|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الرحلة الأوراسية: ورقات من جد وهزل ـــ د.الطاهر الهمامي ـ تونس * نداء الجزائر من أجل اللسان العربي يبدو كأن لغة "الموزاييك" قد أصبحت ظاهرة مغاربية عامّة بعدما خلناها تراجعت وآلت إلى انقراض, وأنّ بعض الجهات تتعمّد إحياءها و"إثراءَها" وإيجاد مكان لها ومكانة في الخطاب اليومي للناس الذين تركوها بل وفي وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة باسم الشبابية والعصرية. ضغط هذا اللسان الهجين, المتشكل من حُطّام فرنسية وعاميّة, وفُتات أنقليزية, أثار ردود فعل المثقفين الجزائريين الذين لعلّهم أدرى الناس بوطأته فاستغلّوا تحسّس رئيس الجمهورية للمسألة في إحدى خطبه وكانت ضربة البداية على يد الطاهر وطّار, الروائي وصاحب "الجاحظية" الذي وجّه نداء وقّعه مئات من هؤلاء وتولت الصحافة اليومية نشره ونشر أسماء الموقعين. وبعد أيام من تجمّع التواقيع أصدر الطاهر وطّار تنويهاً حوصل فيه مضمون التحرك ومغزاه والفائدة الحاصلة نقتطف منه قوله: "بقائمة نهار اليوم, ننهي نشر توقيعات التضامن السخية التي وافتنا من مختلف أرجاء الوطن شرقه وغربه, شماله وجنوبه, محملة بآيات الصدق ولحماس والتجرد, من نخبة الأمة أجمعها: معلمين, أساتذة, جامعيين, مديرين, عمالاً, مهندسين, أطباء, نواباً مجلس الأمة, نواباً بالمجلس الوطني الشعبي, أعضاء المجلس الأعلى للغة العربية, سفراء, إطارات الأمة من مختلف الرتب, متقاعدين أعطوا زهرة شبابهم, لبناء الجزائر الحديثة, أدباء وكتاباً وصحافيين أثروا المكتبة الجزائية, وملأوا أعمدة ما يزيد على ستين صحيفة أسبوعية ويومية, وجابهوا بالحرف العربي الهجمة الفرنكوفيلية الشرسة, فنانين ازدهر الإيقاع الجزائري من الشرق إلى الغرب على أصواتهم. لا أريد أن أشكر أحداً, ولا أن أشكو من سهر الليالي وأنا أجمع وأرتب المئات من الأسماء الواردة في فاكسات, أحياناً بخط غير مقروء, أو أن أوقظ من أحدهم الساعة الرابعة صباحاً, لأتلقّى تضامناً جديداً. لقد اندفعنا بضمائرنا فأدينا وجباً طالما أثقل صدورنا. ولئن كان هناك من يستحق الشكر فهو أُسرّ الصحف الثلاث: الشروق, البلاد,الأحرار, التي أوت بصدر رحب قائمتنا الطويلة, ما يزيد على أسبوع...". *مسابقة جائزة مفدي زكريا للشعر المغاربي اختارت الجمعية الثقافية "الجاحظية" التي يسهر على تنشيطها ثلة من المثقفين الجزائريين في مقدمتهم الطاهر وطار أن يكون الأسبوع الأوّل من شهر نوفمبر موعدها السنوي مع الشعر المغاربي وتحديداً مع نتائج مسابقة مفدي زكرياء التي تنظمها, وذلك بدعوة لجنة التحكيم (دارسين متخصصين أو شعراء معروفين من البلدان المغاربية المشاركة في السابقة) إلى الاجتماع وتنظيم ندوة في موضوع يتّصل بالشعر المغاربي وهي مناسبة تستقطب اهتمام الساحة الثقافية هناك وتُعنى بها مسائل الإعلام وتتابعها عن كثب. شارك في مسابقة الحصول على هذه الجائزة بعنوان دورة 2005 عدد كبير من شعراء البلدان الثلاثة (الجزائر والمغرب وتونس) تولت الجمعية اصطفاء بضع عشرات منهم قبل أن تضع نصوصهم (اشتراط خمسة نصوص لكل مشارك) بين أيدي لجنة التحكيم التي دُعيتُ إلى عضويتها. والمشاركون هم عموماً من الجبل الحاضر, بعضهم يخطو خطواته الأولى وبعضهم قطع شوطاً. والذي يسترعي الانتباه هو تعايش الأشكال الشعرية الثلاثة في مدونة المشاركين وعند المشارك الواحد أحياناً, وقلّ من جاءت مشاركته خالصة لقصيدة الشطرين, وفي المقابل هيمنت قصيدة التفعيلة على عديد المشاركات, وبدرجة أقل "قصيدة النثر". لكن هامش التصرف في الإمكانات العروضية كان ضيِّقاً ضيِقَا أسهم في تفقير الإيقاع, فلم يكد يخرج المشاركون عن المتدارك والمتقارب, ودلّت الكسور التي لم يسلم منها جلّهم (الخلط بين تفعيلتي المتدارك والرمل أو بين تفعيلتي المتقارب والرجز أو استجازة ما لا يجوز في الوزن وفي القافية) على هشاشة التكوين العروضي, والثقافة الشعرية, فمن اختار نهج الموزون لا يُعذَر على جهله بشرائط الوزن. أمّا من اختار الخروج عن الموزون واستنباط قصيدة نثر فقد واجه تجربة عصية لأنها تتطلب نظماً لا كسائر النظم, وعزفاً لا كسائر العزف, ولغة شهرية لا كسائر اللغات, وإلاّ فإنّ صاحبها يقع في ثرثرة نثرية لا حدّ لها, ويجنح إلى تعتيم مُخِلّ بأبسط فروض التلقي. والمشاركات التي نحا أصحابها فيها منحى "قصيدة النثر" جاء جلّها من هذا القبيل, فلم تخرج عن كونها محاولات نثرية متعسّرة. والذي قلّص حظ الابتكار الإيقاعي هو أيضاً وقوع جل شعر التفعيلة تحت طائلة الأصوات المعروفة (سعدي يوسف, محمود درويش, نزار قباني...) وجُمَلها الشعرية وحقولها المعجمية حتى لتكاد مجموعة النصوص المعدودة بالعشرات تَؤُول إلى نصيّن أو ثلاثة. ولئن سيطر الهم الذاتي الضيّق وهيمنت نبرة الانكسار على مضامين جلّ المشاركات فإن الهم الجماعي والاجتماعي, قطرياً وقومياً وإنسانياً, كان حاضراً وعلى حظّ من جمالية الأداء في بعض المشاركات, وعند الجنسين على السواء, وبحَثَ عدد ممن تعاطى "قصيدة النثر" عن الإيقاع في اللفظ على غرار تجربة "غير العمودي والحرّ" التونسية لكن وتيرة التقفية المكثفة جعلت هذا المسعى أشبه بتركيب الجمل المسجوعة عند المبتدئين, التقفية عنصر إيقاعي لفظي أساسي لكن البيت في النظام البيتي, والسطر في النظام السطري (الحر أو النثري أو غير العمودي والحر) هو الذي يستدعيها فتأتي طوعاً لا غصبا. وتوزعت مادة المدونة المعروضة بين نصوص ذات عمق, وعددها قليل, وأخرى واحدية البعد, ومعناها في ظاهر لفظها. أما ذات العمق فعدا توخّي لغة المجاز, اغتنت طبقات الدلالة فيها بالتناص, العمدي والعفوي وعكست ثراء الذاكرة الشعرية والثقافية عند أصحابها, وقدرة على صهر نصوصها وتوظيفها في تفتيق المعنى وإثراء المبنى. وآلت الجائزة في النهاية, وبعد مخاض التحكيم, إلى الثالوث المتألف من: مصطفى الشليح (المغرب) ويوسف وغليسي (الجزائر) وشكري بوترعة (تونس) الأول عن قصيدته "ألا برَّ لي يا خيمة العرب" والثاني من "ما الحب إلاّ لها" والثالث عن "عائشة تقرع باب العزلة" مع تنويه خاص بإسهامات كل من: فوزية مغراوي وناصر لوحيشي ومحمد خليل عبو (الجزائر) وخالد رداوي وأيمن جابالله (تونس) وعبد الوهاب الرامي (المغرب). * درويش سينقرض قريبا!! تُعنى الصحافة الجزائرية ـ التي تشهد فورة لافتة ـ بتغطية الحدث الثقافي عنايتها ببقية الأحداث الجارية على صعيد الوطن أو العالم, وكان ذلك شأنها مع أنشطة "الجاحظية" وخاصة في موعدها السنوي مع مسابقة الشعر المغابي, صحيفة "البلاد" الواسعة الانتشار حاورتني في الشأن الشعري التونسي والعربي وامتدّ الحوار إلى أزمة التلقي وتقلص حظ الشعر من المقروئية ثم الاستدراك على ذلك بكون بعض الأسماء أمثال محمود درويش ـ ما تزال تستقطب الجماهير, وأبديتُ رأياً في الأمر, وما راعني من الغد إلاّ والعنوان الذي تصدّر الحوار المنشور هو "محمود درويش سينقرض قريباً" دون أن يكون هناك رابط بينه وبين مضمون كلامي. قلت في نفسي: هذه ورطة! هذا حكم لا يليق بمن يتولّى دعوة الناس إلى نبذ التسرع والشطط ولزوم الموضوعية, بل لا يليق حتى بعاقل العوفي, عضو لجنة التحكيم والباحث في الشأن الشعري المغاربي حين أكد بلهجته الحازمة أن "كلمة السوء" تصل صاحبها في التّوّ ولاشك في كونها قد وصلت بعدُ! ولم يكن أمامي من بدّ سوى التصحيح وكان الأمر كذلك في اليوم الموالي بالصحيفة نفسها حيث أنهيت الاستدراك الذي نشرته قائلاً: "أرجو تصحيح هذا العنوان, فإن انقراض درويش أو عدم انقراضه ليس بيد أحد, ولأني لا أتمنى لشاعر كبير أن ينقرض ولأن الشاعر الكبير لا ينقرض مهما كان موقفك النقدي منه وتقييمك لتجربته". * "الولي الطاهر" غيور على "حريم" رواياته! الطاهر وطار ظاهرة إنسانية وأدبية جزائرية قليلة النظير عرفتّه منذ ما يزيد على العشرين عاماً, وهو الآن في موفّى العقد السابع, ولم أر شيئاً تغير في الرجل, وهذه شيمة نادرة من الزمن القُلَّب.حتى الزمن الذي يقوّس ظهور الناس ويقوّس وطنيتهم وخط الكتابة والحياة عندهم لم يَحْن قامته, كما لم ألْتَقِ إنساناً أحنّ إلى تونس الخمسينات والستينات التي درس واشتغل وعاش في أكنافها, وهو دائم الذكر والتذكير لأوساطها الأدبية والفنّية والصحفية, بأسماء روادها وفضاءاتها ووقائعها, واكب من موقع العضوية مقاومة بلاده للاستعمار, وواكب البناء الوطني غداة الاستقلال وواكب سنوات الحرب الأهلية ويواكب اليوم مخاض السلم والمصالحة, وترجمت أعماله الروائية التي عُرِف بها تاريخ المجتمع الجزائري في مختلف هذه الأطوار, وما يزال يكتب وينشر ويقف المواقف, وقد استكمل مؤخراً ثلاثيته (الشمعة والدهاليز ـ الوليّ الطّاهر يعود إلى مقامه الزّكيّ ـ الولي الطاهر برفع يديه بالدعاء) التي صوّر فيها الحقبة العصبية الأخيرة, قطرياً وقومياً, وطوّر جمالية القناع التراثي والتاريخي, وأثبت بها, عن قصد أو دون قصد, حيوية الأدب الواقعي وما في جعبته من قدرات جمالية هائلة. الطاهر وطّار أضحى يُلقّب بـ "الولي الطاهر" وما سمعت أحداً, إلاّ وهو يخلع عليه هذه الصفة, جادّاً أو مازحاً, فهل وجد القرّاء الطاهر وطار في "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" أم وجدوا "الولي الطاهر" في الطاهر وطار؟ مهما يكن من جواب فإن الرجل بدا لي يعيش أحوال شخصياته الروائية ولا يعترض على خلط مخاطِبيه بينه وبينها. أكثر من ذلك لعلّ الرجل قد غار من الاحتفاء الذي لقيته شخصية "الولي الطاهر" الروائية فغبطها عليه وراح يسعى إلى سرقته, ولسان حاله يقول: اقنعي, أما شبعت؟! أكثر من ذلك, قد تشعر وأنت تعايش الرجل بمدى غيرته على "بنات" رواياته, وقد يدفعك السحر الذي أضفاه على بعضهنّ عبر لوحاته الوصفية, إلى طلب يد إحداهن, لكن "أباهن" الطاهر يبدي إعراضاً, وانزعاجاً, وصداً, فسّره العارف نجيب العوفي بما يعرف من غيرة المبدع على مخلوقاته, وما يعرف عن كاتبنا من ضَنّ ببنات إبداعه وأخبرني أنه سبق له أط طلب يد "الخزيران" ـ طلبي يد بلاّرة ـ فجُوبِة كما جوبهتْ بما يعني الرفض والاستنكار. وأخبرني "الوالد" الغيُور أنّه هام على وجهه ذات يوم, يبحث عن إحدى بنات رواياته من مكان إلى مكان, ولم يعثر لها على أثر, حتّى شاءت الصدفة يوماً أن تفاجئه بمثولها أمامه, فبُهت, ورجع أدراجه, ثم توقّف, وتسمّر, وسلّم على البنت (...). * لفح الزمان, نفح المكان: يا هذه التربة! يا هذا الأفق يا هذا العوالي يا هذه الشوارع النازلة الهابطة, شوارع البيضاء يا هذه الوجوه السمحة الشمّاء **** سعدتَ بأن عشتَ نهاية أسبوع وتذوقتَ "Un jeudi soir" بين الجموع, ماشيتَ جيِئها وذهابها, وشاركتَها الاحتفاء بما طاب من أطايب المساء, أنْ تحظى بأن تعيش تلك اللحظات, وتستمتع بدفء ذاك الحراك وتتأمل في مُحَيَّا أحفاد وحفيدات الأمير عبد القادر, وأولاد عريف الذين أووا ذات يوم ابن خلدون وأنزلوه قلعة ابن سلامة وآنسُوه بأهله لوضع تلك المقدمة الفذّة... فأنتَ طويلُ عُمْر. **** كنتَ تقوم كل يوم لتستقبل شمس الجزائر تسطع في غرفتك الشاهقة, ولتطلّ على مرأى الميناء والشريط المتاخم له من المدينة وتشاهد أسراب النورس والحمام فوق السطوح تطير وتحط تتواجد وتتباعد, ولتخرج كي تعيش صباحاً جديداً على وقع الخطى المتسارعة والمفاتيح التي تدور, والأكشاك التي تزدان والمقاهي التي تستقبل وذوات العجلات وهي تسعى والمقاعد وهي تأنس بالمسنّين, والدنيا وهي تنهض كان لسان حالك ما أنفكّ يردّد: ما يزال للمعنى معنى في هذه الربوع, والباحث عن المعنى مثلنا يستطيع أن يلقاه يا صاحبي... على هذه الوجوه وفي ظل هذه الجموع, تطلب الحياة! وإن تدنس لا تنس ذلك الطبق الشهي من الكسكسي الذي أعدّته أيدي الملائكة والذي لم تذقه منذ آخر زورة, وكان لابد من عودة إلى مقام "الولي الطاهر" كي تعاود السفر في نعمة البياض الناعم. **** كانت السماء تتلبّد, وزخّات المطر تقرع بلّور سيارة الرجل, وأنت تُغادِر, على نحو ما كانت قبل ثلاث سنوات وفي شهر نوفمبر بالذات وكان أبو البركات صديقك نجيب يتوجس من أن الماء العميم قد يؤجّل مرة أخرى عودته. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |