جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

فلسفة القوة وقوة العبث ـــ أ.د.حسين جمعة

عرف الإنسان منذ القديم قانون القوة الطبيعي؛ فأي مخلوق يملك من القدرات المادية والمعنوية والنفسية فضلاً عن كثرة الأتباع يغدو صاحب القرار والسلطان في الوسط الذي يعيش فيه؛ يتصرف فيه كما يحلو لـه ويرغب وفقاً لنوازعه ومتطلباته الذاتية؛ إنه قانون مستمد من قانون الغاب قانون التوحد في السلطان، قانون التوحش.‏

ويبدو لي أن ما ذهب إليه ابن خلدون (732 ـ 808هـ/ 1332 ـ 1406م) في أعمار الدول ينطبق على فلسفة القوة؛ قوة العبث المتمثلة في التوحد والتوحش والانفراد بالسلطان، ومن ثم الطغيان للآخر، ولو كان من داخل الانتماء نفسه. فكل جماعة عنده في بداية تكوّنها يغلب عليها قانون القوة الطبيعي؛ إذ تتصف بالعصبية لذاتها؛ والاندفاع العشوائي الذي يحطّم كل شيء لغلبة الخشونة وعنصر نزوع التفوق على أبنائها؛ فضلاً عن طاعتهم العمياء لصاحب قوة القرار والسلطان فيهم.‏

وفي ضوء هذه الخصائص فإن فلسفة القوة لا تمثل إلا فلسفة قوة العبث والجهالة بطبيعة الحضارة والتمدن الإنساني أياً كان صانعهما. وليس هناك شك في أن فلسفة القوة تستند إلى قوتين قوةِ الإرادة والبدن وكثرة العدد أو الأتباع، والتسلح بالأدوات وقوةِ العقل.‏

ومن ثم فإن القوتين السابقتين تتوزعان في اتجاهين، اتجاه الحكمة الخيّرة المتأصلة في النفس البشرية؛ واتجاه قوة النفس الشريرة؛ فإذا تملكت قوة البدن والعناصر المادية من النفس وانتصرت على حكمة العقل فإن قانون القوة الطبيعي يصبح الشكل الأبرز في حياة الأفراد والأنظمة والحكومات؛ ولا سيما حين يحقق جملة من المنافع والمصالح الذاتية والحاجات التي تلبي نوازع صاحب القوة الشهوية.‏

وبالعودة إلى الذات العربية من خلال أحداث النصف الثاني من القرن العشرين ندرك أن عدداً من الحركات السياسية في دول العالم الثالث؛ وعدداً من الأنظمة قد وقعت في إسار مفهوم فلسفة القوة بما فيها فلسفة قوة العبث؛ وبصورة خاصة تلك التي قامت على تقليد الحياة الغربية ونظرياتها الفلسفية؛ ودخلت كل حجر دخله الغرب، فانتهت بعض أفكارها إلى التقليد. ولهذا سخرت هويتها الوطنية والقومية لمنافعها الخاصة؛ وألحقت بها كثيراً من الرؤى الضبابية؛ وإن حققت شيئاً من التقدم بالقياس إلى المرحلة التاريخية الأقدم. فالأنظمة العربية ـ مثلاً ـ حققت بعض النجاح على الصعيد السياسي الداخلي حين تمسكت بالاستقلال الوطني؛ ولو كان في إطار اتفاقية سايكس ـ بيكو الموقعة في (15/5/1916م؛ بَيْد أنها أثقلت الجماهير الشعبية بكثير من الأوزار؛ وفي طليعتها فكرة القبول بالأمر الواقع، فليس بالإمكان أبدع مما كان؛ ثم خلقت في نفوسها قابلية الرضا بالحكومات على الرغم من انتشار الفقر والتخلف والجهل، ولكل إنسان من دهره ما تعوّدا.‏

فالأنظمة العربية التي ملكت القوة المادية طفقت تلعب على فلسفة العقل الهادئة؛ من خلال الدفاع الحثيث عن التمسك بالوجود والهوية العربية التي تتسم بخصائص تاريخية وثقافية واجتماعية وجغرافية خاصة بها؛ ولكنها في الوقت نفسه كانت تؤسس لفلسفة العقلنة في التعامل مع الأحداث؛ ما جعلها تتقلب على أحوال الزمان؛ وتتشظى على رياح فلسفة قوة العبث؛ فلسفة قانون القوة الطبيعي؛ إذ لم تستطع مواجهة مَن هو أقوى منها.‏

ومن هنا فليس هناك عربي واحد لم يدرك ما آلت إليه حال الأمة في حياتها وسياستها وثقافتها، فقد تكسّرت نصالها وسهامها أمام المتغيرات الدولية المستجدة التي تحركها فلسفة قوة العبث والهيمنة التي ظهرت بأشكال شتى، وعلى مراحل عدة؛ وكلها تركزت بيد الغرب الاستعماري ثم الهيمنة الأمريكية الصاعدة.‏

فقانون فلسفة القوة الغربية رسم لنفسه سياسة دقيقة وواضحة في السيطرة على العالم؛ مستفيداً من القوة المتوحشة في الأدوات والتقنيات التي تمتلكها إرادة الشر والمنافع؛ والتي شرعت تشخّر العقل والمعرفة لتزييف المبادئ الخيّرة وفي طليعتها الحرية والديمقراطية والإصلاح والإعمار...‏

فقانون القوة لدى الإدارة الأمريكية ـ مثلاً ـ يتخذ من مبادئ الإرادة الثابتة، والعزيمة وقوة المعرفة والتقنية وسيلة إلى بسط سلطانها على الوطن العربي، وما تستند الإدارة الأمريكية إلى هذا القانون إلا لأنه يحقق لها منافع ومصالح كثيرة، وأولها السيطرة على العالم ومقدراته باعتبار الوطن العربي قلبه.‏

ومن ثم فإذا كان ذلك من حق أي قوة متوحشة تسعى إلى تدمير الآخر وثقافته وتراثه وفقاً لنظرية ابن خلدون في أعمار الدول فما الذي ينبغي علينا عمله نحن العرب؟‏

وللإجابة على هذا نتذكر ما قاله المتنبي:‏

وإني إذا باشرت أمراً أريده * * * تدانت أقاصيه وهان أَشُدُّه‏

أو قوله:‏

على قَدْر أهل العزم تأتي العزائم * * * وتأتي على قَدْر الكرام المكارم‏

وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم‏

فالإنسان العربي الذي يُعدُّ مدنياً بطبعه، واجتماعياً بفطرته؛ ومتطلعاً إلى المثاقفة مع الآخر المغاير وفق خَصائصه الثقافية والتراثية ينبغي عليه أَلاّ يغفل عن فلسفة قوة العبث، وفلسفة قوة التوحش الغربية عامة والأمريكية خاصة.‏

فإذا كان قد سعى إلى المثاقفة مع الغرب لغة وعلماً وأدباً وفناً؛ وطفق يفيد من مدنيته الحديثة في الحياة والتقنيات ليقيم عملية إحياء كبرى فعلية ألا يذوب فيه؛ أو يلحق به تغرباً وتقليداً أعمى، وعليه في آنٍ معاً ألا يقع في مطبّ العصبية ونفي الآخر؛ وأن يتّبع سياسة فلسفة المصانعة الواعية والحرة مفيداً من تراثه وتجارب الأمم المختلفة في الانفتاح الإيجابي؛ مستثمراً قوته العقلية والمادية، وقدراته الطبيعية والثقافية والاجتماعية للوصول إلى غاياته وهذا يعيدنا إلى المتنبي قي قولـه:‏

الرأي قبل شجاعة الشجعان * * * هو أَوّل وهي المحل الثاني‏

فمن يملك القوة الروحية والمعرفية والتقنية والمادية، ويتبنى المنهج العلمي الدقيق لاستغلال طاقاته وقدراته، ويأخذ بما يطيقه وفق مبادئ الإرادة والعزيمة الثابتة والمكاشفة الشفّافة بين الحاكم والمحكوم يمكنه أن يطور أدواته ومعارفه لمواجهة المخططات المدمرة لفلسفة قوة الهيمنة الجديدة الممثلة بالعولمة أو ما يعرف بالنظام العالمي الجديد؛ ومن ثم إسقاط ما يرمي إليه مشروع الشرق الأوسط الكبير. ويقف المثقفون والأدباء في طليعة أبناء الأمة لامتلاك فلسفة قوة الإرادة والعقل المستندة إلى قيم الحكمة والخير التي تمتاز بكل بُعْد إنساني، إنه البعد الذي يقضي على مفهوم فلسفة قوة الهيمنة والعبث والتوحش، ولا سيما أن أمتهم العربية تتصف بخصائص حيوية قَلَّ لأمة أن تمتلكها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244