|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قصديّة الوعي والحريّة ـــ د.يوسف سَلامة نشير بالوعي القصدي أو بقصدية الوعي إلى الطابع المميز فعلاً للوعي, أو إلى الخاصية المميزة لكل وعي إنساني على وجه الحصر. وهنا تشير القصدية إلى المضمون الفعلي للوعي من ناحية, وإلى حركية هذا المضمون أو فاعليته من ناحية أخرى. وعلى ذلك فليس ثمة فارق أو مسافة تفصل بين مضمون الوعي ووجوده, فالمضمون لا يمكن أن نشعر به أو أن نكون على وعي به إلاّ إذا تجلى أو أفصح عن نفسه بصورة أو بأخرى خارج المضمون ذاته فيتحول المضمون بذلك إلى وجود عيني يكشف عن نفسه من خلال التجليات المختلفة لهذا المضمون خارج ذاته. ولو شئنا أن نزيد مسألة العلاقة بين المضمون والوجود إيضاحاً, لقلنا: إن الوعي يظل موجوداً في ذاته, أي غير شاعر بذاته, وغير حائز على وجود عيني حتى بالنسبة لذاته, ما دام هذا الوعي حبيس ذاته, أي غير قادر على فض ذاته ونشرها خارج المضمون الذاتي لوجود الوعي بذاته, وحتى يصبح كذلك أي شاعراً بذاته, وحائزاً على صورة من صور الوجود العيني, بالنسبة لذاته على الأقل, فلابد لهذا الوعي من التحول (من الوجود في الذات) إلى (الوجود من أجل الذات). و(الوجود من أجل الذات) هو جملة الأفعال أو المقاصد التي لا يكون الوعي قادراً على التعبير عن وجوده إلا من خلالها. وبعبارة أخرى ليس ثمة وعي فارغ من كل مضمون أو صورة أو انفعال أو عاطفة أو فكرة أو هوى. إذ لابد للوعي أن يرتبط بموضوعاته ارتباطاً قصدياً. ومن ثم فلابد له أن يستهدف موضوعه استهدافاً قصدياً بحيث يكون الموضوع مرتبطاً, بصورة أو بأخرى, بهذا المقصد أو ذاك من مقاصد الوعي أو الشعور. وعلى ذلك فإن نمط الوجود القصدي للوعي هو نمط وجوده الأساسي, وهذا يعني أنه ليس هناك حب فقط, بل هناك حب لشيء, وليس هناك كره, بل هناك كره لشيء, وليس هناك خيال, بل هناك تخيلاً لشيء, وليس هناك معرفة, وإنما هناك معرفة لشيء أو بشيء, هذا ما نعنيه على الضبط بقولنا: إن الوعي لا يكون فارغاً مطلقاً من كل مضمون, بل على العكس من ذلك, لابد للوعي أن يتخذ مضموناً له من ارتباطه القصدي بموضوع ما, أو بمقصد ما حتى ولو كان هذا الموضوع موضوعاً متخيلاً. فليس التمييز بين موضوعات الوعي, أي تلك العناصر التي تتوجه صوبها مقاصد الوعي أو الشعور من حيث هي متخيلة أو واقعية, هو ما يشكل الاهتمام الأول للوعي بل إن الاهتمام الأولي منصب على استهداف الوعي لموضوع ما استهدافاً قصدياً. وما دام الوعي بطبيعته قصدياً, أي فاعلية لا تنقطع وذلك لأن الوعي لا يوجد بمعزل عن هذا الطابع القصدي أو منفصل عنه, فإن دراسة مختلف المقاصد التي يتوجه الوعي من خلالها إلى موضوعاته تصبح شرطاً ضرورياً لمعرفة حقيقة الوعي وماهيته ـ فالمقاصد المختلفة التي يستهدف الوعي موضوعاته من خلالها تشكل جملة العلاقات أو الأساليب التي تتحدد من خلالها علاقة الوعي بموضوعاته إذ يمكن لهذه العلاقات أو المقاصد أن تكون سلبية أو إيجابية, راضية أو قانعة, متعالية أو متمرده, رافضة أو نافية, فهذه كلها أنماط للوجود يحقق الوعي ذاته من خلالها. فالاستهداف القصدي من قبل الوعي لموضوعاته, بناءً على ذلك هو نمط الوجود والأساسي أو الماهوي الذي يسمح لكل صور الفاعلية القصدية باستهداف موضوعاتها, والارتباط معها على نحو دون آخر. وهذا يعني أن للوعي طابعاً إيجابياً حتى عندما يختار أن يكون نمط ارتباطه بموضوعاته نمطاً سلبياً, ذلك لأن التمازج أو الفاعلية القصدية ليست شيئاً سوى الحرية ذاتها. وما يميز الحرية هو أنها تظل كذلك حتى عندما تريد أن تنكر ذاتها وتؤكد أنها محاطة بالجبرية من كل اتجاه. إن الإنسان يظل حراً حتى ولو شاء أن ينفي هذه الحرية. وما الطابع القصدي للوعي إلا التعبير الأعمق عن الحرية الذي لا يعني سوى شيء واحدٍ هو أن الوعي فاعلية, وفاعلية حرة, حتى ولو أراد الوعي التنكر لكل معاني الحرية وصورها. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |