة عشر عاماً كانا قد أمضيا معاً. هو يعرفها كراحة كفه، فما بالها وقد غدت غير رقية تلك؟‏

-أتخفين عني شيئاً؟ سألها وهما يتعشيان ذات ليلة.‏

-أخفي؟ ماذا يمكن أن أخفي؟‏

-لا أدري. مذ حدثتني تلك المرة عن جبار، شيء ما وسوس في صدري.‏

-إن هو إلا الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس، ردت رقية متصنعة الضحك، فاقرأ أعوذ برب الناس من الجنة والناس.‏

-رقية!! دعك من هذا!! وقولي، ماذا هنا. في هذا الرأس؟ ثم دق بإصبعه صدغ رأسها.‏

لكن رقية كانت قد صممت على ألا تبوح له. ذاك كان رأي جبار أيضاً. "رئبال أعرفه. ملكي أكثر من الملك، فلا تدعيه يعرف". ولم تدعه يعرف. كان الهدف الذي نصبته أمام عينيها لا يحتمل نقاشاً، وكان رئبال سيناقش بل سيعترض ويمنع، فلماذا وجع الرأس؟ "أخي مرتكب. أنا أعلم أنه مرتكب، والمرتكب يعاقب. أنا أعرفهم جيداً. الرحمة لا تدخل قلوبهم. سيعاقبونه. وما عقوبته؟ الموت؟ وفي أحسن الأحوال السجن والعذاب والموت بدلاً من المرة ألف مرة". كانت تفكر وهي أرقة في الليل، سائرة في الطريق، عاملة في المطبخ. كان يصعب عليها أن تتصور أخاها عبد الجبار، القدوة، الحبيب، وقد زرع بالرصاص، أو ألقي في غياهب الزنازين لا يشم الهواء ولا يرى حتى النور. رئبال قال لها إنه يستاهل، لكن هي الأخت المحبة الرحيمة لا تستطيع أن تقول ذلك. القانون شيء والأخوة شيء آخر. منطق هذه غير منطق ذاك والصراع بينهما قائم أبداً، لكن لدى رقية منتهٍ.. محسوم. "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، وهي تعمل على نصرته بل على إنقاذه من الموت. كل يوم تأخذ قطعة معها. الحبل طويل، وطريق الشفاء طويل. لكن عيني رئبال تريان. رقية تكتم، في عينيها ما تحاول إخفاءه، لكن كيف تخفي شيئاً عن رئبال، هو الذي يعرفها كراحة الكف؟‏

سأل رئبال رقية، حاول أكثر من مرة أن يستدرجها للحديث، أن يعيد النقاش في أمر جبار، لكنها كانت تؤثر الصمت. "إلى أن يشفى يفرجها الله" كانت تقول، لكنه كان يلحظ مع كل كلمة "تفرج"، مسحة من تفاؤل ونبرة من ثقة. "أتراها تخطط لشيء؟" ذات يوم عاد رئبال فجأة من الحقل. قال لها إنه مشتاق لجبار، يريد مرافقتها لزيارته. واضطربت رقية.‏

-لا داعي!! ارتح أنت. أنا أذهب.‏

ولم تعجبه النبرة. في الماضي كانت تبذل المستحيل لإقناعه بالذهاب فلماذا اليوم لا؟‏

وأصر رئبال، في سره على أن يتحول إلى أعين ترصد وآذان تنصت. في غرفة المستشفى تعمد أن يكون الرقيق الملاطف، وانحلت عقدة تشنج. تعمد أن يتحرك تاركاً الأخ وأخته يتحدثان ويضحكان وانحلت عقدة أخرى. في أحد تحركاته كان يذرع الغرفة وكان يتعمد أن يدير ظهره مدعياً عدم رؤية شيء، عدم سماع شيء. فجأة أحس بها تفتح حقيبتها، وبسرعة البرق تخرج شيئاً، تناوله إياه ليضعه هو تحت الوسادة.‏

-ماذا أعطيته؟ سألها وقد خرجا من المستشفى.‏

-مـ.. مـ.. ما.. ذا؟ أنا.. لم أعطه.. شيئاً، أجابته متلجلجة مضطربة، لكنه كان واثقاً.‏

طرف الحبل كان واضحاً. رآه بطرف عينه. رأى السرية بينهما، الهمس، لكنها رفضت البوح، سألها مرة تلو المرة لكنها أبت أن تجيبه المرة تلو المرة، فما تراه يفعل؟ رئبال حائر يفكر، لكن الآخرين لم يكنوا حائرين ولم يفكروا. كانت عيونهم قد رأت، حيطانهم قد سمعت وسرعان ما وجد جبار نفسه ينقل إلى حيث لا ينفع معه منشار حديد ولا شيطان مريد.‏

***‏

باقر، هو الآخر، حيث لا ينفع معه منشار حديد ولا شيطان مريد. بل هو يشعر كأنه دودة حرير نسجت حولها خيوط قز، خيطاً خيطاً إلى أن اكتملت الشرنقة. هو يشعر بالاختناق. شرنقته انغلقت فمن أين يأتيه الهواء؟ في البداية كان كل ما يتمناه أن يسحق صداماً ونظام صدام. بل حين هرب من العراق لم يكن أمام عينيه سوى طاغية المستبد وكل ما يرغب فيه أن يرى رأس يتدحرج على الأرض ممرغاً بالتراب بل طوال حربه مع إيران كان يقفز فرحاً كلما سمع بهزيمة لحقت بصدام. حتى احتلال إيران للفاو جعله يثب فرحاً. لكن بعد حرب الكويت وخراب البصرة، بدأ باقر يرى العراق نفسه.. شعب العراق.. أطفال العراق. شيئاً فشيئاً بدأت تنزاح صورة الفرد ليحل محلها صورة الشعب. بالتدريج راحت تمّحي صورة الحاكم ليحل محلها صورة الوطن. "العراق أرض.. العراق شعب.. العراق ماض.. العراق مستقبل.. فكيف يلغي فرد واحد ذلك كله؟ كيف يختزل رجل واحد شعباً بكامله؟ كيف يمحو الأرض، التاريخ، المستقبل؟" كان يسمع بأذنه كيف تلغي الدعاية الأنكلو أمريكية شعباً بكامله ولا تتحدث إلا عن صدام- الفرد، وبدا واضحاً أن الرجل قميص عثمان يريدون من ورائه غايات أخرى. الأنكلو أمريكان يحاصرون العراق. لا يدعونه يستريح أبداً. دمروا جيشه.. عتاده.. اقتصاده.. مجتمعه.. إنسانه. باقر يسمع ممن يأتون من العراق ما جرى فيه وما يجري. التجويع، الإفقار، الإذلال، القتل.. كلها لا يمكن أن تكون مجرد عقاب لصدام، بل هي عقاب لشعب بكامله، فكيف لا يشعر باقر بالاختناق؟ كيف لا يشعر أنه دودة قز انغلقت عليها شرنقتها؟.‏

أمريكا تهدد. بريطانيا ترغي وتزبد، ولجان التفتيش مصرة: "إن لم تفتش مقرات القيادات والمخابرات سننسحب من العراق." وأمريكا تهدد.. بريطانيا ترغي وتزبد: "إن انسحبت لجان التفتيش سنشن الحرب على العراق، حرباً هذه المرة لن تبقي ولن تذر". يسمع باقر التهديدات فترتعد فرائصه.‏

-لا. لن يتركوا العراق قبل أن يدمروه تدميراً كاملاً، قال لمرتضى وهما يجلسان في المقهى ينفثان دخان السجائر بعد أن يعباه عباً.‏

-هو مجنون. يوهمه غرور العظمة أنه قادر أن يواجه العالم كله لا أمريكا وحسب.‏

-ولقد واجه العالم فعلاً، تمتم باقر مذهولاً وكأنه لم ير تلك الحقيقة من قبل.‏

-وهو، دمر العراق فعلاً.‏

-لكن، العراق يسترد عافيته، يتماثل للشفاء، فلماذا يصرون على إثخانه بالجراح من جديد؟‏

هو يريد ذلك. قال مرتضى بامتعاض وهو يشير إلى الأعلى والبعيد.‏

-هو، كيف؟ سأل باقر وقد خيل إليه لحظة من الزمن أنه لا يفهم شيئاً.‏

-ها!! قلت لي كيف؟ مثل هذا الحصار.. مثل هذا الحظر.. مثل هذا التهديد الدائم بالحرب يجعله أقوى: مقدرات البلد كلها تظل في يده، ثروات البلد، روح البلد تظل في يده.. وهذا وحده ما يرضي الطاغية المستبد، صدقني.‏

-هو، هو، دائماً هو المشكلة. هو الذريعة. وتنسون البلاد.. الشعب.. الوطن؟‏

وتنشب معركة جدل حامية بين الطرفين. مذ التقيا في دمشق، كانا يتجادلان، يختلفان، يتصايحان، لكنهما يعودان فيصطلحان. كان كل منهما يشعر بحاجته للآخر، كل منهما يجد نفسه بهذا الشكل أو ذاك في الآخر. باقر يعلم جيداً كيف يفكر مرتضى، لماذا يقول هذه الحجة أو تلك، هو نفسه كان يفكر بالطريقة نفسها، يورد الحجج ذاتها حين كان في الموقع ذاته، وبالعقل ذاته، لكنه تغير. باقر تغير. لكن مرتضى لما يتغير بعد.‏

بلى. بلى. مرتضى تغير. في البداية كان قد وافق على الذهاب إلى أمريكا، رضي بالانضمام إلى المعارضة هناك والتدرب على فنون القتال وحرب العصابات لغزو العراق. كان قد قدم أوراقه وهيأ نفسه، لكن جاءه باقر فجعله يتراجع. أياماً وليالي ظلا يبحثان الأمر.. يقلبانه ظهراً لبطن وبطناً لظهر. "نسلم أنفسنا لأعدائنا!؟ نصبح مطايا لهم!؟ أدوات في أيديهم!؟ لا. لا". كان يقول له ضاغطاً متحمساً "أنا لا أريد إسقاط صدام فقط.. أرد رأس صدام." كان مرتضى يرد "والوسيلة؟ أمريكا.. عدوة الشعوب.. عدوة العرب.. عدوة الاشتراكية.. حليفة إسرائيل.. كيف؟ الوسيلة يجب أن تكون من جنس الغاية. والغاية لا تبرر الوسيلة أبداً" وبدا مرتضى شيئاً فشيئاً يقتنع إلى أن أعلن ذات يوم لقيادة المعارضة أنه لن يذهب إلى أمريكا، لن ينخرط في صفوف المعارضة التي تريد غزو العراق. وحين سمع الأخبار عن القوة التي نزلت بين الأهوار والعمارة ثم أبيدت عن بكرة أبيها، حمد ربه أنه تراجع آخر لحظة، وإلا كان سيعرض نفسه للمصير ذاته ذات يوم.‏

اقتراح آخر عرض على مرتضى وبات يشغله. "إن رفضت الذهاب إلى أمريكا، فلماذا ترفض الذهاب إلى كندا؟ وبدا له الاقتراح معقولاً. "أمريكا عدوة تحول المعارضة إلى عصابات تقاتل بسيفها، لكن كندا، ماذا"؟ طرح الاقتراح بدوره على باقر، وقد أصبحا صديقين حميمين قلما يفترقان. "كندا محايدة، لا ناقة لها في الصراع ولا جمل" تابع مرتضى "وهي تقوم بعمل خير. ترانا، نحن الشتات العراقي نعاني، نجوع، نذل فتمد لنا يد العون. إذن لماذا نرفضها؟" "لكنها بعيدة، كندا!؟ إن ذهبنا إليها ستنأى بنا المسافات عن العراق". رد باقر بشيء من ضعف، فالحجج القوية التي كان يستخدمها ضد أمريكا لا تصلح للنقاش ضد كندا. "يا رجل!! بعد؟ قرب؟ ماذا تقول؟ العالم كله بات قرية صغيرة. بساعات تقطعه من شرقه إلى غربه." "لكن هنا أنت قريب، ترى أناساً قادمين من العراق.. تشم رائحة الوطن!!" "أواه!! باقر!! لا تكن رومانسياً طوباوياً. أرجوك. العرض مغرٍ. يعطون المهاجر إلى كندا راتباً جيداً: ثلاثة آلاف دولار، باقر، فلماذا نظل هنا نموت من الجوع"؟ وبدا السؤال وجيهاً، فباقر مذ انقطع ما بينه وبين الحزب كان يعيش في ضائقة شديدة. المخصصات التي يأخذها من حكومة دمشق لا تكاد توفر له إلا قوت اللايموت. حكومة دمشق تعامله مثل أبنائها، وأبناء الحكومة جياع. موظفوها تحولوا إلى فقراء هنود مرشح كل منهم لأن يكون إما: متسولاً أو مرتشياً. باقر واحد منهم. راتبه ضئيل، لكنه مضطر للقبول به. إنه الشيء الذي هو خير من اللاشيء. وبدا مرتضى وكأنه كسب الجولة الأولى.‏

بعد ذلك، كانت ثمة جولات وجولات. باقر يكره الشتات، يريد أن يخلص منه لا أن يزيد الطين بلة. قربه من الوطن يجعله يشعر أنه في الوطن. حالة التماهي التي انتقل إليها كانت تلح عليه أن يحاول الاقتراب أكثر، لا الابتعاد أكثر، وظلت معركة الجدال بين كر وفر، لا مرتضى قادر على إقناع باقر بالهجرة ولا هذا قادر على إقناع ذاك بالبقاء.‏

باقر يتنهد كل مرة يشتد النقاش فيها. يزفر زفرة حرّى ثم يترنم بقصيدة كانت قد غدت هاجساً بالنسبة إليه.. لازمة يرددها، حيثما حل وحيثما ارتحل. وكان يبكي أحياناً. يغنيها فتنساب مع أحرفها الدموع، تشتعل مع كلماتها أنفاسه كأنها خارجة من حريق:‏

صوت تفجر من قرارة نفسي الثكلى: عراق‏

كالمد يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون‏

الريح تصرخ بي: عراق‏

والموج يعول بي: عراق، عراق، ليس سوى عراق‏

يحاول مرتضى أن يقاطعه كل مرة فلا تأخذ به الشجون إلى هاوية الحزن والألم لكنه لا يستطيع. باقر المتماهي مع العراق يأبى إلا أن يتابع الغناء للعراق:‏

البحر أوسع ما يكون وأنت أبعد ما تكون‏

والبحر دونك يا عراق‏

لو جئت في البلد الغريب إلي، ما كمل اللقاء‏

الملتقى بك.. والعراق على يديّ.. هو اللقاء‏

شوق يخض دمي إليه كأن كل دمي اشتهاء‏

جوع إليه كجوع كل دم الغريق إلى الهواء‏

ولا يملك مرتضى إلا أن يشارك صاحبه فتنهمر دموعه كما تنهمر دموع باقر. "صحيح، ثمة شوق يخض دمي إلى العراق.. جوع للعراق.. حاجة قاتلة إليه كحاجة دم الغريق إلى الهواء" ويتابع.. فيما باقر يترنم متراقصاً على جمر الألم تراقص اللهب على شمعة.‏

أيخون إنسان بلاده؟‏

من خان معنى أن يكون فكيف يمكن أن يكون؟‏

الشمس أجمل في بلادي من سواها والظلام‏

حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق‏

لكن هنا، يختلف مرتضى وباقر "لا.. لا للظلام، حيثما كان وكيفما كان. لنهرب من الظلام باقر.. لنبتعد عن الظلام". "الهروب لا يحل مشكلة، وهروبنا من الظلام هناك لن يعمل إلا على زيادة الظلام. يجب أن نواجهه مرتضى، يجب أن نقاتله في عقر داره. وإلا ما انتصر النور قط، بل ظل السائد هو الظلام". المعركة شرسة بين الصديقين، وكلاهما يقاتل عله يحقق النصر. سلاح جديد داخل المعركة فكان عنصر الحسم. بذكاء استخدمه مرتضى. هو الذي يعلم أن بذرة علاقة قد أنتشت في تربة باقر وفادية. الفتاة تبدي إعجابها به، وهما يلتقيان. بهذه المناسبة بتلك يلتقيان. باقر حدثه عنها، البذرة التي أنتشت راحت تنمو.. تترعرع، إلى أن بدت وكأنها على وشك أن تثمر، سنابل قمح في كل سنبلة مائة حبة، فلماذا لا يستفيد مرتضى من ذلك الحب؟ فادية تحلم بالهجرة بعيداً.. تحلم بأمريكا.. بكندا، بأي عالم جديد يبعدها عن عالمها القديم البالي المتعفن، كما صرحت أكثر من مرة. مرتضى سمعها. في بيتها.. في بيت باقر.. في المطعم الشعبي حيث كانوا يذهبون، هم الثلاثة، أحياناً. كانت تصرح "فلسطين حلم بعيد، صعب الإمساك به، فلماذا لا نبحث عن عالم جديد؟" لقط مرتضى الحبة فطرح الفكرة. كان باقر إذ ذاك يعد القهوة في المطبخ وكانا وحيدين.‏

-فادية؟ لم لا تهاجرين إلى كندا؟‏

-كيف؟‏

-بسيطة!! الفتاة تتزوج كندياً فتصبح كندية، أسترالياً فصبح أسترالية.‏

-صحيح، لكن أين الكندي الذي أتزوجه فأصبح كندية؟‏

-باقر!! ألا تحبينه؟‏

-بلى.‏

-ألا يحبك هو؟.‏

-بلى.‏

-إذن لم لا تتزوجان وتذهبان إلى كندا؟‏

-يا ليت!!‏

-الأمر بيدك. هم يعرضون علينا الهجرة، والأوراق لدي. فقط عليه أن يملأها. منذ أشهر وأنا أحاول معه وهو يرفض، لا يريد السفر إلى كندا، وشهقت فادية تعجباً.‏

-لكن لماذا؟‏

-لا يريد البعد عن العراق.‏

-ولم لم تقل لي؟ سألته لائمة.‏

-ها أنذا أقول لك.‏

-وعلي أنا البقية، قالت بنبرة حاسمة أدرك مرتضى منها أن السهم أصاب مرماه.‏

بعد ذلك طوقت باقر بذراعيها وقد أخلى لهما مرتضى الجو.‏

-أحبك.. أحبك.. أحبك. راحت تتمتم هامسة بين اللثمة واللثمة، كأس خمر ترشفها.‏

-وأنا أحبك. رد وهو يشعر أن حميا جديدة تسري في أوصالها، لم يدر كيف أو لماذا لكنه أحس بحمية لم يعهدها من قبل في ضماتها، قبلاتها.. باقر يعرفها جيداً. مذ تعرف واحدهما إلى الآخر، شعر بجاذب يجذبه إليه، ثم بخطا متأنية راح واحدهما يقترب من الآخر. عرفته إلى بيتها.. قدمته إلى أسرتها. معرفته القديمة بأبيها يسرت السبل، جعلته يندمج سريعاً بالبيت.. يدعى إلى غداء.. يحضر عشاء فيتصرف تصرف الرفيق القديم. لكن ذلك ترك على كاهل باقر عبئاً جديداً: نوعاً من الشعور بالمسؤولية: الفتاة أصغر منه.. ست عشرة.. سبع عشرة سنة، هو لا يدري تماماً، لكن ثمة فارق، ذلك الفارق يراه في عيني أبيها، عيني أمها كلما نظر إليهما. "هو صديق." هكذا قدمته، ومن حقه أن يكون صديقاً كبيراً في السن أم صغيراً، لكن خطيباً أو حبيباً، هل يقبل أبوها؟‏

باقر نفسه لم يفكر بذلك الزواج؟ مرة واحدة فكر به مع لورا. بعدئذ أقلع عنها. هو طائر تائه في غابة السياسة والصراع فكيف يفكر ببناء عش يتطلب قبل أي شيء: الثبات والاستقرار؟ فادية نفسها لم تطرح عليه الفكرة. كانا يلتقيان، يتبادلان التسكع، الأخبار وشيئاً من الغرام دون كثير من الوعود، دون كثير من الأحلام.‏

الفكرة الجديدة فقط جعلتها تغير التكتيك. "يريدونه أن يهاجر إلى كندا. فلماذا لا أقنعه ونهاجر معاً؟" الاقتناع على مراحل: المرحلة الأولى: البوح بالحب والأنفاس الحرى والضمة المحمومة. الثانية: الكلام عن الغد، الآمال، الأحلام. الثالثة: طرح فكرة الارتباط. أياماً وليالي استغرقت تلك لمراحل. لكن فادية ربان سفينة ماهر، قاد السفينة ببراعة بين الجزر والأرخبيلات، دون أن ترتطم بصخرة أو تصطدم بجزيرة، وحين وصلت إلى المرسى كان باستطاعتها أن تلقي المرساة دون خوف من رياح أو أمواج.‏

-ولماذا لا تخطبني؟ سألته وهما يسيران في ممرات إحدى الحدائق يداً بيد وكتفاً إلى كتف وأنفاساً لأنفاس.‏

-أتريدين ذلك؟ سأل بدوره وقد فاجأه سؤالها ذاك.‏

-لم لا؟ طالما بيننا حب، لماذا لا يسير في طريق كل حب؟‏

-أيوافق أهلك؟ وأشار بيده إلى شعرات بيضاء كانت قد بدأت تتسلل إلى صدغيه.‏

-أهلي هم أنا، رأيهم رأي.. أوافق أم لا أوافق، أنا لي ملء الحرية.‏

باقر يعلم أن لها ملء الحرية. أمها، أبوها، كلاهما كانا مقتنعين أن يفتحا لابنتهما أبواب الحرية على مصاريعها. مذ دخلت الجامعة، كانا قد قالا لها: "الآن أنت طالبة جامعية.. فتاة بلغت سن الرشد، فتصرفي بما يمليه عليك هذا الرشد. لن نسألك أين ذهبت؟ ماذا فعلت؟ نحن نعطيك الثقة الكاملة والحرية التامة فعيشي تلك الثقة وهذه الحرية".‏

ولم تكذِّب فادية خبراً. عاشت حياتها الجامعية بكل ما في الكلمة من معنى: صداقات، معارف، حفلات، رحلات.. كل ما في الحياة الجامعية كانت فادية تريد أن تجربه، وكان باستطاعة والدها أن يقدم لها المال. مكانته في الجبهة جعلت أموالاً طائلة تحت يديه وهو سخي. فلماذا لا تستفيد من ذلك السخاء ابنته الوحيدة؟‏

باقر نفسه يعرف ذلك السخاء، بل أكثر من مرة استفاد منه. يعرف الحرية التي تعيشها فادية فكيف لا يكون لها ملء الحرية في اختيار شريك الحياة؟‏

-حسن، كما تشائين، رد باقر وهو غير واثق مما يقول. كان الأمر كله كأنه في مكان آخر، في زمان آخر، يحدث لأناس آخرين. هو نفسه لم يكن يجرؤ أن يطرح مثل ذلك الاقتراح لكن ها هي ذي الأمور تتخذ مسارها بذاتها، تتطور بذاتها، بل تدفعه أمامها كما يدفع السيل الحصاة.‏

ذهبا إلى الأبوين. الأبوان رحبا بالفكرة. "أتراها مهدت لكل شيء؟" باقر لا يدري، لكن بدا واضحاً أن الأب سعيد.. الأم سعيدة. لقد اختارت ابنتهما شريك الحياة!! حفل بسيط ضم أفراد العائلة من جهتها هي، ومرتضى فقط من جهته هو. ألبسها باقر خاتم الخطبة وألبسته فادية مثله ثم تبادلا القبل، خطيبين متحابين ليس بينهما فارق سن أو تفاوت طبقي، بل قاسم مشترك أعظم: الشتات.‏

الشتات يجر الشتات كما يجر القمل الصئبان. فادية حريصة أن يجر قملها صئباناً فتذهب إلى عالم جديد، ألقه يبهر عينيها، وكل ما تطمح إليه أن تلقي بنفسها في بحره الدافئ، تعوم في مياه حريته وتنهب كل ما على رمال شاطئه من متع ولذائذ. أخيراً جاءت المرحلة الحاسمة: الإقناع بالسفر. في كل لقاء.. في كل مكالمة هاتفية، بين القبلة والقبلة.. الضمة والضمة، تحدثه فادية عن كندا.. مزايا السفر، مكاسب الهجرة.. وتغريه.. تلح وتغريه، ولم يكن باقر إلا ابن أبيه: آدم ذاك الذي قادته من خطمه حواء.‏

-أحسنت فادية!! هتف مرتضى وقد زفت له بشرى القبول. في اليوم التالي شق الصديقان طريقهما إلى السفارة. قدما الأوراق، كتبا طلب اللجوء "أخيراً تصبح لاجئاً سياسياً يا باقر!!" وكأنما الأمر قد بت.‏

-عليكما الانتظار. قال لهما القنصل الكندي وهو يربت كتفيهما معاً.‏

-ننتظر؟ كم؟ شهراً؟ شهرين؟ رددت فادية وهي تسرع إلى باقر محتضنة لاثمة.‏

-على الأكثر ثلاثة أشهر، أجاب مرتضى هذه المرة. هكذا الآخرون.‏

-أية بشرى!! أية بشرى!! هتفت فرحة، ثم دعتهما كليهما إلى مطعم فاخر احتفالاً بتلك البشرى.‏

-لا، اسمحا لي. أنا مرتبط، قال مرتضى، ففتح باقر عينيه وهو يعلم أنه يكذب.‏

-معقول!؟ ألا تحتفل معنا؟ سألته فادية وقد تهللت أساريرها أكثر فأكثر.‏

-لا. لا. احتفلا على طريقتكما الخاصة، فلماذا تريدانني عذولاً؟ وانسحب مرتضى مسرعاً.‏

-عجيب!! مرتضى!! قال باقر وهو يهز رأسه: ينسحب من الدعوة إلى مطعم فاخر؟‏

-يفهم. مرتضى يفهم. ردت فادية ضاحكة وهي تشبك ذراعها بذراعه شادة إياه إلى صدرها إلى درجة أحس بالدفء يتسرب من نهدها الأيمن أمواجاً أمواجاً إلى ذراعه.‏

-إذن، لماذا نذهب إلى مطعم؟ سأل، وحرارة نهدها تسري في جسده نزولاً إلى حقويه.‏

-ماذا؟ نذهب إلى البيت؟ سألته وغمزة كثيرة المعاني ترافق السؤال.‏

-لم لا؟ في البيت وحده المرء يأخذ راحته، وضحكا كلاهما لاكزاً واحدهما الآخر، دافعاً إياه وكأنما يتسابقان للوصول إلى البيت. زياد خارج البيت، ربما هناك لدى خطيبة المستقبل. ابنة الوزير كانت قد طردته فمضى إلى ابنة زعيم يشارك في الجبهة الوطنية ويصنع الوزراء.. لم يكن قد رآها لكنه رأى أباها، تقرب منه، مد استطالته وكل هدفه أن يعرش على سقالة، عريشة ترتفع على أكتاف الآخرين وطفيلية تقتات من عناء الآخرين، وكالعادة تحول إلى مطية للأب.. أداة في يده، فيما عينه على الابنة، لسانه لا يفتأ يردد: "كيف الوصول إلى حماك وليس لي في اليد حيلة؟".‏

الحيلة بيد فادية. هي فرحة. النصر وشيك. سنرحل إلى كندا. القنصل كان إيجابياً. شهر ويأتي الجواب فلماذا لا تفرح فادية؟ لماذا لا تحتفل بنصرها المؤزر؟‏

فراريج، حمص، تبولة، متبل، عرق. كل ما يحتاجونه حملاه معهما إلى البيت. الاحتفال بالنصر لا يتم بغير طعام وشراب. صفّا كل شيء على الطاولة، صبا كأسين من العرق ثم رفعت فادية كأسها:‏

-نخب النصر!! كأس النجاح!!‏

وجرع كلاهما كل ما في كأسه دفعة واحدة. الفرح الشديد يقتضي الشرب الشديد، وهما فرحان. "أخيراً أجد نفسي.. أخيراً أجد الفتاة التي تحبني.. تخلص لي.. تضع يدها بيدي. ونمضي معاً، نشق طريقنا معاً فلا يفرقنا شيء".‏

ولم تكن فادية تخشى شيئاً يفرق بينهما: الخطة نجحت، الحلم يتحقق خطوة خطوة، وكما تشاء.. فلماذا لا تلحق بجناحي الفرح عالياً في السماء؟‏

كأساً، كأسين، ثلاثاً جرع كل منهما ثم بدا كل شيء أشبه بالحلم الوردي. بالأحضان أخذها باقر. بالأحضان أخذته. قبلة طويلة تذيب الشفاه، ضمة محمومة تهصر الخصور. كلاهما يشعله الغرام وكلاهما يرغب في الالتحام. "يا إلهي!! أي توق أحسه لذلك الالتحام!! أي شوق مجنون يدفعني لأن أصهره.. يصهرني، نصبح روحاً واحداً.. جسداً واحداً؟" ولم تنتظر فادية.. كان فمها يذوب في فمه قطعة سكر في كأس ماء. لسانه داخل فمها يبحث ربما عن رأس الينبوع فيشرب من مائه حتى يرتوي. لكن كل ما تتمناه أن تلتحم به.. أن تنصهر وتصهر. بودها لو يفك أزرار قميصها.. يمد يده إلى صدرها.. ثمة نهدان يتلظيان ناراً للمسة.. ثمة خصر يصرخ به "ضم أكثر.. ضم أكثر.." لكن كيف تقول له ذلك؟ هي لا تستطيع البوح. "بل تستطيع" ومدت يدها إلى صدره تفك أزرار قميصه، ثم سرعان ما وجدا نفسيهما جلداً لجلد ولحماً في لحم.‏

-أنت لذيذ!! لذيذ!! يا إلهي!! كم أنا سعيدة بك!! همست قرب أذنه وقد هدأت أنفاسهما بعد اصطخاب. لم يجب باقر كما توقعت، بل بدا كأنه غارق في شيء كالصمت. ماذا؟ ألست سعيداً، باقر؟‏

-بـ.. بـ.. بلى. رد باقر، لكن بنبرة بدت أبعد ما تكون عن السعادة.‏

-لعلك فوجئت، تابعت هامسة بعد أن تفحصته قليلاً.‏

-لا أخفيك. أجل، فوجئت، رد وهو يتحاشى النظر في وجهها.‏

-كنت تريدني عذراء؟‏

-لا، لا، بدأ متلعثماً فيما هي تغرس نظراتها في وجهه تستطلع ما وراء الأسطر.‏

-لا أكتمك سراً، كان بودي أن تكوني عذراء.‏

-لماذا؟‏

-لا أدري. كل رجل يريد أن يكون الأول في حياة زوجته.‏

-الفاتح؟ المقتحم؟ تقصد؟‏

-سميه ما شئت، لكن بالتأكيد، ما من رجل يريد أن يكون الآخر قد سبقه إلى زوجته.‏

-لكن، لا مانع أن يسبق هو الآخرين إلى نسائهم؟‏

وأحس باقر بنبرة هجومية عدوانية تغلف سؤالها، فانكمش انكماشاً على انكماش، حتى بدا فاصل واسع يفصل بين الجسدين اللذين كانا قبل لحظات فقط لحمة وسداة.‏

-لا، لا تتكلمي هكذا، فادية!‏

-ولم لا أتكلم؟ الرجل أناني، يبيح لنفسه ما لا يبيح لامرأته. له هو كل شيء وهي محرومة من كل شيء. هو يعيش بحرية وهي عليها القيود.‏

-أية قيود؟‏

-غشاء البكارة، أليس هو القيد الذي تقدسونه؟ الغل الذي تريدون من الفتاة الحفاظ عليه؟‏

-لا، أنا لم أتكلم عن غشاء البكارة. أنا لم أطالب بشيء.‏

-لا، طالب به وأنت لك ملء الحرية في أن تفعل ما تشاء.. تسرح وتمرح كما تشاء.‏

-لا تقلبيها مناحة، فادية! أنا فقط.‏

-أنت فقط صدمت!؟ قاطعته فادية. خاب أملك. حقاً!! كلكم شرقيون سلفيون رجعيون متخلفون، لا تؤمنون بمساواة المرأة ولا بحرية المرأة.‏

واهتز شيء ما داخل باقر.. شيء كان في سبات عميق منذ زمن طويل. "الحرية!؟ أجل، هي ذي ما كنا ننادي به طوال عمرنا. تعاليم حزبنا.. تقاليد نضالنا، كلها كانت تنادي بحرية المرأة كحرية الرجل، بالمساواة بين المرأة والرجل، فكيف نسيت ذلك باقر؟ كيف تتراجع ذلك التراجع حتى أبدو لها مجرد سلفي متخلف؟" وبكثير من الأسف والأسى راح يعتذر. قبلت فادية العذر وقد تأكد نصرها من جديد. لكن حين خرجا كان هو ما يزال يحمل آثار صدمة خفيفة.. خيبة سرية جعلته يمضي إلى مرتضى خامد الجذوة، كأنه موقد من رماد.‏

في منزل مرتضى فقط، اشتعل من جديد.‏

-زال خطر الحرب، فاجأه صاحبه بالخبر.‏

-معقول؟ هتف باقر فرحاً فجأة متوهجاً فجأة.‏

-قبل ساعة فقط أعلنوا النبأ: حلت مشكلة التفتيش في العراق.‏

ولم ير باقر نفسه إلا وهو يقفز، كعادته كل مرة ينجو فيها العراق من خطر، قفزات غزال فرح بالربيع، وكأنما ذهب كل ما في نفسه من خيبات.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244