جريدة الاسبوع الادبي العدد 1004 تاريخ 29/4/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قضية قيد التحقيق ـ قصة ـــ علي ديبة

شتم وسبَّ, تفَّ مِنْ فمهِ, صرخ بأعلى صوته:‏

ـ يسع جوف الإنسان جعيلة متبلة, كيف لا يسع كلمة قد تجره من عنقه إلى المحاكم؟‏

جمعته بمحمود الشاهد صحبة متينة بعض الشيء, صداقة تخللها احترام وود وقليل من المزاح, لا يعكر صفوها عرض, أو أرض ولا مال, حرصَ كلٌّ منهما على رضا الآخر, واستشعر راحته, فلا يأتي أحدهما بما يرمي حجراً في سِكْرِ صاحبه, مع ذلك قُطِعَتْ حبال المحبة بينهما, وآلت إلى نهاية لا تحمد عاقبتها.‏

ألقى رأسه المتعَب على مسند كرسيه, أغمض عينيه, ترك زحاماً من الأسئلة اللائمة ينزاح في فضاء من حيرته, لماذا يا محمود؟ أين هي صحبتنا؟ ألهذه الدرجة هان عليك الخبز والملح؟ تنهد ملء رئتيه, زفَرَ من أعماقهما أنيناً موجعاً, ماذا يفعل؟ غداً موعد المحاكمة, غداً يقف بين يدي القاضي, ماذا يقول له؟ هل يذكر الحقيقة ويتنكر لفعل قام به؟ وإن فعل هل يقسم اليمين فراراً من عمل هو مسؤول عنه؟‏

قبل أيام أربعة, أسلمه محْضِر المحكمة بلاغاً, تحدد فيه موعد المحاكمة.. كاد لا يصدق ما تقرؤه عيناه: المدعي محمود الشاهد, المدعي عليه: عابد شيخ الطبل, وموضوع الدعوة: ارتكاب جناية عن سابق إصرار وتصميم, قشعريرة باردة سرت بين كتفيه, ثقل أمسك بمفاصل قدميه, كلُّ شيء بدا بعينيه باهتاً ورمادياً, الأرصفة والمارة, أبواق السيارات والزحام, إنها المرة الأولى التي يقف فيها متهماً أمام العدالة, سابقة صعبة, لم يفكر بها من قبل, أو تخطر على باله حسابات مشابهة لهذه الحسابات...‏

خرج صوت من أعماق روحه, لامه مؤنباً: لو أنك أحسنت اختيار أصدقائك لما كنت الآن ترتعش كطائر جريح, محمود الشاهد لا يستحق أسفاً تندم عليه, ولا حزناً موجعاً على أيام احتضنتكما سويعاتها الفرحة, كيف نسي ما كان بينكما من عهود المحبة؟ كيف تلاشت مودته, واهتزت أركانها عند أول هبة من ريح الحياة الساخنة؟ فدفع بك إلى مكان لا يرتاده سوى الخصوم والقتلة والمجرمين...؟‏

صخبت أمواج الحيرة في رأسه, ماذا يفعل؟ كيف يصل بمن كان صاحبه إلى قناعة تعيده إلى رشده؟ فكر بوسيط يجمع بينهما, وسيط يحمل اعتذاراً يعيد بعض الصفاء إلى سمائهما العكرة..‏

احتل وجه المختار مساحة ذاكرته, لِمَ لا؟ المختار رجلٌ شهمٌ, يحبُّ الخير ويسعى إليه, كلمته كلمة, لا يجوز إهمالها أو تجاهلها, يحترمه الكبير والصغير من أهل الحي وسكانه. قد يتمكن من أبعاد المشكلة, ويصل بين خيوط قطعتها حراب فرضت نفسها عليهما.‏

رمى المختار هدوءاً واتزاناً يتحلى بهما, ضحك مقهقهاً كما لم يضحك من قبل, مسح دمعه بباطن كفه, قال للرجل:‏

ـ رحم الله والدك, هو الآخر كان صاحب طرفة, لكنك سبقته مسافات بفعلك هذا.. لا أدري ماذا أقول لك؟ مهمتي لن تكون سهلة مع صاحبك.. ابن الشاهد رجل صعب المراس, عنيد, يصعب معه استبدال قناعة تحتاج إلى تبديل.. انتظر مني هاتفاً عقب زيارتي لبيت الشاهد.‏

أحس عابد شيخ الطبل بدمٍ حارٍ يتقِّد في عروقه, غداً موعد المحاكمة, والمختار لا صوت له ولا خبر, أحس بخيبة تهدم ما بقي في نفسه من حيطان الأمل.‏

نظر إلى الهاتف نظرة حملت في معانيها احتقاراً لم يشعر به من قبل, أمضى يومين قابعاً إلى جواره, ينتظر رنيناً يحمل إليه خلاصاً من مأزق يشلُّ ثلاثة أرباع تفكيره, تساءل ممتعضاً:‏

ـ لماذا يا مختار؟ أين هو وعدك؟ أم لعلك نسيت مشكلتي واكتفيت بما هو مضحك منها؟ حين أراك لن أسألك عما جرى, لن أعاتبك على وعد قطعته على نفسك, سوف أسألك عن شرف الكلمة, وأطلب منك تفسيراً لمعنى لن تصل إليه معارفك الباهتة البالية..‏

حملته ذاكرته الغاضبة إلى وجه المختار, استحضرت شاربه المعقوص إلى الأعلى, تمنى لو يمسكه به ويجره منه قائلاً: من ينسى كلمة أو وعداً, ليس من حقه ترهيب الناس بمثل هذا الشارب..‏

نهض ابن شيخ الطبل من مكانه, أمسك بسماعة الهاتف, أدار قرصه مرة, مرتين, ثلاث مرات, ثم أعاد السماعة إلى مكانها. مشى على أرض الغرفة ذهاباً وإياباً, تخيل نفسه واحداً من تلك الضواري, التي رآها حبيسة أقفاصها في حديقة الحيوانات, لماذا لا يطلق عنان غضبه الآن, ويصب ما يريد قوله في أذن هذا الدجّال وليكن بعدها الطوفان؟‏

هكذا بقي عابد الشيخ الطبل بين كرٍّ وفر, بين إقبال وإدبار, اختلطت مشاعره وأحاسيسه, حتى لم يعد يقوى على مواجهةٍ تعيد إليه بصيرة, صار في أشد الحاجة إليها.. في بحرٍ من شتات روحه واضطرابها, حمل إليه صوت جرس الباب بعضاً من سفنه الغارقة. جلس المختار. رمى يمين جسده فوق دكّة بجانبه, قال وهو يفتل طرف شاربه:‏

ـ ابن الشاهد مصر على إدعائه, يعتقد أنك السبب في عقمه وعدم إنجابه.. أنصحك باستشارة واحد من المحامين البارعين..‏

لم يغمض جفن لابن الطبل, ظلت الأسئلة تراوده حتى الصباح, لماذا فُصمت تلك الأواصر الحميمة بينه وبين صاحبه؟ أين هو الوفاء لذكريات الأيام؟ كيف وصل به مزاجه إلى هذا المفترق الصعب... أخيلة تراءة أمام باصرته, قوس المحكمة, القاضي ومطرقته الفاصلة, نداء المتخاصمين بأسمائهم.. بحث عن وجه صاحبه بين تلك الحشود, نظر في عينيه, تمعن بحاجبيه, هذه الملامح ليست ملامحه, الثغر منقبض, الفك متراجع, تمتم قائلاً: لا أظنه صاحبي الذي أعرفه؟‏

نظر القاضي في ملف بين يديه, قلّب صفحاته, زمّ شفتيه, كتم ضحكة كادت تنطق بما يعتمر نفسه, سأله مختصراً:‏

ـ قل لي يا عابد كيف ولماذا أعطيت صديقك مثل هذا الدواء؟‏

وقفت الكلمات في حلق المدعى عليه, هل يعترف بالحقيقة كاملة أم يتنكر لبعضها؟ هل يتفهم القاضي دعابة ولدت من رحم تلك اللحظة؟ أم يدينه ويقيم عليه الحد؟ شجعته ابتسامة رسمها القاضي بين عينيه, أجابه صادقاً:‏

ـ بعد زواجه بأسبوع, دعوته مع عروسه إلى عشاء في منزلي, لم يرحم بطنه, أكثَرَ من الطعام والشراب, وجع صعب نال منه, سألني حبة تخدّرُ آلام رأسه. قلبتُ صيدلية بيتي رأساً على عقب, لم أجد فيها ما يضع حداً لآلام صديقي, فأعطيته حبة مانعة للحمل, دواء تستخدمه زوجتي, فعلت ذلك يا سيدي على سبيل الدعابة والطرفة, وليس بقصد إضعاف قدرته على الإنجاب كما يدعي.. والمهم فيما جرى يا سيدي, صاحبي الذي اتهمني تهمة باطلة, ويصلبني الآن أمام محكمتكم الموقرة, قد شفيت آلامه, وعاد الصفاء إلى رأسه أكثر من ذي قبل..‏

بين دفاع ودفاع, وملف, وتقرير, ومذكّرة, كاد القاضي يدفع بالمتهم عابد شيخ الطبل إلى خلف القضبان, لولا أن الله أنعم عليه بالفرج, حين أنجبت زوجة صاحبه محمود الشاهد توأماً من الصبيان الذكور..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244