|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
رشيد ـــ إيهاب معروف (1) مع دقات الساعة التاسعة مساء كان يقول لها: ـ يجب أن نترك يافا با بهيرة... قالها وكأنه يقول شيئاً عادياً, لم يشأ أن ينظر إليها كان يعرف أن نظرة عينيها الآن تختصر حزناً ومرارة كبيرين. الحزن والمرارة اللذان تسببهما تلك الكلمات التي تهوي في الصدر كما تهوي شمس حزيران على الرؤوس. ـ كيف؟ ألم تقل إن العرب سيسحقون اليهود لأنهم أكثر قوة وإرادة وتنظيما؟ قالتها بسخرية استوعبت كل واقع الموقف, ثم تابعت: ـ ألم تصدق تفاهات الراديو وتجعلني أصدقها معك يا رشيد؟ ما أسهل أن تعيش الحلم! بدت الحيرة على وجهه.. "غدا با بهيرة, أو بعد غدٍ, أو في اليوم الذي يليه, لا يهم... المهم أننا سنهزم اليهود ونهزم بريطانيا هذه معهم, يقولون في الراديو إن العرب يحرزون تقدماً باهراً, وإنهم سيصيرون غداً على أبواب القدس!" "وتضحك له, وتعانقه... آلمته الذكرى, ولم يعرف ما الذي سيقوله لها, فصمت صمتاً أبله. ـ اليوم يا رشيد... اليوم؟ اليوم تريدني أن أعيش واقع الهزيمة بعد أن غرقت في حلم النصر؟ أراد أن يكسر صمته الغبي, فقال بعصبية: ـ لا أريدك أن تعيشي أي واقع, بل أريد أن نخرج من هذه المدينة التي ستصير جمرة من الجحيم المغموس بالنابالم بعد أسبوعين على أبعد تقدير! لم تكن تريد هذا, لم تكن تريد أن تترك البيت ليرتع فيه يهودي اسمه شمعون أو أرئيل أو أي اسم جهنمي كان! قالت له هذا الكلام, فأجابها: ـ هذا أفضل من أن يرتع في بيتنا بعد أن يقتلنا! ـ هل هذا حقاً أفضل؟ إذا كان ما تظنه يا سيد رشيد فإني لا ألومك لقرارك! "هل هذا حقاً أفضل؟".. حاول ألا يفكر بكلامها كثيراً كيلا يقتنع به, فقال بسرعة: ـ ما الذي تريدين أن نفعله إذاً؟ نشرب القهوة وننتظر قدومهم, وحين يأتون نقول لهم: "لقد انتظرنا قدومكم طويلاً... تفضلوا واقتلونا.."؟ أهذا ما تريدينه لنفسك وزوجك وابنك؟ ابنك يا بهيرة؟ ابنك علي! كان علي لم يتم سنته الأولى بعد... (2) مضى أسبوع على ذلك اليوم, ولم يحدث شيء. ولكن بعد ظهر اليوم الرابع من الأسبوع الثاني, أفاق رشيد وزوجه من نومهما على أصوات طلقات المعارك الأولى, كان الرجال في التلال قد بدؤوا القتال, بدؤوا الموت. في الواقع كانوا مؤخراً وليس مانعاً لليهود عن القرية. وكان دورهم البطولي القتال حتى تضيع الأنفاس مع أنهار الدم, وقبلها تكون البنادق قد أضحت مجرد أفواه فارغة. كان هدف قتالهم منح فرصة للمزيد من العائلات للهرب بالقوارب. "لمَ لست معهم, أيها الجرذ التافه عديم النفع؟ أنت بالفعل مجرد جرذ لا عمل سوى الخوف على نفسه وابنه وزوجته! إن كنت خائفاً على هؤلاء أيها الكلب, لَم لست معهم في التلال؟" طفق يفكر بينما أخذت الطُرُقات تتحول إلى أخاديد جمرة تموزية مغموسة بنار المورتر والنابالم التي انفجرت أصواتها كما تنفجر الصيحة عن حلق ديك ماجن! امتلأت الطرقات بالناس الخائفين, أخذوا يركضون باتجاه البحر. كان خلاصاً, حياةً جديدة, كان آنذاك, أجمل الأشياء في الكون! ارتدى رشيد وزوجه ثيابهما, واندفعا إلى الشارع كمجنونين,و أخذا يركضان مع كوم الناس باتجاه البحر. "كما قال عمي أبو سمير: لا تحبوا يافا كثيراً, أنتم أبناء الجيل الشاب! سيأتي اليوم الذي سنخرج فيه منها جميعاً!.... عمي أبو سمير!" لمع الاسم كبرق أصاب رشيد, وغسله بمفاجأة صادمة! ـ عمي أبو سمير! سأذهب لأراه, لن يستطيع السير هذه المسافة! ـ آتي معك! ـ وعلي؟ ولكي لا يعطيها الفرصة لتأتي, تركها مسرعاً واختفى في السيل المندفع باتجاه البحر الخلاص. أخذ يدافع السيل بكل القوة التي منحها إياه الله, والتي لو منحها لثور لفجرت جسده, وبهذه القوة خرج من السيل إلى شارع الوفاء, أخذ يعدو نحو آخر الشارع حيث يقطن عمه أبو سمير, صعد الدرجات العشرين بلمحة بصر. أخذ يدق الباب بجنون. وحين فقد الأمل بأن يفتح له العم, كسر الباب بجنون أكبر. دخل غرفة النوم: سرير مرتب ونافذة مفتوحة على الجحيم. وأما الصالة فلم يكن فيها شيء غير اعتيادي سوى غياب العم: صورتا سمير الشهيد وأمه التي توفيت عندما ولدته في مكانيهما. الراديو المفتوح دائماً ينطق بتخاريف عن النصر والجهاد... (3) إن شيئاً كالشلل أصاب رشيداً عندما دخل حمام بيت أبي سمير: مرآة مكسورة, شخص مستلق براحة مفزعة, يسبح ببحر من الدم منبعه ساعد قد غرست فيها قطعة زجاج حادة. "يبدو أننا سمعنا نصيحتك يا عم... أما أنت, فكان دمك يافا, طعامك يافا, حياتك يافا, حتى إن موتك حب ليافا! يجب أن أدفنه! أحتاج نصف ساعة لأبلغ مقبرة الشهداء, ونصف ساعة لأعود, وساعة لأدفنه. ليكن! لن تنطلق القوارب قبل ساعتين بكل الأحوال". دفن رشيد أبا سمير تحت التراب والعرق والدمع. "ابكاك أبو سمير يا رشيد! لا بل أبكاك اليهود! كان الأجدر بك أن تنزف الدم فوق التلال بدلاً من أن تنزف الدمع فوق القبر!". (4) بدأ رشيد رحلة عودة مجنونة للبحر. كان يركض كمن أضاع شيئاً, كان بالفعل قد أضاع شيئاً وبعد ساعة إلا ربعاً من الركض اللاهث, وصل إلى البحر. وصل متأخراً! لمح القوارب تبتعد. قفز إلى البحر كأن شيئاً قد وخزه. أخذ يسبح نحو القوارب كسمكة جريحة تنتفض من الألم. "هيا يا رشيد, هيا! إن البحر من تحتك عالم سحيق من الموت. لا تترك نفسك عرضة له. بدأت تقترب! نعم! هيا!". وصل أخيراً إلى القوارب. أخذ يصيح: "بهيرة! بهيرة!". رد عليه صوت أحس أنه لملاك: "هنا! هنا!". قاد نفسه نحو الصوت, ورأى بهيرة فوق أحد القوارب. رآها أجمل من قبل جميلة كأول مرة لقيها فيها, أخذ يسبح نحو القارب. "نشرت القهوة بانتظارهم ليقتلونا", تردد صوتٌ عنيفاً في أذنيه. أخذ يزداد عنفاً, ويزداد معه جسم رشيد انتفاضاً وتشنجاً. "عجوز يسبح بنهر من الدماء أفضل ألف مرة من شاب يسبح في البحر بعد أن رفض أن يموت على التلال وفضل أن يبتلع الذل مع الملح!". يزداد الجسم تشنجاً, ويسري فيه الخدر قاسياً, قوياً. يكاد يصل إلى القارب. تمتد له يد. "مد يدك! غلبك الخدر؟ كان الجدير به أن يهزمك برصاصة فوق تل من تلال المدينة التي غادرتها كي تنتظر اليهود في مكان آخر". يصعد الخدر إلى رأسه, ويسقط رشيد في البحر. في ذلك العالم السحيق من الموت. وكانت آنذاك تنطلق دقات الساعة التاسعة.... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |