|
||||||
| Updated: Tuesday, September 23, 2003 01:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل السادس عشر -رحماك، لا.. لا تسأليني كم أحبك يا حبيبة!! بدأ باقر يترنم غارقاً حتى شحمة أذنيه في بحيرة الحب الدافئة، رغم الثلج الذي كان يتساقط في الخارج هشائش حائرة على أجنحة ريح تخفق حيناً وتتوقف حيناً. -بل أريد أن أعرف. أصرت فادية وهي تنظر في عينيه المفعمتين حباً، وتترك يدها إلى يده المتوهجة عشقاً. -أنا لست أدري كم أحبك، لست أدري. عاد إلى ترنمه وعيناه راهبتان تتعبدان في محراب حبها. لم تقاطعه فادية. كانت هي الأخرى تريد أن تتعبد في محراب الحب، فصالة المطعم الكبيرة الواسعة خالية إلا من زوجين اثنين عاشقين مثلهما ربما، يلطآن في الزاوية الأخرى ويرقبان هشائش الثلج تترامى في أحضان الأشجار وعلى أكتاف الطبيعة المترقبة ترقب عاشقة لعاشقها وقد طال غيابه. فهواي ممتد كبير يا حبيبه وبلا حدود كالسماء هو مثل بحر تلو بحر تلو بحر وبداية دون انتهاء -كأس البحر تلو البحر تلو البحر، همست فادية وهي ترفع كأس النبيذ المتوهج كالنار غامزة بعينها إلى البعيد البعيد. دق باقر كأسه بكأسها ثم شرب النبيذ المتوهج كالنار. هي تنتشي حين تسمع بالبحار والأراضي الواقعة ما وراء البحار: كندا.. استراليا.. أمريكا.. هذه كلها الحلم الذي تنسلخ به عن جلد كالح بالٍ ليصير لها جلد جديد نضر. هو يعرفها، لا تريد كالتخلص من بلد "كل ما فيه متحجر"، كما تقول: "يعيش في القرون الوسطى"، "بلد مهترئ كثوب شحاذ بألف رقعة ورقعة". هو يسمعها تصب لعناتها تلك على البلد العتيق وعلى كل شيء عتيق فيتذكر لورا "يا إلهي! لماذا الكل يريدون الهجرة؟" ولا يملك باقر إلا أن يشعر بالاستغراب والنفور. لكن ما إن يمر بعض الحين حتى يغفر لها، والحب يغفر. معرفته بالجيل الجديد، برفضه، تمرده تجد لها المسوغات، الكل يريد الهروب.. كأنما ضاق البلد بالناس، عوزاً وحاجة، فلا يدري أهله كيف يفرون منه. أوراقه إلى كندا كانت تسير في طريقها الروتيني المعهود. هو ومرتضى راجعا السفارة، طلبتهما السفارة، أكثر من مرة دعاهما القنصل يسأل.. يستفسر، وكان باقر يجيب بصراحة وصدق. كانوا يعلمون كل شيء عنه، عن حياته، عقائده، عمله في الحزب، في الجبهة الفدائية، مع ذلك كانوا يريدون المزيد، فهل يستطيع باقر إلا أن يجيب بصراحة وصدق. "لماذا تهاجم أمريكا؟" سأله القنصل آخر مرة "أمريكا عدوة الشعوب.. مصاصة الدماء.. دولة البغي والعدوان"، وأجفل القنصل حينذاك. "لكنك تكره صداماً ونظام صدام. أمريكا تكرهه أيضاً إذاً، أنت وأمريكا ينبغي أن تكونا حليفين" "أكره صداماً!؟ نعم. بل أكرهه حتى الموت، لكن أكره وطني؟ لا!! أتحالف مع عدو وطني؟ لا" وأجفل القنصل من جديد. "كيف؟ لا أفهم!! أمريكا تريد إسقاط صدام!! تفعل كل ما تفعله لتخليص العراق من صدام" وتبسم باقر تبسم المرارة "أمريكا تختزل الشعب كله إلى فرد، تلغي الوطن من أجل حاكم، وهذه هي الجريمة. العراق لا يختزله فرد وليس هو مجرد حاكم". وطرف القنصل بأجفانه وقد ازداد دهشة واستغراباً "كنا نحسبك لا تتوانى عن التحالف مع الشيطان من أجل إسقاط صدام" همهم القنصل وكأنما يهمهم لنفسه ثم مضى دون أن ينتظر رداً من باقر. ذلك كان آخر لقاء. سأله مرتضى عنه فنقل له ما قال، وللتو ضرب كفاً بكف "لا، غلط.. غلط"، فادية قالت الشيء ذاته، بل كانت ردة فعلها أشد.. "بالعكس. كان يجب أن تنهال بأقرع الشتائم على صدام وترفع صلوات المديح والثناء لأمريكا"، قالت فادية فهز رأسه ضاحكاً "لا أدري. هذا ما طلع معي" "لكن يجب أن تصلح الخطأ، يجب أن تسافر وأخشى ما أخشاه أن تؤثر أجوبتك هذه في قبول طلبك"، لكن لم يكن باستطاعة باقر إصلاح شيء. ما قاله قاله، ولن يستطع قول سواه. حتى لو سأله مرة ثانية سيجيبه الجواب ذاته. عمره لم يعرف النفاق، طوال حياته يكره الكذب، فكيف يكذب؟ ولم يسع باقر لإصلاح الخطأ. حثته فادية أكثر من مرة على مقابلة القنصل وأكثر من مرة تهرب. بهذه الحجة، بتلك كان يتملص. -باقر، نبهته من شروده وهي تشير إلى الخارج. هذا الثلج يجعلني أتفاءل. سنراه كثيراً في كندا. -أجل، في كندا ثلج كثير وصقيع كثير. -ادع الله، باقر، ادع الله أن نسافر قبل نهاية العام، نقضي ليلة رأس السنة عروسين هناك. -يمكننا أن نفعل ذلك هنا حتى لو لم نسافر، همس بكثير من الشوق لشفتيها وقد زادهما النبيذ رياً واشتهاء. -لا، لا زواج بلا سفر، قالت بنبرة الحسم. هوذا موقفها منذ البدء. خطبة؟ نعم. لكن الزواج؟ لا. "وكيف نتزوج؟ في غرفتك عند زياد؟ بلا دخل مثل العالم والخلق؟" قالت له منذ البدء "وماذا في ذلك؟ نستأجر بيتاً صغيراً، نمد رجلنا على قدر بساطنا" "لا، لا، فادية ابنة القائد النضالي الكبير لا يليق بها إلا زواج نضالي كبير"، والزواج النضالي الكبير في نظرها هو أن ترمي بالعالم القديم حذاء بالياً لتلبس حذاء جديداً كل الجدة. طوال خمسة أشهر ظلا يتناقشان. الزواج بحاجة إلى الكثير، وهو لا يملك شيئاً من ذلك الكثير: لا بيت، لا ممتلكات، لا سيارة، لا دخل يكفي ليعيش هو، فكيف لبناء عش زوجي جديد؟ "بيدها حق" كان غالباً ما يخلص إلى استنتاج "نفقات العرس.. المنزل الجديد، أكبر بكثير مما أملك. إن سافرنا حلت المشكلة. طائران يخرجان من قفص إلى الفضاء الرحب فأية سعادة لا يصنعانها؟" -سنسافر، اطمئني. قال وكأنما يطمئن نفسه. -حقاً!! أنت متفائل؟ -هم يأخذون كل العراقيين، فلماذا لا يأخذونني؟ -إذن، سنكون أجمل عروسين يقضيان أجمل رأس سنة. -ولسوف ألتهمك، ألتهمك، كما تلتهمين دراقة تذوب عصارة!! -وأنا ألتهمك. أجل. أنا أتلظى شوقاً إليك. المس يدي قالت وهي تمد يدها له فيشعر بها. وقداً متوهج الجمر، وجنتاي.. جسدي كله يتلظى لهباً. -فماذا أقول أنا؟ أنا اللهب ذاته. -وأنا الفراشة. كل ما أريده اللحظة أن أرمي بنفسي إليك. أن أحترق بك أيها اللهب!! -أجل، الاحتراق، هوذا ما يريده اللهب أيضاً. -هلم إذن!! نحترق الآن!! قالت وقد لمع عزم شديد في عينيها. -ماذا؟ هنا؟ الآن؟ رد هامساً وهو يتلفت حوله، حيث نادلان أو أكثر كانا يقفان قريباً منهما، وحيث الصالة البلورية تنكشف للفضاء، للأشجار، للثلج وهو يتساقط رقائق رقائق. -بل هناك، في السيارة. همست وهي تمسك بيده وتنهض. السيارة مدفأة فاخرة. أبوها المسؤول يغير سيارته كل عام أو عامين وهي تستفيد منها.. تأخذها منه كلما احتاجتها. تذهب إلى السوق.. تتنزه مع صويحباتها.. أصحابها. أبوها يؤمن بالتقدم.. بالحرية، ويطبق ما يؤمن به. في الصباح، رأت الجو ماطراً مثلجاً فجاءت إليه. "أبي، أريد السيارة اليوم" "خذيها" رد وهو ينعم بدفء قبلاتها، تلك التي تعلم كيف تشحنها عذوبة وبراءة: ابنة صغيرة متعلقة بأبيها معجبة به. الطريق أبيض، الأشجار بيضاء، السماء بيضاء، والأرض كلها عروس مجلوة ليلة عرسها، يخرج باقر وفادية فيلسعهما القرس، تستقبلهما رقائق الثلج مصفقة بأجنحتها متهاوية هنا، هناك كفراشات الربيع. متخاصرين، متضامين، اجتازا الفسحة الخارجية إلى السيارة. هما سعيدان. وهج من داخل، قرس من خارج، ويتوحوحان.. ينطان عالياً وهما متخاصران متضامان، لا تكاد وجنتها تفارق وجنته ولا نهدها صدره. يصلان إلى السيارة فيلقي كل منهما بنفسه في المقعد ثم يسرع لضم الآخر وقد أوجعه انفصال لحظة. قبلة محمومة وجدا نفسيهما يغرقان فيها. هو ظامئ، هي ظمأى، يبحث كل منهما عن ري، وليس في الشفاه ري. هي كماء البحر لا تزيد شاربها إلا عطشاً. وتمتد يده إلى نبع مائها، هناك فقط يمكنه أن يجد الري. تمتد يدها إلى نبع مائه، هناك فقط يمكنها أن تجد الري، لكن سيارة تصف بجانبهما تجعلهما يجفلان، قطاتين فاجأتهما طلقة عند منهل الماء. يد على المقود ويد تداعب خده، مضت فادية بالسيارة الدافئة، الفاخرة/ صوت نجوى كرم يلعلع "ما بدي قصور تهديني. ولا بدي كنوز تغنيني. بدي هواك يدفيني. لا.. لا. لا.. لا.. لا.." ولم يكن باقر يريد سوى ذلك الهوى يدفئه، يدغدغه، ينعشه. يدها تدغدغه. يده تدغدغها. ساقاها المتباعدتان وقد انشمر الفستان عالياً تسمح لأنامله أن تتغلغل في العمق، تدغدغ فتسري رعشة من نشوة على محياها. وجنتاها تتقلصان ثم تسترخيان، زاويتا فمها تنكمشان ثم تسترخيان ويختلس نظرة إلى عينيها، يجدهما مغمضتين فيجفل. -لا، لا، سائقة، ومغمضة العينين؟ -أنت على حق!! ردت ضاحكة وهي تفتل مقود سيارتها إلى اليسار. كانا قد اجتازا طلعة الجبل المطل على سهل الزبداني، وكانت ثمة غابة من أشجار الصنوبر. الطريق فيها يمضي صعوداً إلى قبة مزار. عند القبة وقفت السيارة. الإطلالة رائعة. هشائش الثلج رائعة، هي ما تزال تسقط. كل شيء في الوجود أبيض، كل شيء بارد ساكن ما عداهما هما، وقد تحولا إلى لهيب نار... متراقصاً دخل المنزل، متواثباً اتجه إلى غرفة زياد، وكل ما يريده، أن يشاركه أحد أفراحه.. يعيش معه سعادته، فالفرح والسعادة لا يطيبان إلا جماعة، لكن ما إن دخل الغرفة حتى تسمر وقد قابله صاحبه برأس مطرق ووجه عابس قمطرير. -زياد.. ماذا بك؟ -ماذا بي؟ مصيبة!! كارثة!! -أية مصيبة!! قل يا رجل؟ سأله وهو يجلس بجانبه على الديوان فيما التلفاز البارد الصامت علامة من علائم الكارثة. -أشرعتي تمزقت. سفينتي تحطمت. -الله، زياد!! ومتى كان لديك أشرعة وسفن؟ -أوف!! تقول هذا وقد رويت لك قصتي كلها؟ -من تقصد؟ جهينة؟ سأله باقر، هو الذي كان قد سمع أدق التفاصيل. -أجل جهينة، سفينتي للمستقبل، وكانت السفينة تمخر العباب وكانت ثمة آمال كبيرة في أن أصل إلى الشاطئ الآخر.. شاطئ النعيم والسعادة. -فماذا حدث؟ سأل وقد أحس بالتعاطف فجأة. -كل شيء انتهى الآن باقر. آمالي كلها خابت. جهينة ضاعت. -ضاعت؟ لكن، كنت اليوم ستخطبها!! قال باقر وقد تذكر ما حدثه به زياد في الصباح. -وذهبت. أجل، أخذت المحابس وذهبت أخطبها. لكن.. -ماذا؟ رفضتك؟ -يا ليت!! -عاد أبوها عن كلمته!! -لا، لا، أبوها يدفع مئات الآلاف، فقط كي يصرفها عنه. -إذن، ما الخطب؟ ما الخبر؟ -عند جهينة، قال وهو يشير إلى الوراء زافراً. ألا يقولون عند جهينة الخبر اليقين. -وما خبرها اليقين، جهينتك هذه؟ -قبيحة!! بشعة!! فظيعة!! -ماذا؟ -كما قلت لك. هي شوهاء، عرجاء، محدودبة الظهر، قبيحة الوجه. -يا عيني!! هي كل هذا وأنت لا تعرف؟ -وكيف أعرف وهم يخبئونها خلف سجف وستائر؟ مائة مرة طلبت رؤيتها، لكن دائماً كانوا يتهربون. أبوها يغدق علي الوعود "سأرفعك إلى أعلى عليين، سأغنيك إلى ولد ولدك، سأجعلك وزيراً"، لكنه يمنعني من رؤية ابنته، فكيف أعرف؟ -ورأيتها أخيراً؟ -كيف إذن ألبسها الخاتم؟ -اللعنة!! وماذا فعلت؟ -صعقت. قبحها لم تره عيني قط. رأيتها فتركت كل شيء ووليت الأدبار، ولم يستطع باقر منع نفسه من أن ينقلب على قفاه ضاحكاً. -ماذا؟ تضحك مني؟ -المعذرة، زياد. العفو، لم أستطع منع نفسي، لكن، وقد عرفت، ماذا أنت فاعل؟ -لا أدري. صدقني، باقر!! أنا حائر.. محبط.. خائب الآمال. -ولِمَ، إن كان ما يهمك فقط هو المنصب، ما تريده فقط هو السلطة؟ تزوجها تصل إلى ما تريد. -لا، لا، مستحيل. أنت لم ترها. هي أبشع من أن تستطيع العين النظر إليها. -والوزارة؟ المال؟. -أواه!! هذا ما يغيظني. اللقمة وصلت إلى الفم. فجأة تسقط. شيء قاتل باقر. شيء قاتل. وهب زياد يزفر الزفرة تلو الزفرة وهو يذرع الغرفة جيئة وذهاباً. -مع ذلك، اسمع مني. اقبل بها. كيفما كانت اقبل بها. ستصبح وزيراً يا رجل!! سيغنيك أبوها إلى ولد ولدك!! فقط غض النظر عن شكلها. -لا، مستحيل. قلت لك مستحيل، كدت أتقيأ حين رأيتها. مستحيل أن أتزوجها. -إذن، على نفسها جنت براقش، قال باقر ضاحكاً ساخراً وهو يهم بالخروج، نادماً على أنه دخل وقد طارت فرحته. -صحيح، جاءه صوت زياد قبل أن يصل إلى العتبة، مرتضى يريدك. ضروري، خبر هام يريد نقله إليك. وأعجبته الفكرة. "مرتضى سيشاركني فرحتي. هو صديقي وسيفرح لفرحي، لكن ما ذلك الضروري الذي يريدني لأجله؟ ما هذا الخبر الهام؟" وقفز إلى مخيلته للتو العراق. ربما هناك أخبار جديدة عنه: انفراج ما.. أزمة ما. هو لا يدري، ففي الجو كانت هناك نذر وبشائر معاً. الأنكلو أمريكان لا يتركون خناقه، إلا ليشددوا القبضة عليه، لكن في الجو العربي أشياء وأشياء. الضمير العربي بدأ يستيقظ. وخزاته بدأت تقلق هذا الحاكم العربي أو ذاك فيطلق تصريحاً "يجب تخفيف المعاناة عن الشعب العراقي" "يجب رفع الحصار عن العراق" "يجب إنهاء الحظر" وبدأت ثمة تحركات في الخفاء أولاً ثم في العلن. مساعدات طبية ترسل إلى العراق، شاحنات تشحن معلبات النيدو والغذاء، ثم وفد متعاطف دفعته النزعة الإنسانية من هنا، وفد متعاطف دفعته النزعة التجارية من هناك. آخر الوفود كان وفداً من رئيس غرفة التجارة في دمشق وخمسة وثلاثين من كبار التجار مضوا إلى بغداد، حيث يمكنهم إعادة الوشائج وفتح الجسور التي تنتقل عليها السلع والبضائع بين سورية والعراق. -هه!! ماذا لديك؟ أهناك جديد عن العراق؟ سأل باقر وقد فتح مرتضى الباب. -بل جديد عنك. -عني أنا؟ وأي جديد؟ -رفضوا طلبك. -الكنديون رفضوا طلبي؟ سأل وهو يؤكد على كل حرف. -أجل، بالمصادفة مررت اليوم على السفارة. "ابن حلال" قال لي السكرتير. "كنا سنتصل بك غداً. مبروك. وافقوا على طلبك." -حقاً؟ وافقوا أن تهاجر أنت؟ -أجل، لكن رفضوا هجرتك أنت. -الحمد لله!! هتف باقر وهو يشعر بصخرة تنزاح عن صدره. -ماذا؟ لم يزعجك رفضهم؟ -أنت تعلم أنني تقدمت بالطلب رغماً عني. -صحيح، لكن الأمر مختلف: تقدمت ورفضوك، ترى ألا يزعجك رفضهم؟ -بل أنا مسرور.. سعيد. سأظل هنا قريباً من العراق. لن تفصلني عنه البحار والقفار. -وفادية؟ ماذا سيكون ردها؟ -فادية!! كرر باقر وهو يحك وراء أذنه، هو الذي يعلم كم تبني على السفر من آمال. -أنا أقول لك. فادية لن تكون مسرورة ولا سعيدة. -لا يهم. المهم أنني أنا فرح.. سعيد، ثم وثب صارخاً: أنا لن أبتعد عن العراق.. عن أبتعد عن العراق. فادية لم تكن فرحة ولا سعيدة، كما قال مرتضى، وفي الوقت نفسه لم تكن تريد سوى الابتعاد عن العراق، الشام وكل ما للعرب من ديار. -أنت السبب!! صاحت مشيرة بسبابتها وقد نقل إليها الخبر. أنت السبب!! -أنا؟ وماذا فعلت؟ -صرت تهاجم أمريكا!! عملت ثورياً!! تتكلم عن الامبريالية والرأسمالية!! -لكنهم كنديون. وما شأنهم هم بأمريكا والامبريالية؟ -ها!! أنت مجرد غر، لا تعرف شيئاً. أليست كندا الحديقة الخفية لأمريكا؟ -ما كنت أعلم ذلك. -اعلم إذن الآن، وتحمل العواقب الوخيمة. -عواقب وخيمة؟ لماذا؟ ها نحن بخير. قبلونا؟ خير. لم يقبلوا؟ خير أكثر. -أنا أعلم، قالت فادية والغيظ يقدح من عينيها شرراً. لم تكن تريد الهجرة. لم تكن راغباً حتى بتقديم الطلب، وقد فعلت عامداً متعمداً لكي يرفضوا الطلب. -لا، في هذا ظلمتني، فادية!! -ظلمتك؟ لماذا إذن قبول طلب مرتضى، ولم يقبلوا طلبك أنت؟ -اسأليهم هم. -بل أسألك أنت. تريد أن تجلس في حضنهم وتنتف لحيتهم. أليس كذلك أيها الثوري العظيم!؟ أيها الطوباوي الأبله!؟ -لا تكبّري كلاماً فادية!! -بل سأكبّر أكثر. أنت أبله، ضعيف الشخصية.. متردد.. حائر.. لا تعرف ما تريد. -فادية!! ما الذي تقولينه؟ أجننت؟ -كيف لا أجن وأنت تخدعني؟ تمنيني الأماني وتكذب علي؟ اغرب عن وجهي. اذهب من هنا. لا تدعني أرى وجهك أبداً. وأحس باقر فجأة بطعنة خنجر، بدم يسيل على أخدعيه. هب ملء طوله، ضرب الأرض بقدمه ثم غادر المنزل. أمها حاولت ثنيه، داعية إياه إلى الغداء، لكنه بأدب اعتذر. الأم طيبة. تصرفات ابنتها لا تعجبها، تحاول دائماً كبحها، نصحها، لكن فادية لا تكبح ولا تسمع من ينصح. تسعة أيام ظل باقر في غرفته لا يبرحها. قال لزياد: "كل من يتصل بي: ليست هنا.. كل من يأتي إلى هنا: لست هنا"، وأطاع زياد. هو نفسه كان كارهاً للناس راغباً في العزلة. المصيبة جمعتهما والمصائب تجمع، فقعدا كلاهما يدقان الحزن بالجرن، يشكو الأول ليبكي الثاني ويشكو الثاني ليبكي الأول. "طردتني. قالت لي اغرب عن وجهي" يقول باقر فيردد زياد "وأنا أخدع. يريدون تزويجي من ضبعة نتنة" ثم لا يملكان إلا أن يزفرا الزفرات الحرى ويصفنا الساعات الطوال. كان باقر يعلم أن الرفض سيزعج فادية، لكنه لم يكن يظن أن الانزعاج سيصل حد طرده. هي خطيبته، تحبه، والحب أقصر السبل للغفران. إذن، لماذا ثورتها تلك كلها؟ لماذا تلك الحدة كلها؟ ألا يغفر له أنه يحبها؟ أنه خطبها وريد الزواج منها؟ "ثمة أوقات جميلة قضيناها معاً، ذكريات جميلة صنعناها معاً، أفيذهب ذلك كله؟" السؤال يحيره. هو في عزلته يقلب السؤال، ويفكر بفادية. يغضب منها؟ يرضى؟ يغفر لها؟ يرد عليها؟ أسئلة كثيرة تدوم في سماء غرفته. هو يبحث عن جواب لها، لكن دائماً لا جواب. في البداية، ظن أن غضبها مجرد زوبعة في فنجان. آمال كبيرة راودته في أن يُرَن الجرس ليجدها ترتمي بين أحضانه معتذرة مستغفرة، لكن مرت الأيام الثلاثة الأولى دون أن يظهر أحد. مرت بعد ذلك أيام أربعة ولم يرن هاتف "اللعنة!! هي غاضبة حقاً!! رباه!! ماذا أفعل؟" وبدا له أنه في مأزق حقيقي "أيظل غارباً عن وجهها فلا تراه ولا يراها، وإلى متى؟ أم يعود معتذراً مستغفراً تمسكها واحدة عليه فلا يستطيع الإفلات من قبضتها أبداً؟ هو في حيرة. يريد أن يغادر المنزل ولا يريد أن يغادره. زياد غادره. كبس الملح على الجرح وخرج من جديد يبحث، ربما عن ابنة وزير كبير أو مدير خطير لا تكون ابنته شوهاء عرجاء علّ أباها يرفعه إلى أعلى عليين ويغنيه إلى ولد ولده. لكن هو، باقر التنكجي، الشريد الضائع، عم يبحث يا ترى؟ فجأة أصر على ألا يبحث عن شيء. حسبه أنه في معتزله وحيد.. محاصر. "أليس هكذا العراق؟ إذن، لم لا أكون مثله؟ هو يعاني، فلماذا أبحث أنا عن السعادة؟ هو في بلوى وضيق، فلماذا لا أشاركه البلوى والضيق؟" وظل باقر في غرفته لا يبارحها. الكتاب صديقه والشعر رفيقه. قصائد صارت تأتيه منقادة تجرر أذيالها، فلماذا لا يستقبلها؟ كان حسبه أن يفتح ذراعيه لها لترتمي هي بينهما، وكان يفتح ذراعيه. يكتب، يقرأ "الله!! كم فيك من متعة أيتها القراءة!! كم فيك من متعة أيتها الكتابة!! لأظلن أقرأ وأكتب حتى أنسى كل الأحزان والأشجان". لكن مرتضى لم يدعه يقرأ ويكتب. في اليوم العاشر جاءه منذ الصباح الباكر: -باقر، شاكو ماكو!؟ ما تبين؟ شنهو اللي صار لك؟ نسيت رفيقك؟ ها!! قل لي آغاتي: شاكو؟ ماكو؟ راح يوبخه بلهجته العراقية الصارمة وهو يمسك به من رأسه يدعك صدغيه بين راحتيه. -لا، لا، ماكو شي بعد. معقول أنسى رفيقي؟ رد باقر باللهجة نفسها وهو يحاول الإفلات برأسه من راحتيه. -صحيح، أين أنت؟ ما تعلم أني بحاجة لك؟ لا، باقر لم يكن يعلم أن مرتضى بحاجة له. ظنه وهو يعد نفسه للسفر قد نسيه جملة وتفصيلاً، لكن ها هو ذا مرتضى يؤكد له أنه على خطأ. كان مرتضى قد سأل عنه مرات ومرات. بالهاتف، عند الأصحاب، رفاق التيار الديمقراطي، لكن باقراً بدا وكأنه فص ملح وذاب. بل حتى البيت جاء إليه، لكن زياداً كان مطيعاً ينفذ الأوامر وكان يصده كل مرة بعبارة "آسف، غير موجود". -بحاجة لي؟ سأله باقر. أنت رايح لكندا وتحتاجني؟ -طبعاً أغراضي.. أشيائي.. لمن أعطيها؟ أم تريدني أن آخذها معي إلى كندا؟ وبدا باقر كالأبله، فاغراً فمه، جاحظاً عينيه، لا ينبس بحرف. ثم.. قل لي. تتركني أسافر دون أن أودعك؟ أسافر ولا أجد أحداً بجانبي؟ أنت صارلك شيء؟ تخبلت؟. وانهال التقريع حبات برد بحجم الجوزة على رأسه وهو يروغ برأسه هنا، يروغ هنا، فوقع البرد على الرأس موجع. -بيدك حق، اعذرني. كنت أمر بحالة اكتئاب. -اكتئاب؟ لأنهم رفضوك؟ لكني رأيتك تسر حين نقلت لك الخبر. -صحيح، لكن فادية، كما قلت حينذاك، لم تسر. -ونزلت على رأسك القارعة، قاطعه مقهقهاً ضاحكاً. -وأية قارعة؟ لقد طردتني. -تستاهل. -الأمر جد، وقد تفسخ الخطوبة. -تستاهل أيضاً. -لكنني أحبها. -وهي تحب السفر. -أكثر مني؟ -ربما، من يدري؟ لكن باقراً كان يدري. منذ البداية قرنت فادية زواجهما بالسفر، وكل مرة كان يقترح عليها الزواج، كانت تهز رأسها ضاحكة "نتزوج هناك، حين نصير على الشاطئ الآخر" وتشير إلى البعيد البعيد حيث شاطئ الأطلسي الغربي والبهرج الذي يخلب الألباب. "لكن، لماذا نحرم أنفسنا الآن وباستطاعتنا أن نتمتع ونسعد؟" "لكننا نتمتع ونسعد. أأنت محروم من شيء؟" "لا، لكن الزواج أفضل" "الفقير لا حق له أن يتزوج، وأنت فقير لا تملك شروى نقير.. مشرد لا تملك سقف بيت" وينطوي على جرحه. هي لئيمة خبيثة تعرف دائماً كيف تضع الملح على الجرح وتضغط فلا يملك إلا أن يطأطئ رأسه صامتاً. هما ابنا شتات معاً، لكن هي لديها سقف ومأوى. أبوها ذو مكانة، حاش الممتلكات والأموال، لكن، هو ماذا؟ هو في لجة الشتات، لم يكن قد وصل شاطئاً ولا اقترب من بر أمان. "إيه أيها الشتات!! أما لك من نهاية؟"- هيا.. دعني من اكتئابك وعزلتك، وانهض. ولم يملك باقر إلا أن ينهض. مرتضى سيسافر خلال ثلاثة أيام، وعليه أن يكون إلى جانبه فعلاً. ثمة أشياء كثيرة عليهما أن ينهياها معاً.. حاجات.. أوراق.. كتب، عليهما أن ينقلاها إلى غرفته. في آخر يوم فقط، فاجأه مرتضى: -تعال، سأحاول الاتصال بالأهل، أودعهم. -ماذا؟ ممكن الاتصال؟ رد باقر هاتفاً متعجباً. -هكذا سمعت. هناك خطوط فتحت. أحدهم في القيادة قال لي اليوم إنه اتصل. -أسرع إذن. دعنا نحاول. ومضيا إلى مركز الهاتف. كان الانفراج الذي بدأ باهتاً بين دمشق وبغداد، قد بات يتضح يوماً بعد يوم. وفد غرفة التجارة في دمشق كان قد مهد له. تجار بغداد ردوا الزيارة، وقديماً كان التجار يفعلون ذلك يتبادلون السلع.. البضائع.. فيأتي تاجر دمشق إلى بغداد، ويذهب تاجر بغداد إلى دمشق. أول بساط طار عليه السندباد كان بين دمشق وبغداد، فلماذا ينقطع بعضهم عن بعض؟ العراق عمق سورية الاستراتيجي وسورية عمق العراق الاستراتيجي. الناس كلهم يعرفون ذلك فلماذا يظلان متباعدين؟ لماذا إنماء الأحقاد والأضغان؟ باقر لا يدري، لكنه يدري من قراءة التاريخ والجغرافية.. الماضي والحاضر، أن بريطانيا لم تكره يوماً كرهها لأي تقارب بين دمشق وبغداد، ولم تعمل يوماً عملها لدق الأسافين بين دمشق وبغداد "الله يا مدينتي الوليد والرشيد!! يا ركني التاريخ والحضارة!! بكما ينهض عز العرب، وعليكما يتوقف سؤدد العرب!!". ساعة كاملة ظل باقر يجرب الرقمين اللذين يعرفهما في بغداد: رقم فاطمة يرن لكن أحداً لا يرد. رقم صديقته آمال يرن لكن بشكل مختلف، أتراه معطل؟ مرة تلو المرة حاول باقر لكن عبثاً. مرتضى تكلم مع أهله. أخبرهم بكل شيء وأخبروه بكل شيء، ثم خرج وبسمة تشق شفتيه حتى الأذنين. أخبارهم غير سارة، مع ذلك سر مرتضى. حسبه أنه اطمأن عليهم. بعضهم مات، بعضهم مريض لكن معظمهم ما يزال حياً يرزق. بسرور شديد تلقوا نبأ سفره إلى كندا. "سترسل لنا عوناً يا ولدي!!" ترجته أمه "نحن بحاجة ماسة للمعونة" أكدت له "نصف ما سأستلم من دولارات سأرسله لكم." "أجل. الدولار هنا يفلح فلاحة يا ولدي." ووعدها وعداً قاطعاً جعل باقراً يشعر بشيء من الذنب "لو ذهبت مثله، أما كان باستطاعتي أن أرسل لهم الدولارات؟ وتذكر أمه. "ماذا حدث لها يا ترى؟ كيف تدبر أمر معيشتها؟" باقر يعرف أخبار العراق جيداً لكنه لا يعرف أخبار أمه، أخبار البيت في البصرة، الأخوة، الأخوات. هو يعرف فقط الضنك والضيق الذي يعيشون فيه هناك كي يوفروا لقمة العيش. "فماذا لو هاجرت؟ أما كنت سأتمكن من مد يد العون لهم؟" وأحس باقر بنوع من تأنيب الضمير. من جديد جرب أن يتصل بفاطمة، لكن الرقم ظل حرداً عنيداً لا يرد. -مرتضى!! قال باقر وقد خرجا من مركز الاتصالات ماداً يده له بالوداع. -ماذا؟ ألن تذهب معي؟ ألن نقضي آخر ليلة معاً؟ -بلى، بلى، مساءً أذهب إليك. لكن الآن، سأذهب إلى البيت. أريد أن أرتاح. ومضى باقر إلى البيت حزيناً كئيباً "لو سمعت صوت فاطمة فقط، لو عرفت أخبارهم فقط" كانت ثماني سنوات قد فصلت بينهما لم يسمع صوتها ولم تسمع صوته وكان فتات الأخبار الذي يصله لا يروي عطشه. باقر يشعر أنه متشوق. لكل قطرة من مياه دجلة والفرات، لكل نخلة من نخيل العراق، كل ذرة من تراب العراق. "أهذا ما يسمونه الحنين إلى الوطن؟ أهو الحنين الذي قد يشتد بالمرء إلى أن يستحوذ على كل ما فيه من مشاعر وأحاسيس، طارداً كل ما عداها من مشاعر وأحاسيس؟ أهو الذي يمكن أن يتحول إلى وجد مبرح وهاجس مسيطر"؟ باقر وصل إلى هذا الحد. هو يشعر أن الحنين إلى العراق يسد عليه المنافذ كلها. هو لا يرى إلا العراق.. لا يسمع إلا العراق.. لا يفكر إلا بالعراق.. ولا يشعر، وهو يعود متمشياً إلى منزله، إلا وهو يردد: واحسرتاه متى أنام؟ فأحس أن على الوسادة في ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة غنيت ترتبك الحبيبة وحملتها فأنا المسيح يجر في المنفى صليبه يا ريح يا إبراً تخيط لي الشراع متى أعود إلى العراق.. متى أعود.. إلى العراق.. الريح تصرخ بي: عراق والموج يعول بي: عراق.. عراق.. ليس سوى العراق فمتى أعود إلى العراق؟ لكن ما إن وصل إلى المنزل حتى جاءه جواب مغاير لذلك السؤال. زياد قدم له رسالة كانت قد وصلت قبل ساعة. "من لورا؟" تساءل بفرح واستغراب وهو يقرأ العنوان على الظرف. كانت اسكندنافياً قد غيبت لورا منذ أشهر طويلة. خمسة عشر!؟ تسعة عشر؟ باقر لا يدري. ما يدريه أنه حسبها في عداد المفقودين، فمن تراه يلتفت إلى الحضيض، حيث العالم الثالث البائس، وقد صار في رأس الهرم من العالم"؟ لكن ها هي ذي رسالتها تأتي. "إذن أنت لم تنسي أيامنا الحلوة، ليالينا الجميلة يا لورا؟" فض الرسالة ثم قرأها. خمس صفحات بخط منمنم دقيق حلو كلوحاتها المنمنمة ذاتها. هي فنانة بارعة. هو يعرفها، بل كله إيمان أن لها مستقبلاً باهراً، خاصة وقد عرفت أين تبني ذلك المستقبل، "هنا، لا أمل لي"، كانت قد قالت له أكثر من مرة "هنا لا يعرفون الفن ولا قيمة الفن، لكن هناك، في العالم الحضاري المتقدم سيكون لي شأن آخر. أنا واثقة" وانطلاقاً من تلك الثقة وضعت نصب عينيها السفر، ثم سافرت، فما عساها تقول الآن؟ صفحاتها الخمس تقدم لها الجواب واضحاً. السعادة التي تفيض بين سطورها ترد على كل استفسار: معارضها ناجحة.. الإقبال عليها كبير.. الناس يشترون منمنماتها. "تصور.. إحدى منمنماتي بعتها بثلاثة آلاف دولار"، كانت الرسالة تخبره. "تصور.. إحدى منمنماتي بعتها بثلاثة آلاف دولار. تصور. صديقتك لورا تملك الكثير من المال الآن، تعيش في رغد ويسر بعد كل ذلك العناء والضيق، فما أبأس إنساننا في الشرق؟". وتنهد باقر. قرأ الرسالة وزفر الزفرة تلو الأخرى. "هنا، الأنظمة، القوانين، الدولة.. كل شيء يوظف لخدمة الإنسان، يسخر لتوفير راحته وسعادته. باقر، هنا الحياة جميلة. كل شيء. الطبيعة، المدينة، الرجل، المرأة، العلاقات الإنسانية.. كلها راقية جميلة". وشرد ذهنه إلى الممارسات المرعبة التي تمارسها الدولة، إلى القوانين الجائرة التي تسنها الدولة، وكل همها أن تكون لخدمتها هي، لا خدمة المواطن، لسعادة رجالها لا سعادة الإنسان. "المفاجأة عزيزي باقر، صديقك سعدون". وأجفل باقر "سعدون!؟ معقول؟ التقت به لورا؟" وللتو ردت على سؤاله "أجل التقيت به صدفة، كان لي معرض في نورمبرغ. أنت لا تعرف نورمبرغ. هي المدينة الأجمل هنا في بلاد الثلج. فيها الكثير من العرب. دعتني رابطتهم لإقامة معرض فذهبت. ليلة الافتتاح كان فيها الكثير من الحضور.. لكن ما لفت نظري واحد فقط من ذلك الحضور. كان، بعينيه السوداوين اللامعتين كنجمتين في السماء، يلفت النظر، وكان شعره الفاحم، شارباه العربيان الجميلان، بشرته الحنطية المقمرة المحمرة كرغيف حنطة خرج لتوه من تنور يلفت أكثر من النظر، فلم أستطع أن أفارقه بناظري. كنت أتحدث مع الجميع وأنا معه وحده، أسمع الجميع وأنظر إليهم، وسمعي، نظري معه وحده. لقد تملكني. لا أدري كيف؟ استحوذ علي بكل ما في، أيضاً لا أدري كيف؟ لكأنه أمسك بقبضته روحي فلا تستطيع الإفلات. صار همي كله أن أستبقيه في المعرض حتى النهاية.. أن أقيم معه جسراً راسخاً في الحال.. أن أستحوذ عليه للتو. أجل، تملكني ذلك الإحساس: "يجب أن أستحوذ عليه، يجب أن يكون هذا الرجل لي." لكن سويدية صهباء الشعر فارعة القامة متينة البنيان كانت تتأبط ذراعه. كان واضحاً أنها تهيم به حباً.. لا تتركه لحظة. مع ذلك لم أبال. "لتذهب إلى الشيطان، صديقته تلك" بعدئذ أقدمت. تعرفت إليه. هو عراقي. رجولة العراق.. فحولة العراق كلها كانت تتبدى في ملامحه. مع أحرف اسمه تذكرتك. سألته عنك. "أوه!! هو أصدق أصدقائي" وكدت أقفز فرحاً. "قد وجدت القاسم المشترك". أجل، وكنت أنت القاسم المشترك الذي ربطنا تلك السهرة. رأيتك فيه، كما رآك فيَّ، كلانا يحبك، يريد التمسك بك قسماً مشتركاً. لكن كان ثمة الصديقة الشقراء الصهباء. كان كل ما أريده هو أن أصل إليه وبات كل ما يريده هو أيضاً أن يصل إلي. لكن كيف يتحقق ذلك والسويدية بيننا؟ من مطعم إلى مطعم تنقلنا، ومن بار إلى بار ترحلنا. نأكل.. نشرب.. ثم نشرب ونشرب إلى أن وصلنا إلى منزله وقد استسلمت الصديقة لملاك النوم متخلية عن كل مقاومة، ناسية كل منافسة. مذ ذاك صرنا صديقين حميمين، فهلا زرت صديقيك الحميمين أيها القاسم المشترك!" وضحك باقر وهو يعود بذاكرته إلى المدرسة، حين وصل مدرس الرياضيات إلى القاسم المشترك وبدأ يشرح لهم. "كم انحفر ذلك الدرس عميقاً في تلافيفي الدماغية"!! "درس مهم درس القاسم المشترك"، شرح لهم الأستاذ: "ركزوا عليه. افهموه.. فلسوف تحتاجون دائماً لمعرفة القواسم المشتركة في الحياة، بين الأشياء، البشر" المعلم كان على حق، فها هو ذا باقر التنكجي، يصبح قاسماً مشتركاً بين كائنين بشريين في السويد. قلّب الرسالة، وأنامل فرح تدغدغ شغافه. هنا دعوة واضحة له.. تريده هي وسعدون أن يذهب إليهما. "فقط قل نعم، تصلك بطاقة الطائرة وشيك بنفقات السفر". دعوة كريمة، فهل يقبلها أم لا؟ الزيارة إلى السويد مغرية. تغيير الجو، رؤية الأصحاب، ثم هو لن يكون مهاجراً. شهراً.. شهرين، يمكن أن يقضي هناك، ثم يعود، فلا ينسى الوطن ولا يبتعد عن العراق، وقفزت إلى ذهنه فكرة، لم يملك معها إلا أن يقفز كله فرحاً. "أجل، أذهب مع فادية شهر عسل" وأسرع في الحال يرتدي ملابسه. كانت فادية، مذ صاحت به غاضبة، "اغرب عن وجهي"، قد انقطعت عنه. لا اتصال.. لا مرسال.. لا أثر.. لا خبر، وكان هو، بكبريائه الجريح، قد آثر الابتعاد، غاضباً كان، حانقاً كان. مع ذلك لم يستطع الرد، وبماذا يرد؟ أيفسخ الخطوبة؟ فكر باقر في ذلك، لكنه لم يستطع البت. كان قلبه يخفق خفقاناً شديداً كلما فكر بالأمر. الحب يقف بالمرصاد، فيرده على عقبيه كلما طرح ذلك الاحتمال "لا، لا، أنا أحبها. فادية حبيبتي.. خطيبتي. علاقة جميلة تربطنا.. ذكريات رائعة تشدنا فكيف أتخلى عن ذلك كله؟ كيف أتخلى عنه؟" وكان يبعد ذلك الاحتمال نافراً خائفاً. في الوقت ذاته لم يكن يريد أن يسامحها على طردها له. "خطيئة فاحشة!! تطردني؟ تصيح في وجهي؟ إذن لا بد من عقابها" وكان العقاب أن يهجرها فترة من الزمن تعلمها درساً. فليس لحم الطيور كلها يؤكل، وليس رجال العراق بالنساء. هم يؤمنون أن الرجال قوامون على النساء، وأن المرأة مرأة، والرجل رجل، ولكل دوره، فلا يأخذ أي منهما دور الآخر. وظل نائياً لا يذهب إلى بيتها، لا يتصل بهاتف، لا يقترب من صديق مشترك. الدرس يجب أن يكون قاسياً فلا تتطاول عليه مرة ثانية. لكن ها هي ذي دعوة تأتي، فتقلب كل الموازين.. تنسيه قراراته.. دروسه، وتجعله يسرع إليها "سأصالحها، وأنا من فوق. هذه المرة سأريها أنني أنا الرجل وأنا الذي يملك بيده دائماً دفة القيادة. تريد السفر؟ ستسافر، وإلى أين؟ إلى مكان أجمل من كندا، بلاد أروع من العالم الجديد كله". وتبسم باقر وهو يتمشى وحيداً على رصيف شارع لم يكن قد رآه منذ عشرين يوماً أو يزيد. هو فرح. دعوة لورا وسعدون أسعدته كثيراً. "مشاكل كثيرة ستحل. آفاق جديدة ستفتح. سعدون يلمح إلى أن بالإمكان تدبير البقاء في النرويج أو السويد، إن أراد. لا، هو لا يريد البقاء، لكن مجرد التلميح يسعده، فهناك أصدقاء وهناك فرصة لأن يختار. فرصة الاختيار ذاتها تسعده. هو حر. حرية الاختيار نعمة وهو فرح بتلك النعمة. فادية ستفرح أكثر بها، ومن يدري؟ ربما يسافران في أقرب وقت، أفكار مجنحة تذهب به، أفكار مجنحة تعود، وهو يسير. لم يرد أن يركب سيارة. المشي جميل. صحيح أن أنساماً باردة بدأت تتحرك في شوارع دمشق، محركة أغصان أشجارها، هازة أوراقها، لكن الصحيح أيضاً أنه ينتشي بتلك البرودة. كان الليل قد خيم، وكانت الشوارع تضج بالأنوار والسيارات، وكان يشعر أنه طائر مجنح. هو لا يسير في الشوارع بل يطير محلقاً عالياً في السماء. عند المنعطف، حيث يتفرع من الشارع الواسع زقاق ضيق، لمح سيارة تلف ثم تدخل الزقاق. "هذه سيارة فادية"، تمتم وهو يطرف بأجفانه. هو يعرفها. السيارة نفسها التي ذهبا بها إلى الزبداني، ومن ثم غابة الصنوبر.. المزار.. الحب.. الجنس. حث باقر خطاه، يريد التأكد من الرقم. الرقم نفسه، لكن السيارة انعطفت مختفية عن ناظريه. وأسرع باقر عله يلحق بها. الزقاق شبه معتم، يصل إلى حديقة متواضعة فيلتف حولها. على أطراف الحديقة أشجار صفصاف وارفة. تتدلى بأغصانها حتى الأرض صانعة سجفاً وستائر. وصلت السيارة إلى هناك. توقفت تحت العتمة والأغصان، فغذ باقر خطاه. "من في السيارة؟" مرورها السريع لم يتح له أن يرى من في الداخل. "أخوها؟ أختها؟ أبوها؟" باقر يعلم أن الأب سمح كريم يعطي لأولاده الحرية في أن يأخذوا السيارة. يقضوا حاجاتهم. يتنزهوا.. شأن كل أب سمح كريم. على خطاه المتسارعة كان خفقان قلبه يتسارع، فالسيارة التي توقفت تحت الأغصان والعتمة كانت قد أطفأت الأضواء. وقفة مريبة تثير التساؤلات. اقترب باقر من مؤخرة السيارة فلم يستطع أن يرى شيئاً. غبش البخار كان قد صنع من البلور حجاباً حاجزاً لا يعبره نظر. مضى إلى الأمام. عبر البلور الأمامي استطاع باقر أن ينظر. كانت ثمة خطوط تقطع الغبش وفتحة أو فتحتان. حدق النظر خلالهما، وعلى بقايا ضوء مصباح كهربائي هناك، رأى باقر فادية بين أحضان رجل وقد غرقا في حمى قبلة طويلة. نار اشتعلت في رأسه، فلم يشعر إلا وهو يمضي إلى الباب، يفتحه بقوة فيجفل العاشقان. -اللعنة عليك، أيتها الغادرة الخائنة!! صاح بها وهو يمد يده إلى شعرها. خائفة انكمشت. خائفة ابتعدت عن اليد، لكن الأخرى كانت قد أمسكت بذراعها ثم جذبتها خارجاً. -ماذا تريد مني؟ صاحت فادية وقد وجدت نفسها على الأرض، دعني.. دعني.. تابعت الصياح وهو تحاول الوقوف فيما انهال عليها باقر صفعاً وركلاً، وصوتها يلعلع ساباً شاتماً. -وحش!! كلب!! خنزير!! لكنه لم يتوقف إلا وقد أمسك صاحبها بكلتي يديه. --ماذا؟ أجننت؟ لماذا تضربها؟ من أنت؟ سأله بتخوف وكأنه يظنه أخاً لها أو أباً. -أنا خطيبها، هذه الغادرة.. الخائنة. -خسئت، صاحت في وجهه وقد تخلصت منه. -أنت لم تعد خطيبي!! خذ. هذا محبسك ألقيه في وجهك!! وأتبعت ذلك بحركة سريعة، أخرجت المحبس من إصبعها ثم رمته به. لم يصب المحبس وجهه بل انحرف عنه ليطير بعيداً ثم يحط على أرض الشارع متدحرجاً مصدراً رنيناً راح يخفت شيئاً فشيئاً إلى أن تلاشى، فيما كانت السيارة تنطلق براكبيها انطلاقة الصاروخ. مكسر الجناحين، مهدم القوى، دار باقر على عقبيه. بطيئاً، متمهلاً بدأ يسير. لم ينبس بحرف. لم ينظر إلى الوراء. كانت حركتها قد أفحمته، فما تراه يقول؟ ما تراه يفعل؟ في الزقاق المعتم سار. في أثر المحبس مشى. على بعد خطوات شعر بنفسه يتسمر، ربما كان المحبس قد صار تحت قدمه. ربما هي جاذبية الذهب سمرته، وبحركة لاشعورية مد يده إلى محبسه، نزعه من إصبعه، ألقاه أرضاً ثم التفت إلى الوراء، "وهذا محبسك ألقيه في وجهك". في اللحظة نفسها كان شيء ما، هناك في أعماق قلبه، يلفظ آخر أنفاسه. أهو الحب يلفظ الأنفاس؟ أهو كائن، ككل الكائنات يموت؟ باقر لا يدري، لكن في تلك اللحظة أحس أن شيئاً في داخله يموت. "اللعنة عليك!! اللعنة على حواء!! هي دائماً حية تلدغ. هي دائماً غدر وخيانة" ورجع القهقرى مكسر الجناحين، مهدم القوى، لكن في منتصف الطريق غير رأيه. لم يكن باستطاعته أن يعود إلى المنزل. "سيكون موحشاً، ستكون الوحدة فوق كل طاقة على الاحتمال"، واتجه صوب منزل آخر. "صحيح، مرتضى بانتظاري، الليلة ليلة الوداع، فلأمض إلى وداعه." -ما بك؟ لماذا هذا التجهم كله؟ استقبله مرتضى متسائلاً مستغرباً، فقد تركه في النهار وهو أكثر إشراقاً وحيوية. -لا، لا شيء. رد باقر وهو يلقي بنفسه على أقرب مقعد. -أنت حزين إذن؟ لا تحتمل فراقي؟ تابع مشاكساً مازحاً. -أجل، سأشعر بعدك بالوحشة، لتقتلني الوحدة. رد باقر وقد وجد منفذاً يهرب منه. سأبعث وراءك. سأعمل على سحبك بيدي. -لا، لا أريد، لن أهاجر. -اسمع مني، باقر! الهجرة تحل لنا مشاكلنا كلها، الهجرة خلاصنا الوحيد. -خلاصنا الوحيد، ردد وفي نبرته استهجان واستغراب. وماذا عن خلاص العراق، ماذا عن هذا الحنين للعراق؟ إنه يمرضني مرتضى. -أسفي عليك!! أنت مريض بذاك المرض الذي يدعونه الحنين إلى الوطن. -أجل.. مريض بالحنين مرتضى، فماذا أقول للوطن؟ ماذا أقول للعراق؟ -هو سبب تجهمك إذن؟ سأل مرتضى وقد تحركت في داخله نوازع وشجون. -بل ثمة سبب آخر، بدأ باقر وهو يزفر زفرة الحرقة، ثم استأنف بنوع من الزوغان: السماء!! السماء كئيبة متجهمة. -ماذا؟ سأل مرتضى ثم تبسم ساخراً، رحم الله الشاعر إيليا أبو ماضي. قد سبقك في قصيدته: قال السماء كئيبة وتجهما قلت ابتسم يكفي التجهم في السما وأشار مرتضى إليه وإلى السماء فلمعت في ذهن باقر فكرة هش لها وبش ثم بالنبرة نفسها والحركات نفسها رد: قلت التي كانت سمائي في الهوى أضحت لنفسي في الغرام جهنما وللتو رد مرتضى وقد أعجبته اللعبة: قلت ابتسم واطرب فلو قارنتها قضيت عمرك كله متجهما وانتفض باقر: -هو ذاك!! هو ذاك!! أبو ماضي يقول الحق، وأنا أحمد ربي أني لم أقترن بفادية. -فادية؟ أجرى شيء بينكما؟ أهي السبب حقاً؟ راح مرتضى يرش أسئلته رشاً. احك لي الآن. احك. وحكى له باقر كل ما جرى معه مذ افترقا ذلك العصر. -إذن عليك أن تضحك حقاً لا أن تتجهم. علق مرتضى وهو يهز رأسه يمنة ويسرة. لقد اكتشفتها في الوقت المناسب وخلصت منها في الوقت المناسب. -لكن لا أخفيك. أنا مصدوم.. حزين.. حزين حتى الموت. -سافر. غيّر جواً. -أين؟ -ألم تقل أن لورا دعتك إلى السويد؟ هي ذي فرصة ذهبية فاقتنصها. -ماذا تقصد؟ -أقصد، تذهب فترى الأصدقاء. تستمتع بالسويديات الشقراوات الصهباوات، ثم قل لي. أحد يذهب إلى المطعم ومعه زوادته؟ -الغبي!! رد باقر فقهقه كل منهما ضاحكاً. -إذن، لا تكن غبياً. اذهب بمفردك. عش إجازة العمر، وإن وجدت الفرصة سانحة، ابق هناك. -لا، كل شيء إلا البقاء هناك. -تريد البقاء قرب العراق؟ قال مرتضى ساخراً. -أجل، رد باقر ثم شرع يترنم وكأنما نسي قصة فادية كلها: بلادي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام مرة تلو الأخرى راح يعيد البيت مترنماً، موقّعاً إياه على إيقاع الموسيقى وكأنما لم يعد في ذهنه سواه، فيما كان مرتضى يتشاغل بحقائبه رازماً مستعداً للرحيل. مع أشعة الفجر الأولى انطلق الصديقان إلى المطار، وفي الردهة الواسعة الخالية إلا من بعض المسافرين أخذ واحدهما الآخر بالأحضان. -اذكرني دائماً، قال باقر. -لتنسني يميني إن نسيتك يا باقر، رد مرتضى مازحاً. -بأمان الله!! -بأمان الله!! طويلاً شد واحدهما الآخر إلى صدره وطويلاً ربت واحدهما كتف الآخر. بعد ذاك افترقا: الأول إلى الداخل يلوح بيده والآخر إلى الخارج يمسح دمعتين انحدرتا على الخدين، ثم لم يعرف كيف وصل إلى سريره، ألقى بنفسه عليه وغرق في سبات عميق. مع أذان المغرب أفاق، وعلى غسق كانون خيل إليه أنه شفق الفجر لكن ما إن نظر إلى الساعة، حتى أدرك أنه نام النهار فقط وليس النهار والليل. بحيوية غسل وجهه، بنشاط ارتدى ملابسه وكأنما أعطاه النوم زخماً شديداً، دفعة كبيرة من دم الحياة رأى نفسه معها ينطلق إلى مركز الهاتف. كان كل ما في ذهنه أن يتصل مع أخته.. أن يعرف أخبار الأهل.. أخبار العراق. دق الرقم فجاءته رنة انشغال. "الحمد لله! هذه المرة سيردون" وانتظر. خمس دقائق.. عشراً.. لا يدري. كانت ساعته قد تعطلت منذ اشتباكه مع فادية. بعد ذاك عاد إلى الهاتف يدق الرقم من جديد. هذه المرة رفعت السماعة. "يا إلهي! إنه صوت فاطمة!!". -مساء الخير فاطمة، وجد نفسه يصيح بفرح طاغ. -ناصر!! يا مرحبا بأخوي، حبيب قلبي، نور عيني. يا مسا النور. كيفك؟ كيف صحتك؟ أخبارك؟ وبدت رشة الأسئلة بلا نهاية. هو أيضاً كانت رشة أسئلته بلا نهاية. هي أجابت. هو أجاب. لقد تحققت المعجزة أخيراً. تواصل الأخ والأخت كما تواصلت الأختان التوءمان: دمشق وبغداد. حكت له كل شيء. حكى لها كل شيء. فجوة واسعة كان عليهما أن يسداها: ثماني سنوات من الزمان، وما كان أطولها من سنوات ثمان. -ماتت أمي؟ كان الخبر الخطر الذي هز كيانه، بعد أن هزته أخبار أخرى: ضربة محسن، موت كاظم، إعدام جبار.. رحمة الله عليك يا أماه!! ردد وهو يمسح دموعاً لم يستطع منعها من الانهمار. -عد إلينا ناصر. بنبرة رجاء طلبت منه فاطمة وقد انتهت من الأخبار. -ليتني أستطيع أختاه!! -ولماذا لا تستطيع؟ -أنا خائف فاطمة. -لا تخف ناصر!! أنت تعود إلى وطنك!! -وطني قيود وأصفاد.. سجون وقبور. -لا، ذاك الوطن تغير ناصر. -كيف، وجبار أعدم؟ -جبار مرتكب. أدين بالخيانة العظمى، خيانة الوطن. هل خنت أنت الوطن؟ -معاذ الله!! أنا أخون العراق؟ -إذن، لا تخف. عد إلى العراق. العراق الآن أم رؤوم تفتح أحضانها لكل أبنائها، وهل في أحضان الأم غير الحب والحنان؟ -تقولين الصدق فاطمة؟ -ماذا إذن؟ أخدع أخي؟ أكذب على شقيق مهجتي؟ لا ناصر. العراق اليوم غير عراق الأمس. هو في أزمة، يواجه أشرس الأعداء ويحتاج لكل الأبناء، لكل الأصدقاء. -تأكيد لي فاطمة! تأكدي مما تقولين أختاه!! وأنا جاهز، الليلة أعود. أتسمعين؟ الليلة أعود. -لكنني متأكدة ناصر. العراق يرحب بكل من يرغب في العودة ثم طارت مجنحة بأجنحة الفرح تنقل الأخبار لعبد المحسن القاعد في السرير، فالرصاصة التي اخترقت حوضه، لم تكن قد سمحت له بالحركة بعد. فرح محسن بأخبار ناصر لكنه احتج: -كيف تطلبين إليه أن يعود؟ -لماذا؟ ألم تقل لي أنت نفسك إنهم لم يعودوا يلاحقون أحداً؟ إنهم يرحبون بكل من يعود؟ -بلى، لكن المشكلة ليست فيهم هم، رد وفي كلامه ثقل. فالحنك الذي اخترقته الرصاصة ظل بطيء الحركة بعيداً عن المرونة. -في من إذن؟ -في التطورات الجديدة، ألم تسمعي الأنباء؟ -لا، أية أنباء؟ ردت فاطمة بانزعاج وخوف. -بتلر يريد تفتيش قصور الرئاسة. -ماذا؟ -قصور الرئاسة نفسها يريدون دخولها والعبث فيها. الآن أذاعوا الخبر. -يا ساتر!! يا لطيف!! صاحت داقة كفاً على كف فقد أحست للتو بتشنج في الوجه وخفقان في القلب. -أجل، يا ساتر تستر. هذه المرة لن تسلم الجرة يا فاطمة. -أدري، المرة يفقؤون الحصرم في العين. -ولسوف يمنعهم القائد. لن يسمح لهم بفقء الحصرم في عينيه. لن يوافق على تمريغ العراق بالوحل، وهنا الطامة. -معقول؟ وتعود الحرب من جديد؟ -لم لا وكل ما يريدونه أن يدمروا العراق؟ المرة تلو المرة يحاولون تدميره حتى لا تقوم له قائمة. -يا إلهي!! لكن هذا حرام، حرام. صرخت فاطمة وكل ما فيها يتوجع. العراق من حقه أن يقف على رجليه.. أن يضمد جراحه. من حقنا نحن أن نعيش، أن تكون لنا دولتنا الواحدة.. كرامتنا.. سيادتنا. وبدت صرخة فاطمة، كأنها تنتقل عبر الأثير. الإذاعات، الفضائيات، الصحف، المجلات بدت كلها تردد تلك الصرخة. الأنكلو أمريكان يصرخون بالعراق أن يفتح لبتلر قصور الرئاسة نفسها. ثمانية قصور يريدون تفتيشها: في بغداد.. الموصل.. تكريت، كركوك، وفي كل مكان يوجد حتى كوخ صغير يؤمه الرئيس، فكيف لا يرفض الرئيس؟ -هذه إهانة، ليس لي فحسب، بل للعراق كله.. مس بالكرامة.. إذلال، كان رد صدام، وللتو انفتحت أبواق الأنكلو أمريكان: -ما زال الرجل يخبط.. يقاوم. يجب أن يرفع يديه ورجليه استسلاماً. يجب أن ينصاع وحسب، يذعن فحسب. لكن العالم هذه المرة بدا منقسماً: -لا، هكذا زادوها كثيراً. -بل يجب أن يفعلوا ذلك فيكسروا أنفه ولا يرتفع له رأس بعد اليوم. -لكن ماذا في قصر رئيس الجمهورية؟ أيعقل أن يكون قصراً لصنع غازات الأعصاب؟ لإنتاج قنابل كيماوية أو جرثومية؟ -يعقل. كل شيء مع صدام يعقل. -لا. لا. ليس من حقهم تفتيش بيت الرئيس. -بل من حقهم أن يفتشوا حتى إسته. واحتدم الجدال في العالم: هذا مع، ذاك ضد. ولأول مرة لم يسطع غوبلز الأنكلو أمريكان أن يقنع العالم كله بأنه هو الذي على حق والآخر على باطل. لم يستطع أن يقنع دول العالم كلها بأن صدام العراق هو إبليس الرجيم الذي يهدد بالخطر العالم، يتركه على كف عفريت، في أية لحظة يتحرك ذلك الكف يتدحرج العالم كله إلى الهاوية. كلنتون نشط. أفاعيه تسعى. هنا.. هناك، تسعى أولبرايت، كوهين، الدبلوماسيون، الجنرالات، كلهم يحرضون ويقنعون، يهددون ويتوعدون. الأمير المفدى مسرور، يتواثب فرحاً وهو يعد نفسه لمائدة انتقام يشفي بها غله. يسأله كلنتون عن استعداده للدفع فيهتف: -ماذا تقول يا سيدي الامبراطور؟ أموال النفط كلها تحت تصرفك. أرصدتنا في أمريكا.. في أوروبا، كلها في خدمتك، فقط شدد الحصار على صدام، وإن لم يذعن، اضربه هذه المرة الضربة القاضية. -تكرم عيناك، قالها كلنتون بلهجة بدوية كان قد تعلمها في قفار الدهناء والنفوذ. وأسرع يتصل بتوني بلير، ثم بانكليزية أمريكانية طورها كاوبوي تكساس وأوهايو، همس في أذنه: -أنا سأحرك الأساطيل الأمريكية كلها إلى الخليج. حرك مدمرتين. أرسل حاملتين، وابعث أكبر قدر تستطيع من الطائرات والصواريخ. وانصاع بلير، الغلام الذي يتعلم الصنعة على يدي معلم متمرس يتقن جيداً فن العسف والظلم. الطائرات تحركت إلى قواعد الخليج، المدمرات مخرت عباب الخليج، قوات برية ذهبت إلى الشواطئ، إلى الشمال، وبدا العالم كله قاب قوسين أو أدنى من الحرب. -لكن هذا ظلم!! -هذه جريمة!! -يريدون تدمير العراق لا صدام. -يريدون إبادة الشعب لا الحاكم. راحت الأصوات تتعالى من كل مكان في وطن العرب، كل العرب، حيث بدا وكأنما انكشفت عن أعينهم الغشاوة، فانجلت الحقيقة واضحة كعين الشمس ومن كل العرب بدأت نفثات الغضب، صيحات الاستنكار تملأ الشوارع، الأزقة، الحارات، البيوت. -لن نقبل بتدمير العراق. لن نسكت على إبادة أخوتنا في العراق. وبدا الدم وكأنه لا يصير ماء فعلاً. انطلقت المظاهرات والاضطرابات، السباب والشتائم، الضغوط على الحكام وأشباه الحكام. من عمان.. صنعاء.. الخرطوم.. غزة.. طرابلس.. تونس.. خرجت الحشود مرغية مزبدة، واعدة مهددة، بل حتى في دمشق، بيروت، القاهرة، الرباط، الجزائر، بدا الجيشان يتشكل، والبركان يطلق الدخان منذراً بحمم حارقة. روسيا أحست بالحرارة الجديدة في الأجواء، فتململت متحركة محتجة. "لا، في هذا ظلم، إجحاف للعراق". الصين، الهند، فرنسا، أفريقيا، آسيا.. كلها لحقت بها، وقد وجدت منفذاً تنفذ منه للتعبير عما في نفسها من مشاعر وأحاسيس. وحده الأمير المفدى بدا مصدوماً. خيبة أمل كبيرة أحس بها وهو يرى انكماش العالم عن سيده وسيد العالم، إجفالته عما يريد أن يفعل هو وسيد العالم. -اللعنة!! لماذا لا يقفون معنا كما وقفوا من قبل؟ -أنت مقصر سيدي الأمير. رد وزير حرب العالم بنبرة من توبيخ، قلت لك: دع يدك في حلوقهم. أطعم أفواههم تستحي عيونهم فأبيت. -والآن ماذا أفعل؟ يجب أن يقفوا معنا، يجب أن نظل صفاً واحداً كما كنا في حرب الثلاثين. وأسرع الأمير المفدى يتصل.. يدفع.. ينثر الوعود يميناً، شمالاً "فقط ظلوا معنا. ادعمونا. ابعثوا قواتكم، ونحن ندفع.. بترول.. مال.. ما تريدون نحن ندفع لكن لا تخذلوني، لا تخذلوا امبراطور العالم." بعضهم حنى رأسه، مذعناً لأوامر الامبراطور، لكن معظمهم لم يستطع. -ثمة متغيرات لا بد من أخذها بعين الاعتبار، قال بعضهم. -الشارع هذه المرة لن يسكت، قال البعض الآخر، الظلم الواقع على العراق واضح الآن، يريدون ضربه. حقاً، باطلاً، يريدون ضربه، وهذا حرام، حرام. تابع بعضهم ذاك. -قد بلغ السيل الزبى، قال البعض الثالث، والشعب لن يرحمنا. سيطيح بنا إن وقفنا مع الطغيان. سيسقطنا إن ساندنا البغي. ووجد الأمريكان أنفسهم، لا سند لهم ولا دعم، وحيدين في الساح. لكن الكاوبوي عنيد. هو من سلالة البغل. يصعب عليه أن يسلم بالهزيمة. فانطلقت كلابه السلوقية في كل مكان تبحث عن فرائس.. هم يريدون حلفاء كحلفاء الحرب الأولى: ثلاثون.. عشرون.. عشر دول تكفي. يزجونها معهم ولو اسماً، يصنعون منها غطاء يصبغونه بالأزرق، لون الأمم المتحدة، ثم يفعلون بالعراق ما يريدون: تدميراً، تخريباً، فتكاً، قتلاً. "هذه المرة سنمسح العراق عن وجه الأرض"، راحوا يهددون ويتوعدون، كندا انضمت إلى التحالف الأنكلو أمريكاني. أوستراليا.. جزر الفوكلاند.. النيوزيلاند.. أليسوا كلهم أنكلو سكسون؟ هذه القبيلة التي انداحت في الأرض ذات يوم تعيث فيها فساداً وتملؤها جوراً من قطب الشمال حتى قطب الجنوب. العالم كله يعرف أن لهذه القبيلة مبدأ واحداً لا تحيد عنه: نحن السادة، نأمر. الآخرون عبيد، وعليهم الطاعة، أفراد القبيلة كلهم يقفون مع الكاوبوي، كلهم يهددون العراق ويتوعدون: انصع لأوامرنا. نفذ ما نريد. افتح قصور رئاستك.. بيوت رئيسك.. قادة حزبك.. جنرالات جيشك، نفعل فيك وفيهم ما نريد.". لكن العراق لم ينصع ولم يفتح قصور رئاسته. "المنية ولا الدنية" راح يصيح صيحة هاني بن مسعود الشيباني وقد أطلقها عشية ذي قار "الطعن في الصدور خير منه في الأعجاز والظهور". وفرح امبراطور العالم "الذريعة في يدنا. صدام يرفض قرارات الأمم المتحدة." وجاء الإيعاز لبتلر: انسحب بلجان تفتيشك فنقطع الطريق على العراق: لا تراجع، لا تردد، بل ضربة ساحقة.. ماحقة. وبدا العالم كله مذهولاً كأنما يقف على رأسه الطير. -محسن، دعنا نرحل عن بغداد، قالت فاطمة وهما يجلسان إلى المذياع يسمعان آخر الأنباء. -نرحل من بغداد؟ كرر محسن الذي كان كلامه ما يزال ثقيلاً، مشيه ما يزال متعذراً. -أجل، الإنذار ينتهي الليلة والحرب قائمة لا محالة. -وأين نذهب؟ -إلى العمارة. هناك رقية ورئبال. الموضع أفضل والخطر أقل. -لا، لا للرحيل، لا للبداوة. -بداوة؟ ماذا تقصد محسن؟ سألت فاطمة وقد تعذر عليها فهم مرماه. -نحن دائماً نتصرف وكأننا ما نزال بدواً رحلاً في بيداء. نشعر بالخطر فنهد خيامنا ونرحل. فاطمة، نحن حضر. لنا مدننا.. بيوتنا.. انتماءاتنا، فكيف نتخلص من ذلك كله ونرحل؟ -لكن، الأولاد. زغب الطيور هؤلاء. -الأولاد زغب الطيور، قاطعها محسن هازاً رأسه، يجب أن نعلمهم التشبث بالأرض.. التمسك بالبيوت.. بالجذور، فلا يظل العالم بالنسبة إليهم مجرد خيمة. -لكنهم سيدمرون بغداد كلها، هيروشيما أخرى سيحيلونها. -لا تخافي. بغداد ستبقى. هم من قبل حاولوا تدميرها. أربعين يوماً ظلوا يقصفونها، لكن ها هي ذي بغداد ما تزال حية باقية، لا هيروشيما صارت ولا ناغازاكي. صمتت فاطمة. الخيار صعب. هي تعلم ذلك. "لكن محسن على حق. يجب الصمود يجب التضحية. المهم ألا نتخلى عن بغداد". وكان رئبال في العمارة يقول لرقية: -يجب أن أذهب إلى بغداد، رقية. -تذهب إلى بغداد؟ لماذا؟. -ربما يكونون بحاجة إلي، ربما أفيدهم إن وقعت الواقعة. -لا، حبيبي، لا. ستفيدنا نحن هنا: أولادك.. عائلتك.. كلنا سنكون بحاجة إليك. العمارة نفسها ستكون بحاجة إليك تصد غزاتها، تدافع عن أراضيها. وصمت رئبال أيضاً. هو يعلم أن العمارة معرضة كبغداد للقصف والضرب وربما لإنزال جوي كذاك الذي أسر فيه عبد الجبار. المعارضة في كل مكان خارج العراق، تشحذ نصالها وتسن أسنانها حتى إذا قصم الأنكلو أمريكان ظهر العراق جاءته هي متسللة متغلغلة للإجهاز عليه. ورأى رئبال أن رقية على حق. يجب التشبث بالموقع، يجب الدفاع عن النفس. وحده باقر كان في قلق شديد. الحيرة تأخذه والحيرة تجلبه. "يا إلهي!! ماذا أفعل؟ العراق مهدد بالمحق هذه المرة. الأنكلو أمريكان سيجربون فيه كل ما لديهم من أسلحة شيطانية لم يجربوها بعد. سيستخدمون أشعة الليزر، المواد المشعة، القنابل الجرثومية، فماذا تفعل باقر"؟. لم يجد جواباً. كان البيت قد ضاق فيه، الأزقة، الشوارع، كلها ضاقت به. يريد جواباً لأسئلته، لكن أحداً لا يجيبه. العراق مشرع الأبواب، عاري الصدر، بلا جدران تحميه، بلا سقف. وحده يواجه التنين وعينا التنين تقدحان شرراً، فما الذي ينتظر العراق؟. في مقهى الهافانا وجد باقر بعض الجواب. هناك كان شتى الناس، جو المقهى مشحون. دخان السجائر يلتف فوق الرؤوس. لغط الألسن وهي تناقش، ملء الآذان. لحظات تسمرت قدما باقر عند الباب. هو يبحث عن أحد، لكن أي أحد؟ هو لا يعلم. حسبه صديق يخفف من قلقه، رفيق قديم ينسيه حيرته. لقد ذهب الأصدقاء كلهم. بعضهم صار في اسكندنافيا، بعضهم الآخر في كندا، الثالث في أمريكا. الشتات يتشتت، يوماً بعد يوم يزداد شتاتاً ويشعر باقر وكأنه غصن عار في ليلة مثلجة من ليالي كانون. -باقر!! جاءه صوت من طاولة في الزاوية، لم يكن قد رآها باقر. وللتو أحس بأنفاسه تتوقف في صدره: -أبا الليل!! ثم أسرع الصديقان، كل منهما إلى الآخر يأخذه بالأحضان. -أنت في دمشق؟ ماذا تفعل؟ وشرح له أبو الليل ماذا يفعل: تحركات، لقاءات، اتصالات، أخيراً همس في أذنه: -نحن نعد لانتفاضة. -حقاً!؟ انتفاضة حجارة من جديد!؟ قاطعه باقر فرحاً. -أجل، حجارة في البدء ثم سكاكين، رصاص وقنابل. -إذن، يئستم من المفاوضات؟ -نحن يائسون من قبل. نعرف حق المعرفة أن نتنياهو لن يعطينا الاستقلال، لن يعترف بكياننا. الانتفاضة ستجبره على ذلك كما أجبرت رابين على توقيع أوسلو من قبل. -وإن لم يعترف؟ -سيسقط. -إيه!! كم يسعدني أن يسقط!! بعدئذ عرج الصديقان على الذكريات والتحسر على أيام الذكريات. -إيه!! ما أجمل أيام الكفاح؟ قال باقر وهو يتنهد، قلعة الشقيف!؟ النضال!؟ أتذكر؟ -أنا الذي يذكر. نمر رحمة الله عليك يا نمر! يسار.. وتوقف، فتابع باقر: -مسكين يسار. صار مدمناً وانتهى. حتى صفية تخلت عنه. وتوقف باقر بدوره وقد دخل بلقاسم هباش، صديقه الجزائري الهارب خوفاً من سكين تحز عنقه حزها لعنق الحمل، أو قنبلة تنفجر فيه على حين غرة كما تنفجر كل يوم في أناس أبرياء مثله في ذلك البلد المسكين. -سلام عليكم!! -سلام عليكم!! وعرّف باقر أبا الليل ببلقاسم ثم لم يجلسوا حتى جاء عادل، ابن بنغازي الهارب من بنغازي "مستشفى المجانين الذي لا يمكن لعاقل أن يعيش فيه"، كما كان يردد دائماً. بعدئذ جاء عثمان ميرخان، ابن السودان، وبدا لباقر أن الهافانا تعود مقهى الشتات؛ من كل قطر أغنية ومن كل واد زهرة. "آه!! يا أنت يا خارطة الفتات!! يا أمة الشتات!!" وفي الحال بدا العراق همّ الجميع وشغلهم الشاغل. -سيدمرون العراق، بدأ أبو الليل. هذه المرة سيدمرونه، والأمة العربية لا حياة لمن تنادي. -مسكينة هذه الأمة!! عقب بلقاسم، مبتلاة باستعمارين: استعمار الأنكلو أمريكان واستعمار الضعف والتجزئة. ما يعجز عنه الاستعمار الأول ينفذه الثاني. -الله!! كم كنت أبحث عن هذه الفكرة!! هتف عادل. أجل، هي بين استعمارين: استعمار خارجي واستعمار داخلي، أي بين المطرقة والسندان. -حقاً!! شيء لا يصدقه عقل، عاد أبو الليل للحديث وهو يزفر متحسراً. دويلات ضعيفة، ثروات منهوبة، والكل راضون، دمى في مسرح عرائس. حلمهم أن يرسخوا هذا الأمر الواقع الذي نعيشه، فلا تقوم لهذه الأمة قائمة. -قائمة؟ تابع عثمان ميرخان الذي فر من الخرطوم ذات ليلة مظلمة ولم يعد. كيف، ودورهم واضح محدد: جوعوا شعوبكم.. أفقروها.. مرغوها بالوحل فلا يرتفع صوت ولا يفكر أحد بوطن أو أمة؟. -والأدهى هو ما يحل الآن بالعراق. بدأ باقر والقلق ملء عينيه. أنا خائف على العراق هذه المرة، بل أكاد أموت خوفاً. -بل كلنا نموت خوفاً، قاطعه بلقاسم، والعراق أعزل.. مريض.. جائع، لا يكاد يستطيع الوقوف على رجليه. -لكن، هذه المرة لن يكن وحيداً، صاح أبو الليل بحماسة أطفال الانتفاضة. هذه المرة العرب كلهم معه. من مشرق الوطن حتى مغربه معه. -أتظن ذلك؟ سأل باقر وقد داخله بعض من أمل. -بالتأكيد، أسرع عادل للجواب. هذه المرة عرفوا الحقيقة. الكل باتوا يعرفون أن أمريكا تضللهم. بحجة الفرد تقتل شعباً، بذريعة الحاكم تدمر وطناً. لا، لا، اليوم كلهم يعلمون أن العراق ليس صداماً، الوطن ليس حاكماً بل هو أكبر من ذلك بكثير.. وأحس باقر بدفقة من أفكار تجتاح رأسه "صحيح، الوطن أكبر من مجرد فرد. هذا يزول وذاك يبقى. الوطن هو الانتماء، هو الأرض، هو الذي ينبغي أن يكون فوق الخلافات.. فوق الجميع. كرامتنا من كرامته، حريتنا من حريته، بل حياتنا من حياته." وساد صمت فجأة قطع على باقر شروده. نظر حوله فإذا بكل من في المقهى يشرئبون بأعناقهم إلى التلفاز. -الصواريخ تنهال على بغداد. علا صوت المذيع فجأة، قصف العراق بدأ. ورأى باقر بعينين تكادان تخرجان من محجريهما صور التلفاز تأتي مباشرة من بغداد. قنبلة تنفجر فيندفع الدوي هادراً مزمجراً، تنطلق أسنة اللهب وتتصاعد فطور الغبار والدخان ويصرخ باقر "يا إلهي!! هو ذا الجسر المعلق" "قذيفة أخرى تنفجر فيصيح "هي ذي الأعظمية"، ثم ينفجر صاروخ فيهتف "هي ذي الكاظمية" فيما أصوات سيارات الإسعاف تطغى على الشاشة، والكل مشرئبو الأعناق جاحظو العيون يتابعون اسراب الطيران في السماء، المدافع المضادة على الأرض وهي تطلق نيرانها، لكن عبثاً. الطائرات أعلى بكثير من أن تصلها قذائف المضادات. التوماهوك.. الكروز.. أسرع بكثير من أن تلحق بها قنابل المدافع، وتدوي الانفجارات لتغدو بغداد كلها دوياً وهديراً، غباراً ودخاناً، ويصبح ليلها كله ألسنة نيران ولهيب حرائق. لم يغمض لباقر جفن طوال ذلك الليل، مقهى الهافانا كان قد أغلق أبوابه حزناً على العراق، وكان الشتات العربي قد تشتت من جديد، كل إلى منزله. وكان باقر متلهفاً للوصول إلى التلفاز، يتابع صوره الحية، يرقب طوارئه، يلاحق أخباره "الأمريكيون لا يردون على أحد. كلينتون غاضب يوجه الضربة القامة لصدام". "لا وساطات ولا مفاوضات مع صدام. إذعان كامل أو دمار شامل." ويرتجف باقر قصبة في مهب الريح. الدمار الشامل في عينيه. لحظة بعد لحظة وساعة بعد ساعة يلاحقه. الصور الحية أمام عينيه. يرى قصر الرئاسة يدمر، الوزارات.. الإدارات.. الجسور.. الطرق.. المرافق.. المنشآت. كلها تحترق أمام عينيه. يرى رؤوس النخيل تقطع، الأطفال يقتلون، النساء.. الرجال وهم يتحولون إلى أشلاء تتطاير، فحم يشتعل، فكيف تغمض له عين؟ هو ينفث الدخان، يضرب بقبضة يده الطاولة، يكز على أسنانه، يصرخ غضباً بالغزاة المعتدين وطائراتهم تنتهك سماء العراق، صواريخهم تفجر أرض العراق. يكاد كل ما فيه يتمزق وهو يرى جثث القتلى، أكوام الجرحى والدماء تنزف. يكاد كل ما فيه يصرخ ألماً وهو يرى جروح العراق تنفتح ودماءه تنزف غزيرة تسيل على الطرق، في الشوارع، تكتسح الأرصفة إلى أن تصب في دجلة ماء أحمر قانياً كلهب الحرائق المشتعلة في كل مكان من العراق. -أنجدوا العراق!! انصروا العراق!! دافعوا عن العراق!! كان صوت بغداد لا يفتأ يردد، وعلى إيقاع تردده، كان باقر يرى الناس أفواجاً أفواجاً في بغداد يحملون السلاح ويندفعون هنا.. هناك، كانوا يندفعون متطوعين.. حزبيين، مقاومة شعبية.. الكل يحمل سلاحه ويمضي ونصب عينه أن يذود عن حمى العراق. لم يكن باستطاعتهم أن يواجهوا الصواريخ فيمضوا إلى الخنادق، ولم يكن باستطاعتهم أن يقابلوا الطائرات فيمضوا إلى غابات النخيل يستترون بالسواتر ويختفون خلف الجذوع بانتظار دبابات قد تهجم وغزاة قد يتقدمون على الأرض. -أنجدوا العراق!! انصروا العراق!! دافعوا عن العراق!! ردت أصوات عربية شتى من عواصم عربية شتى على صوت بغداد، ووجد باقر نفسه يشتد ألماً ويزداد حرقة، هو الحبيس بين أربعة جدران. مع أشعة الشمس الأولى انطلق، وفي أول حافلة غادر حارته البعيدة عن قلب دمشق إلى قلب دمشق، فبدت دمشق وكأنها تقذف كل ما في جوفها. البيوت.. المكاتب.. الأزقة.. الأحياء البعيدة القريبة، كلها تلفظ من فيها لتمتلئ الصالحية.. الحمراء.. المرجة، أبو رمانة بالزحوف. باقر يلقي بنفسه في لجة البحر، والبحر جماهير غاضبة تلعن أمريكا، تصب جام غضبها على بريطانيا، تريد الانتقام لشعب العراق وأرض العراق. -هيا!! شباب!! إلى السفارة الأمريكية إلى المجرمين، المعتدين، كانت جماعة تصيح. -هيا، رجال، إلى السفارة البريطانية.. الأفاكين!! السفاحين!! راحة جماعة أخرى تردد. -إي، شباب!! للعراق!! هـ.. ي.. يالله!! للعراق!! شرعت جماعة ثالثة تردد بلحن موقّع فيردد خلفها الآخرون، "حقاً لماذا لا أذهب إلى العراق؟ وطني هناك يقصف.. يدمر. هو يستغيث، يستنجد، أأظل أتفرج عليه، أم أمضي للدفاع عنه؟" وفجأة وجد نفسه ينسى صدام حسين، دكتاتوريته، قسمه على إسقاط نظامه، ينسى كرهه، خوفه، حقده وينخرط في القلب من تلك الجماعة. الجماعة تتخلص من الزحام، تبتعد عن الحشود. الحشود تصل إلى السفارتين الأنكلو أمريكانيتين، تقذفهما بالحجارة، تكسر بلورهما، تمزق أعلامهما، تحطم أبوابهما، وجماعة باقر تطير إلى أقرب واسطة نقل إلى العراق. هو في القلب منها. الفرح يكاد يصنع له جناحين. الزخم يملأ شرايينه قوة، بوده لو لديه بساط ريح يحمله إلى العراق فيصله قبل أن يرتد إليه طرفه. دمه نار، صدره نشوة وكله لسان يصيح: ها أنذا عائد إليك يا عراق!! أموت معك، أحيا معك، لكن ليس بغيرك يا عراق!! |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |