جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أعمال عبد الحميد بن هدوقة دعا إلى الحوار بين لغتي الجزائر دون تغليب ـــ الطيب ولد العروسي

مرت تسع سنوات على وفاة الكاتب الجزائري عبد الحميد بن هدوقة (توفي في 12 تشرين الأول ـ اكتوبر ـ 1996).‏

هذا الكاتب الإشكالي الذي أثار تساؤلات مختلفة حول: الهوية الجزائرية, المرأة والإنسان, المثقف الجزائري, السلطة, عكس هموم الآخرين, فهو المحظوظ الذي استطاع أن يكتب بلغته الأم, كان يرفض أن يعيش في برج عاجي وأن يطل على الآخرين أو يكتب حسب الطلب, بل كان ذلك الإنسان المتحرر من جميع القيود. الملتزم حسب ما يمليه عليه ضميره دون اللجوء إلى خانات سياسية مؤطرة مسبقاً, تفرض عليه أن يفكر ضمنها أو انطلاقاً منها, وكان دائماً شجاعاً حيث لم يسجن نفسه في أي سجن سياسي أو ايديولوجي, وبقي على علاقة مباشرة مع المواطن الجزائري, فرغم ثقافته ورغم المناصب التي تبوأها بقي مواطناً بسيطاً.‏

ولد عبد الحميد في قرية المنصورة بولاية سطيف في الشرق الجزائري سنة 1925, وتعلم اللغة العربية على يد والده, أما الفرنسية فقد أخذ منها حظاً في التعليم الابتدائي في قريته, وبعدها واصل دراسته في المدرسة الكتانية في قسنطينة, وفي العام 1949 سافر إلى مرسيليا وحصل على شهادة الإخراج الإذاعي بالفرنسية, وشهادة تقنية في تحويل المواد البلاستيكية, ورجع إلى المدرسة الكتانية ودرّس فيها لمدة سنة, ثم شد الرحال بعد ذلك إلى تونس حيث مكث أربع سنوات, ونال خلالها شهادة العالمية في الأدب من جامعة الزيتونة, وشهادة التمثيل العربي من معهد فنون الدراما في تونس.‏

السياسة والأدب‏

بدأ الكتابة في الخمسينيات, وصدر له أول عمل سنة 1952, وهو نص شعري بعنوان: "حامل الأزهار" ثم دخل المعترك السياسي وأصبح عضواً في حزب حركة انتصار الحريات الديمقراطية, ثم أميناً عاماً لها, ورئيس جمعية الطلبة الجزائريين في تونس, قبض عليه في 18 كانون الأول ـ ديسمبر ـ 1952 في تونس بعد قيامه بمهمة صحافية وذلك بتغطية تظاهرات نسائية في إحدى أحوار تونس, وسجن في زغوان في تونس, ثم فر من السجن مع مجموعة من رفاقه.‏

وفي سنة 1954 (سنة اندلاع ثورة التحرير الجزائرية) عاد إلى الجزائر, وعندما حصل الانقسام بين حركة انتصار الحريات الديمقراطية وجبهة التحرير الوطني, استقال من كل مناصبه وكرس جهده لتدريس الأدب في المدرسة الكتانية, ونتيجة ملاحقته المستمرة, اتخذ بطاقة تعريف جديدة باسم عبد الحفيظ مصطفى, وجواز سفر وغادر ثانية إلى فرنسا العام 1955 ونتيجة الجهد والتعب الكثير دخل المستشفى وطلب منه الأطباء تغيير عمله, وربما كان هذا هو السبب الأساسي الذي جعله يهتم بالكتابة والإبداع أكثر من أي شيء آخر, كالتمثيل في السينما أو المسرح.‏

كان عبد الحميد على اتصال دائم بالثورة والثوار وكتب عنهم في الصحف والمجلات التي كانت تصدر آنذاك في تونس, كما عمل فيما بعد في الإذاعة التونسية وكتب أكثر من مئتي تمثيلية كما عمل قبل ذلك في فرنسا كمخرج متربص في الإذاعة الفرنسية (1956 ـ 1958) وكانت له برامج مختلفة, كالبرنامج الأدبي "ألوان" وبرنامج "اختبر ذكاءك" وبعد استقلال الجزائر عمل مديراً للبرامج في هيئة الإذاعة والتلفزيون الجزائرية ثم مدير الإذاعتين العربية والقبائلية.‏

تزوج فرنسية وأنجب منها بنتاً, هذا الرجل الذي له قدم في الثقافة الفرنسية وأقدام في الثقافة الجزائرية والعربية أكمل حياته مع جزائرية وأنجب منها ثلاثة أولاد.‏

مؤسس الرواية‏

يجمع أغلب النقاد على أنه كان من بين المؤسسين للرواية العربية في الجزائر وبهذا احتل مكانة مهمة بين روائيي الجزائر العرب, وكان الصدق في الكتابة بالنسبة إليه هو هدفه الأسمى ويقول عن كتاباته: "حاولت في ما كتبته على تواضعه, أن أعالج نقاط التأزم الرئيسية في الوضع الجزائري بصفة تدخل أكبر قدر من المستقبل في الحاضر, وتبتعد عن المضامين الجاهزة والأشكال النابعة من مراكز خارجية, اعتقاداً مني بأن الانطلاق من المعطيات التاريخية المحلية لكل قطر عربي, لو روعيت في أعمالنا الأدبية لأرجعت لنا شيئاً من الكرامة, وجنبتنا كثيراً من مزالق الاستلاب, فالثقافة العربية التي عاش العالم على كرمها الروحي ما يقرب من الألف سنة لا تستحق هذا الواقع الذي وضعها فيه تخلفنا المادي والسياسي, أن هذه الاهتمامات هي التي جعلتني في كل أعمالي الأدبية أعمل على معالجة الواقع المتأزم والجوانب المظلمة في حياتنا الاجتماعية مبتعداً بقدر الإمكان عن الاغتباط بما حققناه من إيجابيات.‏

المرأة في كتاباته‏

لم يكن يكتب ليرضي أو ليستجيب لرغبات سياسية متفاوتة في التفاؤل, بقدر ما كتب عن الأوضاع الجزائرية من أعمق الأعماق, فبالإضافة إلى كونه أحد المؤسسين للرواية العربية في الجزائر, نراه يعالج موضوع المرأة دون لف أو دوران, فكتب عنها وعن جسدها وآهاتها في روايته "ريح الجنوب" التي أدخل فيها المرأة كإنسان له دوره الكامل ودخلت كجسد.‏

تقول الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي في ذلك: "هي أول عمل إبداعي أدخل فيه المرأة ـ لها جسد وشهوات إنسانية, وأنها عضو فاعل في المجتمع الجزائري" أما جان بول ايفري الناقد الفرنسي فيقول عن ابن هدوقة "أنه جزائري حتى النخاع, لأنه عكس هموم الطبقات والشرائح الاجتماعية وطموحاتها عبر أعماله الأدبية, شعراً ورواية, ووضع المرأة في المقام الأول, ذلك أنها أهم مدرسة, فالمرأة احتلت المكانة التي يجب أن تحتلها لا غير في أعمال بن هدوقة.‏

المرأة والأرض والمستقبل, وكل قضايا الحياة هي مركز اهتمام بن هدوقة, ولكن بأي لغة؟ حيث لا حياة دون لغة, يقول عنه الناقد الفرنسي جلبير غراند غيوم: "أكد في أعماله على تعلم اللغة العربية بحذر وبطريقة جد حكيمة.‏

بين التعريب والتغريب‏

الاستعمار ورواسبه أرغم, في نظر ابن هدوقة, المواطن الجزائري على أن يعيد النظر في لغته بكل حيثياتها الثقافية والسياسية وهو يدرك أن معركة جديدة تفرض نفسها عليه. معركة تبتغي إبراز لغة عربية حديثة تلامس الحياة اليومية وتعرف أن تتحدث عن الغد, ولا تكون حاجزاً دون الآخر ولا أمامه, لهذا لا يرى بن هدوقة أن مشروع التعريب في الجزائر قد أخذ سبيله الثقافي الفعلي بل يعطيه طابعاً سلبياً ذلك أنه في نظره لم يكن سوى تعريب سياسي, فليس من السهل أن يخرج المواطن من أدغال الاستعمار ومخلفاته ليدخل في معركة عربية دون الإلمام بكل جوانبها السياسية والثقافية ويجب أن تكون لغة عربية حديثة, تأخذ بعين الاعتبار حياة اليوم والغد وأن لا تكون حاجزاً آخر أو أمام الآخر مهما كان.‏

أما التعريب فكان يرى أنه تعريب سياسي أكثر منه ثقافي أريد له أن يكون دون مراعاة للمعطيات الثقافية الحقيقية ودون تهيئة الجو المناسب له فعلاً, ودون أن يكون قضية في أيدي أناس مدركين لمشكلته وقادرين على تهيئة الأجواء المناسبة للدخول في عملية التعريب "بتؤدة". وهكذا قد أسيء إلى العربية والكاتبين بها وخلق شرخاً وأعطي سلاحاً لأعدائها لكي يصفوها بالتخلف وعدم استيعاب التقدم التكنولوجي والصناعي, وكانت آراء بن هدوقة في هذا الموضوع جلية, ولكنه لم يكن متعصباً مثل بعض أقرانه فهو "يعتبر لغة الكاتب هي وطنه". إلا أن الظروف التي تعرضت لها الجزائر غيّرت مجرى هذا المفهوم, والأدب عنده لا يتميز باللغة ـ في هذه الحالةـ بل يتميز بالهموم التي يعالجها, "ولذلك فالجزائر بحاجة إلى كتابها باللغتين العربية والفرنسية, لأن هاتين اللغتين هما اللغتان اللتان صنعتا الأدب والثقافة الجزائريين, ففي أيام الاستعمار لم نكن نعتبر اللغة حاجزاً, والهدف كله كان التخلص من الاستعمار "فالكتابة قيم إنسانية يحملها الأدب الذي هو عمل خاص وبناء لحياة الأمة".. ولابن هدوقة موقف واضح من المثقف الجزائري الذي كان دائماً يفكر من داخل السلطة الجزائرية, "وهي لم تكن تقيم أي وزن له لأنها ليست مثقفة, ولأنها لا تقرأ والقاعدة القارنة لم تكن تشكل لها في جزائر السبعينات (قضية التعريب), أي وزن "فهم الحكام كان ولا زال السلطة والمسؤولية, والسلطة كانت دائماً أجنبية عن الثقافة.‏

فالمثقفون, حسب بن هدوقة, لم يلموا شملهم, واتحاد الكتاب الجزائريين كان جزءاً من السلطة وكان يضم شلة صغيرة تخدم الحكم بشكل أو بآخر, والسلطة الجزائرية خلقت مجموعات ثقافية غير متجانسة وليس من السهل انطلاقاً من هذا الواقع الأليم توحيد الكتاب الجزائريين, نظراً لهذه السلطة والتشتت الذي عاشوه وعايشوه.‏

أما اللغتان الموجودتان في البلد, رغم مرور أكثر من 30 سنة على الاستقلال, فيرى بأنهما "كانتا لغتي تناحر وتباعد, ولم تكونا لغتي تقارب وتبادل وتحاور". وهذه إحدى الإشكاليات العويصة التي زادت واقع الجزائر بؤساً وهمّاً "أنا أشجع اللغتين ولا أعني بذلك تفضيل الكاتب باللغة الفرنسية على الكاتب باللغة العربية, لكن ما أشجعه هو التبادل والتفاهم والتحاور العقلاني المنطلق من الواقع الجزائري ومن قراءة متأنية لتاريخه وحاضره ومستقبله.‏

المهم بالنسبة إلى عبد الحميد أن تخدم اللغة الجزائر وشعبه وأن تجعل منه بلد الصدارة الثقافية كما كان بلداً للتحرر حيث أعطى بذلك أمثلة كثيرة وبطريقة أو بأخرى يريد بن هدوقة من المثقفين أن يكونوا وطنيين يخدمون مصلحة شعبهم لكنه يعرف بأن هذا النداء ما هو إلا أمنية, لأن الواقع الجزائري متشابك وذو سلطة أمنية وهي التي تقف في وجه الثقافة, بل ربما يساعد بعضهم هذا الوضع لأنه لو لم يوجد لما وجدوا هم أنفسهم على رأس بلد المليون ونصف المليون شهيد.‏

رجل حوار‏

كان عبد الحميد متتبعاً ومحللاً, له وجهات نظر حرة تؤمن في النقاش والإيمان والقيم الحضارية للشعوب وبخاصة أن الجزائر عرفت تجربة كبيرة وناضلت من أجل التحرير وجاءت بالاستقلال "تم حصولنا على هويتنا: جواز سفرنا, وطننا, لقد أصبحنا رجالاً ونساء, وفكرنا أننا سننسى بلدنا ونساعد الآخرين في تحرير بلدانهم ـ لكننا لم نفكر أن التخلف الثقافي سيفرض نفسه ويصبح عائقاً كبيراً".‏

بعد الاستقلال قبل بعضنا بالانقلاب السياسي, ومن هنا قبلنا أن نكون مسيّرين...؟!‏

أي أن الحلم الذي كان ينتظره الجزائريون تبدد ولم يدم طويلاً, وإذا بالأبوة السياسية والاجتماعية والاقتصادية توجه الشعب الجزائري وتفكر مكانه (!) وبهذا يكون المواطن الجزائري قد ضيع حريته وأمله وربما حتى مستقبله, لأن الجزائر في نظر بن هدوقة أصبحت بلد الماضي, وليست بلد حلم "بلد الكوابيس وليست بلد الهدوء, إنها بلد التمزيق...." وبما أن الكاتب هو قبل كل شيء: مواطن يعيش أوضاعه وأوضاع الآخرين, وما يميزه عن الآخرين هو أنه "ملاحظ ومحلل ومتنبىء" وبالتالي يكتب ما يعايشه ويراه بشكل أو بآخر حتى يعكس الواقع, وهكذا تطورت الأوضاع حتى "أصبح الجزائري يعايش ويتعايش مع الموت, وأصبح اللانظام يطلق عنانه في المكان والمدينة وفي أرجاء الوطن, فأصبح الإنسان يخاف من أخيه ومن صديقه ومن جاره وأصبح الشيء الذي يخاف منه المثقف, وغيره, هو الموت أو انتظار الموت" إنه موت قبل الأوان وقبل الوقت, لكن لماذا وصلت الجزائر إلى هذا اللانظام؟ يقول بن هدوقة:"ومن جاء بهذا الإسلام المحنط الذي قتل فكرياً وجسدياً الآخر لكونه لا يفكر مثله وليس من مدرسته الدينية" فأي دين هذا الذي يتكلم به القاتل؟ فهل أمر الدين بالقتل؟ كلا, إن لهذا الواقع السياسي دوراً أساسياً لأنه هو الذي أوصلنا إلى هذه النتيجة, السياسي بكل أنواعه, المعارض والحاكم, فقبرك هذا الجحيم الذي تعيشه الجزائر. "ولسنا بشراً إن كنا غير أحرار" وعلينا أن "ندافع عن حرية الإنسان أين وجدنا, حتى في المنفى الذي لا يجب أن يتركنا ننسى أوضاع بلداننا" والمثقف يجب أن يكون نزيهاً في تحليله لهذا الواقع وأن "يتحلى بالأخلاق والصدق" وأن لا يكون مجرّد مكبر صوت يعكس ما تمليه عليه السلطة خصوصاً في الظروف الراهنة.‏

الجميع مسؤولون‏

لا غلوّ في موقف بن هدوقة من الواقع في تحليله للإشكالية الجزائرية, فهو يلقي المسؤولية على كل الناس وبالأخص على السلطة! وعلى المثقف والمعارضة.‏

لماذا وصلنا إلى هذا الدمار الثقافي والاجتماعي, ولِمَ وصلنا إلى هذه النتيجة السيئة؟ "لا يوجد أي شعب يستحق العذاب والنكبات, والجزائر لا تستحق هذا الجبروت الديني أو أولئك الطغاة" إنها لمأساة عايشها بن هدوقة وحللها بصدق, وكانت صيحاته من قلب إنسان يتألم من وضعه الشخصي كإنسان حلم بغد أفضل, وكمواطن أصيب بمرض عضال, أسكته عن الحياة يوم 12 تشرين أول ـ اكتوبر ـ 1996, وأصيب بدنه بسرطان خبيث, كيف المخرج؟ وهل "هذا هو أفق الصبا والشباب؟ لا, إنه قدر محتم ومظلم ومملوء بالأحزان والأتعاب" يختلط العنف بالأمل, لكن الواقع الأليم يفرض نفسه "والمجزرة مستمرة ولا أحد يعرف من يقتل الآخر؟ سوى أن المتهم إسلامي (!) جاء بدين محنط مستورد يفتي بالموت والتهديد.‏

حضور التراث‏

استوحى بن هدوقة أموراً كثيرة من التراث وضمها بشكل حديث في أعماله الأدبية وتصدى بكل شجاعة للظروف التي مرت بها الجزائر, وأعماله الروائية سلسلة من الصيحات ضد العادات والتقاليد من أجل حداثة راقية لا تتجاهل الماضي الذي هو جزء من فكرنا وحياتنا, لكن لا يجب أن يكون هذا الماضي هو المطرقة التي نحكم بها مستقبلنا, كما لا يحق للكاتب أن يأتي بصور للجزائر من شوارع باريس أو لندن, بل من الواقع الجزائري اليومي, أدان التطرف والتعصب والإرهاب بكل أنواعه, وسجل في عمله الروائي "غداً يوم جديد" شهادة تكلم فيها عن الثورة الأطفال "الذين ولدوا على الرغم من آبائهم, وليس بالإمكان أن يسكتوا إلى الأبد على الأكواخ القصديرية التي بنتها لهم قصور الاستقلال" وهي رواية يخاطب فيها الذاكرة التي غيبت في الجزائر, والبطلة العجوزة مسعودة "أرادت أن تتكلم بعد صمت طويل وذلك منذ بداية انتفاضة تشرين أول ـ أكتوبر ـ 1988 لتقوم بنقد ذاتي مقارنة أحداث ماضي البلد بمستقبلها المجهول السائر نحو الغموض وذلك بالحديث عن تجربتها الخاصة كجزائرية عايشت مسيرة البلاد.‏

يقول الروائي في حوار بين السارد والبطلة ما يلي:‏

"لو سألتني من تحب؟‏

أقول لها: حلماً‏

أضاع أحلامه!‏

لو سألتني: ما الزمن؟‏

أقول لها: شريط فارغ, قبل قصتك؟‏

لو سألتني: كيف كانت اليقظة؟‏

أقول لها: مرّة!‏

لو سألتني: كيف كانت قصتي؟‏

أقول لها: الطريق الذي أوصلني من الدشرة (القرية) إلى المدينة صار أدغالاً‏

يعمرها قطاع الأحلام.‏

لو سألتني: أين تحيا؟‏

أقول لها: في المدينة والرأس ما زال قروياً. والقرية اندثرت!‏

لو سألتني: وما جنت به عليك المدينة؟‏

أقول لها: اعتدت على شرف طفولتي كما اعتدت على شرف شبابك القروي!‏

أصبحت شيباً ـ واعذريني ـ أروقة لممارسة الفاحشة عن براءة وطهر روحي‏

وأصبحت أنا سوقاً سوداء‏

أبيع الكلمات...‏

من يشتري الكلمات! من يشتري الكلمات" (ص561 ـ 661 من الرواية)‏

آمال وخيبات‏

إن مسيرة عبد الحميد مليئة بالآمال والخيبات وهي تعكس مسيرة الجزائري الذي عايش الحلم والتغيير ثم رأى كل شيء يتبدد رويداً رويداً, وعبر عن ذلك في أعماله المتنوعة حتى قال عنها النقاد: "إنها اجتماعية, وواقعية صافية, وفيها شيء من الرومانسية, والوجودية, وإنها لا تخلو من الشاعرية والرمزية, وهناك من جعل الروائي واقعياً نقدياً يتسم بوضوح الرؤية تارة وقصورها تارة أخرى".‏

صدرت لعبد الحميد بن هدوقة الأعمال الآتية:‏

1 ـ الجزائر بين الأمس واليوم, دراسة نشرت تحمل اسم وزارة الأخبار للحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1959.‏

2 ـ ظلال جزائرية (مجموعة قصص) نشرت في بيروت عن دار الحياة سنة 1996.‏

3 ـ الأشعة السبعة (مجموعة قصص) صدرت في تونس عن الشركة القومية للتوزيع والنشر سنة 1962.‏

4 ـ الأرواح الشاغرة (ديوان شعر) صدر في الجزائر عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1967.‏

5 ـ ريح الجنوب (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1971.‏

6 ـ الكاتب وقصص أخرى (مجموعة قصص) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1974.‏

7 ـ نهاية الأمس (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1975.‏

8 ـ بان الصبح (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة1980.‏

9 ـ الجازية والدراويش (رواية) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1983.‏

10 ـ قصص من الأدب العالمي (مجموعة قصص ترجمها الكاتب واختارها من الأدب العالمي, صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1983.‏

11 ـ النسر والعقاب (قصة للأطفال بالألوان) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1958.‏

12 ـ قصة في ايركوتسك (مسرحية سوفياتية مترجمة) صدرت في الجزائر عن الشركة نفسها سنة 1968.‏

13 ـ دفاع عن الفدائيين (دراسة مترجمة عن عمل قام به المحامي قيرجيس) نشرت في بيروت سنة 1975 وسلمت هذه الدراسة إلى منظمة التحرير الفلسطينية.‏

14 ـ غداً يوم جديد (رواية) صدرت في الجزائر سنة 1992 في بيروت عن دار الآداب سنة 1997.‏

15 ـ أمثال جزائرية, صدر في الجزائر, عن الجمعية الجزائرية للطفولة سنة 1993, يخاطب فيها الجيل الجديد الذي يبحث عن تاريخه وهويته الثقافية الشعبية الحية والغنية في تراثه. "أود أن أعترف من خلال عملي هذا بالتقاطع والتشابك والتداخل الثقافي بين مختلف الجهات الجزائرية وبين الأدب الشعبي والأدب العربي".‏

شارك بن هدوقة في الندوات الثقافية والفكرية وهدفه كان التعريف بالأدب الجزائري بكل أشكاله, كما ترجمت أعماله إلى لغات عدة مثل روايته "ريح الجنوب" ترجمت إلى الفرنسية, الألمانية, الهولندية, الأسبانية, البولونية, السلوفاكية, الروسية, الصينية, الصربية, والتشيكية, أما روايته "نهاية الأمس" فترجمت إلى الفرنسية والهولندية والصربية ـ كما ترجمت روايته "بان الصبح" إلى الفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية... الخ.‏

وترك الكاتب مئتي تمثيلية ومسرحية إذاعية لم تنشر, كما وله مجموعة من الدراسات الثقافية ومجموعة من القصص والقصائد الحرة الجديدة التي لم تنشر بعد.. وهل سينشر منها شيء ذات يوم!؟.‏

هكذا كتب عبد الحميد بن هدوقة في الشعر والقصة والرواية والدراسات الأدبية وترجم أعمالاً مختلفة إلى اللغة العربية, وكل هذا الجهد مساهمات ذات دلالة كبرى تعبر عن اهتمامات الكاتب المتنوعة, ويجمع النقاد على أن الرواية "ريح الجنوب" "كانت بمثابة الميلاد الحقيقي لفن الرواية في الأدب الجزائري المكتوب باللغة العربية, بعد محاولات سبقته كانت بدأت في نهاية الأربعينات مع الشهيد أحمد رضا حوحو, وهو صاحب المكانة المرموقة في فن القصة القصيرة والمسرحية مع محاولة محتشمة في الرواية, وعلى الرغم من محاولات رضا حوحو وغيره إلا أن الرواية بمقاييسها ومواصفاتها الحديثة لم تظهر إلا مع صدور أعمال بن هدوقة والطاهر وطار في نهاية الستينات" ولا أحد يستطيع أن يتكلم عن الرواية العربية الجزائرية ويتجاهل هذين الاسمين, والذاكرة الجماعية والهموم التي عايشتها كانت موضوعات الأعمال الأدبية والروائية الجزائرية وكانت همومها الاستثنائية التي عالجتها, وانتقلت غنائيات هذه الأعمال إلى تمجيد الإنسان الشعبي, بطل العصر الجديد, وكانت تريد تخليد البطولة الشعبية التي هي "تخليد لإنسانية الإنسان...", ويظل بن هدوقة وجهاً من وجوه الرواية الجزائرية المميزة والذي دفع إلى الوجود كفن له مقوماته وفنونه, وعالج من خلاله مأساة وآمال شعبه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244