جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

التراث اليهودي ـ المسيحي في الثقافة الأمريكية ـــ محمد الحوراني

أن يبحث المرء في العلاقة اليهودية المسيحية يعني أن يبحث في واحد من أكثر الموضوعات رهبةً واستعصاء على البحث, وكيف لا يكون ذلك وقد نأى كبار المفكرين, بل وحتى المسؤولين, بأنفسهم عن الخوض في هكذا موضوع, وليس أدل على ذلك من اعتذار وزير الخارجية الأمريكي عن التصريح الذي أدلى به في الثالث والعشرين من "سبتمبر 2003" لبرنامج "تشارلي روز" الذي يذيعه التلفزيون الأمريكي الرسمي, حينما أبدى تأييداً منقطع النظير للدولة العبرية ورئيس وزرائها "آرييل شارون" واصفاً في الوقت نفسه الولايات المتحدة بأنها دولة مسيحية يهودية. ولئن وصف البعض تصريحه هذا بأنه زلة لسان, إلا أنني أعتقد أن هذه هي النظرة الأمريكية الحقيقية للعلاقة, وليس أدل على ذلك من كلام جيمي كارتر الذي يقول فيه: "إن علاقة أميركا بإسرائيل أكثر من مجرد علاقة خاصة. لقد كانت ولا تزال علاقة فريدة, وهي علاقة لا يمكن تقويضها, لأنها متأصلة في وجدان وأخلاق وديانة ومعتقدات الشعب الأميركي". ويصرُّ بعض الباحثين عن الحقيقة, سواء من المفكرين العرب أو غيرهم, على توضيح طبيعة هذه العلاقة وكشف خفاياها. ففي مقالة له في مجلة واشنطن ريبورت" عدد أيار 2002 "يتحدث ألن س. براونفيلد ـ الكاتب والمحرر المشارك في مجلة Lincoln review للبحوث والتعليم, ومحرر مجلة Issues الربعية التي تصدر عن المجلس الأميركي للدين اليهودي ـ عن العلاقة الغريبة والخطيرة بين اليمين المسيحي الأميركي المتصهين والمنظمات الصهيونية وإسرائيل فيقول: في الماضي وليس البعيد, كانت المنظمات اليهودية تنظر بعين الريبة إلى الاتحاد المسيحي اليميني, ورجاله مثل جيري فالويل, وبات روبرتسون ـ وغيرهم ـ ليس كأعداء محتملين أو بالقوة فقط, بل متعصبين متشددين, وحين لا ساميين, وقد وصل الأمر بالجماعة اليهودية المناهضة لتشويه السمعة إلى إصدار تقرير يحمل هذه التهم, لكن كل ذلك تغير اليوم, ففي مسيرات ومظاهرات واشنطن العاصمة المؤيدة لإسرائيل, سخرت راشيل بارشال ـ مشرفة برنامج الحديث المسيحي الوطني في الراديو, والناطقة باسم مجلس بحوث العائلة المحافظة ـ من مطالبة إسرائيل بالانسحاب من المناطق المحتلة مقابل السلام وقالت: إن ذلك يعني تسليم إسرائيل قطعة قطعة, وأضافت: سوف لن نعيد الجولان أبداً ولن نقبل بتقسيم القدس مطلقاً, ولن نتردد أبداً في دعمنا لإسرائيل. كما تم حديثاً إنشاء منظمة بقيادة كاهن يهودي واستراتيجي مسيحي سياسي محافظ لتعبئة المسيحيين الإنجليين لدعم إسرائيل سُميت بـ "قف مع إسرائيل" مهمتها مواصلة البناء على دعم المسيحيين الموالين لإسرائيل كما قال ريدر الرئيس المشارك للمنظمة والمدير السابق للاتحاد المسيحي, والمستشار السياسي في اطلانطا ورئيس الحزب الجمهوري في ولاية جورجيا. يقول ريدر: إن للمسيحيين هؤلاء إمكانية تجعلهم أكثر الناخبين في أميركا تأثيراً على السياسة الخارجية منذ انتهاء الحرب الباردة, إنهم الآن يحركون مركز الجاذبية في الجماعات المؤيدة لإسرائيل لتصبح أكثر محافظة وجمهورية. وإذا كان البعض قد بحث طبيعة العلاقة بين اليهودية والمسيحية من خلال مقالة أو كُتيب فإن الدكتور فؤاد شعبان أبى إلا أن يُعطي هذا الموضوع حقه من البحث والدراسة فأعطى للأمة سِفراً فريداً من نوعه عن حقيقة العلاقة وطبيعتها, سِفراً وصفه الخبير بالقانون الدولي الدكتور عزيز شكري بأنه: "تأريخ لما قبله ومرجع لما بعده". لا بل إن ما قدمه شعبان في كتابه يعد من أفضل ما كُتب عن "التراث اليهودي ـ المسيحي في الثقافة الأمريكية" ليس في العالم العربي فحسب وإنما في الغرب أيضاً, كما يقول أحد الإعلاميين العرب المقيمين في لندن. ولم يكن اختيار الدكتور شعبان لعنوان كتابه "من أجل صهيون" اختيارياً اعتباطياً أو تجارياً كما يفعل البعض, إنما كان اقتباساً من مقولة رجل الدين الأمريكي هيمان همفري التي يقول فيها: "من أجل صهيون لن نلزم الصمت, ومن أجل القدس لن نخلد إلى الراحة" والحقيقة أن السيد شعبان كان موفقاً تماماً لاقتباسه هذا وإشارته في الصفحة الأولى من الكتاب إلى المقولة التي تُثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن المتدينين والعلمانيين في الولايات المتحدة, حريصون كل الحرص على إقامة الدولة العبرية, وتهيئة كل السبل الكفيلة بأمنها واستقرارها مهما كلفهم ذلك من جهد ووقت ومال. في الفصل الأول من كتابه يتحدث المؤلف عن العلاقة اليهودية الأمريكية منذ البدايات الأولى لأمريكا, ممثلةً بالبطل الأمريكي الأول "كرسيتوفر كولومبس" والذي أعلن على رؤوس الأشهاد أن "القدس وجبل صهيون يجب أن يتم بناؤهما على يد المسيحيين كما أعلن الله على لسان نبيه في المزمار رقم 14". إذن فالارتكاز على الأسس الدينية, والاعتماد على الإرادة الإلهية والنبوءات المقدسة هما الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه الجهود المسيحية المؤسِّسة لقيام الدولة الدينية اليهودية في فلسطين, وليس أدلَّ على ذلك من إعلان كولومبس أن الهدف الأساسي الذي كان يسعى إليه دائماً هو "أن يكتشف ممالك ومدناً جديدة يضمها إلى التاج الإسباني, ويهدي شعوبها إلى الدين المسيحي, ثم يجندها في ما سماه بـ "حرب الحياة أو الموت ضد إمبراطورية محمد". وأضاف أيضاً بأن هدفه النهائي هو "استعادة" الأراضي المقدسة, وخاصة القدس ومهد المسيح وذلك تمهيداً لنزول مملكة الله على جبل صهيون. وتذهب الكاتبة كي بريغهام إلى أن كولومبس "قد توفرت له معرفة واسعة بخطة الله للعالم التي نزل بها الكتاب المقدس, وبصورة خاصة بالدور الهام الذي قدر له أن يلعبه في تحقيق إرادة الله". من جهة أخرى وفي إطار حديثه عن الأرضية التاريخية للتراث اليهودي ـ المسيحي, يرى فؤاد شعبان أن من أهم النتائج التي تمخضت عن حركة مارتن لوثر الإصلاحية البروتستانتية, إعادة صياغة العقيدة المسيحية في أوربا, وكان لتلك العملية أثر كبير في دعم وتطوير التراث اليهودي ـ المسيحي في العالم الغربي. مع العلم أن مارتن لوثر نفسه كان يعبر عن كراهيته لليهود والخوف منهم, وإذا ما جهل بعض الباحثين العرب والمهتمين بالتراث اليهودي المسيحي طبيعة المسيحية الغربية وحقيقتها فإن الدكتور شعبان يأبى إلا أن يُقدم تعريفاً يُبصّر القارىء العربي بهذه المسيحية التي يراها: مؤسسة غريبة المنشأ والتطور, وهو ما جعل عدداً من المفكرين يقولون: إن الغرب قد اختطف المسيحية وعمل فيها تشويهاً وتحريفاً عبر القرون لكي تستجيب لظروفه وأطماعه الآنية والمستقبلية. وقد اعتمدت المسيحية الغربية المتطرفة قراءة حرفية لبعض نصوص الكتاب المقدس, ففرضت على نفسها وعلى الآخرين نظرية الحتمية التاريخية التي تستند إلى ما اعتبرته خطة الله للكون, ماضيه وحاضره ومستقبله. ووضعت المسيحية الغربية القدس والأراضي المقدسة وإسرائيل في مركز هذه الخطة الإلهية. وإذا ما اعتقد البعض أن المبشرين في أمريكا, هم وحدهم الذين يعملون من أجل صهيون فإنهم مخطئون تماماً في اعتقادهم هذا, ذلك أن حركات الحماس الديني في أمريكا قد حفّزت معظم اليمينيين وحتى المعتدلين للإعداد لنزول مملكة الله في الأراضي المقدسة. وقد غادرت جماعات أمريكية في القرن التاسع عشر إلى الأراضي المقدسة لإنشاء مستوطنات هناك انتظاراً للحدث الكبير, وانطلقت أنشطة كثيرة مبنية على القراءة الحرفية للكتاب المقدس ولنبوءاته. وإذا ما أراد البعض تصوير العلاقة اليهودية المسيحية على أنها علاقة آنية لا تلبث أن تزول بزوال العُصبة التي أسست لها وأنشأتها, فإن الدكتور شعبان يراها أعقد من ذلك بكثير, لاسيما وأن الاعتقاد الديني اليهودي قد تغلغل في كل مفاصل الحياة الأمريكية, ليتربع أخيراً على شعارها, الذي يحمل دلالات واضحة من حيث رموزها الكتابية المتصلة بالفكرة الصهيونية وأرض الميعاد, ومن المعروف أن هذا الشعار ما زال معتمداً حتى الآن, وهو يظهر على الوثائق الفيدرالية ووثائق مؤسسات الدولة المختلفة, وهو شعار المكتب التنفيذي لرئيس الجمهورية ووزارة الخارجية الأمريكية, وبعض دوائر الأمن في عدد من الولايات, ويخطىء من يعتقد أن هذه الأمور من فعل الأمريكان في قرون مضت وكفى, ذلك أنهم لا يترددون اليوم في استعمال المبادىء نفسها, بل وربطها صراحة, وفي كثير من الأحيان, بمفاهيم التدبير الإلهي والقدر البين وإسرائيل الأمريكية. وضمن هذا الإطار الفكري استعمل الرئيس ليندن جونسون عبارة "بارك الله قضيتنا", وضمن هذا الإطار الفكري أيضاً نسمع الخطاب السياسي الديني منذ إدارة الرئيس ريغان حتى الآن.‏

إن ما يقدمه الدكتور شعبان في كتابه الموسوعي هذا يعد رفداً حقيقياً للمكتبة العربية, لاسيما وأن مكتبتنا العربية تفتقر إلى هذه النوعية من الكتب, وإلى الاعتماد على مثل المصادر والمراجع التي اعتمد عليها الدكتور شعبان, ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل سنعمل جميعاً على إيصال هذه الصورة الحقيقية إلى الفئة الأمريكية التواقة لمعرفة الحقائق؟ لاسيما وأن الشعب الأمريكي بجميع فئاته قد رُبي على الخطأ وزُود بأباطيل قدمت له على أنها كبد الحقيقة, وليس أدل على ذلك من كلام الكاتبة الأمريكية Grace HaIseII الذي تقول فيه "عندما عدت إلى الولايات المتحدة, كان عملي كصحافية تغطي أخبار البيت الأبيض, بعدها استخدمني الرئيس (جونسون) للعمل لديه كاتبة, وقد عملت في البيت الأبيض لمدة ثلاث سنوات وإنه لأمر عجيب أنني طوال هذا الوقت لم أكن أعرف الشرق الأوسط, أو أستطيع القول إن الذي اعتقدت أنني أعرفه لم يكن صحيحاً, كنت نموذجاً للعديد من المسيحيين الأمريكيين, كانوا يرون أنفسهم مسيحيين بنوايا حسنة, ويشعرون بالارتباط مع "إسرائيل" والصهيونية وشعورهم هذا يعود غالباً إلى ما رباهم عليه أهلهم, وفي بعض الحالات من الطفولة. ولقد كبرت وأنا أسمع قصاً عن "إسرائيل" الصوفية والروحية والرمزية, هذا كان قبل الكيان السياسي الحديث وبالاسم نفسه الذي يظهر على خرائطنا, وتنهي الكاتبة الأمريكية كلامها بالقول: نحن نقع في فخ الصفح عما تفعله إسرائيل ـ حتى الجرائم الوحشية ـ إنهم يبررون ما يفعلون بقولهم إنها إرادة الرب.‏

أخيراً بقي أن أقول: إن إسرائيل التي نعتبرها آخر جيوب الاستعمار والعنصرية, هي في أذهان أغلب الأميركيين مشروع إلهي لا يقبل الإدانة والنقد, فضلاً عن المقاومة والنقض, فهل ندرك مدلول ذلك في الوقت الذي يترسخ فيه أثر الدين في السياسة الأميركية يوماً بعد يوم؟؟؟! ولو كان الإدارات الأمريكية المتعاقبة على حكم الولايات المتحدة غير مكترثة لإرادة الرّب, لأراحت صهيون وأخذتهم إلى أرضها مبتعدةً بهم عن المشاكل الكثيرة التي نغصّت حياتهم وما زالت!!! ولكن أنّى لهم ذلك وهم الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها. أوَ لم يكتب رائد الإصلاح البروتستانتي, القس الفيلسوف (مارتن لوثر) عام 1523 كتاباً عنوانه: "المسيح ولد يهودياً" جاء فيه: "إن روح القدس شاءت أن تنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب, ونحن الضيوف الغرباء, وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244