جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الديمقراطية الأميركية أداة استعباد.. وأيديولوجية غزو!! ـــ عبد الله الحسن

هل يمكن للديمقراطية وهي معطى إنساني أن توظف وتسّخر في استعباد الشعوب, وتكون أداة في يد القوى الاستعمارية؟. لاشك أنّ الجواب هو نعم. يُصدق ذلك قول الشاعر المارتنيكي إيميه سيزار عام 1955: "لا مجال بين المستعمرِين والمستعمرَين إلا للسخرة والإذلال والضغط والشرطة والضريبة والسرقة والاغتصاب والثقافات الإجبارية والاحتقار وسوء الظن والعجرفة والتبجح والغلظة والنخب المختارة المنزوعة الدماغ والجماهير المسترقة... ولا سبيل لأي اتصال إنساني, وإنما العلاقات علاقات سيطرة وخضوع وتحوّل الإنسان المستعمر إلى بيدق, إلى ملازم, إلى حارس للمحكوم عليه بالأشغال الشاقة, إلى جذر شجرة مقطوعة, وتحيل السكان الأصليين من بشر إلى أدوات إنتاج" خصوصاً أنّ رفع شعار انتصار عصر الديمقراطية الغربية على ما يسمى "الاستبداد الشرقي" نهاية الحرب الباردة إلى الأذهان, حكم الكثير من الباحثين الغربيين من أنّ نهاية معركة "ماراثون" حين هزم الفرس وانتصر اليونان, من أنّ النصر هو فوز "الديمقراطية الغربية" على "الاستبداد الآسيوي" حتى أنّ العالم الإخصائي بالدراسات الإغريقية (فرانسو شامو) في كتابه "الحضارة اليونانية" تحدث عن محاربي "ماراثون" بحماس غنائي, حيث قال: "لقد وقفوا في وجه آسيا التي كانوا يعرفون حق المعرفة مدى قوتها وتراثها وعظمتها وهي كلها تقوم على أساس رضوخ الجماهير البشرية لنزوات حاكم مستبد مطلق, ذادوا بالسلاح عن المثل الحقوقي الأعلى لمدينة من البشر الأحرار, ولم يحاربوا من أجلهم, وحسب, بل حاربوا أيضاً في سبيل تصور عن العالم كان يترتب عليه أنّ يغدو فيما بعد تراثاً مشتركاً في الغرب, ويبدو أن معزوفات بوش الابن عن الدفاع عن الديمقراطية والقيم الغربية والعمل على نشر لوائها, وثيقة الارتباط بهذه الحماسة الغنائية, بالرغم من ذلك فإن هذه الغنائية الغربية العسكرية تلقى بصورة سيئة نقيضها فور تحليلنا هذا "المثل الحقوقي لمدينة من البشر الأحرار", التي يُعلمنا المؤلف أنها كانت مؤلفة من زهاء (40) ألف موطن حر من أصل جملة السكان, وعددهم (300) ألف نسمة, ويشتملون على ثلاث فئات: (110) آلاف من العبيد, (40) ألف أسرة من الأغراب, وكانت النساء محرومات من أي حقٍ من الحقوق. ولعل أفضل تسمية يمكن أن نطلقها عليها, على هذه "الديمقراطية", هي "الأوليغارشية الاستعبادية".. اللهم إذا قبلنا جواز أن نسمي "ديمقراطية" النظام الذي يقبل التكيف مع الرق. ولا تزال لهذه المفردات إلى اليوم فائدة سياسية بديهية, أضف إلى ذلك أنّ الكتاب نفسه يبين لنا كيف نجم عن انتصار "ماراثون" سيطرة "أثينة" سيطرة شاملة, حيث استطاعت تحويل اتحاد المدن الإغريقية السابق إلى امبراطورية أثينة, واستولت في غضون ذلك على خزينة "ديلوس" الاتحادية ونقلتها إلى "أثينة" وعلى هذا النحو نقرأ في الكتاب أن "بريكلس" انتهى إلى إقرار مذهب الإمبريالية الذي كان معاصروه يرضون به إلى حد كبير يقول الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي: "هذا الكتاب ليس بدعاً في بابه. ذلك أنّ الأمر كان على العكس, يرجع إلى أن تاريخ الغرب بأسرة, إنما يعلم على هذا المنوال, حتى أن باحثينا (الغربيين) قد ألفوا منذ نعومة أظفارهم اعتبار أن الديمقراطية نظام يتسع كل الاتساع لقبول استغلال الرقيق واستغلال المستعمرات, أي الاستغلال الإمبريالي, كما كانوا يقولون بصدد الإغريق". لذا نرى أن الدستور الأميركي في سنة 1776 بمقدمته الشهيرة على "أن الناس جميعاً خلقوا أحراراً", يتكيف بصورة مريحة جداً مع الرق الذي كان مصدر الازدهار إلى ما يقارب من قرن آخر.‏

وعندما أعلنت الثورة الفرنسية حقوق الإنسان والمواطن, وأكدت في مقدمة وثيقة هذا الإعلان على أن "الناس جميعاً يولدون أحراراً ومتساوون في الحقوق" احترست من تطبيق مبادىء الحرية والمساواة والإخاء على العبيد السود في الأنتيل.‏

ولم يلغ الرق لأسباب إنسانية أخلاقية, وإنما لأسباب اقتصادية, وعندئذ جرى الانتقال من نخاسة العبيد إلى الحركة الاستعمارية, وبتقديري أن الحكم على عصر "الديمقراطية" الأميركية يجب ألا يشذ عن الحكم الذي أطلقه غارودي على عصر النهضة الأوروبي, من أنه ليست حركة ثقافية وحسب, بل ولادة مواكبة أنجبت الرأسمالية, والاستعمار, حيث هدم حضارات أسمى من حضارات الغرب باعتبار علاقات الإنسان فيها بالطبيعة, وبالمجتمع, وبالإلهي, بدل أن يكون ذروة "النزعة الإنسانية" والتاريخ الحقيقي, أي التاريخ الذي يرغب أن يتركز حول الغرب, وقد يكون تاريخ "فرص" أضاعتها الإنسانية بسبب التفوق الغربي الذي لا يرجع إلى تفوق ثقافة بل إلى استخدام تقنيات السلاح والبحر لأهداف عسكرية وعدوانية, ما يشجع النظر بريبة إلى التبشير الأميركي بـ "الديمقراطية" نظرة فيلسوف الحرية في الفلسفة المعاصرة أشعيابرلين إلى الحرية كمفهوم متعدد الأشكال, وثانياً دفاعه عن "الحرية الإيجابية" في مقابل "الحرية السلبية" التي وجدت صداها بخاصة عند كارل بوبر, وعلى ذات المنوال يمكن القول أن هناك "ديمقراطية سلبية", و"ديمقراطية إيجابية", الأولى بتوسلها الاستعمار غطاءً لحروب استعباد الشعوب والثانية تتوسلها الشعوب لتعبئة صفوفها وتوظيف طاقاتها من أجل التحرر والتقدم, وعليه يصبح سؤال الديمقراطية متعلق بالوعي والإرادة فضلاً عن ارتباطه بالجانب الأخلاقي مقروناً بالسيادة الوطنية والقانون والحق, و"الديمقراطية السلبية", لا ترتكز على مفهوم المواطنة وما يترتب عليه من حقوق وحريات, وإنما على مفاهيم الطائفية والمذهبية, والإثنية, كما تنهي الدولة المركزية لصالح أقاليم فيدرالية على أسس مذهبية وأقوامية تلقي هوية البلد القومية, وبهذا تكون "الديمقراطية السلبية" هي صانعة وخالقة "الفوضى الخلاقة", ومع ذلك تصر الإدارة الأميركية على إضفاء صفة "الإيجابية" على "ديمقراطيتها" المصدرة إلى منطقتنا العربية الإسلامية, عبر اعتبارها الأداة الناجعة في مواجهة ما تسميه "الإرهاب" حيث ترى أن البنى "الاستبدادية" لدول المنطقة هي العامل الأساسي في إنتاجه, بالطبع هذا ليس سوى رأي زائف تدحضه الوقائع, إذ تؤكد الأرقام التي تنشرها الإدارة الأميركية أنّ لا صلة وثيقة بين "الإرهاب والاستبداد", فوفقاً للتقرير السنوي لوزارة الخارجية الأميركية الصادر تحت عنوان "نماذج الإرهاب العالمي", وقع ما بين عامي 2000 و2003 (269) حادثاً إرهابياً كبيراً على الصعيد العالمي في بلدان "حرة" حسب تصنيف "بيت الحرية" بينما وقع (119) حادثاً (إرهابياً) مماثلاً في دول "حرة جزئياً" و(138) حادثاً في دول "غير حرة" تلك الأرقام لا تضم عدد العمليات الاستشهادية الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني, ولا هجمات الحادي عشر من أيلول. ناهيك عن أن الولايات المتحدة ليست في موضع يسمح لها بأن تتهم أحداً بالإرهاب, أو حمل راية الدفاع عن حقوق الإنسان.‏

فتقرير "منظمة مراقبة حقوق الإنسان" ومقرها نيويورك لعام 2005, ويقع في (500) صفحة يدين الولايات المتحدة أكثر مما يدين دولاً معروفة بانتهاكها لحقوق الإنسان, حتى يمكن القول أننا بإزاء ما يمكن أن يوصف بـ "العنصرية الديمقراطية" التي تصيب بلدان العالم النامي وحتى الطبقات المهمشة الوسطى في البلدان الغربية المصنفة "ديمقراطية". إذ هناك قسم من الشعب يبقى ضحية الاستعباد أو التمييز أو التهميش المستمر, مثل نظام الطبقات في الهند, والهنود الحمر في أميركا اللاتينية, ومسألة مشاركة المهاجرين في الانتخابات في أوروبا الغربية... الخ.‏

يرى بعض المدافعين عن الديمقراطية الانتخابية أنّ لا معنى لها إلا إذا صانت المصالح الاجتماعية ـ الاقتصادية للمجموعات المسيطرة في إطار عملية تناوب سياسي أفرغت من أي فكرة تحول اجتماعي واقتصادي, لذلك فإن كل حركة نضالية تطمح إلى نظام سياسي اقتصادي واجتماعي مختلف ومعارض لديمقراطية مبتورة, غالباً ما تتعرض للتهديد أو الخنق, ويذهب البعض إلى القول أنه مع تسارع عمليات العولمة, فإن بعض المصطلحات المهمة التي شغلت مساحات الفكر والعمل طويلاً مثل "العالم الثالث" و"التحرر" و"التقدم" و"حوار الشمال والجنوب" و"التنمية الاقتصادية" لم يبق لها في دنيا العولمة أي معنى, خاصة أنّ "دول العالم المتقدم" أصبح يتجاهل على نحو خطير مشكلات البلدان النامية, وبشكل خاص مشكلات القارة الإفريقية الفقيرة, حتى أن "نموذج الحضارة" الذي ابتكره الغرب لم يعد صالحاً لبناء المستقبل, أي لبقاء مجتمعات قادرة على النمو والانسجام مع البيئة وتحقيق التوزيع العادل للثروة والدخل, وأنّ الدعاية المغرقة لهذا النموذج كانت جزءاً من الحرب الباردة, لذا فإن هذا النموذج يجب أن يوضع في متحف الأسلحة القديمة, وتسود الآن عملية تحول تاريخي بأبعاد عالمية واضحة, ينعدم فيها التقدم والرخاء كما يسود التدهور الاقتصادي والتدمير البيئي, والانحطاط الثقافي من ضوء "حضارة التنميط" التي تسعى العولمة لفرضها, وعليه فإن ديمقراطية العولمة التي تنحاز بشكل مطلق للأغنياء هي المسؤولة الآن عن كثير من مظاهر التوترات الاجتماعية المتصاعدة في مختلف أصقاع المعمورة وهكذا تحول ديمقراطية العولمة العالم إلى رهينة في قبضة حفنة من كبار المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والأوراق المالية. فهناك (358) ملياردير في العالم في العالم يمتلكون ثروة تضاهي ما يملكه (2.5) مليار إنسان, وأن هناك 20% من دول العالم تستحوذ على 85% من الناتج العالمي الإجمالي و84% من التجارة العالمية, ويمتلك سكانها (85%) من مجموع المدخرات العالمية, وهذا التفاوت القائم بين الدول يوازيه تفاوت آخر داخل كل دولة, حيث تستأثر قلة من السكان بالشطر الأعظم من الدخل الوطني والثروة القومية, في حين تعيش أغلبية السكان على الهامش. قصارى القول أن "الديمقراطية" الأميركية أداة استعباد للفقراء, وأيديولوجية غزو وتدمير للشعوب بالفوضى الخلاقة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244