|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
مرحلة ما بعد شارون: إعادة ترتيب الاصطفافات الحزبية الإسرائيلية ـــ علي بدوان سواء مات بيولوجياً الجنرال اليهودي الروسي الأصل أرئيل صموئيل شيزمان, حامل الاسم الكودي أرئيل شارون, أم بقي في غيبوبته الدماغية, فإنه بالضرورة مات وانتهى سياسياً, وأسدل الستار على دوره في الفعل والتأثير المباشر في الخارطة السياسية الإسرائيلية, بعد حياة حافلة في مسار الدولة العبرية الصهيونية, حيث لم يبق من الحرس الصهيوني القديم الذي ساهم في إنشاء دولة إسرائيل في قمة الهرم السياسي سوى السياسي الصهيوني المخضرم شمعون بيريس. فالجنرال/ الديناصور أرئيل شارون بطل الاغتيالات والتصفيات, الشهير باسم البلدوزر, ومنذ عضويته في مجموعات الهاجناه (تساحال) عام 1948, مروراً بقيادته لعصابة القتلة والزعران في الجيش الإسرائيلي في الخمسينيات من القرن الماضي والمسماة بالكتيبة 101, ودوره في غزو لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا, وصولاً إلى المرحلة الراهنة, فإن الجنرال شارون يحمل على أكتافه تاريخاً مثقلاً بالإرث الدموي والسلوك الفاشي تجاه العرب والفلسطينيين منهم على وجه الخصوص. والتاريخ إياه لازم شخصيته السياسية التي لم تستطع في أحسن لحظاتها أن تتخلص من ماضيها وأن تفتح ذاتها وأعينها على العالم الذي تطور في تأييده وإسناده للكفاح الوطني العادل الذي خاضه وما زال الشعب العربي الفلسطيني, وتوجه بالانعطافات النوعية الكبرى مع الانتفاضة المتواصلة على أرض فلسطين. وأنتقل في أحسن حالاته نحو القبول اللفظي فقط, بالحل المفروض وفق خارطة الطريق الأمريكية دون أن يقدم أي استحقاقات لها علاقة بمسار التسوية وفق خطة خارطة الطريق حتى في اشتراطاتها الإسرائيلية التي كان قد تقدم بها شارون إلى الإدارة الأمريكية عند عرضها عام 2002. أن الجلطة الدماغية التي أصابت شارون, ما تسببت له من نزيفاً في الجملة العصبية, سيجعل من الصعب عليه أن يعود إلى عمله حتى إذا ما تجاوز العلاج الطبي, بعد أن أصيب بجلطتين دماغيتين في مدة زمنية مقدارها أسبوعان ونصف. وعله فإن عصر شارون في قيادة الدولة العبرية الصهيونية قد بلغ أمس نهايته. وانهيار صحة شارون يترك الكيان الإسرائيلي في وضع مهتز, حيث يغادر الحلبة السياسية والحكومة يقودها قائم بأعمال رئيس الحكومة, الوزير ايهود اولمرت, عشية انتخابات اقتربت من موعدها المقرر في آذار/ مارس 2006, وحزب "كديما" وريث القيادات المنشقة عن الليكود يتربع على عرش الوزارة في الدولة العبرية, بلا مؤسسات وبلا نظام, وليس واضحاً كيف سينتخب بديل شارون, وعليه فإن المنافسة على رئاسة الحكومة, ستبدأ الآن من جديد معركة ثلاثية بين بنيامين نتنياهو, وعمير بيرتس والرئيس البديل لحزب "كديما". في أية حال, ومع مغادرة شارون الساحة السياسية الإسرائيلية, ينتظر الدولة العبرية تبدل أجيال في القيادة, بعد خمس سنين من الاستقرار تحت قيادة شارون. وهو استقرار تعود عليه الجمهور اليهودي على أرض فلسطين في السنوات الأخيرة, واراد الحفاظ عليه لولاية أخرى, بحسب جميع استطلاعات الرأي. من الواضح أن ما كان ليس هو ما سيكون. فالحياة السياسية من دون أرييل شارون تصبح مختلفة كلياً, مرتبكة مضطربة ومن دون اتجاه واضح الآن, إلى حين تبلور اصطفافات جديدة مع نتائج الانتخابات الإسرائيلية للكنيست السابعة عشرة القادمة. فالناخبون الإسرائيليون, سيقفون أمام أسئلة صعبة, أمام معضلات لا تحصى, كذلك الأمر بالنسبة للسياسيين, ولعدد لا يحصى من الأسماء التي لمعت وانضمت مؤخراً فقط إلى الجهاز الحزبي لحزب كاديما. في هذا السياق, شكل الزواج السياسي الأخير تحت راية حزب (كاديما/ إلى الأمام) بين ثعلب السياسة الإسرائيلية العجوز الثمانيني شمعون بيريس وديناصور اليمين العقائدي الجنرال أرئيل شارون, المفاجأة السياسية التي قلبت المعادلات رأساً على عقب في الخارطة الحزبية الإسرائيلية, بعد سنوات من الاستقطاب والتحشيد المتقابل حول كل منهما في مواجهة الآخر, في مجتمع يعج بعوامل التغيير, ويتمتع بحساسية عالية إزاء التحولات اليومية في الساحة الشرق أوسطية. الزواج المشار إليه, كان من الصعب ابتلاعه أو تفهمه قبل فترة من الزمن, بين الرجلين المنضويين تاريخياً في زاويتين متقابلتين من مثلث القوى السياسية الكبرى في الخارطة الحزبية الإسرائيلية (الليكود والأحزاب اليمينية العقائدية, حزب العمل وكتلة ميريتس واليسار الصهيوني, أحزاب اليمين التوراتي), وتالياً لم يكن ليأتي زواج الثعلب والديناصور دون مقدمات, بل جاء في سياق الحراكات الداخلية التي شهدها الليكود في ظل نمو التيارات المنافسة لشارون, والتراجع المضطرد في الأوضاع الداخلية لحزب العمل وفقدانه المتدرج لقطاعات مؤثرة من جمهوره وقياداته الأولى التي تحول جزء منها وانتقل نحو مواقع كتلة "ميريتس اليسارية الصهونية" كيوسي بيلين وحايين رامون, فتحول الحزب إلى متسول يلهث وراء اليمين بعد أن كان الحزب التاريخي في قيادة وتأسيس الدولة العبرية الصهيونية, وفي وقت استفحل فيه تعاظم وتأثير أحزاب وقوى اليمين حضوراً وبرنامجاً, فتوسعت على حساب نفوذ وجمهور حزب العمل. ويمكن أن نلحظ مدى التحطم والتهتك التنظيمي والسياسي الداخلي في حزب العمل من خلال التواتر اللاطبيعي في تعاقب مغادرة قيادات هامة منه إلى مواقع خارج إطاراته, والزحف الراهن لعدد من أعضاء الكنيست من العمل نحو حزب كاديما. أن البراغماتية السياسية العالية التي يتمتع بها شمعون بيريس, تحولت إلى انتهازية فاقعة بعد هزيمته أمام منافسه في حزب العمل عمير بيرتس, ودفعت به انتهازيته نحو الانتقال من حزبه الأم/ حزب العمل إلى حزب جديد بقيادة شارون, ولم تمنعه الانتهازية المشار إليها من التغزل بشارون واصفاً إياه بالقول: "اريك هو الرجل الأكثر ملاءمة ليقف على رأس ائتلاف مع جدول أعمال سياسي جديد". بالمقابل فإن شارون احتاج إلى شمعون بيرس كشخصية تاريخية في الدولة العبرية تتمتع بشبكة من العلاقات الدولية المؤثرة, وكمُنظِّر ديماغوجي وبوق لسياسته, وبيرس يُجيد البهلوانية السياسية وتغيير الشعارات من أجل البقاء في الحكم حتى ولو كان برتبة وزير بلا حقيبة. ومما لاشك فيه, فإن مغادرة شارون ميدان الحياة السياسية الإسرائيلية, وانسحاب شمعون بيريس من حزب العمل سيعيد ترتيب الاصطفافات في الخارطة السياسية الإسرائيلية, حيث تدل مؤشرات استطلاعات الرأي التي نشرتها صحيفة يديعوت أحرونوت في اليوم التالي لدخول شارون إلى مشفى هداسا, التي تراجع الأرقام المتوقعة لحصاد حزب كاديما في انتخابات الكنيست السابعة عشرة القادمة من 42 إلى 39 عضو, واستمرار ضعف حزب العمل, إلى درجة قريبة من حافة الخطر, وتدني حظوظ الحزب في إيصال ما يتوخاه من أعضاء إلى الكنيست في الانتخابات القادمة, إلى حدود 18 مقعداً فقط, في الوقت الذي ستنتعش فيه أحزاب الاستيطان والكتل الحزبية التوراتية الصغيرة والمتفرقة هنا وهناك. وبالنتيجة فإن كاديما حزب الشخص سيتراجع بعد رحيل ومغادرة شارون, وسيتراجع معه يمين الوسط, مع اتساع نفوذ أحزاب اليمين, وإعادة أحياء دور الليكود والأحزاب التوراتية الصغيرة. أن حزب التحالف الجديد بين بيريس ومجموعة العمل التي رافقته, وورثة شارون من السياسيين الذين غادروا معه حزب الليكود نحو تأسيس حزب (كاديما / إلى الأمام) يتربعون الآن داخل إطار تنظيمي فضفاض وبلا برنامج فكري مشترك, شكلته الظروف الشخصية وصراعات الكتل والتيارات والمصالح داخل حزبي الليكود والعمل قبل أن تشكله تطورات سياسية هامة وذات مغزى, وأن تلحف كل من بيريس وشارون باللحاف السياسي تحت عناوين "دفع مسيرة السلام" وغطاء البحث عن الحلول الناجعة للقضايا الاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية الداخلية, ومن هذا المنطلق علينا أن لا نحمل الأمور ما لا تحتمله, وأن لا نبالغ في التأثير السلبي لغياب شارون على مسيرة التسوية. فالتسوية يمكن تفتح دروبها مع مغادرة شارون, وهذه الرموز الفاشية التي ما زالت مشدودة إلى تاريخها وارثها الفاشي, والتي تحمل اسم "جيل المحاربين القدماء". وبالتالي فإن غياب شارون يمكن له في إحدى احتمالاته أن يدفع نحو توليد وضع سياسي إسرائيلي داخلي يزيد من اتساع: تيار اليمين التوراتي وحزب الليكود بحدود معينة, واتساع أكبر لتيارات "يمين الوسط" التي تبتغي الوصول إلى حل ما مع الفلسطينيين بدلاً من إبقاء صواريخ القسام والقدس والأقصى... تتساقط فوق رؤوس المستوطنين. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |